Category Archive: شخصيات من الكتاب المقدس

دانـيـال النبى

وُلِدَ دانيال عام 619 ق.م في اليهودية وقد يكون وُلِدَ في أورشليم نفسها، من سبط يهوذا (دا 1: 6) من أبويْن يهودييْن تقييْن، ظهرت تقواهما في الاهتمام برعايته في طفولته، فنشأ يحب اللَّه ويتمسك بوصاياه، مهما كانت صعوبة الظروف المحيطة به، والتي كانت تحاول إبعاده عن اللَّه، كما سنرى أثناء حياته في السبي.

معنى اسمه “اللَّه قاضي” وهذا ظهر في قضاء اللَّه على شعبه بالتأديب في السبي البابلي، ثم قضائه لهم بإرجاعهم من السبي بعد سبعين عاماً؛ لتوبتهم ورجوعهم إليه. وكان دانيال صوتاً قوياً للَّه يعلن الحق وقضاءه بكل شجاعة أمام الكل، حتى أمام أعظم وأقوى رجل في العالم وقتذاك، وهو نبوخذنصر ملك بابل.
كان دانيال من النسل الملكي، أو على الأقل من أشراف وعظماء اليهود (دا 1 : 3)، لأن نبوخذنصر عندما هجم على اليهودية وأخذ آنية بيت الرب في السنة الثالثة لملك يهوياقيم، أخذ أول فوج من المسبيين إلى بابل. وكانوا من أفضل الشباب والرجال الموجودين في اليهودية، فيذكر الكتاب المقدس أنهم كانوا حسان المنظر ومملوئين من الحكمة والذكاء، فيستطيعوا أن يقفوا أمام ملك بابل ويخدمونه، أي متميزين في فهمهم وقدرتهم على الكلام والتعبير وتحمُّل المسئولية والقدرة على إدارة الأمور، بالإضافة إلى حُسن المنظر (دا 1 : 4).
كان الجو المحيط بدانيال في طفولته جواً روحانياً، إذ كان يُوشِيَّا الملك الصالح يحكم مملكة يهوذا، الذي وجد نسخة من الشريعة في الهيكل، بينما كان يقوم بترميمه. وقدّم توبة هو وشعبه وعمل عيد الفصح وقام بإصلاحات روحية كثيرة، فتمتّع دانيال بهذا الجو الروحي المُشجِّع، ولعله تأثر بالأنبياء السابقين له مثل إشعياء وإرميا وعاموس وهوشع وميخا.
عندما بلغ دانيال العاشرة من عمره قُتِلَ يُوشِيَّا الملك في معركة مجدو على يد نخو ملك مصر وملك ابنه يهوآحاز الشرير، الذي حكم لمدة ثلاثة أشهر وملك بعده يهوياقيم أخوه الذي سار في الشر. فتضايق دانيال لانتشار العبادات الوثنية أيام يهوياقيم، بعد أن كانت مملكة يهوذا قد تخلّصت منها على يد يُوشِيَّا. فجعلته هذه الظروف الصعبة يتمسك باللَّه وشريعته، ولعلّ أمه كانت عاملاً مساعداً قوياً في هذا الأمر، كما كانت أم موسى عاملاً هاماً في تربية موسى وتمسّكه بالإيمان.
لمَّا بلغ دانيال الثالثة عشرة من عمره كان قد تملّك نبوخذنصر الملك العظيم على مملكة بابل، فهاجم بلاداً كثيرة، منها مملكة يهوذا وأخذ بعض آنية بيت الرب من هيكله في أورشليم وسبى الفوج الأول من اليهود وهم أفضل الشباب ومنهم دانيال مع بعض أشراف اليهود ونقلهم إلى بابل. وهناك تم فحصهم، فأُختير دانيال بواسطة “أشفنز” رئيس الخصيان؛ ليكون من صفوة الشباب الذين سيُعَدّوا إعداداً خاصاً في مدرسة الحكمة لمدة ثلاث سنوات؛ ليقوموا بعد هذا بخدمة الملك (دا 1: 3-5). كان نبوخذنصر واسع الحكمة، فاهتم بإعداد أفضل الشباب من كل بلاد العالم التي استولى عليها؛ ليرتفع بمستوى إدارة مملكته، ويحقق نجاحات عظيمة، فأسس مدرسة داخلية للحكمة، يقيم فيها الشباب المختار إقامة كاملة لمدة ثلاث سنوات، يتعلمون فيها الحكمة.
كانت فكرة هذه المدرسة هى إبعاد الشباب عن قوميتهم؛ بجذب قلوبهم لمحبة بابل العظيمة وتعليمهم اللغة الكلدانية، بل تغيير أسمائهم أيضاً إلى أسماء بابلية، فتسمّى دانيال بلطشاصر وأصل الكلمة في اللغة الكلدانية هو “بلو ـ ليتا ـ شاري ـ أوسر” وتعني “أيها البعل هب حمايتك القوية لرهينة الملك”. لأن المسبيين من النسل الملكي والأشراف كانوا يُعتبروا بمثابة رهائن عند ملك بابل، حتى يكون الملك يهوياقيم ملك يهوذا خاضعاً ومطيعاً لملك بابل.
سُبيَ أيضاً مع دانيال من أشراف اليهود، أو النسل الملكي الثلاثة فتية القديسون ودخلوا معه مدرسة الحكمة، فكانوا مساندين ومشجعين لدانيال أثناء غربته في بابل. وأُعطوا أسماء بابلية بدلاً من أسمائهم اليهودية، فكانت أسماءهم اليهودية: حننيا وعزريا وميشائيل (ميصائيل) (دا 1: 11)، فدعوهم: شدرخ وميشخ وعبدنَغو (دا 1 : 7).
قابلت دانيال والثلاثة فتية مشكلة عند دخولهم مدرسة الحكمة، إذ أن الملك أمر أن يُقدَّم للتلاميذ أفخر الأطعمة والمشروبات؛ ليزداد جمالهم الجسدي وصحتهم (دا 1: 5). ولكن كانت هذه الأطعمة مُحرَّمة على اليهود. فطلب دانيال من رئيس الخصيان المسئول عن رعايتهم أن يعطيهم أطعمة بسيطة وهى بقول ـ مثل القطاني ـ ولكن رئيس الخصيان تخوَّف من هذا، لئلا يُتهم أنه أخذ طعامهم الشهي من أطايب الملك لنفسه وأعطاهم بدلاً منه طعاماً رخيصاً وهو القطاني، بالإضافة إلى أن هذه الأطعمة الرخيصة ستؤدي إلى هزال أجسامهم، فيتهمه الملك بالإهمال. ولكن دانيال طلب منه أن يجربهم عشرة أيام فقط يأكلون فيها القطاني (دا 1: 12). وبعدها اكتشف أن صحتهم جيدة وأفضل ممن حولهم، فسمح لهم بأكل القطاني طوال الثلاث سنوات. ومن هذا تظهر شجاعة دانيال وتمسكه بالشريعة وطقوسها رغم صغر سنه، الذي لم يكن قد تعدّى السادسة عشر.
بعد انتهاء المدرسة كان لابد على كل تلميذ أن يُقابِل الملك مقابلة شخصية ليمتحنه بنفسه. وهنا تظهر نعمة اللَّه، إذ اكتشف الملك تفوق دانيال والثلاثة فتية عشرة أضعاف عن كل التلاميذ المرافقين لهم في الذكاء والحكمة، بل وعن كل حكماء بابل وأعجب بهم جداً وخاصة بدانيال (دا 1: 20).
وبعد ذلك، وبالتحديد في السنة الثانية لملك نبوخذنصر وكان عمر دانيال وقتذاك عشرين عاماً تقريباً، حلم نبوخذنصر حلماً أفزعه، فطلب من حكماء بابل كلهم أن يقولوا له الحلم، ثم يفسروه وإلاَّ سيبيدهم، فعجز الكل عن ذلك، فأمر الملك بقتلهم جميعاً. وهنا تقدم دانيال بإيمان وشجاعة فائقة إلى الملك وطلب مهلة؛ حتى يُعلِم الملك بالحلم وتفسيره، ثم ذهب وصلى ـ هو والثلاثة فتية ـ فكشف اللَّه له الحلم وتفسيره. ثم دخل إلى الملك وأعلمه أن ما يطلبه فوق قدرة البشر ولكن اللَّه العالم بكل شيء قد عرّفه الحلم، وذكر له الحلم وتفسيره وهو يختص بالممالك القادمة بعد مملكة بابل. فشعر الملك بقوة اللَّه في دانيال، بل قام وسجد أمام دانيال، لانبهاره بحكمته وأمر له بعطايا كثيرة وملّكه على ولاية بابل وجعله رئيساً لرؤساء المملكة ومُقيماً في القصر الملكي. وبواسطة دانيال جعل الثلاثة فتية مسئولين عن أعمال ولاية بابل عاصمة الإمبراطورية (دا 2). وهكذا نرى كيف مجَّد اللَّه دانيال الشاب المسبي كعبد، فجعل الملك يسجد له ويعظّمه فوق كل الرؤساء. وهذا بالطبع أعطى دانيال إحساساً بمساندة اللَّه له، فإزداد إيمانه وتمسكه بعبادة اللَّه.
سمح اللَّه بمشكلة تحدث في بابل في الأيام التي كان فيها دانيال شاباً صغيراً؛ ليظهر نقاوة وشجاعة وحكمة دانيال.
كان هناك رجل يهودي عظيم يُسمّى يوياقيم وكان من أغنى وأعظم الرجال اليهود المُقيمين في بابل، وكان في بيته حديقة كبيرة يجتمع فيها اليهود للقضاء وفض المنازعات بينهم. وكان يقوم بالقضاء اثنين من شيوخ إسرائيل العارفين بالشريعة وكانا يتغيران كل سنة.
كان ليوياقيم امرأة جميلة جداً تُسمى سوسنة بنت حلقيا، وكان والداها من أتقياء اليهود اهتما بتربيتها تربية روحية، فعرفت شريعة اللَّه وتمسكت بها وكذلك ربت أولادها على ذلك.
كان اليهود يجتمعون في كل صباح لفض منازعاتهم، وبعد انصرافهم عند الظهر كانت سوسنة تنزل وتتمشى في حديقتها، فلاحظها هذان الشيخان في إحدى المرات وأُعجب كل منهما بجمالها ولكن لم يكاشف أحدهما الآخر، بل كانا كل يوم يحاولان أن يتأخرا قليلاً ـ بعد انصراف الشعب ـ ليتمتعا برؤيتها، دون أن تشعر وهى تتمشى في أحد جوانب حديقتها.
وفي أحد الأيام قرر كل من الشيخين أن يبقى فترة في الحديقة؛ ليتمتع برؤيتها فترة أطول، فتظاهر كل منهما أمام الآخر بالانصراف، ولكن بعد قليل عاد كل منهما، فتقابلا وتعجب كل منهما لرجوع الآخر، فاضطر أن يكشف كل منهما للآخر تعلّقه بجمالها ونيته أن يتمتع برؤيتها فترة طويلة، وفعلاً انتظرا وهما مختبئان وتمتعا برؤيتها، ثم انصرفا بعد أن اتفقا على تحيُّن فرصة للإنفراد بها لمضاجعتها.
في أحد أيام القضاء بعد انصراف الشعب، اختفى الشيخان في أحد أركان الحديقة؛ ليتمما قصدهما الشرير بمضاجعة سوسنة. وفي هذا اليوم نزلت سوسنة كعادتها للتمشي في الحديقة وكان يوماً حاراً، فقالت سوسنة لجاريتها، أغلقا الأبواب وأحضرا لي دهن وغسول، أي المواد اللازمة للاستحمام. وبعد أن أغلقت الجاريتان أبواب الحديقة دخلتا إلى القصر لإحضار الدهن.
في هذه اللحظة خرج الشيخان من مخبئهما وهجما على سوسنة وطلبا أن يضطجعا معها؛ لأنهما قد تعلقا بحبها وإن لم توافقهما فسيشهدا عليها أنهما رأيا شاباً يفعل الخطية معها.
قالت سوسنة إن لم أوافقكما تأمران بموتي وإن وافقتكما أخطئ إلى اللَّه وأستحق الموت، فالأفضل لي ألاَّ أوافقكما وأُرضي اللَّه، حتى لو تعرّضت للموت، ثم صرخت بصوت عظيم؛ فأسرع أحد الشيخان وفتح باب الحديقة.
اجتمع أهل البيت والعبيد والجواري، فقال الشيخان لهم إننا قد رأينا شاباً يعانق سوسنة، فأسرعنا لإيقاف الشر ولم نستطع لقوته الإمساك به، فهرب منا. فتعجب الكل مما سمعوا؛ لأن سوسنة كانت تتصف بالطهارة والنقاوة.
انعقد مجلس القضاء في اليوم التالي واجتمع الشعب، وأمر الشيخان بإحضار سوسنة وأمرا بكشف البرقع الذي تغطي به وجهها؛ ليتمتعا برؤية جمالها. ثم شهدا زوراً عليها، أنهما وجداها بالأمس تُعانق أحد الشبان في الحديقة وحدهما ويفعلان الإثم وحُكما عليها بالموت.
أعلنت سوسنة أنها بريئة من هذا الاتهام وصرخت إلى اللَّه ولكن لم يسمع لها أحد؛ لتوقيرهم للشيخين اللذين شهدا عليها. واقتادوا سوسنة لتنفيذ حكم الموت عليها. وإذ بدأ الموكب يتحرك صرخ شاب ـ هو دانيال النبي ـ وقال أنا بريء من دم هذه المرأة ووبخ الشعب؛ لأنهم قبلوا الحكم عليها دون فحص. وقرر أن هذين الشيخين قد شهدا عليها زوراً. وطلب من الكل العودة إلى مجلس القضاء لفحص الأمر.
أعطى اللَّه نعمة لدانيال فخافه الكل حتى الشيخين وعادوا إلى مجلس القضاء، فجلس دانيال وطلب تفريق الشيخين عن بعضهما. وقال للأول أيها الشرير تحت أي شجرة رأيت سوسنة والشاب؟ فقال تحت شجرة الضروة.
ثم استبعده وأتى بالشيخ الآخر وقال له: يا من كنت تنظر إلى بنات إسرائيل وكن يخجلن من نظراتك وكلامك وخفن أن يتكلمن معك، قل لي تحت أي شجرة رأيت سوسنة والشاب؟ فقال: تحت شجرة السنديانة.
وإذ اختلف الشيخان في شهادتهما ظهر كذبهما وظهرت براءة سوسنة، فهتف الشعب وباركوا اللَّه الذي أظهر براءة هذه المرأة التقية، ثم اقتادا الشيخين للحكم عليهما بالموت، طبقاً للشرعية التي تقضي بنفس الحكم على من يشهد زوراً على غيره (دا 13).

وبعد هذا أراد نبوخذنصر إظهار عظمته، فأقام تمثالاً ضخماً من الذهب ارتفاعه ثلاثين متراً وعرضه ثلاثة أمتار، وأمر كل رؤساء مملكته أن يأتوا ويسجدوا للتمثال في احتفال عظيم، عُزِفَتْ فيه الموسيقى بآلات كثيرة. ولم يحضر بالطبع الثلاثة فتية؛ لأنهم لا يسجدون إلاَّ للَّه ولم يحضر أيضاً دانيال. وهنا تقدم بعض الرجال الكلدانيين واشتكوا الثلاثة فتية للملك؛ لأنهم لم يسجدوا للتمثال وأنهم مستحقون أن يُلْقَوا في أتون النار، عقاباً لهم، كما أمر الملك. ويبدو أن مركز دانيال كان أكبر من أن يشتكوا عليه، فخافوا ولم يتكلموا عنه.
فغضب الملك واستدعى الثلاثة فتية، الذين أصروا على عدم السجود للتمثال؛ لأنهم يسجدون للَّه وحده. فاعتبر الملك هذا التصرف عصياناً له وأمر بأن يُحمَّى الأتون سبعة أضعاف ما كان مقرراً له ويُربط الثلاثة فتية بحبال، ويمسك بهم أناساً أقوياء ويلقون بهم في أتون النار، ففعلوا هكذا وحضر الملك بنفسه. وأمسك رجال الملك بالثلاثة فتية الموثقين واقتربوا من باب الأتون وألقوهم فيه. ومن شدة النار احترق رجال الملك الجبابرة. أما الثلاثة فتية فإن الحبال التي تربطهم انحلت ورآهم الملك يتمشون داخل الأتون ومعهم شخص رابع شبيه بابن الآلهة، إذ أن اللَّه أحاطهم في الحال بغلاف من هواء بندى، فلم تمسهم نار الأتون. وفرح الثلاثة فتية برؤية اللَّه داخل الأتون وأخذوا يسبحونه. فقالوا له مديح موجود في تسبحة الكنيسة، بدايته: “نتبعك بكل قلوبنا” (دا 3: 41-44)، ثم أنشدوا الهوس الثالث، أي التسبيح الثالث الموجود في كتاب التسبحة (دا 3: 52-90). وحاول رجال الملك تحمية الأتون، حتى ارتفعت النار إلى 24.5 متراً في الهواء وأكلت النار بعض الكلدانيين الذين اقتربوا من الأتون، فتعجب الملك جداً عندما رأى أربعة رجال يتمشون داخل النار، ثم نادى على الثلاثة فتية من النار، فخرجوا إليه. ولاحظ أن النار لم تمس حتى ثيابهم وليس فيها رائحة النار، فأعلن قوة إلههم التي تفوق كل قوة في العالم. وبهذا حوّل اللَّه هذه الضيقة العظيمة إلى وسيلة لتمجيد اسمه وإعلاء شأن أولاده الثلاثة فتية (دا 3).
مجّد اللَّه دانيال، إذ أعلن له الأسرار التي لا يعرفها غير اللَّه وأعطاه أيضاً ذكاءً يفوق كل من حوله، فاحترمه الكل حتى الملك، فانتقل من مرتبة العبد إلى رئاسة المملكة، كما نقل اللَّه قديماً يوسف العبد إلى رئاسة مملكة مصر بالحكمة وفهم الأسرار. وقد شهد حزقيال بحكمة دانيال الفائقة وفهمه الأسرار في (حز28: 3).
مرّت السنوات ونبوخذنصر يملك على مملكة بابل ويُسيطر على العالم، مُظهِراً حكمته وسلطانه في إدارة المملكة وفي بنائه عاصمته بابل بأسوار عالية مُحصّنة. ووضع فيها مخازن كبيرة للطعام وكان نهر الفرات يمر من تحتها، وبالتالي لا يمكن اقتحامها، أو محاصرتها بحسب المنطق البشري. ولكن نبوخذنصر تكبر بسبب إحساسه بعظمته في أعماله التي عملها ونسب كل المجد لنفسه وليس للَّه، فأراد اللَّه أن يُعرِّفه بضعفه، فحلم حلماً غريباً أزعجه، فأسرع لدانيال ملتجئاً إليه ليفسر له الحلم. وهنا تظهر شجاعة دانيال، الذي قال للملك أنه بسبب تكبرك غضب اللَّه عليك، والشجرة العظيمة التي رأيتها في الحلم والتي تحتمي بها جميع طيور السماء وبهائم الأرض وقد قطعت، هى أنت أيها الملك، الذي ستفقد عقلك ويطردونك من بين الناس سبع سنوات وتعيش مثل الحيوانات؛ حتى تتوب عن كبريائك وعندما تتضع يعيدك اللَّه إلى مملكتك وقد حدث كل هذا مع الملك (دا 4).

بعد هذا مات نبوخذنصر العظيم وملك بعده ابنه أويل مردوخ عام 562 ق.م وكان منشغلاً بالفن والعلوم المختلفة، فضعفت المملكة في أيامه ولم يعتمد على دانيال، الذي كان عمره وقتذاك تسعة وخمسين عاماً، فأهمل وجوده وعاش في أحد زوايا القصور الملكية، فكانت فرصة للصلاة وعبادة اللَّه الذي أحبه. وغالباً عاش دانيال بتولاً، إذ لم يُذكر له زوجة وأولاد، فعاش كأحد الرهبان يتمتع بحياة الوحدة والتأمل سنوات كثيرة وكان ذلك لمدة اثنين وعشرين عاماً، حتى أن حزقيال النبي ـ الذي كان معاصراً له وأكبر منه في السن ببضع سنوات ـ شهد أنه من أتقى رجال العهد القديم، الذين اتصفوا بمحبة الصلاة، إذ ذكره مع نوح وأيوب كرجال اللَّه المتميزين بالبر (حز14: 14، 20).
في هذه الفترة الهادئة غالباً كانت فرصة أن يعلن اللَّه لدانيال مجموعة من الرؤى ذكرها لنا في (ص7-12)، تُحدِّثنا عن مستقبل الممالك التي تحكم العالم وعلاقتها بشعب اللَّه ومملكة المسيا المنتظر القادمة وكيف يُتمم فداءه على الصليب ويأخذ أولاده في النهاية إلى الملكوت الأبدي.
رغم أن دانيال تبوأ مراكز عظيمة في المملكة البابلية، ثم بعد ذلك في مملكة مادي وفارس ـ كما سنذكر ـ لكنه تعرّض لمؤامرات كثيرة، وصلى وأنقذه اللَّه منها. فكان مُعرضاً للموت عدة مرات، كل هذا ساعد دانيال على التعلق باللَّه والتغرب عن العالم، فلم ينزعج عندما أهمله الملوك التاليون لنبوخذنصر، بل كانت فرصة له للصلاة مع الزهد، إذ كان ناسكاً يصوم أياماً كثيرة أثناء عبادته للَّه (دا 8: 27، 10: 3). ومع أنه كان في السبي بعيداً عن أورشليم والهيكل، لكن قلبه كان مُتعلقاً بعبادة اللَّه والمُحرَقة الصباحية والمسائية اليومية وكل ممارسات العبادة، التي كانت تتم في الهيكل الذي دمَّره نبوخذنصر.
ملك أويل مردوخ لمدة سنتين ونصف، ثم قتله أحد رؤساء المملكة. وتوالت الاغتيالات وتملك هؤلاء الرجال على عرش بابل، حتى سنة 539 ق.م وفيها ضعفت المملكة البابلية جداً.
وفي عام 539 ق.م تملك بيلشاصر ـ الذي كان يُعتَبر ابناً لبنونيدس الملك حفيد نبوخذنصر ـ على بابل. وكان شاباً مستهزءاً، انشغل بالخمر والنساء، فلم يملك إلاَّ شهوراً قليلة لم تصل إلى سنة. وفي نهاية ملكه ـ تمادياً في خلاعته واستباحته ـ طلب أواني بيت الرب؛ ليشرب فيها الخمر مع أحبائه ونسائه، وهنا ظهر غضب اللَّه عليه، إذ ظهرت يد تكتب على الحائط أمام عينيه كلمات غير مفهومة وهى “منا منا تقيل وفرسين” (دا 5: 5-9). فانزعج الملك جداً وطلب كل حكماء بابل ليفسروا له هذه الرؤيا المفزعة. وهنا تقدمت الملكة ـ وهى غالباً إحدى بنات نبوخذنصر ـ وطمأنت الملك بأن هناك رجلاً فهيماً يُدعَى بلطشاسر (دانيال) موجود في المملكة منذ أيام أبيه، أي جده نبوخذنصر، فاستدعاه بسرعة وأتى من مكان خلوته ـ وكان عمره وقتذاك واحد وثمانين عاماً ـ فوعده الملك بهدايا ولكنه لم يهتم بها وأعلمه بمعنى الرؤيا وهو أنه لتجاسره بشرب الخمر في آنية بيت الرب وكل شروره أرسل اللَّه له هذه الرسالة، وهى: أنه وُزِنَ بالموازين فوُجِدَ ناقصاً، وأن مملكته ستُقسَّم وتؤخذ منه، فمن خوف بيلشاصر الملك أعطى دانيال قلادة، تعلن أنه الرجل الثالث في المملكة. وقد تحقق كلام دانيال في هذه الليلة، إذ قُتِلَ بيلشاصر وغزت مملكة مادي وفارس بابل واستولت عليها، وانتهت بهذا الإمبراطورية البابلية وبدأت إمبراطورية مادي وفارس وكان ذلك عام 538 ق.م.
حكم كورش على مملكة مادي وفارس كأول ملك للمملكة وكان يساعده حميه الملك داريوس المادي وقد شعرا بمكانة دانيال وذكائه وتاريخه العظيم، فجعلاه من رؤساء المملكة، بل عندما أقاما 120 مرزباناً (رئيساً) جعلا عليهم ثلاثة رؤساء، منهم دانيال، وكان داريوس يود أن يجعله رئيساً وحده على جميع الرؤساء (دا 6: 1-3)؛ لاقتناعه بتميزه، خاصة وأن داريوس تميز بالفهم والإدارة السليمة لبابل، التي ظلت إحدى عواصم المملكة الجديدة؛ مملكة مادي وفارس؛ وداريوس هذا كان صديقاً لدانيال واعترف بقوة إلهه.
اغتاظ مرازبة الملك، أي رؤسائه من تميز دانيال ورئاسته لهم، فدبروا خدعة أقنعوا بها الملك، والمقصود الظاهري بها تعظيم الملك كإله، وهى ألاَّ يطلب أحد أية طلبة في المملكة إلاَّ من الملك. ومن لا يصنع هذا يُلقى في جب الأسود؛ لأنهم يعلمون أن دانيال متمسك بعبادة اللَّه والصلاة له (دا 6: 5).
ظهرت هنا شجاعة دانيال، الذي ذهب إلى بيته وفتح نوافذه ونظر نحو أورشليم وصلى ثلاث مرات ـ كما تعود كل يوم بحسب عادة اليهود ـ وهى صلاة الساعة الثالثة والسادسة والتاسعة، التي تُقابِل الساعة التاسعة صباحاً والثانية عشرة ظهراً والثالثة بعد الظهر (دا 6: 10).
أسرع رؤساء المملكة إلى الملك واشتكوا له دانيال وعرَّفوه أنه لا يستطيع أن يرجع في أوامره؛ لأنه ملك، فحزن داريوس جداً وأجَّل عقاب دانيال حتى المساء، ثم أمر بإلقائه في الجب. وظل الملك حزيناً ولم يأتوا إليه بسراريه وسهر طوال الليل. وفي الصباح الباكر ذهب إلى الجب مع رجاله ونادى على دانيال، فرد عليه من الجب وأعلمه أن إلهه أرسل ملاكه وسد أفواه الأسود، فلم يصبه أذى. فأمر بإصعاد دانيال، ثم إلقاء الرؤساء الذين اشتكوا عليه، هم وأسرهم، فالتهمتهم الأسود فور إلقائهم، وهذا أكد قوة اللَّه التي تحمي دانيال، فالأسود قوية وجائعة ولكنها لم تمس دانيال. وبهذا ازدادت عظمة دانيال في نظر الملك (دا 6: 14-24).
إذ كان دانيال صديقاً للملك كورش، فكان يصطحبه في كل مكان، وكان هناك إلهاً في بابل يُسمَّى بال، يُقدم له أطعمة وأشربة كثيرة كل يوم، وكان الملك يذهب إليه ويسجد أمامه، أما دانيال فلم يكن يسجد، فسأله الملك عن سبب عدم سجوده، فقال له: إن بال تمثال لا يأكل ولا يشرب، فقال له الملك: إنه حي ويأكل كل هذه الأطعمة، فنفى دانيال ذلك بشدة.
فاغتاظ الملك من كهنة بال وهددهم بالقتل إن ثبت أن بال لا يأكل هذه الأطعمة. ووافق الكهنة؛ لأن عددهم كان سبعين كاهناً هم ونساءهم وأولادهم، وكانوا قد صنعوا مدخلاً خفياً تحت المائدة التي يضعون عليها الأطعمة (دا 14: 1-12).
ذهب الملك إلى معبد بال وأخرج الكهنة ووضع بنفسه الأطعمة والأشربة، ثم صرف دانيال كل عبيد الملك ولم يبقَ إلاَّ عبيد قليلون لدانيال، ونثروا رماداً في كل أرضية المعبد، ثم خرجوا وأغلقوا الباب وختموا عليه بختم الملك (دا 14: 13).
في الغد ذهب الملك ودانيال إلى المعبد وتأكدوا من سلامة الأختام، ثم فتحوا الباب، فلم يجدوا طعاماً ولا شراباً، فهتف الملك وأراد أن يدخل وهنا أمسكه دانيال وقال له: انظر إلى الأرض، فقال له أرى آثار أقدام رجال ونساء وأطفال، ففهم الملك أن أناساً دخلوا المعبد وأكلوا الطعام فقبض على الكهنة وضيَّق عليهم حتى أروه المدخل الخفي تحت المائدة، الذي يدخلون منه، فأمر بقتلهم وحطم دانيال تمثال بال وكل المعبد (دا 14: 14-21).
كان في بابل تنين عظيم يخاف منه الكل ويعبدونه وكان هذا حياً يتحرك، فقال الملك لدانيال إنك لا تستطيع أن تقول أن هذا الإله صنماً لا يأكل ولا يشرب فهو حي، فلماذا لا تسجد له ؟!
فقال له دانيال إني لا أسجد إلاَّ للَّه، ثم استأذن الملك أن يسمح له فيقتل التنين. فتعجب الملك من شجاعة دانيال الذي بذكائه طبخ أقراصاً من الزفت والشعر والشحم وألقاها للتنين، وعندما أكلها انشق جوفه ومات. وقال دانيال للشعب هذه معبوداتكم بلا قيمة (دا 14: 22-26).
اغتاظ رؤساء الملك واتهموه أنه قد صار يهودياً تابعاً لدانيال وطلبوا منه أن يُسلّم لهم دانيال وإلاّ فإنهم سيقتلون الملك. وهذا يُبيِّن سلطان هؤلاء الرؤساء ولكنه بلا قيمة أمام قوة اللَّه.
ألقوا دانيال في جب الأسود مرة أخرى واستبقوه هناك ستة أيام؛ ليضمنوا أن تأكله الأسود الجائعة. وكان في الجب سبعة أسود مُنِعوا عنها الطعام مدة، فلم تمس دانيال كما حدث في الجب الأول. وتعاظم عمل اللَّه مع دانيال، إذ كان حبقوق النبي في اليهودية بجوار أورشليم، وكان قد طبخ طبيخاً وصنع خبزاً؛ ليُقدّمه للحصادين في الحقل. فظهر له ملاك الرب وقال له: احمل طعامك هذا إلى بابل إلى دانيال الذي ألقوه في جب الأسود، فقال حبقوق له إني لا أعلم الطريق إلى بابل. وهنا قال الملاك لحبقوق: امسك طعامك جيداً، ثم حمله وأوصله في الحال إلى الجب، فنادى حبقوق على دانيال، الذي فرح برؤية حبقوق، كما فرح حبقوق برؤية دانيال. وقال حبقوق: خذ الغذاء الذي أرسله لك اللَّه وألقى له بالطعام في الجب، فشكر دانيال اللَّه، الذي يهتم بطعامه، ثم أعاد الملاك حبقوق إلى اليهودية (دا 14: 30-36).
ظل دانيال في خلوة مع اللَّه ستة أيام يأكل من الطعام الذي أرسله له اللَّه بيد حبقوق والأسود حوله في هدوء كحيوانات أليفة، وفي اليوم السابع جاء الملك داريوس ونادى على دانيال، فوجده صحيحاً لم تمسه الأسود بأذى، فأعلن الملك أن إله دانيال ليس مثله في الآلهة، ثم أمر بإصعاد دانيال وإلقاء من اشتكوا عليه فافترستهم الأسود فور سقوطهم في الجب، وأمر الملك أن يتَّقي كل الشعب إله دانيال (دا 14: 37-42).
تظهر دقة دانيال في كتابة هذا السفر جزءاً باللغة الآرامية ـ التي كانت لغة بلاد مادي وفارس ـ وذلك في أحاديثه مع الملوك ورجالهم، وجزءاً باللغة العبرية في أحاديثه مع اليهود، والجزء الثالث كتبه باللغة اليونانية، التي كانت قد بدأت تنتشر في العالم، تمهيداً لظهور الإمبراطورية اليونانية التي ستأتي بعد مملكة مادي وفارس.
وهكذا تظهر في حياة دانيال فضائل كثيرة ميَّزته عن كل من حوله، فظهر إيمانه وتمسكه بعبادة اللَّه حتى نهاية حياته. وكان رجل صلاة متمسكاً بالصلوات في مواعيدها وفي اتجاهها السليم، أي نحو أورشليم، وكذلك كان شجاعاً طوال حياته، حتى بعد أن تجاوز الثمانين من عمره، بالإضافة إلى حكمته وذكائه الفائق. فأعطاه اللَّه مكانة عظيمة ونعمة في أعين كل الملوك وأهمهم نبوخذنصر، وحتى الشاب بيلشاصر المستهتر الخليع خافه وكذلك ملوك مادي وفارس وقَّروه جداً.
مما سبق نفهم أن دانيال أصغر من حزقيال بحوالي ثلاث سنوات، وقد تنبأ حزقيال عن السبي والرجوع منه ولكنه استشهد أثناء السبي. أما دانيال فعاصر المملكة البابلية طوال أيامها، ثم بدأ بضعة سنوات مع المملكة الجديدة، مملكة مادي وفارس، فرأى بعينه الرجوع الأول من السبي ـ على يد زربابل ـ قبل وفاته بسنة واحدة، ولم يعد معهم؛ لأنه كان قد تقدم جداً في السن، إذ كان عمره ثلاثة وثمانين عاماً. وهكذا مرّ سبعون عاماً لدانيال في السبي البابلي، فقد تم سبيه وعمره ثلاثة عشر عاماً وعاد الفوج الأول من السبي وعمره ثلاثة وثمانين عاماً.
عاش دانيال حتى السنة الثالثة للملك كورش (دا 10: 1)، أو بعد ذلك بقليل وكان قد بلغ من العمر أربعة وثمانين عاماً، ثم رقد ودُفِنَ على رجاء آبائه، منتظراً المسيا الآتي لخلاص العالم والذي تنبأ عنه، بعد أن قدّم مثالاً لحياة عظيمة لأولاد اللَّه، حتى بين الوثنيين، مهما كان سلطانهم.
وتعيد له الكنيسة في يوم 32 برمهات (1 أبريل) صلاته تكون معنا آمين.

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%af%d8%a7%d9%86%d9%80%d9%8a%d9%80%d8%a7%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8%d9%89/

حياة حزقيال

ولد حزقيال عام 623 ق.م ومعنى اسمه “الله يقوى” وهذا معنى نبوته، فهو يتنبأ عن الله، الذى يقبل توبة شعبه المسبى ويقويهم ويعيدهم من السبى.

حينما كان حزقيال طفلاً، كان يجلس على عرش مملكة يهوذا يوشيا الملك الصالح. وعندما بلغ حزقيال الثانية من عمره اكتشف يوشيا نسخة من الشريعة فى الهيكل. ورأى فى طفولته إصلاحات يوشيا الذى أزال عبادة الأوثان ونشر عبادة الله في كل المملكة، فتهلل قلبه بهذه الإصلاحات الروحية.
كان حزقيال من نسل كهنوتي، فجده الاكبر هو صادوق رئيس الكهنة أيام داود وسليمان، ووالده كاهن يدُعى بوزي (حز1: 3)، فتعلم من طفولته شريعة الله وأحب الهيكل الذي رآه وتحرك فى ساحاته وأكل من الطعام المخصص للكهنة وأسرهم وغالباً ساعد والده فى بعض الإعمال المعاونة فى الهيكل، مثل إعداد البخور والزيوت.
تأثر حزقيال بسير الأنبياء الذين سبقوه، مثل إشعياء وعاموس وهوشع وميخا، فأحب الله ورفض الخطية وعبادة الأوثان.
فى طفولته رأى إرميا النبى وأحبه وسمع نبواته ويقول البعض انه كان خادماً له لفترة في أيام شبابه. وعاصر أيضا أنبياء آخرين هم باروخوناحوموعوبديا.
كبر حزقيال وصار عمره عشر سنوات وسمع عن سقوط نينوى عاصمة أشور وبداية المملكة البابلية، فتخلصت يهوذا من سيطرة أشور ولكن قامت المملكة البابلية والتى ظهرت قوتها فى السنوات المقبلة من حياة حزقيال.
عندما بلغ حزقيال الخمسة عشر من عمره حدث أمر مؤسف وهو قتل يوشيا الملك الصالح فى معركة مجدو بيد نخو ملك مصر وبهذا انتهت الفترة السعيدة في حياة شعب الله التى كان يدعوهم فيها يوشيا لعبادة الله ورفض الأوثان، وكان ذلك عام 608 ق. م.
تملك بعد يوشيا ابنه يهوآحاز الذي سار عكس أبيه، فأنغمس فى الشر وعبد الأوثان، فقبض عليه نخو ملك مصر وأخذه أسيراً إلى مصر وملك بدلاً منه أخيه يهوياقيم.
سار يهوياقيم في الشر ونشر عبادة الأوثان ولم يرتدع مما حدث لأخيه يهوآحاز، فتعرض لهجمات من ملك بابل. ورأى حزقيال بعينيه اضطهاد يهوياقيملإرميا، فحزن جداً لابتعاد الملك والشعب عن الله وتعلق قلبه بإرميا ونبواته.
كان حزقيال حزيناً عندما رأى انحراف الكهنة عن عبادة الله ومقاومتهم لإرميا، فهو أحد شباب نسل الكهنة وسمع عن اختفاء إرميا ومنع الكهنة له من دخول الهيكل ونبوات إرميا التي قرأها باروخ في بيت الرب، وكيف مزق الملك يهوياقيم النبوات وأحرقها، فحزن حزقيال لإصرار قيادات الشعب على الشر وابتعادهم وشعبهم عن الله.
عندما بلغ حزقيال الخامسة والعشرين من عمره وكان ذلك عام 598 ق.م قتل نبوخذنصريهوياقيم الملك وتملك بعده ابنه يهوياكين، الذي لم يمكث على العرش إلا ثلاثة شهور وسار في الشر، فقبض عليه نبوخذنصر وأرسله ليُسجن فى بابل وأخذ مع يهوياكين أشراف يهوذا، أي كل الرجال والشباب الذين لهم مواهب وقدرات خاصة ومنهم حزقيال وسباهم إلى بابل، ثم ملك عم يهوياكين مكانه وهو صدقياالملك، آخر من جلس على عرش مملكة يهوذا.
تأثر حزقيال جداً لابتعاده عن أورشليم المدينة المقدسة. لأن البابليين كانوا قد نقلوه إلى مدينة تسمى تل أبيب (وهى غير مدينة تل أبيب الموجودة حالياً فى إسرائيل) وهذه المدينة تقع على نهر يسمى نهر خابور وهو أحد فروع نهر الفرات داخل المملكة البابلية (حز 1).
وجد حزقيال نفسه بين مجموعة من اليهود المسبيين عند نهر خابور وحولهم يسكن الوثنيون. فاهتم بهدوء أن يرعى شعبه وينبههم إلى أن ما حدث معهم – أي السبى- هو تأديب إلهي لابتعادهم عن الله ونبههم ليبتعدوا عن الآلهة الوثنية المحيطة بهم ويرفعوا عيونهم نحو هيكل الله والمدينة المقدسة ويظلوا متمسكين بشريعة الله.
تزوج حزقيال واقتنى بيتا فى السبى فى مدينة تل أبيب (حز 3: 15)، التى تقع شمال بابل وليست بعيدة عنها. وكانت الاتصالات بين المسبيين وأهلهم فى اليهودية مستمرة، أي كانتالرسائل ترسل منهم وإليهم. وأقتنى المسبيون بيوتاً وحقولاً، بل إن صدقيا الملك فى السنة الرابعة من ملكه، أي بعد وصولهم للسبي بأربع سنوات زار بابل. ليقدم فروض الطاعة والولاء لنبوخذنصر واستقبله المسبيون بموكب عظيم.
بعد خمس سنوات من السبي بلغ حزقيال من العمر ثلاثين عاما وكان ذلك عام 593 ق.م وبدأت فى هذا الوقت نبوات حزقيال، ورأى الله في مجد عظيم فى هيكله بأورشليم ورأى الطغمات السمائية محيطة به (حز 1: 1)، فكان هذا تشجيعاً إلهيا وتعويضاً له؛ لأنه في هذا السن كان من حقه ممارسة العمل الكهنوتى لو كان فى أورشليم، ولكنه بدأ عمله النبوي فى السبى ورأى الهيكل ومجد الله. فاطمأن قلبه وهذا شجعه على مواصلة دعوة المسبيين معه إلى عبادة الله.
ولما صار عمر حزقيال واحد وثلاثين عاماً علم حزقيال (من الله) أن صدقيا تحالف مع ملك مصر وبهذا نقض عهده مع ملك بابل وهذا لا يليق بأولاد الله، أن يرجعوا فى عهودهم، حتى لو كانت مع غير المؤمنين، فأعلن الله نبوة على فم حزقياللصدقيا يوبخه فيها على تراجعه عن عهده مع ملك بابل ويحذره من الخراب الآتى عليه من ملك بابل وتدمير مدينته أورشليم (حز 15:17-18).
أنبا الله حزقيال أن زوجته المحبوبة له ستموت بمرض مفاجئ وأمره ألا يندبها؛ ليكون مثالاً لباقى إخوته اليهود، الذين لن يستطيعوا البكاء على أورشليم عند تدميرها ولا يرثونها؛لأن الخراب البابلي سيكون قاسياً جداً. فكان حزقيال بهذا مثالاً عملياً أمام شعبه ليتوبوا ويرجعوا لله حتى يرحمهم (حز 24: 15).
تنبأ حزقيال عن تدمير أورشليم وحرق الهيكل فلم يسمعه فقط المسبيون معه، بل وصل أيضاً إلى آذان شعبه في أورشليم عن طريق التجار والمسافرين وبهذا عضد نبوات إرميا الذي كان يتنبأ في أورشليم.
كل هذه النبوات كانت تدعو شعب الله للتوبة، حتى لا تخرب أورشليم ولكنهم للأسف لم يسمعوا، فتم تأديب الله للمدينة والهيكل. ورأى حزقيال الله-فى رؤيا أخرى- يفارق هيكله (حز 10) وحدد الزمن واليوم الذي ستخرب فيه أورشليم. وقد تمت نبواته بكل دقة (حز 24: 2، 33: 21).
عندما بلغ حزقيال من العمر ستة وثلاثين عاماً أحرق الهيكل وأورشليم، فحزن حزقيال جداً لغضب الله ومفارقته لشعبه، لكنه لم يفقد رجاءه، بل ظلت نبواته تدعو شعبه للتوبة.
تشجع حزقيال عندما علم بالمركز الذي ناله دانيال فى بابل هو والثلاثة فتية، فقد كانت بابل قريبة من حزقيال.
عاش حزقيال فترات بين الأشواك، مثل نباتات القريس والسلاء (حز20: 6)؛ ليبين عملياً لشعبه أنهم يسكنون بين الأمم التى تعبد الأوثان. فكان النبى مثالاً عملياً للشعب؛ حتى يكون رجاءهم الوحيد هو الله، فيرحمهم ويعيدهم من السبى.
تميز حزقيال بالفصاحة وكان يكتب كلامه بالشعر، كما كان صوته جميلاً وجذاباً، حتى يساعد شعبه على قبول كلمة الله ولكنهم للأسف أعجبوا بفصاحته وتركوا عنهم مضمون كلامه، أي دعوتهم للتوبة (حز 33: 31- 33).
كان إرميا ينبه شعبه للتوبة ولكنه كان يتميز بالكلام الحنون، إذ أن طبيعة إرميا أنه رقيق للمشاعر، أما حزقيال فقد تميز بالكلام الشديد الصارم؛ لأن نبوته بدأت قبل خراب الهيكل بست سنوات فقط؛ كما أنه كان مسئولاً عن دعوة شعبه المسبي إلى الرجوع لله وليس الانشغال بالمقتنيات في المملكة البابلية، ثم الارتباط بالآلهة الوثنية. فتوبة شعبه كانت الأساس الذي من أجله سيعيدهم الله ثانية إلى بلادهم ويبنى لهم الهيكل من جديد.
كان كلام حزقيال في الجزء الأول من نبوته يدعو إلى التوبة بكل الوسائل، ثم بعد الإصحاح الرابع والعشرين نجد كلماته مملوءة رجاء في الرجوع من السبي، بل يحدثهم عن هيكل الرب الذي أستغرق الحديث عنه التسعة إصحاحات الأخيرة من نبوته، فحدثهم عن جمال هيكل العهد الجديد، ثم عظمة أورشليم السماوية، فهذا الهيكل كانت قياساته لا يمكن إتمامها؛ لأنها ترمز إلى أورشليم السماوية، التي لا يمكن التعبير عن مجدها وعظمتها.
كان الله يأمر حزقيال أحياناً أن يصمت؛ ليبين أن الشعب رافضاً لكلام الله، فصمت حزقيال كان إعلاناً لعدم استحقاق الشعب أن يسمع (حز 24: 17).
إن نبوات حزقيال تحدثنا كثيراً عن تجديد القلب، أي إنسان العهد الجديد، الذي يحيا مع الله بقلب لحمى وليس حجري (حز 36: 26). وتنبأ عن أمنا العذراء، الباب المغلق، الذي يدخله الرب ويخرج منه ويظل مغلقاً (حز 44: 2). وتحدث عن أسرار الكنيسة مثل المعمودية (حز 36: 25)، فقد أطل حزقيال بنظره إلى العهد الجديد بنبواته وهو مازال في العهد القديم.
بعد أن استمر حزقيال يتنبأ لمدة اثنين وعشرين عاماً، أي بلغ من العمر اثنين وخمسين عاماً، يدعو فيها شعبه للرجوع إلى الله. فيما كان يوبخ أحد القضاة ليحكم بالحق ولا يخالف شريعة الله اغتاظ وقام عليه وقتله، كما يخبرنا القديس أبيفانيوس أسقف قبرص عن مخطوط قديم وجده، وقد دفن حزقيال في مقبرة جده الكبير سام وابنه وأرفكشاد.
استشهد حزقيال بعد أن أعلن صوت الله بقوة للشعب المسبى وللشعب الذي فى أورشليم ولكل العالم، وترك دانيال النبى يكمل رسالة الله لشعبه حتى أعادهم من السبى. فنبوات حزقيال تأتى زمنياً بين نبوات إرميا الذي سبقه ونبوات دانيال الذي تنبأ بعده، فالله لا يترك نفسه بلا شاهد، بل يتتابع الأنبياء ليعلنوا صوت الله فى كل حين.

 

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d8%a9-%d8%ad%d8%b2%d9%82%d9%8a%d8%a7%d9%84/

باروخ النبى

ولد باروخ عام 624 ق.م فى أحد بلاد اليهودية، حول أورشليم (إر 51: 59، با1: 1). وهو من عائلة شريفة، فأبوه نيريا بن معسيا كان له أملاك وهذا شجع باروخ على تملك مزارع وكروم بعد هذا (إر45: 5)، وأخوه سرايا صار أحد الرؤساء العاملين مع الملك صدقيا (إر 51: 59).

معنى اسم باروخ “مبارك” وترجمته باللغة القبطية “مكاري”، أي “طوباوي”، وهذا يدل على نبوته التى يبارك فيها الراجعين إلى الله بالتوبة والذين سيرجعون من السبي.
في طفولته وحتى سن السادسة عشر عاصر باروخ الإصلاحات الدينية التى قام بها يوشيا الملك الصالح، فتمتع بالجو الدينى وابتعاد الشعب عن عبادة الأوثان. وفى نفس الوقت تمتع أيضاً بمعلم هذا الجيل وهو إرميا النبى- أشهر الأنبياء فى مملكة يهوذا وقتذاك- فأحبه جداً وتأثر بتعاليمه، بل ارتبط به وصار تلميذاً له.
انحرفت مملكة يهوذا بعد موت يوشيا، بتملك ابنه يهوياقيم، وبالتحديد فى السنة الثالثة من ملكه؛ حيث انتشرت عبادة الأوثان، فسمح الله لبابل أن تهجم على مملكة يهوذا وتأخذ بعض آنية الهيكل وتسبى عدداً كبيراً من شبابها النابغين، مثل دانيال النبى، وكان باروخ قد بلغ الثامنة عشر من عمره، فتأثر قلبه وحزن على ما حدث لشعبه، ولكنه في نفس الوقت تأكد من صدق نبوات معلمه إرميا النبي.
لازم باروخ معلمه إرميا وتمتع بعشرته، فرأى الله فى هذا الرجل العظيم وحزن كل يوم على ابتعاد شعبه عن عبادة الله وعبادتهم للأوثان، خاصة وأنه رأى رفض الشعب لكلام إرميا وبالأكثر رؤسائهم الدينيين، أي الكهنة والمعلمين، بالإضافة للأنبياء الكذبة الذين أحاطوا بالملك.
رأى باروخ معلمه إرميا وهو يقف بباب الهيكل ويعلن نبواته للشعب ويدعوهم للتوبة؟ لأن السبي مقبل عليهم والمدينة المقدسة ستحرق، ولكن قام عليه الكهنة وأمسكه فشحور الكاهن وسجنه (إر 20: 1، 2) فحزن باروخ جداً لقساوة قلب شعبه، بالإضافة إلى حزنه على آلام معلمه المسجون.
فيما كان إرميا في السجن ولم يكن في إمكانه الذهاب إلى بيت الرب لإعلان نبواته، طلب من تلميذه باروخ أن يسجل كل نبواته فى درج (كتاب) ويذهب ليقرأه في باب بيت الرب، فى يوم الصوم، حيث يزدحم الشعب الآتين لعبادة الله (إر 36: 6). فكان إرميا يملي النبوات على باروخ فيكتبها في الدرج. وهذا يبين إصرار إرميا على عمله النبوي، مهما منعته القيود والظروف من ذلك، وفي نفس الوقت تبين شجاعة باروخ وطاعته لمعلمه، فقد ذهب وقرأ الدرج في باب بيت الرب، معرضاً نفسه للموت من كل من يعادون إرميا (إر 36: 4، 5). بهذا الموقف وبتلمذته لمُعلمه إرميا صار باروخ شخصية قوية، وازدادت قوته مع الأيام، حتى أن بعض الشعب اعتقدوا أنه كان يؤثر على إرميا ويهيجه، ليتنبأ ضد الشعب والرؤساء (إر 43: 3)، وذلك لأن باروخ كان يبدو ذو شخصية فذة وقوية، فى حين يظهر ارميا كشخصية رقيقة المشاعر. قريب إلى الدموع.
بعدما قرأ باروخ الدرج فى باب بيت الرب، سمع بعض رؤساء الشعب الأتقياء بما جري، فأرسلوا إليه وأحضروه وطلبوا منه أن يقرأ لهم السفر، فلما سمعوا كلمات إرميا خافوا الله جداً ثم طلبوا من باروخ أن يختفي هو ومعلمه إرميا- الذي كان قد أفرج عنه (إر 36: 19). فذهب باروخ مسرعاً إلى إرميا وهربا واختفيا فى مكان بعيد عن الملك ورؤسائه. وعندما أعلموا الملك يهوياقيم بما حدث وقرأوا له ما فى الدرج، غضب جداً وقطع وأحرق الدرج، ولكنه لم يستطع القبض على إرميا وباروخ لاختفائهما (بر 36: 23).
بعد هذا أمر الله إرميا أن يملي درجاً جديداً على باروخ، فكتب باروخ كل نبوات إرميا مرة أخرى وزاد عليها إرميا- من قبل الرب- نبو ة على يهوياقيم، الذي رفض كلام الله وأحرق الدرج، مؤكدا أن بابل ستهجم على مملكة يهوذا وسيقتل يهوياقيم وتجر جثته على الأرض مثل جثة حمار (إر 36: 30)، فأطاع باروخ وكتب درجاً جديداً.
حتى هذا الوقت كان باروخ يتتلمذ عى يد ارميا ولم يعلن أية نبوة خاصة به، فلم يفعل هذا إلا بعد استشهاد معلمه- كما سنرى- وهذا يبين مدى اهتمام باروخ بالتلمذة الروحية. كما تتلمذ يشوع على موسى وأليشع على إيليا سنوات طويلة. ظهرت طاعة باروخ لمعلمه إرميا، الذي أعطاه رسالة من الله أن لا ينشغل بأمور العالم، لأن باروخ- كما ذكرنا- كان قد أمتلك مزارعاً وكروماً وممتلكات مختلفة، فقال له الله: أن كل هذا سيهدم عندما تأتي مملكة بابل ولكن الله سينجي باروخ من الموت، فأطاع باروخ وترك عنه ممتلكات العالم- وهذا يبين طاعته وزهده- وانشغل بالتلمذة على يد إرميا وكان هذا فى السنة الرابعة لملك يهوياقيم، حين بلغ باروخ التاسعة عشر من عمره.
مرت السنوات وباروخ يشارك معلمه إرميا فى احتمال الآلام واضطهاد من الشعب والرؤساء. ومات يهوياقيم الملك بيد نبوخذنصر ملك بابل وكان باروخ قد بلغ الخامسة والعشرين من عمره.
بعد موت يهوياقيم الشرير تملك ابنه يهوياكين، الذي سار في الشر، مثل أبيه، فقبض عليه جيش بابل وأرسله؛ ليسجن فى بابل وملكوا بعده صدقيا عمه، وكان أيضاً شريراً ولكنه كان يبدي بعض الخضوع الظاهري لإرميا.
عندما بلغ باروخ التاسعة والعشرين من عمره، وفى السنة الرابعة لملك صدقيا (إر 51: 59) ذهب صدقيا لزيارة بابل وإعلان خضوعه لنبوخذنصر ملك بابل وأخذ معه بعض رؤسائه، ومنهم سرايا أخى باروخ، فأنتهز إرميا هذه الفرصة وأرسل مع سرايا الدرج المحتوي على نبوات إرميا والذي كتبه باروخ؛ ليقرأه في بابل أمام المسبيين، ثم يربطه في حجر ويلقيه فى نهر الفرات ويعلن أمام المجتمعين من البابليين واليهود، أنه هكذا سيعاقب الله بابل من أجل شرورها ويخربها (إر 51: 63، 64).
ظل باروخ ملازماً لمعلمه إرميا وحزن كثيراً عندما سجنه صدقيا الملك. وكان يهتم بخدمة معلمه وهو فى السجن. كان باروخ قد بلغ من العمر تسعة وثلاثين عاماً حين كان إرميا فى السجن.
وفي أحد الأيام- عندما كان يزوره باروخ – طلب إرميا منه من يحتفظ بصك شراء إرميا لحقل من ابن عمه حنمئيل، فاخذ باروخ نسختين من صك الشراء ووضعهما في إناء خزفي؛ ليبقيا مدة طويلة، إعلاناً من الله بأن شعبه، الذي سيُسبى بعد سنة واحدة من هذا التاريخ، بيد بابل سيعود إلي أرضه على يد كورش ملك مادي وفارس ويشترون أراضي وبيوتاً (إر 32: 7-15)، ففعل باروخ كما أمره إرميا.
عندما بلغ باروخ الأربعين من عمره، هجمت بابل على أورشليم وأحرقتها هى وهيكلها وقبضت على صدقيا الملك وقتلت بنيه وفقأت عينيه وأرسلته سجيناً إلى بابل. وأكرمت بابل إرميا، إذ علمت بنبواته عنها، وترك له الاختيار أن يبقى في اليهودية، أو في بابل، فبقى هو وباروخ تلميذه في اليهودية.
حاول اليهود الهرب إلى مصر، فأوصاهم إرميا بالخضوع لبابل وعدم الذهاب إلى مصر لكنهم أصروا وأخذوه بالقوة معهم وتبعه باروخ، فوصلوا إلى مصر، وبالتحديد فى تحفنحيس وكان عمر باروخ قد بلغ الحادي والأربعون من عمره. ظل إرميا يتنبأ لليهود في مصر بالتوبة وأعلن لهم أن نبوخذنصر سيهجم على مصر التى يحتمون فيها ولكنهم لم يسمعوا له، بل قاموا عليه ورجموه وكان هذا هو أصعب منظر قد رآه باروخ فى حياته. لتعلقه الشديد ومحبته لإرميا.
بعد استشهاد إرميا هجم نبوخذنصر على مصر وخربها، وفي عودته إلى بابل أخذ معه باروخ وهناك رأى باروخ اليهود في ذل العبودية وبعضهم قد عاد إلى الله بالتوبة والبعض الأخر قد انشغل بالماديات والممتلكات فى بابل، فحزن باروخ على اليهود، الذين لم يتعلموا من ضيقة السبى ولم يرجعوا إلى الله.
فى بابل كتب باروخ نبوته فى السنة الخامسة لخراب أورشليم، حين كان عمره خمسة وأربعين عاماً، وقرأها على مسامع يهوياكين ملك يهوذا المسجون فى بابل وعلى مسامع اليهود المسبيين فى بابل (با 1: 1-3). وفى هذه النبوة دعا الشعب للتوبة والرجوع إلى الله بالبكاء والصوم والصلاة (با 3: 1-8) وضمن فى نبواته كلاماً واضحاً عن تجسد المسيح (با 3: 24) والثالوث القدوس (با 4: 22)، ثم أضاف إلى نبواته رسالة من ارميا إلى المسبيين فى بابل، كان قد أملاها عليه قبل استشهاده في مصر (با 6).
عاش باروخ فى بابل سنوات طويلة يصلى من أجل شعبه ويدعوهم للرجوع إلى الله الذي وعدهم بالرجوع من السبي. وجمع باروخ تبرعات من الشعب من الفضة وأرسلها إلى يوياقيم بن حلقيا الكاهن (با 1: 10). لتقديم ذبائح عن المسبيين فى بابل ولعل الكهنة في أورشليم كانوا يقدمون ذبائح على مذبح مؤقت في خرائب الهيكل. كل هذا صنعه باروخ ليتعلق شعبه بأورشليم والهيكل الذي سيبنى فيها، فيتحمسون للرجوع من السبي.
شاخ باروخ في بابل وكان يتتلمذ على يديه أتقياء اليهود، ومنهم شاباً صغيراً هو عزرا الكاهن والكاتب، الذي كتب سفر عزرا، والذي ارتبط بمعلمه باروخ وأحبه جداً، فاستطاع أن يحصل على خلاصة فكره الروحي في شيخوخته.
عندما بلغ باروخ الثامنة والثمانين من عمره هجمت مملكة مادي وفارس على بابل واستولت عليها هى وكل البلاد التابعة لها، وشهد باروخ تحقيق كلام الله على فم معلمه إرميا وعلى فم باقي الأنبياء بالعودة من السبى، إذ أن كورش أول ملوك فارس وافق على عودة اليهود إلى أورشليم؛ ليبنوا هيكلها.
وعندما بلغ باروخ التسعين من عمره تحرك أول فوج من اليهود الراجين من السبي بقيادة زربابل وكان ذلك عام 536 ق.م، ولم يذهب معهم عزرا تلميذ باروخ؛ لتعلقه بالتلمذة على يد معلمه، فظل معه في بابل، رغم شوق عزرا الشديد للرجوع إلى أورشليم وممارسة كهنوته.
مرت سنوات قليلة بعد هذا، ثم تنيح النبي العظيم باروخ في بابل، بعد أن تجاوز التسعين من عمره بسنوات قليلة وقد أعطى مثالاً عملياً في القوة والشجاعة وفى نفس الوقت الطاعة والتلمذة. فاهتم عزرا بتشجيع اليهود على العودة إلى أورشليم، رغم أنه كان شاباً صغيراً، ومرت سنوات طويلة حوالي سبعة وخمسين عاماً، عاد بعدها عزرا بالفوج الثانى من المسبيين إلى أورشليم.

 

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d9%88%d8%ae-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8%d9%89/

إرميا النبى

وُلد إرميا في قرية تدعى عناثوث (إر 1: 1) التى تبعد ثلاثة أميال شمال شرق أورشليم. ومعنى اسمه “الله يرمى ويخرج إلى الشعوب”. واسم إرميا يدل على حياته، فقد أخرجه الله؛ ليتنبأ على كل المحيطين به ويدعوهم للرجوع إلى الله.

وُلد إرميا عام 646 ق.م فى أواخر حكم منسى ملك يهوذا، الذي عبد الأوثان وسار في الشر، ولكنه فى نهاية حياته تاب وعاد إلى الله، وإن كان لم يستطع أن يعيد شعبه إلى الله، بل ظل يعبد الأوثان. وفى سن الرابعة من عمر إرميا مات منسى وملك ابنه آمون على يهوذا، وهذا سار فى الشر وعبد الأوثان أيضاً. ومعنى هذا أن الجو المحيط بإرميا كان فاسداً والشعب يميل لعبادة الأوثان والابتعاد عن الله.

إن قرية عناثوث- التى وُلد فيها إرميا- هى قرية مخصصة لسكنى الكهنة (يش 21: 18)، فإرميا من نسل كهنوتى، إذ أن جده الأكبر أبياثار كان رئيساً للكهنة مع صادوق أيام داود النبى. وبعد موت داود عزل سليمان أبياثار عن الكهنوت؟ لاشتراكه فى تمليك أدونيا أخى سليمان، مخالفاً لأوامر الله ولداود الملك (1مل 2: 27). ولذا فكان نسل أبياثار الساكنين فى عناثوث المعزولين عن خدمة الهيكل قد سقطوا فى بدعة، وهى تقديم العبادة خارج أورشليم فى قريتهم عناثوث. كل هذا يوضح مدى الفساد والتخبط الذي ساد الجو المحيط بإرميا فى طفولته.

مما سبق نفهم أن إرميا كان كاهناً ونبياً فى نفس الوقت ولكنه لم يمارس كهنوته، بل ركز على النبوة، أو هكذا الله أراده أن يكون نبياً، ولم يتضايق إرميا بسبب عزل جده أبياثار وكل نسله من الخدمة الكهنوتية. وجمع إرميا للكهنوت والنبوة فى شخصه يشبه آخرين، مثل حزقيال النبى وزكريا الكاهن والنبى أبى يوحنا المعمدان. ولما بلغ إرميا من العمر سبع سنوات، تملك يوشيا الملك الصالح على مملكة يهوذا، بعد موت آمون أبيه. وكان يوشيا طفلاً عمره ثماني سنوات حين ملك، ولم يبدأ يوشيا إصلاحاته الدينية إلا حين بلغ ستة وعشرين عاما . ً أي بعد ثمانية عشر سنة من تملكه، فبدأ فى ترميم الهيكل وإبادة عبادة الأوثان من مملكة يهوذا بكل شدة (2 مل 22: 1، 23: 23).

فى الفترة التى كان فيها إرميا طفلاً، ثم فتى كان الفساد يعم مملكة يهوذا. ولكن يظهر عمل الله مع إرميا، فقد تأثر بالأنبياء الذين سبقوه. كما ذكر فى نبوته (إر 28: 8) ولعل من أشهر هؤلاء الأنبياء: إشعياء وصفنيا الذى سبق إرميا بثلاثة عشر عاماً وهوشع وعوبديا.

وبهذا كان إرميا فى ضيق شديد من هذا الفساد وكان يعلم مدي غضب الله على شر شعبه، خاصة وأن إرميا كان رقيق المشاعر جداً، فأحب الله من كل قلبه وتضايق لضيق الله من الشر.

نادى الله ارميا ليبدأ نبوته وكان عمره عشرين عاماً وقتذاك، وكان في السنة الثالثة عشر من ملك يوشيا؟ قبل أن يبدأ إصلاحاته الدينية (ار 1: 2)، فكان ارميا بهذا مشجعاً ليوشيا على إبادة عبادة الأوثان وترميم الهيكل ودعوة الشعب للتوبة والرجوع إلى الله.

أمر الله إرميا أن يوبخ كل فئات الشعب لشرهم، الملك والرؤساء والمعلمين والكهنة وكل الشعب. فشعر إرميا بصعوبة الرسالة التى كلفه بها الله واعتذر أولاً لصغر سنه (ار 1: 5). لكن الله قال له، لا تقل إني ولد، وتنبأ بما أمرتك (إر 1: 7)، فقام مسرعاً لينفذ مشيئة الله ويتنبأ على كل من حوله. وخاصة وأن الله أعلمه أنه مختار من الله وهو بعد جنين في بطن أمه (ار 1: 5).

أحب إرميا البتولية، ثم أمره الله بعدم الزواج، وكان هذا متمشياً مع محبة إرميا لله والتفرغ لخدمته. وقصد الله أيضاً ببتولية إرميا أن يكون مثالاً للشعب فى أن مملكة يهوذا غير مستقرة ومعرضة للخراب بيد بابل (إر 16: 2).

استمر إرميا فى دعوة شعبه للتوبة وكان يوشيا وقتذاك مستمراً أيضاً في دعوة الشعب لعبادة الله، وإذ رأى الله اهتمام يوشيا وإرميا جعل حلقيا- رئيس الكهنة وقتذاك- يكتشف نسخة من شريعة الله فى الهيكل، أثناء ترميمه (2 مل 22: 8). وعندما قرأها يوشيا تأثر جداً ومزق ثيابه مقدماً توبة عن نفسه وكل شعبه بسبب مخالفتهم للشريعة. وأرسل إلى خلده النبيه الساكنة فى أورشليم (2 أى 34: 22)، فأعلمتهم أن الله سيجلب الشر على أورشليم. لأجل كثرة خطاياها، ولكن لتوبة يوشيا سيجعل هذا الخراب يتم بعد موته. وقد سمح الله أن يرسل يوشيا إلى خلده. لتقول نفس كلام ارميا وبهذا يساند الله إرميا فى نبواته ووعظه لشعبه ويؤكد للشعب صدق كلام ارميا. وهذا بالطبع ساند إرميا وشجعه. ليواصل رسالته.

واهتم يوشيا بعمل عيد الفصح ودعا الشعب فى كل مملكته، واليهود الباقين فى مملكة إسرائيل التى تم سبيها، فكان عيدا عظيماً. وهذا اسعد قلب إرميا جداً، إذ رأى ثماراً روحية فى شعبه وصلى لعلها تدوم.

لم يتجاوب الشعب مع إرميا (إر 7: 24 ، 26)، إذ أنه وبخهم وهددهم بخراب بلادهم وتدمير الهيكل وهى أخبار صعبة عليهم. وكان يملك وقتذاك على مملكة أشور، التى تحكم العالم، ملك يسمى أشور بأنيبال ولكنه مات مع بداية نبوة إرميا، وبدأت أشور تضعف من بعده. فشعر اليهود أنه لم يعد هناك خطراً على بلادهم وهيكلهم، فلم يطيعوا كلام ارميا ولم يتوبوا.

من ناحية أخرى لم يتجاوب مع دعوة إرميا أهل قريته عناثوث (إر 11: 21)، إذ رأوا أنه يمكن تقديم عبادة لله فى قريتهم وليس فى هيكل أورشليم. وهذا عكس ما نادى به إرميا. كما أنهم تضايقوا من إرميا مثل باقى الشعب؛ لأنه هدد البلاد بالخراب ودعا شعبه للخضوع والذهاب إلى السبى، فاعتبره الكل خائنا للوطن، مع أن كلامه كان هو كلام الله، الذي ينذر شعبه بالتأديب فى السبى لعدم توبتهم.

ولما بلغ إرميا السابعة والثلاثين من عمره قام نخو ملك مصر على رأس جيش للاستيلاء على الشام، مستغلاً ضعف مملكة أشور، فأندفع يوشيا الملك لمقاومة نخو ومنعه من الوصول إلى أشور، وهذا كان اندفاع من يوشيا الذي لم يطلب الله، فقتل في معركة مجدو عام 608 ق 3 (2 أي 35: 20- 24) وكانت بابل في هذا الوقت قد بدأت فى الظهور كدولة صغيرة.

بعد موت يوشيا مللك ابنه يهوآحاز وكان شريراً، عكس أبيه يوشيا، فابتعد عن الله وبدأت في أيامه عبادة الأوثان من جديد. ولكنه لم يبق طويلاً على العرش، إذ أن نخو ملك مصر- بعد انتصاره على أشور فى معركة كركميش عند نهر الفرات- قبض على يهوآحاز وأرسله مسبياً إلى مصر وملك بدلاً منه أخيه يهوياقيم (2 أي 36: 1- 4).

سار يهوياقيم فى الشر مثل يهوآحاز أخيه، فابتعد عن الله وعبد الأوثان وبالتالى قاوم إرميا، الذى كان يوبخ الكل لابتعادهم عن الله. والعجيب أن يهوياقيم لم يتعلم شيئاً من صلاح أبيه، بالرغم من تنبيه إرميا له أن يسير في طريق أبيه (إر 22: 15-19). كانت مشاعر إرميا كأب لشعبه تعتصر ألماً؛ لاندفاعهم في الشر، خاصة وأن الله أعلن له أن العقاب سيأتي، وهو تدمير أورشليم والهيكل وقتل الكثيرين من شعبه. فكان يبكي عليهم كثيراً، فهو رقيق المشاعر جداً. وهذا زاده إلحاحاً على الشعب أن يتوبوا، أما هم فاستمروا يستهزئون به ويقاومونه، وذلك من الملك والرؤساء الدينيين والمعلمين وكل الشعب. فاحتمل كثيراً جداً فى صمت ولم يكن له معزي إلا الله.

وقف إرميا في باب بيت الرب أمام الجموع المحتشدة هناك، الآتية للعبادة وأعلن لهم نبواته، فدعاهم للتوبة؟ لأن غضب الله شديد عليهم بسبب كثرة خطاياهم، وأعلمهم أن الله سيخرب بلادهم عن طريق ملك بابل (إر 7-9)، وصلى إرميا من أجل شعبه وتشفع فيهم أمام الله، حتى يسامحهم ولكن الله رفض، لعدم توبتهم وهذا يبين حنان إرميا واهتمامه بشعبه (إر 18: 20).

ولكن الأنبياء الكذبة قاوموا إرميا معلنين أن كلامه كله خطأ وعلى العكس سيكون سلام للشعب. وأشترك معهم الكهنة، فقام فشحور وضرب إرميا وربط يديه ورجليه بالسلاسل وسجنه (إر 2،1:20).

تأثر إرميا بهذه الضغوط الشديدة وحاول أن يكف عن خدمته ولكنه شعر بتأنيب ضميره فصارت كلمة الله كالنار في داخله، إذ أن الله أشعره بخطأ صمته عن إعلان التعليم السليم. وفي نفس الوقت شجعه أنه معه. وفى النهاية أقتنع إرميا وقام ليواصل خدمته (إر20: 7-9).

أستمر الكهنة في مقاومة إرميا، حتى أنهم منعوه من دخول الهيكل، فأمر الله إرميا أن يكتب نبواته فى درج (كتاب)، فأملى كلامه على تلميذه باروخ، فقد كان باروخ مسجلاً لكلام إرميا ومرافقاً له، ولكن كانت له أيضاً نبوة خاصة به موجودة فى الكتاب المقدس. وأمر إرميا باروخ أن يقرأ الدرج فى باب هيكل الرب – لأن ارميا كان ممنوعاً من دخول الهيكل- حيث يجتمع عد كبير من الشعب. وكان الدرج يحوي تحذيراً إلهيا بأن بابل ستهجم عليهم وتستولى على بلادهم، وقصد الله من هذا أن يتوبوا.

استدعى رؤساء مملكة يهوذا باروخ، ليقرا الدرج لهم، فخافوا من كلام الله، وأوصوا باروخ أن يختفي هو وارميا عن وجه الملك؛ لأنه سيغضب ويحاول قتلهما. ولكن لما أعلموا الملك يهوياقيم، أخذ الدرج ومزقه بمبراة الكاتب (مثل السكين) وألقاه فى النار حتى احترق. ثم أمر بالقبض على ارميا وباروخ ولكن الله أخفاهما عن عينيه، فلم يستطع أن يصل إليهما (إر 36: 20-26).

اختفى إرميا وباروخ، ولكن أعاد ارميا كتابة نسخة جديدة من نبواته بيد باروخ. واحتوت نبوات إرميا أيضاً أن يهوياقيم الملك سيقتل وتسحب جثته على الأرض مثل جثة حمار. وهذا ما حدث على يد نبوخذنصر ملك بابل (إر 22: 19). عضد أيضاًَ الله ارميا وعزاه بإرساله حبقوق النبي؟ الذى تنبأ بعد ارميا بحوالى خمسة عشر عاماً. ونادى الشعب للتوبة والرجوع إلى الله. وظهر أيضاً أيام أرميا نبيا يسمى أوريا. نادى بنفس كلام إرميا، أى دعا الشعب للتوبة؛ لأن الخراب مقبل عليهم. ولكن لم يسمع الشعب له، بل أمر يهوياقيم ملك يهوذا بقتله وكان قد هرب إلى مصر، فأحضروه من هناك وقتلوه أمام الملك (ار 26: 21-23). أما إرميا فتشفع من أجله أحد رؤساء المملكة- وهو أخيقام بن شافان- فلم يقتله الملك (إر 26: 24). وهذا يبين مدى الاضطهاد الذي واجهه إرميا أيام يهوياقيم، فكان مرضاً للموت مرات كثيرة، ولكنه لم يتوقف عن إعلان صوت الله لكل أمته حتى يتوبوا.

بعد موت يهوياقيم تملك ابنه يهوياكين لمدة ثلاثة أشهر ولكن قبض عليه نبوخذنصر ملك بابل وأرسله ليسجن فى بابل وملك بدلاً منه عمه صدقيا (2 أي 36: 9، 10).

كان صدقيا ضعيف الشخصية، متلوناً، فأحياناً يظهر اهتمامه بنبوات إرميا ويتودد إليه، وفى أحيان أخرى يأمر بسجنه ويضطهده (إر 32: 3). وكان إرميا قد بلغ من العمر- وقت ملك صدقيا- ثمانية وأربعين عاماً.

وقد ظهر خضوع صدقيا لإرميا، أمر اليهود بإطلاق إخوتهم المستعبدين عندهم. فأطاعوه (إر34: 8-11). وأيضا أرسل صدقيا إلى اليهود المسبيين فى بابل، نبوات إرميا التى تطلب منهم أن يستقروا فى أماكنهم ويشتروا بيوتاً ويغرسوا كروماً، مؤكدة أن بابل ستسبى أورشليم وسيستقروا هناك سنوات طويلة. وطلب منهم أيضاً الصلاة من أجل ملك بابل، أي الخضوع للملك؛ لعل كل هذا يقودهم للتوبة، إذ يؤكد حرمانهم من أورشليم، التى ستخرب بسبب شرها (إر 29: 1- 17). ولكن بعد هذا تقلب صدقيا ولم يعد يسمع لكلام إرميا، إذ أنه فى السنة الرابعة لملكه أتى إليه وفود من الأمم المحيطة باليهودية يشجعونه على التمرد ضد بابل ولكن أعلن له ارميا خطورة ما يحاول عمله، إذ قدم نفسه مثالاً عملياً، فحمل نيراً خشبياً على كتفه وعنقه مؤكداً ضرورة الخضوع لبابل، ولكن لم يستجيب صدقيا له ولم يطعه (إر 27). وعلم نبوخذنصر، فاستدعى صدقيا ووبخه، فخاف جداً، خاصة وأنه ضعيف الشخصية.

مما سبق نفهم أن بابل قامت بسبى مملكة يهوذا مرة أيام يهوياقيم، فأخذت أفضل الرجال ومنهم دانيال و الثلاثة فتية، ثم قامت بسبى ثان- بعد موت يهوياقيم- وأخذت فيه يهوياكين الملك وعدداً كبيراً من أشراف اليهود، وكان منهم عدد كبير من الأتقياء ومنهم حزقيال النبي. وبهذا لم يبق إلا عدد قليل من الأتقياء حول صدقيا الملك، أي أن مشيريه معظمهم كانوا أشراراً، فشجعوه على مقاومة بابل وعلى اضطهاد إرميا، حتى أن يرئياً وهو من الرؤساء ضرب ارميا وألقاه في سجن قاس فى بيت يوناثان، متهماً إياه بالخيانة لوطنه والتواطؤ مع بابل (ار 37: 13: 14). وظل فى السجن مدد طويلة حتى تعب جداً واقترب من الموت.

استدعى الملك صدقيا إرميا سراً وهو فى السجن القاسى؛ ليطلب منه كلمة الله، فأعلن له إرميا بشجاعة أن بابل ستهجم على البلاد. ولم يخف من الملك وترجى الملك أن يخرجه من هذا السجن، فأخرجه ونقله إلى سجن آخر فى القصر الملكى، أقل قسوة من السجن السابق (ار 37 : 18- 21). لان صدقيا خاف أن يفرج عن إرميا، فيغضب عليه الرؤساء.

ألقي إرميا مرة أخرى في سجن قاسى وهو جب مملوء بالطين (ار 38: 6) ولكن تشفع فى إرميا احد الرؤساء وهو عبد ملك. فأمر الملك بإخراجه (إر 38: 7- 12).

فى نفس الوقت الذي تنبأ فيه ارميا النبى تنبأ أيضاً حزقيال النبى، الذي تنبآ في السبي في شمال مدينة بابل.

فى السنة الثامنة لملك صدقيا، هجم نبوخذنصر على اليهودية وأستولى على بلاد كثيرة منها، فأرسل الله إرميا إلى صدقيا وقال له إن نبوخذنصر سيستولى على أورشليم ويحرقها وسيقبض عليك، ثم يرسلك مقيداً إلى بابل (ار 34: 2 ،3) كل هذا قاله إرميا لصدقيا لعله يتوب ولكنه لم يرجع إلى الله.

بعد هذا ترك نبوخذنصر اليهودية، ثم عاد إليها فى السنة التاسعة لملك صدقيا وحاصر أورشليم (2 مل 25، إر 39، 52). ولكن عندما تقدم خفرع ملك مصر بجيش لنجدة أورشليم، ترك نبوخذنصر حصار أورشليم والتقى بجيش مصر وهزمه، ثم عاد فحاصر أورشليم مرة ثانية (ار 44: 30، 37: 8- 10). فى هذه الأثناء ظن اليهود أنهم تخلصوا من بابل، فقسوا قلوبهم ولم يطيعوا كلام الله على فم ارميا. ليتوبوا عن شرهم، فأتى عليهم الشر بأن حاصرهم نبوخذنصر مرة ثانية، وظل يحاصرهم حتى السنة الحادية عشرة لملك صدقيا. وأثناء هذا الحصار، مات الكثيرون من اليهود فى أورشليم بالجوع والوبا، إذ كانت الضيقة عظيمة جداً؛ لأن الحصار استمر حوالي سنة ونصف.

وفى نهاية هذه المدة شعر صدقيا بأن أورشليم ستسقط حتماً فى يد بابل، حينئذ نقب صدقيا السور وهرب من أورشليم هو ورجله، فقبض عليهم رجال نبوخذنصر وأخذوه إلى نبوخذنصر، فقتل بنيه أمامه، ثم فقأ عينيه وقيده بسلاسل نحاس وأرسله إلى بابل (2 مل 25: 4-6). وفي نفس الوقت اقتحم نبوخذنصر أورشليم وأحرقها وهيكلها بالنار وسبى ما بقى فيها من أشراف وهكذا تمت نبوات إرميا (إر 34).

بعد تدمير أورشليم- وكان عمر إرميا وقتذاك تسعة وخمسين عاماً- سمعت بابل إن إرميا كان يتنبأ بنبوات لصالحها، فعامل مندوب ملك بابل إرميا برفق وسمح له أن يذهب إلى بابل، أو يبقى في أورشليم- أيما يختار (إر 39: 11- 14)، فاختار إرميا أن يظل بين شعبه في أورشليم؛ ليدعوهم إلى التوبة.

حاول اليهود الالتجاء إلى مصر ولكن إرميا أعلن لهم ضرورة الخضوع لبابل، فالخضوع لها هو خضوع لله وضرورة قبول التأديب البابلي؛ ليتوبوا. أما هم فأصروا على الهرب إلى مصر، بل وحملوا إرميا معهم بالقوة إلى مصر.

في مصر ظل إرميا يدعو شعبه للرجوع إلى الله ولكنهم للأسف قدموا عبادة للآلهة الوثنية في مصر، فأعلن لهم إرميا إن إصرارهم على رفض الله سيؤدي بهم إلى الفناء؛ لأن نبوخذنصر سيهجم على مصر ويدمر آلهتها، بعد أن ينتصر عليها (إر 43: 13) أما هم فقسوا قلوبهم واستمروا فى عبادة الأوثان. بل حنقوا على إرميا وقاموا عليه ورجموه فى مصر، فمات شهيداً، بعد أن بلغ من العمر ستين عاماً، كما يذكر التقليد اليهودي.

استشهد إرميا بعد أن تنبأ أربعين عاماً لشعبه واحتمل آلاماً كثيرة وتعرض للموت عدة مرات، فكان رمزا للمسيح، الذي رفضه شعبه، والذي جاء إلى خاصته وخاصته لم تقبله (يو 1: 1). ومات إرميا بيد شعبه- مثل المسيح- بعد أن تمم إرميا خدمته فى طاعة عجيبة.

تميز إرميا برقة المشاعر، فقد سالت دموعه كثيراً من أجل شعبه ولكنه في نفس الوقت أعلن صوت الله وعدله وعقابه بلا تقصير. كان كأب يتألم من أجل أولاده الذين سيهلكون وفي نفس الوقت ينبههم دائماً للعودة إلى الله (إر 9: 1). وفى تأثره الشديد لهلاك شعبه كتب مرثاة طويلة سجلت فى الكتاب المقدس في خمسة إصحاحات وهى سفر مراثى إرميا.

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a5%d8%b1%d9%85%d9%8a%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8%d9%89/

إشعياء النبى

ولد إشعياء عام 760 ق. م فى أورشليم ومعنى اسمه يدل على نبوته وهو يعنى “الله يخلص؛. لأنه إن كان الله سيسمح بالسبى لشعبه لكثرة خطاياهم، لكنه يخلصهم ويعيدهم من السبي. وكان اسم إشعياء يتسمى به الكثيرون من شعب الله في هذا الوقت.

كان أبوه يسمى أموص (2أخ 26: 22) ويقول التقليد اليهودي أنه كان أيضاً نبياً، ويضيف بأنه كان أخو أمصيا ملك يهوذا، وبهذا يكون الملك أمصيا عم إشعياء، وهذا معناه أن إشعياء كان من حقه دخول القصر الملكى والاختلاط بالموجودين فيه، وبالتالي معرفة أسرار القصر، فتكلم فى نبوته عن الأخطاء الموجودة به ودعا الكل للتوبة؟ ليرحمهم الله.
أثناء طفولة إشعياء كان على عرش مملكة يهوذا الملك عزيا ولكنه أصيب بمرض البرص؛ نتيجة تجاسره ودخوله إلى القدس، الذى لا يجوز دخول أحد إليه إلا الكهنة، فعزل فى بيت المرض، وكان يقوم بقيادة أعمال المملكة أبنه يوثام (2 أي 26: 19- 21). وانتشرت في هذه الفترة عبادة الأوثان بين شعب الله ولم يُرجعهم يوثام عنها.
كذلك فى هذا الوقت عاش الأغنياء في ترف شديد ورأى إشعياء مركباتهم الفاخرة تجري فى شوارع أورشليم ونسائهم المدللات بالملابس العظيمة، بل رأى أيضاً الولائم الكبيرة في القصر الملكى. وفى نفس الوقت رأى الفقراء يعانون من الجوع والعوز، بالإضافة إلى ممارسة أنواع النجاسات المختلفة المرتبطة بعادة الأوثان فى أورشليم، فكان وهو فتى يتأذى قلبه من كل ذلك.
عندما صار شاباً سمع بالدول القوية وقتذاك- وهى مصر وأشور- وميل الشعب للتخلف معها وليس الاتكال على الله، فكان يتضايق جداً. والى جانب ذلك حزن لابتعاد مملكة إسرائيل، أي الأسباط العشرة عن الله، بل محاولتهم التحالف مع الأمم ضد مملكته، أي مملكة يهوذا، فكان يتعجب ويقول كيف يتحارب الأخوة اليهود؟؛ بل كان قلبه حزيناً جداً، لانشغال الناس عن عبادة الله فى هيكله وتفاخر الأغنياء بكثرة الذبائح التى يقدمونها وتمجيد الكهنة لهم.
وسط ظلام الفساد الذي انتشر في مملكة يهوذا ومملكة إسرائيل، ظهرت أنوار شجعت إشعياء، فقد سمع وهو طفل عاموس النبى، الذي كان يتنبأ فى مملكة إسرائيل. وبعد ذلك عندما صار فتى سمع عن هوشع النبي فى مملكة إسرائيل أيضاً، ثم ظهر ميخا النبى في مملكة يهوذا وهذا ظل يتنبأ مع إشعياء. عندما بلغ إشعياء سن العشرين وكان ذلك عام 740 ق.م. وكان قلبه مملوءا حزنا على شعبه البعيد عن الله، أظهر الله حنانه عليه، فظهر له في رؤيا (إش 6: 1-8)، رأى فيها الله وهو جلس على عرشه وأذياله تملأ الهيكل وحوله ملائكة من رتبة السرافيم، يغطون وجوههم وأرجلهم بأجنحتهم، خشوعاً أمام الله، ويقولون قدوس قدوس قدوس. ثم أتى أحد السرافيم بجمرة من نار ومس بها شفتى إشعياء وطهره، وحينئذ نادى الله طالباً من يتقدم ليرسله؛ ليرجع شعبه إليه، فأعلن إشعياء فى الحال موافقته، إذ كان قلبه حارا فيه ومشتاقا لإرجاع شعبه إلى الله.
بدأ ينادي إشعياء شعبه فى مملكة يهوذا وكذلك فى مملكة إسرائيل؛ ليتوبوا ويرجعوا إلى الله. وبهذا بدأ إشعياء عمله النبوي، وكان ذلك فى سنة وفاة عزيا، ثم تملك يوثام وحده على عرش مملكة يهوذا.
تزوج إشعياء بامرأة دعاها النبية (إش 8: 3)، ليس لأنها تنبأت، بل لأنها تعاونه فى عمله النبوي وأنجب منها ابنين، دعى كل منهم باسم يعنى حدثاً مقبلاً، أي أن الله أوصاه أن يسمى ابنه الأكبر ” شار ياشوب ” (إش 7: 3)، ومعناه “البقية سترجع” ويظهر من ذلك حنان الله الذي يبشر شعبه قبل أن يسبى بأنه سيرجع من السبى. أما الابن الثانى فدعاه “مهير شلال حاش بز” (إش 8: 3) ومعناه “عجل النهب أسرع الغنيمة” ويعنى أن السبى مقبل على الشعب تأديباً له؛ ليتوب.
عندما بلغ إشعياء ستة وثلاثين عاماً من عمره مات يوثام وملك بعده ابنه أحاز على مملكة يهوذا (2 أي 27: 9). وكان أحاز شريراً، فترك عبادة الأوثان تنتشر فى مملكته. وخاف من تحالف ملك آرام مع ملك إسرائيل ضده، وبدلاً من أن يتمسك بالله، ذهب وتحلف مع ملك أشور (2 أي 28: 16)، فأرسل الله له إشعياء ليوبخه، خاصة وأنه كان قد صنع مذبحاً وثنياً داخل الهيكل، بدلاً من مذبح المحرقة الذي أوصى به الله. ودعاه إشعياء أن يطلب من الله ويتكل عليه، فرفض واستمر متحالفاً مع ملك أشور ضد أوامر الله. فقال له إشعياء إن الله قادر أن يصنع معجزات مع شعبه، إن اتكل عليه، وأخبره أيضاً بما سيحدث فى ملء الزمان بتجسد المسيح من عذراء، وهذه معجزة لا مثيل لها (إش 14:7).
بالإضافة إلى مناداة إشعياء شعبه فى مملكة يهوذا ومملكة إسرائيل بالتوبة، نادى الأمم أيضاً أن ترجع إلى الله؛ لأن الله هو خلق كل البشر.
عندما بلغ إشعياء من العمر خمسين عاماً حدث أمر مؤسف جداً، وهو أن هجمت مملكة أشور على مملكة إسرائيل واستولت عليها على ثلاثة مراحل، وأخذت شعبها وفرقته بين شعوب الأمم (عام 722 ق.م)؛ لتلغي قوميتهم وأتت بشعوب الأمم وأسكنتهم مكانهم. وهكذا تحولت أرض إسرائيل إلى عبادة الأوثان، فغضب الله وهجمت السباع على الأمم الساكنة مكان مملكة إسرائيل، فخافوا جميعاً من إله إسرائيل (2 مل 17: 25).
بعد سبى مملكة إسرائيل وكل ما سببه من أحزان لإشعياء، أراد الله أن يفرح قلبه، إذ بعد سنتين- عندما بلغ من العمر أثنين وخمسين عاماً- تملك حزقيا الملك على مملكة يهوذا. ورغم أن أبوه أحاز كان يعبد الأوثان ولكن حزقيا اهتم منذ تملكه بعبادة الله فى هيكله؛ لأن حزقيا تتلمذ على يد إشعياء، فأحب الله وعبادته. فاهتم حزقيا بترميم الهيكل وفتح أبوابه للعبادة وجمع الكهنة واللاويين للاهتمام بخدمة الهيكل، بالإضافة إلى إزالة أشكال العبادة الوثنية فى مملكته. كل هذا فرح قلب إشعياء، واستمر حزقيا مطيعاً لإشعياء.
تعرض حزقيا الملك لهجوم جيوش الأشوريين بقيادة سنحاريب الملك الأشوري، الذي أرسل رسائل تهديد إلى حزقيا، فوضعها حزقيا فى بيت الرب وطلب وتذلل أمامه. فأرسل الله إشعياء وطمأنه. وفى هذه الليلة أرسل الله ملاكه وقتل 185000 من جيش سنحاريب وهرب الباقون (2مل 19: 35-37).
تعرض حزقيا لمرض شديد وأنبأه إشعياء بأنه سيموت، فصلى حزقيا طلباً من الله أن يعش، فقال له إشعياء: أن الله قبل صلاته وسيمد عمره خمسة عشر عاماً وأعطاه علامة في الطبيعة وهو أن يتراجع الظل عشر درجات (2مل 20: 8- 11) وهذه معجزة غريبة، فعاش حزقيا وشكر الله.
أتى وفود من بلاد العالم لتهنئة حزقيا ومنهم مندوبين من بابل فتكبر حزقيا وأراهم نفائسه وكل ما فى خزائنه، فوبخه إشعياء وأعلمه أن الله سيأخذ كل هذه النفائس وتنقل إلى بابل. ولكن لأجل صلاح حزقيا، سيفعل هذا بعد وفاته. وقد حدث هذا فعلاً عندما سبيت مملكة يهوذا إلى بابل (2مل 2: 13، 17، 18).
اهتم إشعياء بدعوة شعبه لعبادة الله من القلب وليست العبادة المظهرية (إش 1: 11) استمر إشعياء يدعو شعبه للتوبة ويوبخهم ويعلن لهم أن أشور هو قضيب تأديب من الله، فقد قامت بسبى مملكة إسرائيل لشرها، وغزت واستولت على بلاد اليهودية؛ لسقوط مملكة يهوذا أيضاً فى عبادة الأوثان فى بعض الأحيان. ولكن لم تستطع أشور أن تدخل أورشليم من أجل صلاح إشعياء وحزقيا الملك واستجابة الكهنة والشعب لهما.
رأى إشعياء بروح النبوة تجسد المسيح وآلامه وموته وقيامته. وكتب نبوات كثيرة عنها؛ حتى دعي النبي الإنجيلي؛. لأنه وصف أحداث الصليب بدقة وخصص لها جزءاً كبيراً من نبواته من الإصحاح الأربعين حتى الإصحاح السادس والستين.
عندما بلغ إشعياء ثلاثة وسبعين عاماً من عمره، مات حزقيا ملك يهوذا وجلس على عرش يهوذا ابنه منسى، الذي سلك فى الشر، فأهمل عبادة الله ونشر عبادة الأوثان. وبالتالى لم يكن محباً لإشعياء- مثل أبيه حزقيا- بل اضطهده، ثم أمر بقتله بطريقة صعبة وهي نشره بمنشار خشبى لتعذيبه، فمات شهيداً وعمره ثمانين عاماً وذلك عام 680 ق. م.
أستمر إشعياء يتنبأ حوالى ستين عاماً بشجاعة ليس لها نظير، ولذا فاليهود يعتبرونه فى المرتبة الثانية بعد موسى النبى رئيس الأنبياء. لقد كان مثالاً للمسيح فى احتمال الآلام. وكتب سفراً طويلاً عدد إصحاحاته ستة وستين إصحاحا مملوءة بالدعوة إلى التوبة والرجاء فى الرجوع من السبى، ثم تجسد المسيح المخلص.

 

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a5%d8%b4%d8%b9%d9%8a%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8%d9%89/

شخصيات فى أيقونة الفداء (4)

عند التأمل فى أحداث الصلب والقيامة نجد بعض الشخصيات التى تظهر بوضوح فى هذه الأيقونة، بعضهم مثل نجوم مضيئة تعلن أثر عمل الروح القدس فى البشرية فيظهر فى صورة المحبة النقية والتوبة الصادقة، أما البعض الآخر فمثل بقع سوداء توضح حال البشرية عندما ترفض عمل الروح القدس فيها فتصبح خائنة خائفة وفاقدة للرجاء.
من هذه الشخصيات:
8- يوسف الرامى
يعتبر “يوسف الرامى” من الشخصيات الهادئة الوقورة. متوازن وقوى الشخصية وله كلمة مسموعة ولسنا نعرف متى تبع السيد المسيح وصار له تلميذاً. إنه نموذج جيد للتلميذ المخلص الصادق, وإن كان فيه بقية من الأنسان العتيق. فقد كان مثل نيقوديموس يخشى رد فعل اليهود متى عرفوا إنه تلميذ للمسيح.
ويقول القديس مرقس أن يوسف الرامى هو “تلميذ ليسوع” وهو أيضاً “منتظر ملكوت السموات”
ولادته:
ولد يوسف فى “الرامة” أو “الرمتايم” وهى نفس البلدة التى ولد فيها صموئيل النبى (اصم1:1) ومعنى اسم تلك البلدة “مرتفع الحراس” ويعتقد أن موقعها الآن “رام الله”.
يوسف الرامى فى الأناجيل:
ذُكر عنه فى البشائر الأربعة بأنه:
1- رجل غنى (مت 57:27)
2- مشير شريف (مر43:15)
3- مشيراً ورجلاً صالحاً باراً (لو50:23)
4- تلميذ يسوع (يو38:19)
وظيفته الدينية:
واضح أنه كان عضواً فى السنهدريم وعندما أنعقد المجمع لمحاكمة يسوع (قبل القبض عليه) رفض أن يوافقهم على رأيهم.
ولم يستطع يوسف أن يُكرم المسيح فى حياته ولكن أحداث الآلام و الصلب الدامية حركت مشاعره وعندما مات يسوع على الصليب طلب يوسف من بيلاطس جسد يسوع ليدفنه بنفسه, ولكن تعجب بيلاطس بأن يسوع مات سريعاً. والدليل على ذلك أنه استدعى قائد المئة ليتأكد منه, وبعدها وافق على طلب يوسف. (مر44:15).
“ولكن كيف تجاسر كما يقول القديس مرقس ويدخل إلى بيلاطس ويطلب جسد يسوع (مر43:15) وهو ليس من أقرباءه كما التشفع فى مصلوب أمر يعرض للمتاعب وقد يصل فى بعض الأحيان إلى الإعدام لمجرد طلب جسد المصلوب ولكن يوسف رجل سنهدريمي وله شهرته.
التكفين والدفن:
مع أن بائعى الأكفان والحنوط كانوا لا يعملون أيام السبوت إلا أن نيقوديموس استطاع شراء الحنوط قبل السبت, أما الكتان فكان كتاناً نقياً بمعنى أنه غالى الثمن (مت59:27)
وقام كل من يوسف الرامى ونيقوديموس بتكفين جسد يسوع مع الأطياب حسب عادة اليهود (يو40:19).
القبر الذى دٌفن فيه السيد:
هو قبر ملك خاص ليوسف الرامى حفره ليٌدفن فيه بالقرب من المدينة المقدسة, وحفر ذلك القبر خصيصاً فى الصخر لتكون مقبرة العائلة ولم يكن أحد قد دُفن فيه بعد (يو41:19, مت60:27) والقبر الذى من هذا النوع مُكلف جدا, ولم يعتد علًى فعل ذلك إلا الأغنياء فقط.
الحجر على فم القبر:
كان هذا الحجر الثقيل عبارة عن أسطوانة مثل حجر الطاحونة يُدحرج حتى يأتى مقابل فتحة القبر. مع وجود هبوط تحته يستقر فيه حتى لا يمكن دحرجته بسهولة وإلا لكانت النسوة حركوا الحجر بسهولة ولكنهن بحثن عمن يدحرجه لهن (مر3,2:16). ولعل دفن يوسف لجسد المسيح كان أعظم عمل جاء إلى الحياة لأجله.
وتعيد له الكنيسة القبطية فى يوم 22 برمهات الموافق 31 مارس من كل عام.

9- نيقوديموس
اسم نيقوديموس يُعنى “نقى الدم” أو “منتصر على الشعب” وهذا الاسم كان من الأسماء الشائعة بين اليهود فى القرن الأول الميلادى.
نيقوديموس فى الأناجيل:
ذُكر نيقوديموس ثلاث مرات فى العهد الجديد:
1- هو الذى أتى إلى يسوع ليلاً وتحدث معه عن الولادة الجديدة (يوحنا 3).
2- هو الذى على استحياء عاتب مجلس السنهدريم على التسرع فى الحكم على يسوع.
3- أعظم عمل قام به فى حياته وهو دفن جسد يسوع.
لقاء نيقوديموس بالسيد المسيح:
جاء نيقوديموس إلى السيد المسيح ليلاً وراح يسأل مثل تلميذ مبتدىء. كيف يولد شيخ كبير مثله من جديد؟, ألعله يقدر أن يدخل بطن أُمه ثانيةً! غير أن السيد المسيح لم يكن يتكلم عن البطن الجسدية بل البطن الروحية, بطن الأم والتى تلد بنين الله.
وهكذا كان نيقوديموس المعلم والحاخام الكبير لا يُدرك أن الناموس والأنبياء والنبوات والرموز كلها أشارت إلى رب المجد يسوع وتوقفت عنده.
دفن السيد المسيح:
يُذكر أن نيقوديموس اشترى مئة رطل من الحنوط مع الكتان النقى لينال هذه النعمة العظيمة مع يوسف الرامي فى تكفين جسد يسوع.
ويُذكر أيضاً فى بعض التقاليد إنه اعترف جهراً بالمسيح فادياً ومخلصاً, ونال سر المعمودية على يدى القديس بطرس, وما أن سمع السنهدريم فى أورشليم حتى أصدروا قراراً بطرده من مركزه, ونفيه من أورشليم (لعله اختار هذا النفى), وقد فقد ثروته مع إنه كان من أثرياء اليهود ولكنه ضحى بكل ما يملك ليفوز بكنز الإنجيل و الكنز المذخر له فى الحياة الأبدية. “انه الكنز الذى مضى التاجر وباع كل ما له واشتراه”
وتعيد له الكنيسة القبطية فى يوم 17 برمودة الموافق 25 أبريل من كل عام.

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%b4%d8%ae%d8%b5%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%89-%d8%a3%d9%8a%d9%82%d9%88%d9%86%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%af%d8%a7%d8%a1-4/

شخصيات فى أيقونة الفداء (2)

عند التأمل فى أحداث الصلب والقيامة نجد بعض الشخصيات التى تظهر بوضوح فى هذه الأيقونة، بعضهم مثل نجوم مضيئة تعلن أثر عمل الروح القدس فى البشرية فيظهر فى صورة المحبة النقية والتوبة الصادقة، أما البعض الآخر فمثل بقع سوداء توضح حال البشرية عندما ترفض عمل الروح القدس فيها فتصبح خائنة خائفة وفاقدة للرجاء.
من هذه الشخصيات:
4- بيلاطس البنطى
هو الوالى الذى حوكم أمامه السيد المسيح, والاسم بيلاطس معناه: “المتسلح برمُح”.
وُلد بيلاطس وهو الوالى الخامس على اليهودية سنة 10 ق.م. فى روما, والبعض يقول في سيفيل (أشبيلية) وقد عمل ضمن الحرس الإمبراطوري, خدم فى ألمانيا, وقضى فترة فى روما بعد إنتهاء مدته, وكان عليه إما أن يترك السياسة فيتحول إلى الأعمال الحرة أو يواصل فى الخدمة العسكرية ليترقى حيث يصبح وزيراً أو مسئول مقاطعة.
شخصيته:
فقد ورد عنه أنه جاد الملامح مربّع الوجه, شعره مُجعّد رمادى داكن. وحين توجه إلى اليهودية كان فى سن الخامسة والثلاثين, وكانت هيئته رومانية مثالية, وكان سجله العسكرى مشرفاً, عمل فى إدارة عسكرية مع الفيلق الثانى عشر وقام بإخماد ثورة كبيرة- من خلال الخطابة والقوة معاً, امتدحه سيجانوس المسئول الرومانى الكبير آنئذ وأسهم ذلك فى شهرته.
تعيينه والياً على اليهودية:
كان فاليروس جانوس, الذى تولى حكم اليهودية لمدة إحدى عشرة سنة قد ملّ من اليهودية, ووافق الإمبراطور طيباريوس قيصر على استبداله, وأقترح سيجانوس اسم بيلاطس, فوافق, ووصل راتبه السنوى مائة الف سسترس (عشرين الف دولار) مع الوعد بالزيادة متى نجح فى مهمته, وكان بيلاطس يعرف جيداً أنه لا راحة بين روما واليهود, فمنذ أن غزاها بومباى قبل تسعين عاماً قام اليهود خلالها باثنتين وعشرين ثورة قُتل فيها الكثيرين. وقد صادق طيباريوس قيصر على تعيين بيلاطس فى منتصف عام 26م (فى السنة الثانية عشر من ملكه).
تزوج بيلاطس من “كلوديا بروكولا”, ورغم وصف بعض المؤرخين له وصفاً سلبياً، فإن الكتابات المتاحة تتعاطف معه وترى فى استمراره أحد عشر عاماً دليل نجاح, وقد أدار الكثير من الأزمات بحكمة, والعجيب أن السامريين هم الذين تسببوا فى إقصائه عن الحكم وليس اليهود!
مشروع المياه:
وهو المشروع الذى أراد أن يموله من خزينة الهيكل, ولكن اليهود ثاروا ثورتهم الثالثة والعشرين ضد روما واستطاع بيلاطس بحيلة أن يستولى على الأموال الآتية من بابل كتقدمات للهيكل, وهنا ثار الحجاج الجليليون عندما جاءوا فى الفصح وعلموا بما حدث, فأعمل الجنود الرومانيون السيوف فيهم, وهذا هو المقصود بأن بيلاطس خلط دماء الجليليين بذبئحهم (لو 1:13).
بيلاطس والمسيح:
اعتبر بيلاطس المسيح فيلسوفاً يحث على الفضيلة ولم يُبلغ عن أى شغب بخصوصه, والرومان بشكل عام لم يضطهدوا المسيحيين (على الأقل فى البداية) إلا بسبب شكاية اليهود ضدهم.
كان بيلاطس قد كلُف السنهدريم بجمع أخبار يسوع, وتقول بعض مصادر من التقليد أن قيافا مضى ليلاً إلى بيلاطس البنطى فى مسكنه، وأطلعه على القضية واستطاع إقناعه بأنه من الأفضل التخلص من ذاك المشاغب (حسب تصوره) قبل احتفالات الفصح، بعد أن قرروا القبض عليه فى العيد ولكنهم تراجعوا لئلا تندلع المظاهرات المؤيدة له فتأتى الخطة بنتيجة عكسية، وحاول قيافا إقناع بيلاطس بأنهم قد وفروا عليه عناء المحاكمة وأخذ الأقوال بحجة الحرص على وقته، واتفق معه على أن يقوم فى الغد بالتصديق على الحكم بموته ولكن بيلاطس فى الصباح فاجأهم بأنه سيعيد النظر فى القضية برمتها وعندما جلس بيلاطس ليحاكم يسوع فوجئ بشاب نبيل, وسيم, مهيب الطلعة, فخاف منه! فسأله: “أنت ملك اليهود؟” وأجابه السيد: “أَمِنْ ذاتك تقول هذا” (يو34,33:18) لم يجد بيلاطس فى السيد المسيح ما يستحق عليه الموت, بل مجرد خلاف حول تفسير الناموس، فأيقن إنه برئ وإنه أسلم إليه حسداً، فأتجه إلى اليهود يسألهم: “أيَة شكاية تقدمون على هذا الإنسان؟” مما ضايق قيافا جداً وجعله يهدد بيلاطس ويهيج الشعب ضده بأنه فى حالة أطلاق سراح يسوع سيكون مقاوماً للقيصر, والعجيب هنا أن قيافا عندما فشل فى الدين لجأ إلى السياسة, أى أنه عندما لم يستطع أن ينتزع من بيلاطس الحكم بصلب المسيح بسبب المبررات الدينية التى ساقها إليه بدأ فى الضغط السياسي (يو 19 : 4-14).
ولكن خطية بيلاطس أنه لم يقُم العدل (يقول القانون فى روما أقِم العدل ولو انطبقت السماء على الأرض) وفى النهاية صرخ بيلاطس : “إنى برىء من دم هذا البار!” (مت 24:27) , ومن ثم قام بغسل يده. عند ذلك أطلق اليهود السهم الأخير فى جعبتهم وهددوه قائلين: “إن أطلقت هذا فلست مُحباً لقيصر. كل من يجعل نفسه ملكاً يُقاوم قيصر!”(يو12:19). وكانت عقوبة تلك الخيانة تسمى crimen caesaris وهى الإعدام , وعلى العكس منها “محب لقيصر” amicus caesaris وتعنى قدّم أعمالاً جليلة لقيصر والدولة, هى المكافأة الكبيرة, هنا فقد غيّر بيلاطس موقفه وتغير بالتالى سير القضية.
محاولات إطلاق سراح السيد المسيح:
1- تحويل القضية إلى هيرودس عندما سمع أنه جليلي, ولكن هذا رفض بدوره لئلا يكرر مأساته مع المعمدان.
2- قدم حلاً وسطاً بجلده واطلاق سراحه, ولكنهم رفضوا (لو16:23, يو1:19)
3- اعلانه أن المتهم برىء (لست أجد فيه علة).
4- احكموا عليه بحسب ناموسكم (ليبرر نفسه) ولكنهم رفضوا أيضاً متعللين أنه ليس من حقهم قتل أحد.
5- غسل يديه, وهو العلامة المعروفة للتبرء من أمر ما.
6- كما عرض عليهم صفقة استبدال باراباس بيسوع, ولكنهم أصرّوا على العكس.
7- استعطاف بيلاطس للمسيح (لى سلطان أن أطلقك) ولكنهم هددوه بأنه ليس مُحب لقيصر.
بعد الصلب:
يقول التقليد أن بيلاطس رأى فى يديه دماً, فلما غسلهما صار الدم يصرخ: “أنا برىء من دم هذا البار”. وعندما كتب اللافتة “يسوع الناصرى ملك اليهود” كان يعبر عن سخريته وضيقه من اليهود, فها هوذا ملككم معلق على الصليب, وأن سلطان روما على اليهود, فهى قتلت حتى الذى قيل إنه ملك اليهود, وإن الذى حُسِب ملكاً عليهم صُلِب! فلما احتجوا عليها رد عليهم كطفل عنيد غاضب “ما كتبت قد كتبت” (يو22,19:19).
آخر أخبار بيلاطس:
لم يتابع بيلاطس قضية يسوع و أتباعه فيما بعد, بل نسيها كليةً ولكن محور تقريره المرفوع إلى القيصر فى تلك السنة كان قضية يسوع الناصرى, أما نهايته فقد كانت عندما تسلّم خطاب مارشيللوس” والى سورية و المسئول عنه, فسلّم الحكم و أتجه إلى روما (وما لم يستطع اليهود فعله قام به السامريون) حيث توجّب عليه الدفاع عن نفسه فى قضية “مذبحة بلا مبرر” وان كان استمراره فى الحكم إحدى عشرة سنة يمثل نجاحاً بذاته!.

5- بروكولا
بروكولا: اسم تأنيث لعشيرة تسمى البروكليين, مثل قولنا سامرية (أى تتبع عشيرة السامريين) وقد شاع اسم بروكولا Procula من بروكليا Proculia , أما اسمها الكامل فهو “كلوديا بروكولا” والعجيب أن اسم بروكولا مقتبس من لفظة تعنى “منبوذة”.
هى واحدة من شخصيات الظل فى دراما الصلب, إنها وثنية رغم محاولات البعض القول بأنها كانت مسيحية أو يهودية فى ذلك الوقت, وحتى إن كانت قد صارت مسيحية, فمن المعتقد أن هذا لم يحدث قبل صعود السيد المسيح. ولكن ورغم أنها كانت وثنية فى وقت أحداث القبض على المسيح ومحاكمته, إلا انها متدينة بشكل عام وتخشى الآلهة وتتأثر بالمعجزات ولها قلب طيب. وعندما عين طيباريوس قيصر بيلاطس والياً على اليهودية بتوصية من سيجانوس (رجل القصر القوى) كان بيلاطس مايزال خطيباً لــ “بروكولا” وكانت هى ماتزال فى السابعة عشر من عمرها.
كان جد بروكولا شخصاً مشهوراً يدعى “جرايوس بروكوليوس”, وكان صديقاً لأغسطس قيصر, وربما كانت هناك صلة قرابة بين العائلتين. ورثت بروكولا مقر العائلة بالقرب من “ميسينا” حيث تربت مرفهة متدينة, فى حين لم يكن بيلاطس متديناً (وان لم يكن متعصباً بطبعه ضد أى ديانة), عندما تزوج بيلاطس من بروكولا لم تكن عائلته فى مستوى ثراء عائلة البروكليين, ولكن جمع العائلتين حبهم للفروسية ومالها من التاريخ العسكرى, وقد تزوجا فى 14 يونيو سنة 26م. وعندما وصلت لليهودية صارت لها علاقات حميمة مع نساء قيصرية وأورشليم, واهتمت بقضايا الولاية, ولكن مع ذلك لم يكن بيلاطس يقبل الأخذ برأيها كثيراً.
حلم بروكولا:
أتاحت الحفلات الكثيرة التى شاركت فيها بروكولا على مدار ثلاث سنوات التعرف عن كثب على شخصية المسيح و تعاليمه ومعجزاته, ومن ثم شعرت أنه يمكن أن يكون نبياً وربما إلهاً, ومن هنا تحمست لقضيته وهابته وأحبته. ولا شك أن أحاديث طويلة دارت بين بيلاطس و بروكولا عن شخصية يسوع المسيح وما يدور حوله من جدل, ومن المؤكد أن أهم تلك الأحاديث تلك التى دارت ليلة محاكمته, لا سيما بعد تلك الزيارة المشبوهة عندما مر رئيس الكهنة قيافا به فى منزله للاتفاق على تسوية القضية لصالح أعداء يسوع.
بكّر بيلاطس فى الخروج إلى دار الولاية بينما كانت هى ماتزال فى فراشها, وقد استيقظت لاحقاً من نومها مذعورة, فأسرعت و تناولت قرطاساً وربما قرصاً من الشمع (وهى طريقة متبعة فى ذلك الوقت فى المراسلات) لتكتب رسالة تحذيرية توسلية, حملتها لأحد حراسها إلى بيلاطس وهو جالس على كرسي القضاء “إياك وذلك البار, لأنى تألمت اليوم كثيراً فى حُلم من أجله”. (مت 27: 19).
اضطرب بيلاطس وتضايق حالما فض الرسالة وقرأها, ومع ذلك فقد أسهمت هذه الرسالة وهذه اللفتة فى زيادة محاولات بيلاطس لتخليص المتهم الواقف أمامه من الموت, حيث بثت فيه الرسالة روح العدالة الرومانية, والتى تقول “أقِم العدل ولو انطبقت السماء على الأرض” ومن ثم راح يدرس القضية بتدقيق أكثر, مما ضايق اليهود.. وربما ظن بعضهم أنه قد أتته رسالة من رئيسه بهذا الخصوص!.
وكما أرسلت بروكولا معلنة “إياك وذلك البار” …فقد هتف بيلاطس قائلاً “إنى برىء من دم هذا البار!..”(مت 24:27).
بقية أخبار بروكولا:
نسمع بعد ذلك عن هياج أهل السامرة ضد بيلاطس لقتله عدداً كبيراً منهم, وأنهم قد قدموا شكاية ضده للإمبراطور سنة 36م. حيث أمر بنفيه هو وزوجته, ويرد فى بعض التقاليد أن بروكولا والتى تتبعت خطوات المسيح وتعاليمه, إبان وجوده على الأرض قد تحولت إلى المسيحية بعد ذلك. وإذا صدقت التقاليد التى تفيد بأن كلاهما قد صار مسيحياً فستكون بروكولا قد آمنت أولاً.

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%b4%d8%ae%d8%b5%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%89-%d8%a3%d9%8a%d9%82%d9%88%d9%86%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%af%d8%a7%d8%a1-2/

شخصيات فى أيقونة الفداء (1)

عند التأمل فى أحداث الصلب والقيامة نجد بعض الشخصيات التى تظهر بوضوح فى هذه الأيقونة، بعضهم مثل نجوم مضيئة تعلن أثر عمل الروح القدس فى البشرية فيظهر فى صورة المحبة النقية والتوبة الصادقة، أما البعض الآخر فمثل بقع سوداء توضح حال البشرية عندما ترفض عمل الروح القدس فيها فتصبح خائنة خائفة وفاقدة للرجاء.
من هذه الشخصيات:

1- قيافا رئيس الكهنة

قيافا اسم أرامى معناه صخرة.
من هو قيافا ؟؟
هو يوسف قيافا الذى تولى رئاسة الكهنوت فى الفترة (من18-36م.)
عينه فاليروس جرانوس الحاكم السورى والمسئول عن منطقة اليهودية والوالى الذى فيها, فقد عزل حنان وعين مكانه آخر يدعى (إسماعيل بن فابى) ثم عزله وعين بدلاً منه “ألعازر” وهو ابن “حنان” المشار إليه هنا, وأخيراً جاء قيافا صهر حنان. وكان قيافا نفسه هو الخامس عشر فى سلسلة رؤساء الكهنة على مدار ستين سنة!!
أول مرة نسمع عن قيافا, كان عند كرازة يوحنا المعمدان (لـو 3) ويعتبر قيافا صدوقى أرستقراطى, ينتمى إلى عائلة صادوق رئيس الكهنة الذى عينه سليمان الحكيم لينهى كهنوت عالى الكاهن ويعيد عائلة فينحاس إلى هذه الخدمة كما وعده الرب (عد25 : 13,12).
فى أيام السيد المسيح كان قيافا هو رئيس الكهنة الرسمى, بينما كان حماه حنان هو رئيس الكهنة الفعلى والمحرك الحقيقى لصهره قيافا, وكان أكثر شراً منه, وقيافا هذا هو المسئول الأول عن صلب المسيح من جهة الاجراءات والدسائس, مثلما كان المسئول الأول عن اضطهاد المسيحيين فى بكور العصر الأول للمسيحية (أعمال 4 : 5, 6) لقد أضمر فى قلبه أن يدمر الكنيسة بعد صلب المسيح, فى حين أن بيلاطس البنطى ذاته لم يشغل باله بالمسيح وبالمسيحيين بعد الصلب, مثلما كان يرغب فى إطلاق سراح المسيح لولا اصرارهم على التخلص منه, لقد كان قيافا مايزال فى منصبه عندما أمر بعد سنوات بالقاء الرسل فى السجن, كما أباح رجم أستفانوس رئيس الشمامسة, وهو الذى سلم شاول الرسائل إلى رؤساء المجمع فى دمشق للقبض على المسيحيين.

2- حنان رئيس الكهنة

اسم عبرى اختصار ” حنانيا ” ومعناه ” الرب تحنن “.
هو رئيس الكهنة الذى كان الحاكم فاليروس قد خلعه قبل أحداث الصلب بعشرين عاماً, وكان هيرودس الكبير قد استدعاه هو وأسرته لكى يعينه فى الحكم بشكل أو بآخر, ثم عينه رئيساً للكهنة, وقد سيطر على رئاسة الكهنوت لمدة طويلة لا سيما وأن خمسة من أولاده- بخلاف قيافا – تولوا رئاسة الكهنوت, ولأنه كان غنياً جداً فقد استطاع شراء هذه الرتبة لهم.
فى محاكمة السيد المسيح كان كل من حنان وقيافا يسكنان فى سراى رئيس الكهنة فى أورشليم. وعندما أتى الجند وبعض من رعاع الشعب بالسيد المسيح اتجهوا أولاً إلى حنان حيث أرسله هذا بدوره مقيداً إلى قيافا وفى هاتين المحاكمتين كان السيد ينتقل فقط من جناح إلى آخر داخل القصر نفسه.
وكانت المحاكمة الأولى أمام حنَّان عبارة عن مؤامرة، بينما كانت الثانية أمام قيافا عبارة عن أخذ أقوال، وأما المحاكمة الدينية الثالثة فكانت أمام مجلس السنهدريم والتى كانت – بحسب الشكل فقط – المحاكمة القانونية الوحيدة.

3- مجلس السنهدريم

هو أعلى سلطة تشريعية وقضائية يهودية, وهو يقابل مجلس الشعب المصرى ومجلس العموم البريطانى ومجلس الشيوخ الرومانى والأمريكي, ولكنه يختلف عنهم فى أنه ديني وقضائى أيضاً إلى جوار أنه تشريعي, وفى الأوقات التى كان اليهود يحكمون أنفسهم بأنفسهم كان هذا المجلس بمثابة الحكومة.
تأتى كلمة سنهدريم من اللفظة اليونانية “زيندرون” “zynedrion” والتى تعنى “الجالسون معاً وهكذا تعنى لفظة سنهدرين وفى العبرى سنهدريم مجمعاً أو مجلساَ أو مؤتمراً, ومنها جاءت لفظة سينود “synod” المستخدمة الآن على نطاق واسع فى الكثير من الكنائس.
نشأت فكرة السنهدريم قبل المسيح بعدة قرون…. وفى أيام السيد المسيح كان هناك ثلاث أنواع (أو درجات) من السنهدريم:
– المجلس القروى ويضم سبعة أعضاء ويفصل فى القضايا المحلية الصغيرة.
– المجلس المدينى (من مدينة) ويضم ثلاثة وعشرين عضواً ويختص بأمور المدينة.
– المجلس الأعلى وهو الرئيسي ويوجد فى أورشليم ويتكون من سبعين عضواً يرأسهم رئيس الكهنة, وكان يسمى داخل المجلس بــ (نازى) أى الزعيم.
ويتكون مجلس السنهدريم من ثلاث فئات من الشعب: الكهنة ورؤسائهم والصدوقيون (وهم لا يؤمنون بالملائكة ولا القيامة من الأموات), ثم الشيوخ وهم الأراخنة أو رؤساء الشعب, ثم الكتبة وهم طبقة المُثقفين من الشباب دينياً ومفسرون للأسفار وأكثرهم من الفريسيين.
وكان المجلس يتخذ شكل نصف دائرة أو حرف “يو” “U”, ويجلس رئيس الكهنة باعتباره رئيس المجلس فى الوسط مقابل الكل, وفى بعض الجلسات يتكون المجلس من ثلاثة صفوف, الأول للمجلس الرسمى والثانى يتكون من تلاميذ الأعضاء والثالث من عامة الشعب, فإذا نقص عدد أعضاء السنهدريم يُختار من تلاميذهم من يحل محله, فى حين يُختار من الشعب من يحل محل التلميذ وهكذا.. وقيل أن كرسياً فى مجلس السنهدريم كان يترك خالياً ويسمى “كرسي موسى” على اعتبار أن جلسة المجلس امتداد لعمل موسي المشرع وكأنه حاضر معهم.
السنهدريم ومحاكمة يسوع:
كان من حق رئيس الكهنة أن يدعو لعقد مجلس السنهدريم لأى أمر طارئ, وبخصوص السيد المسيح كانت أول إشارة إلى ذلك فى إنجيل يوحنا “وكان أيضاً رؤساء الكهنة والفريسيون قد أصدروا أمراً أنه إن عرف أحد أين هو فليدل عليه, لكى يمسكوه.” (يـو11 :57). وفى الثانى والعشرين من شهر فبراير من ذلك العام أصدر مجلس السنهدريم أمراً بالقبض على المسيح, فكتبت رسالة من المجلس مختومة بخاتمه وخاتم رئيس الكهنة إلى شيوخ الشعب فى المدن والقرى كما دار منادٍ فى الشوارع يعلن القرار, وهذا نصه:
((مطلوب القبض على يسوع الناصرى, وسيُرجم لأنه مارس السحر وأغوى إسرائيل وجعله يرتد. أى شخص يستطيع أن يقول شيئاً لمصلحته فليأتِ ليدافع عن نفسه, وأى شخص يعرف مكانه فليعلن عنه لمجلس الـسـنــهــدريــم فـى أورشــلــيــم))
وقف المسيح أمام مجلس السنهدريم بعد حنان وقيافا, حيث يشار إلى السنهدريم هنا بالمجمع, ومن مجلس السنهدريم مضوا به إلى بيلاطس البنطى.
حوكم المسيح ليلاً, ومن هناك تأتى عدم قانونية المحاكمة, لاسيما وأنها أصدرت حكما بالموت ليلاً وهو ما لا يجوز بحسب التقليد اليهودى, وهناك مقولة فى التلمود مفادها أن مجلس السنهدريم الذى يصدر أحكاماً بالإعدام أكثر من مرة خلال سبع سنوات يُحسب متسرعاً عجولاً حامى الطبع.

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%b4%d8%ae%d8%b5%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%89-%d8%a3%d9%8a%d9%82%d9%88%d9%86%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%af%d8%a7%d8%a1-1/

مريم المجدلية

تلقب بالمجدلية تميزاً لها عن غيرها من المريمات. وقد اطلق عليها “المجدلية” لأنها كانت من “مجدل( )”.

وقد شفى الرب يسوع مريم المجدلية بأن أخرج منها سبعة شياطين (مر 16: 9، لو 8: 2)، وهذا معناه أنها كانت مريضة وشفيت تماماُ. وليس ثمة ما يبعث الظن بأنها كانت إمرأة خاطئة. كما لا يوجد مطلقاً ما يدعو للخلط بينها وبين المرأة الخاطئة المذكورة فى الصحاح السابع من إنجيل معلمنا لوقا (7: 36- 50).
ومن الواضح أنها كانت سيدة ثرية، إذ يذكر اسمها بين النساء اللواتى شفاهن الرب يسوع ”من أرواح شريرة وأمراض مريم التي تدعى المجدلية التى خرج منها سبعة شياطين، ويونَّا امرأة خوزى وكيل هيرودس، وسوسنة وأخر كثيرات كن يخدمنه من أموالهن“ (لو 8: 1-3) ولو أنها كانت المرأة الخاطئة التي ذكرها فى الأصحاح السابع، لَمَا فاته أن يجمع بينهما.
وتظهر مريم المجدلية بعد ذلك عند الصليب بين عدد من النسوة اللواتى كنَّ قد تبعنه من الجليل (مت 27: 55-56، مر 15: 40-41) حيث يرد ذكرها مع مريم أم يعقوب ويوسي و(سالومة) أم ابني زبدى.
وفى يوم الأحد جاءت إلى القبر والظلام مازال باقياً، فنظرت الحجر مرفوعاً عن القبر، فركضت وجاءت إلى سمعان بطرس ويوحنا وأخبرتهما بما رأته وعادت مع بطرس ويوحنا إلى القبر، فرأوا القبر فارغاً والأكفان موضوعة، فآمن التلميذان بقيامة الرب ومضيا إلى موضعهما أما مريم فكانت واقفة عند القبر خارجا تبكى عندما ظهر لها السيد المسيح فظنت أولاً أنه البستانى ولكنها عرفته عندما قال لها ”يا مريم“ ثم كلفها ان تذهب إلى التلاميذ وتخبرهم بما رأت، وأنه سيسبقهم إلى الجليل (مت 28: 10، مر 16: 10، يو 20: 1-18). فأتت وبشرت التلاميذ بالقيامة، فتمت بذلك نبوة يوئيل النبي القائلة : ” ويكون بعد ذلك أني أسكب روحي علي كل بشر فيتنبأ بنوكم وبناتكم ويحلم شيوخكم أحلاما ويري شبابكم رؤى ” (يؤ 2 : 28).
وبعد صعود الرب بقيت في خدمة التلاميذ وفى يوم الخمسين حل عليها الروح القدس ونالت مواهب الروح القدس. وقد بشرت هذه القديسة مع التلاميذ وردت نساء كثيرات إلى الإيمان بالمسيح وأقامها الرسل شماسة لتعليم النساء وللمساعدة عند تعميدهن. وقد نالها من اليهود تعييرات وإهانات كثيرة وتنيحت بسلام وهي قائمة بخدمة التلاميذ.
وتعيد لها الكنيسة القبطية فى يوم 28 أبيب (4 أغسطس) بينما تعيد لها الكنيسة الغربية فى يوم 22 يوليو.

 

 

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d9%85%d8%b1%d9%8a%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ac%d8%af%d9%84%d9%8a%d8%a9/

القديس مارمرقس الرسول

لما كان القديس مارمرقس هو مؤسس الكنيسة المصرية لذا فهو البابا الأول للإسكندرية ويدعى كل من يأتي بعده خليفة مار مرقس، وهو من أصل يهودي ولد في المدن الخمس الغربية في بلدة تسمي ايرياتولوس تابعة لمدينة تسمى القيروان.

أبوه أرسطوبولس ابن عم زوجة القديس بطرس، ومرقس أيضًا ابن أخت برنابا الرسول، هاجرت الأسرة من القيروان إلى فلسطين في بداية خدمة السيد المسيح فتبعه القديس مرقس وصارت أمه من المريمات اللاتي تبعن يسوع.

كان مرقس أحد السبعين رسولاً الذين ارسلهم رب المجد يسوع أمام وجهه، وقد كرز مع القديس بطرس في اليهودية وفي أورشليم وبيت عنيا.

كرز أيضًا مع القديس برنابا والقديس بولس في رحلته الأولى وبشر معهم في سوريا وخاصةً أنطاكية عام 45م (أع25:13)، كذلك بشر معهم في قبرص (أع 4:13).

بعدها فارق القديس مرقس بولس في برجه، وبشر في الإسكندرية بعد مجمع أورشليم سنة 50م، آمن على يديه أنيانوس الإسكافي، وفي عام 62م رسم أنيانوس أسقفًا لتدبير أمور الكنيسة أثناء غيابه.

بعد عودته من أحد رحلاته التبشيرية بشر في الإسكندرية حتى تحول الكثيرين من عبادة الأوثان إلى الديانة المسيحية، مما أثار الوثنيين عليه فنال اكليل الشهادة بعد الكثير من العذابات في 30برموده سنة 68م.
بركاته تكون معنا جميعًا ولربنا المجد الدائم إلى الأبد آمين.

 

 

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b3-%d9%85%d8%a7%d8%b1%d9%85%d8%b1%d9%82%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b3%d9%88%d9%84-2/

موسى النبى

ميلاده ونشأته:

ولد هذا القديس في بيئة كلها تعب ومشقة، لا توحي بأن هذا الطفل سيحيا حياة روحية بل لا توحي بأنه سيحيا علي الإطلاق فقد ولد فى وقت كان المصريون يستعبدون بنى إسرائيل بعنف (خر 1: 13) وكان هناك أمر من فرعون بقتل المواليد الذكور من بنى إسرائيل (خر 1: 22). ولذلك عندما ولد خبأته أمه ثلاثة أشهر ثم اضطرت أن تصنع له سفطاً من البردي وطلته بالحمر والزفت ووضعت موسى فيه ووضعت السفط بين الحلفاء على حافة النهر وجعلت أخته تراقبه. ولكن اللـه يرسل ابنة فرعون الى النهر فتراه وترق له وتتخذه لها ابناً.

وهكذا تدخلت عناية اللـه ليس فقط لحفظ الصبى ولكن لتأهيله لرسالته فى المستقبل فتربيته كأمير فى قصر فرعون جعلته يتهذب بكل حكمة المصريين (عب 7: 22) كما جعلت له الحق فى الدخول بحرية إلى القصر.

 

بدء رسالته وإعداده:

تربي موسى في قصر ملك، في جو من الرفاهية و العز و الغني… علي عكس الحياة التي عاشها أخوته في ذلك الزمن. ولكن لما كبر – كان عمره وقتئذ أربعون سنة – يقول عنه بولس الرسول “أبى أن يدعى ابن ابنة فرعون، مفضلا بالأحرى أن يذل مع شعب الله على أن يكون له تمتع وقتي بالخطية ( ) ” (عب 11: 24،25).

خرج موسى إلى إخوته لينظر في أثقالهم “فرأى رجلا مصريا يضرب رجلا عبرانيا من إخوته فالتفت إلى هنا وهناك ورأى أن ليس أحد فقتل المصري وطمره في الرمل” (خر 2: 11،12) وظن أن إخوته يفهمون أن الله على يده يعطيهم نجاة وأما هم فلم يفهموا (أع 7: 25) بل رفضوه فعندما خرج في اليوم الثاني ورأى رجلان عبرانيان يتخاصمان فقال للمذنب: “لماذا تضرب صاحبك؟” رفض هذا الشخص كلامه وقال له “من جعلك رئيسا وقاضيا علينا؟ أمفتكر أنت بقتلي كما قتلت المصري؟”. (خر 2: 13،14).

 

هروبه إلى أرض مديان ( ) :

سمع فرعون بما حدث من موسى وطلب أن يقتله (خر 2: 12) فاضطر موسى أن يهرب من مصر إلى أرض مديان وجلس عند البئر. وهناك يتكرر نفس الموقف، بنات كاهن مديان السبعة أتين واستقين وملأن الأجران ليسقين غنم أبيهن فأتى الرعاة وطردوهن فنهض موسى وأنجدهن واستقى لهن أيضا وسقى الغنم وعندما عدن بسرعة إلى أبيهن وعرف منهم ما حدث أرسل ودعى موسى للطعام ثم أقام موسى عنده وتزوج ابنته صفورة ( ) التى ولدت له ابنا أسماه جرشوم ( ) .

 

ظهور الرب له ودعوته:

قضى موسى أربعين سنة فى أرض مديان يرعى غنم حميه، واستخدم اللـه هذه الفترة لتهيئة موسى لرسالته وخدمته التى سيرسله فيها فاختفي موسى الأمير ساكن القصر، وظهر موسى الراعي رجل وعندما ظهر له اللـه فى العليقة المشتعلة وقال له “فالآن هلم فأرسلك إلى فرعون وتخرج شعبي بني إسرائيل من مصر” (خر 3: 10) قدم موسى الأعذار الواحد تلو الآخر إلى أن استسلم فى النهاية. (خر 3: 11- 4: 17).

• تحول من موسى الذي يندفع إلي العمل بلا دعوة. إلي موسى الذي يدعوه الله، فيستعفي من الدعوة.

• تحول من موسى الواثق بقدراته. إلي موسى الذي يقول “من أنا ؟”

• تحول موسى من الإنسان الذي يستخدم العنف و القتل، إلي إنسان حليم جداً … لقد تحول من إنسان يغضب ويقتل، إلي إنسان يهدئ غضب الله !!

• تحول من موسى الذي تهذب بكل حكمة المصريين، إلي موسى الذي يقول أنا ثقيل الفم واللسان. بدأ يشعر بضعفه، وأنه ليس أهلاً للمسئولية. وصار هذا الشعور هو أكبر مؤهلاته لأنه جعله يشعر بأنه محتاج إلي قوة الله لتعمل فيه، وتعمل به.

 

موسى وفرعون:

عاد موسى إلى مصر وتكلم مع بنى لإسرائيل ففرحوا أن اللـه افتقدهم (خر 4: 31) ثم دخل إلى فرعون هو وهرون أخيه وطلبوا منه أن يطلق بنى إسرائيل حسب أمر الرب ولكن تقسى قلب فرعون وازداد فى قسوته على بنى إسرائيل مما يجعلهم يتذمرون على موسى. (خر 5: 21)

وتدخل اللـه وبدأ فى إرسال الضربات على فرعون والمصريين حتى اكتملت عشر ضربات، بعدها أطلق فرعون بنى إسرائيل من مصر. (خر7: 8 – 12: 33) ثم عاد وندم فخرج ورائهم بستمائة مركبة ولكن اللـه يتدخل ويشق البحر الأحمر ليعبر بنى إسرائيل والأمر الذى لما شرع فيه المصريون غرقوا. (خر 14)

1 – تحويل ماء النهر إلي دم. (خر 7: 19 )
2 – ضربة الضفادع. ( خر 8: 5)

3 – ضربة البعوض. ( خر 8: 16 ) .
4 – ضربة الذبان. ( خر 8: 21 – 24 )

5 – وبأ المواشى. ( خر 9 : 3 – 6 ) .
6 – ضربة الدمامل. ( خر 9 : 8 )

7 – ضربة البرد. ( خر 10 :13)
8 – ضربة الجراد. ( خر 10 : 13 )

9 – ضربة الظلام. ( خر 10 : 22 )
10 – ضربة الأبكار. ( خر 12: 29)

 

وقد أدرك المصريون ان الضربات أحداث غير طبيعية :

• لشدة الضربات وتوقيتها ومدتها.

• تجلى مصدرها الإلهى فى تزايد شدتها.

• حدوثها فى الوقت وعلى الصورة كما أنبأ موسى وهرون، وزوالها أيضا بناء على صلاة موسى وفى الوقت الذى حدده.

• عدم امتدادها إلى أرض جاسان حيث يقيم بنى إسرائيل.

كما أثبتت هذه الضربات عجز آلهة المصريين وعدم نفعها، أو بالحرى ثبت أنها بطل وأوهام لا وجود لها فى الحقيقة، لأنها لم تستطع أن تحمى نفسها من سطوة الإله القدير الحي الحقيقى (خر 7: 5 و 17، 8: 19، 9: 27 ).

أما بالنسبة لبنى إسرائيل فقد أدركوا أن اللـه هو:

• الإله القدير الحافظ العهد. (تك 15: 13 و خر 12: 40)

• كل الأشياء تتم بحسب إرادته. (خر 6: 6-9 و 12: 31-42)

وبخروج موسى وبنى إسرائيل من مصر يكون اللـه أنقذ موسى من ثلاث فراعنة:

• فرعون الذي أراد قتله وهو طفل (خر 1: 15، 16).

• فرعون الذي أراد قتله عندما قتل المصرى (خر 2: 15).

• فرعون البحر الأحمر (خر 15: 19).

 

موسى فى البرية:

قضى موسى مع بنى إسرائيل فى البرية أربعون سنة كانت مليئة بالأحداث والتى ذكرت فى أربعة اسفار من الكتاب المقدس، ولكن ممكن تلخيص أهم احداثها فى النقاط التالية:

• في برية سين، تذمر الشعب بسبب الطعام فأعطاهم الرب المن والسلوى. (خر 16)

• في رفيديم، تذمر الشعب بسبب الماء فأخرج لهم الرب ماء من الصخرة. (خر 17: 1-7)

• الحرب مع عماليق وانتصار بنى إسرائيل. (خر 17: 8-16)

• اللـه يترائى لبنى إسرائيل على جبل سيناء وسط سحاب وبروق ورعود. (خر 19)

• اللـه يعطى موسى بعض الشرائع. (خر 20 – 23)

• موسى على الجبل مع اللـه أربعين يوما ليأخذ لوحى الشريعة. (خر 24-31)

• العجل الذهبى وشفاعة موسى عن بنى إسرائيل. (خر 32)

• موسى على الجبل مع اللـه أربعين يوما ثانية. (خر 34)

• صنع خيمة الاجتماع (الشهادة) وإقامتها وتكريسها . (خر 35-40)

• التجسس على كنعان وإشاعة الخوف والتذمر بين الشعب وعقاب الله لهم بتيههم فى البرية أربعون سنة. (عد 13-14)

• اللـه يعاقب موسى وهارون بعدم دخولهم أرض كنعان من أجل أنهما لم يؤمنا به حتى يقدساه أمام أعين بني إسرائيل عند صخرة ماء مريبة. (عد 20: 12-13)

• الانتصار على ملك عراد، سيحون ملك الأموريين وعوج ملك باشان. (عد 21)

• زنى بنى إسرائيل مع بنات مؤاب وانتشار الوباء بينهم. (عد 25)

• الانتصار على المديانيين. (عد 31)

• إعطاء الأرض شرق الأردن لسبطى جاد ورأوبين ونصف سبط منسى. (عد 32)

• صعود موسى إلى جبل نبو حيث أراه الرب جميع الأرض التى أقسم لإبراهيم واسحق ويعقوب أن يعطيها لنسلهم. وموته على الجبل. (تث 34: 1-6)

 

موسى شخصية فريدة فى التاريخ:

إن موسى النبى شخصية فريدة فى الكتاب المقدس. من عدة نواحى:

• قيل عنه أنه كان رجلاً حليما جدا أكثر من جميع الناس الذين على وجه الأرض (عد 12: 3) إلا أنه مر ببعض المواقف القليلة التى جعلته يغضب مثل:

• عندما نزل من الجبل ووجد بنى اسرائيل يعبدون العجل الذهبى غضب جداً وكسر لوحى الشريعة. (خر 32: 19)

• عندما احترق تيس الخطية سخط على ألعازار وإيثامار ابني هارون. (لا 10: 16)

• غضب على قورح وداثان وأبيرام بسبب مقاومتهم. (عد 16: 15).

• قال عنه الرب ” فما إلى فم وعيانا أتكلم معه لا بالألغاز. وشبه الرب يعاين” (عد 12: 8)

• تكررت جملة “كلم الرب موسى” 104 مرة فى الكتاب المقدس وهو ما لم يحدث مع أى شخص آخر فى كل الكتاب المقدس.

 

رموز للسيد المسيح فى أسفار موسى الخمسة:

أسفار موسى الخمسة (التكوين، الخروج، اللاويين، العدد والتثنية) مليئة برموز وإشارات عن السيد المسيح لعل من أشهرها:

• الوعد بالفداء. (تك 3: 15)

• ملكى صادق. (تك 14: 18-20)

• ذبح إسحاق. (تك 22: 1-19)

• يعقوب يبارك ابنى يوسف واضعاً يديه عليهما على صورة الصليب. (تك 48: 13-16)

• خروف الفصح. (خر 12)

• الخروج من مصر. (خر 13: 17-22)

• عبور البحر الأحمر. (خر 14: 21-29)

• الذبائح بأنواعها. (لا 1-7)

• الحية النحاسية. (عد 21: 4-9)

• الصخرة التى أنبعت ماء (خر 17: 1-7، عد 20: 8-11) والتى يقول عنها بولس الرسول “لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم والصخرة كانت المسيح” (1كو 10: 4)

 

أسفار موسى فى القراءات الكنسية:

فى أثناء الصوم الكبير وفى أسبوع الآلام تقوم الكنيسة بتهيئة عقول المؤمنين للصليب والقيامة ولذلك تقوم بقراءة أجزاء كبيرة من العهد القديم خاصة تلك التى فيها إشارة للسيد المسيح وذبيحة الصليب وذلك فى رفع بخور باكر فى أيام الصوم الكبير وساعات أسبوع الآلام.

فمن حوالى 115 فصل من العهد القديم تقرأ أيام الصوم المقدس عشرون منهم من أسفار موسى الخمسة وهى:

التكوين (6 فصول)
تك 22 : 1 – 18

تك 27 : 1 – 41

تك 28 : 10 – 22

تك 32 : 1 – 30

تك 49 : 33 – 50 : 26

تك 49 : 1 – 28

الخروج (7 فصول)
خر 2 : 11 – 20

خر 2 : 23 – 3 : 5

خر 3 : 6 – 14

خر4 : 19 – 6 : 13

خر7 : 14 – 8 : 18

خر 8 : 20 – 9 : 35

خر 10 : 1 – 11 : 10

العدد (فصل واحد)
عد 10 : 35 – 11 : 34

التثنية (6 فصول)
تث 5 : 15 – 22

تث 6 : 3 – 7 : 26

تث 8 : 1 – 9 : 4

تث 9 : 7 – 10 : 11

تث 10 : 12 – 11 : 28

تث 11 : 29 – 12 : 27

 

أما فى أسبوع الآلام فيقرأ 23 فصلاً هم:

التكوين (8 فصول)
تك 1 : 1 – 2 : 4

تك 2 : 15 – 3 : 24

تك 6 : 5 – 9 : 6

تك 14 : 17 – 20

تك 18 : 1 – 23

تك 22 : 1 – 19

تك 24 : 1 – 9

تك 48 : 1 – 19

الخروج (10 فصول)
خر 12 : 1 – 14

خر 13 : 17 – 22

خر 14 : 13 – 15 : 1

خر 14 : 29 – 15 : 1

خر 15 : 23 – 16 : 3

خر 17 : 1 – 7

خر 17 : 8 – 16

خر 19 : 1 – 9

خر 32 : 7 – 15

خر 32 : 30 – 33 : 5

لاويين (فصل واحد)
لا 23 : 5 – 11

العدد (فصلين)
عد 20 : 1 – 13

عد 21 : 1 – 9

التثنية (فصلين)
تث 8 : 11 – 20

تث 8 : 19 – 9 : 24

 

 

( 1) يفسر قداسة البابا شنوده قول القديس بولس الرسول “تمتع وقتى بالخطية” هى أن يعيش موسى النبى في عز ورفاهية فى قصر فرعون، ويترك إخوته مذلولين ومطحونين.

(2) مديان: هو الابن الرابع لإبراهيم من زوجته قطورة، ونسله كانوا شعباً من البدو الرحل فلم يكن لهم مقر ثابت، إذ كانوا كثيرى التنقل من مكان إلى مكان سعياً وراء الكلأ لمواشيهم. ويتفق معظم العلماء على أن “بلاد مديان” كانت تطلق أساساً على المنطقة الواقعة شرقى خليج العقبة فى شبه الجزيرة العربية .

(3) صفورة: اسم مديانى معناه عصفورة.

(4) جرشوم: اسم معناه نزيل أو غريب.

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d9%85%d9%88%d8%b3%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8%d9%89/

يونان النبى

 

إن قصة يونان النبي هي قصة صراع بين الذات الإنسانية والله‏، فيونان النبي كان إنسانا تحت الآلام مثلنا‏.

من هو يونان النبى؟

يونان اسم عبرى معناه “حمامة” وهو ابن أمتاى، وأحد أنبياء إسرائيل (يون 1:1)، وكان من مدينة جت حافر فى سبط زبولون (2مل 14: 25). كان نبى فى مملكة إسرائيل (المملكة الشمالية) وتنبأ فى الفترة بين 793 – 735 ق.م. حيث عاصر يربعام الثانى ويذكر سفر الملوك الثانى أنه قد تنبأ بأن يريعام بن يهوآش ملك إسرائيل سيرد تخم إسرائيل من مدخل حماة إلى بحر العربة (خليج العقبة).

كلف الله يونان بالذهاب إلي نينوى ‏ , ‏والمناداة بهلاكها‏، ‏وكانت نينوى عاصمة كبيرة فيها أكثر من 120‏ ألف نسمة، ولكنها كانت أممية وجاهلة وخاطئة جدا. ولكن بدلاً من الذهاب إلى نينوى التى تقع الى الشمال الشرقى من السامرة ذهب الى يافا – مدينة على البحر – وأخذ سفينة ذاهبة إلى ترشيش والتى تقع إلى غرب مدينة السامرة فى البحر المتوسط.

لماذا هرب يونان من وجه الرب؟

هناك عدة أسباب لذلك:

• كان يونان يعلم أن الله ”إله رحيم ورؤوف بطيء الغضب وكثير الإحسان“ (خر 34: 6) ولذلك إذا تاب أهل نينوى فسوف يصفح الله عنهم وهكذا تسقط كلمته‏, ‏ويكون الله قد ضيع كرامته علي مذبح رحمته ومغفرته.

• كان اليهود يعتبرون أن الله (يهوه) هو إلههم الخاص – كما كانت لكل أمة آلهتها – ولذلك كانت فكرة أن الله (يهوه) يطلب خلاص وتوبة الأمم غير مقبولة بالنسبة لهم.

• البعض يرى أن هروب يونان كان إعلان لرفضه القيام بهذه المهمة وليس الهروب من الله ذاته وهكذا يرسل الله شخصاً آخر غيره، فهو أعلن أنه يؤمن بأن الله هو ”إله السماء الذي صنع البحر والبر“ (يون 1: 9).

• وهناك رأى آخر يقول أن يونان كان يعلم أن أشور هى الآلة التى سيستخدمها الرب لعقاب أمَّـته إسرائيل فأراد أن تفنى بسبب خطاياها بدلا من أن تبقى وتقضى على مملكة إسرائيل.

 

لم يشأ الله أن يصل يونان إلي ترشيش‏, ‏وإنما أمسكه في البحر‏, ‏وهيج الأمواج عليه وعلي السفينة كلها‏… ‏والعجيب أن يونان كان قد نام في جوف السفينة نوما عميقا‏. ‏لا أيقظه الموج‏, ‏ولا صوت الأمتعة وهي تلقي في الماء‏, ‏ولا صوت ضميره‏!!‏

نام يونان‏, ‏لم يهتم بمشيئة الله وأمره‏, ‏ولم يهتم بنينوى وهلاكها أو خلاصها‏, ‏ولم يهتم بأهل السفينة وما تجره عليهم خطيئته‏… ‏لكنه تمركز حول ذاته‏, ‏وشعر أنه حافظ علي كرامته فنام نوما ثقيلا‏…‏

هذا النوم الثقيل كان يحتاج إلي إجراء حاسم من الله‏ ‏ ينقذ به ركاب السفينة جسديا وروحيا‏, ‏وينفذ مشيئته من جهة نينوى وخلاصها‏, ‏وينقذ نفس هذا النبي الهارب‏, ‏ويعلمه الطاعة والحكمة‏. ‏مستبقيا إياه في خدمته بطول أناة عجيبة‏, ‏علي الرغم من كل أخطائه ومخالفته‏…‏

وهكذا استخدم الله خليقته الغير عاقلة من جماد وحيوانات ( الموج‏, الرياح‏, البحر‏ والحوت ) ليبكت خليقته العاقلة (الإنسان).

أمر الله الرياح‏, ‏فهاج البحر‏, ‏وهاجت أمواجه‏, ‏وصدمت السفينة حتى كادت تنقلب‏. ‏وتصرف ركاب السفينة بحكمة وحرص شديدين‏… ‏وبذلوا كل جهدهم, صلوا كل واحد إلي إلهه وطرحوا الأمتعة التي في السفينة إلى البحر ليخففوا عنهم. الوحيد الذي لم يذكر الكتاب أنه صلي كباقي البحارة‏, ‏كان يونان‏. ‏وحتى بعد أن نبهه أو وبخه رئيس النوتية‏, ‏لم يلجأ إلي الصلاة‏. كأن عناده أكبر من الخطر المحيط به . وعندما ألقوا قرعا ليعرفوا بسبب من كانت تلك البلية‏, أصابت القرعة يونان‏.‏

”خائف من الرب إله السماء الذي صنع البحر والبر“ (يون 1: 9)

اعترف يونان أنه خائف من الرب إله السماء الذي صنع البحر والبر‏!! إذا فهو يؤمن بسلطان اللـه على الخليقة كلها ولكن كبريائه كانت ما تزال تسيطر عليه

‏كان يونان يدرك الحق‏, ‏ومع ذلك تمسك بالمخالفة‏, ‏من أجل الكرامة التي دفعته إليها الكبرياء‏, ‏فتحولت إلي عناد‏… ‏قالوا له‏: ‏ماذا نصنع بك ليسكن البحر عنا؟‏. ‏فأجابهم‏: ‏خذوني واطرحوني في البحر.

علي الرغم من كل هذه الإنذارات والضربات الإلهية‏, ‏لم يرجع يونان‏. ‏لم يقل أخطأت يارب في هروبي‏, ‏سأطيع وأذهب إلي نينوى‏… ‏فضل أن يلقي في البحر‏, ‏ولا يقول أخطأت‏..!‏ لم يستعطف الله‏. ‏لم يعتذر عن هروبه‏. ‏لم يعد بالذهاب‏. ‏لم يسكب نفسه في الصلاة أمام الله‏. ‏إنما يبدو أنه فضل أن يموت بكرامته دون أن تسقط كلمته‏!! ‏وهكذا القوه في البحر‏…

اللـه ينفذ مشيئته:‏

مشيئة الله كانت لابد أن تنفذ‏. ‏هل ظن يا يونان أنه سيعاند الله وينجح؟‏! ‏هيهات‏, ‏لابد أن يذهب مهما هرب‏, ‏ومهما غضب‏. إن الله سينفذ مشيئته سواء أطاع يونان أو عصى‏, ‏ذهب أو هرب‏…‏

ألقي يونان في البحر‏, ‏وأعد الرب حوتا عظيما فابتلع يونان‏.‏ وكأن اللـه يقول له: ”يا يونان‏, ‏صعب عليك أن ترفس مناخس‏. ‏إن شئت فبقدميك تصل إلي نينوى‏. ‏وإن لم تنشأ فستصل بالبحر والموج والحوت‏. ‏بالأمر‏, ‏إن لم يكن بالقلب‏“.‏

صلاة يونان:

فى جوف الحوت وجد يونان خلوة روحية هادئة‏, ‏ففكر في حاله‏. ‏إنه في وضع لا هو حياة‏, ‏ولا هو موت‏. ‏وعليه أن يتفاهم مع الله‏, ‏فبدأ يصلي‏. ‏إنه لا يريد أن يعترف بخطيئته ويعتذر عنها‏, ‏وفي نفس الوقت لا يريد أن يبقي في هذا الوضع‏. ‏فاتخذ موقف العتاب‏, ‏وقال‏: ‏”دعوت من ضيقي الرب‏, ‏فاستجابني‏… ‏لأنك طرحتني في العمق‏… ‏طردت من أمام عينيك‏“ (يون 2: 6).‏

من الواضح أن الله لم يضع يونان في الضيق‏, ‏ولم يطرحه في العمق‏, ‏ولم يطرده ولكن خطيئة يونان هي السبب‏.‏

هو الذي أوقع نفسه في الضيقة‏, ‏ثم شكا منها‏, ‏ونسب تعبه إلي الله‏… ‏ولكن النقطة البيضاء، هي أنه رجع إلي إيمانه في بطن الحوت‏. ‏فآمن أن صلاته ستستجاب‏, ‏وقال للرب‏: ”‏أعود أنظر هيكل قدسك“‏. لقد ‏آمن أنه حتي لو كان في جوف الحوت‏, ‏فلابد سيخرج منه ويري هيكل الرب‏.‏

أتت هذه القضية الكبرى بمفعولها‏. ‏ونجح الحوت في مهمته‏. ‏والظاهر أن يونان نذر نذراً بأنه إن خرج من جوف الحوت‏, ‏سيذهب نينوى لأنه قال للرب وهو في جوف الحوت ”أما أنا فبصوت الحمد أذبح لك‏, ‏وأوفي بما نذرته“ (يون 2: 9). ‏أي نذر تراه غير هذا؟‏!

”قم اذهب إلى نينوى“:

‏لما قذف الحوت يونان إلي البر‏, صدر إليه أمر الرب ثانية‏ ”قم اذهب إلى نينوى“ (يون 3: 1-2), فنفذ نذره‏, ‏وذهب إلي نينوى‏. ولكن الظاهر أنه ذهب بقدميه مضطراً‏, ‏وليس بقلبه راضياً‏. ‏ذهب من أجل الطاعة‏, ‏وليس عن اقتناع‏، والدليل على ذلك أنه لما تاب أهل نينوى وندم الله على الشر الذي تكلم أن يصنعه بهم فلم يصنعه غم ذلك يونان غما شديدا فاغتاظ. (يون 3: 5 – 4: 1)

اللـه يبكت يونان:

عاتب يونان الله‏, ‏وبرر ذاته‏, ‏وظن أن الحق في جانبه‏. ‏فصلي إلي الله وقال‏: ”آه يا رب أليس هذا كلامي إذ كنت بعد في أرضي؟ لذلك بادرت إلى الهرب إلى ترشيش لأني علمت أنك إله رؤوف ورحيم بطيء الغضب وكثير الرحمة ونادم على الشر“ (يون 4: 2)

اغتاظ يونان من أجل محبة اللـه ورحمته وقبوله توبة أهل نينوى ونسى (أو تناسى) أنها نفس المحبة التى قبلت توبته عندما كان فى بطن الحوت. ولذلك قال أحد الآباء ”إذا وجدت أن اللـه يطيل أناته على من أساء إليك لا تحزن بل تذكر أن اللـه أطال أناته عليك من قبل عندما أسأت أنت إلى آخرين“.

خرج يونان وجلس شرقي المدينة ليري ماذا يحدث فيها‏. ‏كما لو كان ينتظر أن يعود الله فيهلك الشعب كله إرضاء لكرامة ؟‏!!

ولكن الله للمرة الثانية يستخدم خليقته الغير عاقلة من جماد وحيوانات (اليقطينة، الدودة، الرياح، والشمس) ليبكت الإنسان. فجعل يقطينة ترتفع فوق يونان لتكون ظلاً على رأسه وفى الصباح أرسل دودة فضربت اليقطينة فيبست ثم أرسل ريحا شرقية حارة فضربت الشمس على رأس يونان فذبل. وعندما يتذمر يونان يبكته الله قائلاً: ”أنت شفقت على اليقطينة … أفلا أشفق أنا على… اثنتي عشرة ربوة من الناس الذين لا يعرفون يمينهم من شمالهم !“ (يون 4: 10-11).

 

سفر يونان:

سفر يونان يلقى الضوء على:

• طول أناة الله. فهو لم يهلك أهل نينوى بسبب خطيئتهم بل أرسل لهم يونان لينذرهم ولم يهلك يونان عندما هرب من وجهه بل أرسل له حوتاً لينقذه.

• محبة الله للإنسان وفرحه بتوبته. فهو الذى قبل صلاة يونان فى بطن الحوت وفرح بتوبة أهل نينوى بل العجيب إنه التمس لهم العذر – إن جاز التعبير- ”اثنتي عشرة ربوة من الناس الذين لا يعرفون يمينهم من شمالهم“ (يون 4: 11).

• محبة الله تظهر أحياناً فى عدم تنفيذ صلواتنا وطلباتنا. فيونان طلب الموت ثلاث مرات (عندما طلب من النوتية أن يلقوه فى البحر ثم مرتين قال لله ”يا رب خذ نفسي موتي خير من حياتي“ (يون 4: 3، 8)

• الخليقة الغير العاقلة تبكت الإنسان على تمرده فهى تطيع الله والإنسان يعصى خالقه.

• خطورة الذات والكبرياء على الإنسان فقد تؤدى إلى هلاكه. بل العجيب أن يونان اهتم بكرامته وكيف يقول كلمة ثم لا تتحقق بسبب محبة الله، أما الله لم يفكر بنفس الطريقة فقبل أن لا ينفذ تهديده لأهل نينوى عندما تابوا بل فرح أيضاً بتوبتهم.

 

يونان النبى في الكتاب المقدس:

بالإضافة إلى السفر المسمى باسمه ذكر يونان أيضاً في الكتاب المقدس في المواضع التالية:

• ”هو (يربعام الثانى) رد تخم إسرائيل من مدخل حماة إلى بحر العربة حسب كلام الرب إله إسرائيل الذي تكلم به عن يد عبده يونان بن أمتاي النبي الذي من جت حافر.“ (2مل 14: 25)

• فأجاب (السيد المسيح) وقال لهم: ”جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تعطى له آية إلا آية يونان النبي. لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال. رجال نينوى سيقومون في الدين مع هذا الجيل ويدينونه لأنهم تابوا بمناداة يونان وهوذا أعظم من يونان ههنا!“ (مت 12: 39-41)

• جيل شرير فاسق يلتمس آية ولا تعطى له آية إلا آية يونان النبي”. ثم تركهم ومضى. (مت 16: 4)

• وفيما كان الجموع مزدحمين ابتدأ يقول: “هذا الجيل شرير. يطلب آية ولا تعطى له آية إلا آية يونان النبي. لأنه كما كان يونان آية لأهل نينوى كذلك يكون ابن الإنسان أيضا لهذا الجيل. (لو 11: 29-30)

• رجال نينوى سيقومون في الدين مع هذا الجيل ويدينونه لأنهم تابوا بمناداة يونان وهوذا أعظم من يونان ههنا! (لو 11: 32)

 

يونان النبى كرمز للسيد المسيح:

يونان يرمز لموت السيد المسيح وقيامته، فكما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال هكذا أيضاً كان السيد المسيح في القبر ثلاث أيام وثلاث ليال.

 

 

نينوى :

”نينوى“ هو اسم الإلهة ”عشتار“ مكتوبا بالرموز المسمارية على شكل سمكة داخل إطار، والأرجح أنه من أصل حورانى . كانت نينوى تقع على بعد نحو نصف الميل إلى الشرق من نهر الدجلة، وتدل الاكتشافات الأثرية على أن الموقع يرجع إلى ما قبل التاريخ (نحو 4500 سنة ق.م.) ويذكر سفر التكوين (10: 11) أن نمرود أو أشور هو الذي بناها. وقد كانت فى أيام يونان مدينة عظيمة تبلغ مساحتها نحو خمسة كيلومترات طولاً، ونحو اثنين ونصف كيلومتر عرضاً محاطة بسور يبلغ طوله نحو ثلاثة عشر كيلومتر وكان يلزم مدة ثلاثة أيام لاختراقها والمرور بكل أحيائها (يون 3: 3). وكانت عاصمة للإمبراطورية الأشورية في أوج عظمتها وهذه الإمبراطورية هى التى أفنت مملكة إسرائيل سنة 722 ق.م. وسبت أهلها إلى آشور.

ترشيش :

ومعناها فى العبرية ”الزبرجد“ ويرى البعض أنها كلمة فينيقية بمعنى ”معمل تكرير“. تذكر دائما بالارتباط بالسفن ”لأنه كان للملك (سليمان) في البحر سفن ترشيش مع سفن حيرام“ (1مل 10: 22 )، مما يدل على أن ترشيش كانت تقع على البحر. كما أن يونان نزل فى سفينة ذاهبة إلى ترشيش (يونان 1: 3، 4: 2) من ميناء يافا ليهرب إلى أرض بعيدة (إش 66: 19). وكانت تلك البلاد غنية بالمعادن مثل الفضة (ارميا 10: 9) والحديد والقصدير والرصاص التي كانت تصدر إلى البلاد الأخرى مثل صور ويافا (حز 27: 12) والأرجح أنها كانت بلادا فى غربى البحر المتوسط .

 

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d9%8a%d9%88%d9%86%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8%d9%89/

الآباء الأولون