Category Archive: شخصيات من الكتاب المقدس

دانـيـال النبى

وُلِدَ دانيال عام 619 ق.م في اليهودية وقد يكون وُلِدَ في أورشليم نفسها، من سبط يهوذا (دا 1: 6) من أبويْن يهودييْن تقييْن، ظهرت تقواهما في الاهتمام برعايته في طفولته، فنشأ يحب اللَّه ويتمسك بوصاياه، مهما كانت صعوبة الظروف المحيطة به، والتي كانت تحاول إبعاده عن اللَّه، كما سنرى أثناء حياته في السبي.

معنى اسمه “اللَّه قاضي” وهذا ظهر في قضاء اللَّه على شعبه بالتأديب في السبي البابلي، ثم قضائه لهم بإرجاعهم من السبي بعد سبعين عاماً؛ لتوبتهم ورجوعهم إليه. وكان دانيال صوتاً قوياً للَّه يعلن الحق وقضاءه بكل شجاعة أمام الكل، حتى أمام أعظم وأقوى رجل في العالم وقتذاك، وهو نبوخذنصر ملك بابل.
كان دانيال من النسل الملكي، أو على الأقل من أشراف وعظماء اليهود (دا 1 : 3)، لأن نبوخذنصر عندما هجم على اليهودية وأخذ آنية بيت الرب في السنة الثالثة لملك يهوياقيم، أخذ أول فوج من المسبيين إلى بابل. وكانوا من أفضل الشباب والرجال الموجودين في اليهودية، فيذكر الكتاب المقدس أنهم كانوا حسان المنظر ومملوئين من الحكمة والذكاء، فيستطيعوا أن يقفوا أمام ملك بابل ويخدمونه، أي متميزين في فهمهم وقدرتهم على الكلام والتعبير وتحمُّل المسئولية والقدرة على إدارة الأمور، بالإضافة إلى حُسن المنظر (دا 1 : 4).
كان الجو المحيط بدانيال في طفولته جواً روحانياً، إذ كان يُوشِيَّا الملك الصالح يحكم مملكة يهوذا، الذي وجد نسخة من الشريعة في الهيكل، بينما كان يقوم بترميمه. وقدّم توبة هو وشعبه وعمل عيد الفصح وقام بإصلاحات روحية كثيرة، فتمتّع دانيال بهذا الجو الروحي المُشجِّع، ولعله تأثر بالأنبياء السابقين له مثل إشعياء وإرميا وعاموس وهوشع وميخا.
عندما بلغ دانيال العاشرة من عمره قُتِلَ يُوشِيَّا الملك في معركة مجدو على يد نخو ملك مصر وملك ابنه يهوآحاز الشرير، الذي حكم لمدة ثلاثة أشهر وملك بعده يهوياقيم أخوه الذي سار في الشر. فتضايق دانيال لانتشار العبادات الوثنية أيام يهوياقيم، بعد أن كانت مملكة يهوذا قد تخلّصت منها على يد يُوشِيَّا. فجعلته هذه الظروف الصعبة يتمسك باللَّه وشريعته، ولعلّ أمه كانت عاملاً مساعداً قوياً في هذا الأمر، كما كانت أم موسى عاملاً هاماً في تربية موسى وتمسّكه بالإيمان.
لمَّا بلغ دانيال الثالثة عشرة من عمره كان قد تملّك نبوخذنصر الملك العظيم على مملكة بابل، فهاجم بلاداً كثيرة، منها مملكة يهوذا وأخذ بعض آنية بيت الرب من هيكله في أورشليم وسبى الفوج الأول من اليهود وهم أفضل الشباب ومنهم دانيال مع بعض أشراف اليهود ونقلهم إلى بابل. وهناك تم فحصهم، فأُختير دانيال بواسطة “أشفنز” رئيس الخصيان؛ ليكون من صفوة الشباب الذين سيُعَدّوا إعداداً خاصاً في مدرسة الحكمة لمدة ثلاث سنوات؛ ليقوموا بعد هذا بخدمة الملك (دا 1: 3-5). كان نبوخذنصر واسع الحكمة، فاهتم بإعداد أفضل الشباب من كل بلاد العالم التي استولى عليها؛ ليرتفع بمستوى إدارة مملكته، ويحقق نجاحات عظيمة، فأسس مدرسة داخلية للحكمة، يقيم فيها الشباب المختار إقامة كاملة لمدة ثلاث سنوات، يتعلمون فيها الحكمة.
كانت فكرة هذه المدرسة هى إبعاد الشباب عن قوميتهم؛ بجذب قلوبهم لمحبة بابل العظيمة وتعليمهم اللغة الكلدانية، بل تغيير أسمائهم أيضاً إلى أسماء بابلية، فتسمّى دانيال بلطشاصر وأصل الكلمة في اللغة الكلدانية هو “بلو ـ ليتا ـ شاري ـ أوسر” وتعني “أيها البعل هب حمايتك القوية لرهينة الملك”. لأن المسبيين من النسل الملكي والأشراف كانوا يُعتبروا بمثابة رهائن عند ملك بابل، حتى يكون الملك يهوياقيم ملك يهوذا خاضعاً ومطيعاً لملك بابل.
سُبيَ أيضاً مع دانيال من أشراف اليهود، أو النسل الملكي الثلاثة فتية القديسون ودخلوا معه مدرسة الحكمة، فكانوا مساندين ومشجعين لدانيال أثناء غربته في بابل. وأُعطوا أسماء بابلية بدلاً من أسمائهم اليهودية، فكانت أسماءهم اليهودية: حننيا وعزريا وميشائيل (ميصائيل) (دا 1: 11)، فدعوهم: شدرخ وميشخ وعبدنَغو (دا 1 : 7).
قابلت دانيال والثلاثة فتية مشكلة عند دخولهم مدرسة الحكمة، إذ أن الملك أمر أن يُقدَّم للتلاميذ أفخر الأطعمة والمشروبات؛ ليزداد جمالهم الجسدي وصحتهم (دا 1: 5). ولكن كانت هذه الأطعمة مُحرَّمة على اليهود. فطلب دانيال من رئيس الخصيان المسئول عن رعايتهم أن يعطيهم أطعمة بسيطة وهى بقول ـ مثل القطاني ـ ولكن رئيس الخصيان تخوَّف من هذا، لئلا يُتهم أنه أخذ طعامهم الشهي من أطايب الملك لنفسه وأعطاهم بدلاً منه طعاماً رخيصاً وهو القطاني، بالإضافة إلى أن هذه الأطعمة الرخيصة ستؤدي إلى هزال أجسامهم، فيتهمه الملك بالإهمال. ولكن دانيال طلب منه أن يجربهم عشرة أيام فقط يأكلون فيها القطاني (دا 1: 12). وبعدها اكتشف أن صحتهم جيدة وأفضل ممن حولهم، فسمح لهم بأكل القطاني طوال الثلاث سنوات. ومن هذا تظهر شجاعة دانيال وتمسكه بالشريعة وطقوسها رغم صغر سنه، الذي لم يكن قد تعدّى السادسة عشر.
بعد انتهاء المدرسة كان لابد على كل تلميذ أن يُقابِل الملك مقابلة شخصية ليمتحنه بنفسه. وهنا تظهر نعمة اللَّه، إذ اكتشف الملك تفوق دانيال والثلاثة فتية عشرة أضعاف عن كل التلاميذ المرافقين لهم في الذكاء والحكمة، بل وعن كل حكماء بابل وأعجب بهم جداً وخاصة بدانيال (دا 1: 20).
وبعد ذلك، وبالتحديد في السنة الثانية لملك نبوخذنصر وكان عمر دانيال وقتذاك عشرين عاماً تقريباً، حلم نبوخذنصر حلماً أفزعه، فطلب من حكماء بابل كلهم أن يقولوا له الحلم، ثم يفسروه وإلاَّ سيبيدهم، فعجز الكل عن ذلك، فأمر الملك بقتلهم جميعاً. وهنا تقدم دانيال بإيمان وشجاعة فائقة إلى الملك وطلب مهلة؛ حتى يُعلِم الملك بالحلم وتفسيره، ثم ذهب وصلى ـ هو والثلاثة فتية ـ فكشف اللَّه له الحلم وتفسيره. ثم دخل إلى الملك وأعلمه أن ما يطلبه فوق قدرة البشر ولكن اللَّه العالم بكل شيء قد عرّفه الحلم، وذكر له الحلم وتفسيره وهو يختص بالممالك القادمة بعد مملكة بابل. فشعر الملك بقوة اللَّه في دانيال، بل قام وسجد أمام دانيال، لانبهاره بحكمته وأمر له بعطايا كثيرة وملّكه على ولاية بابل وجعله رئيساً لرؤساء المملكة ومُقيماً في القصر الملكي. وبواسطة دانيال جعل الثلاثة فتية مسئولين عن أعمال ولاية بابل عاصمة الإمبراطورية (دا 2). وهكذا نرى كيف مجَّد اللَّه دانيال الشاب المسبي كعبد، فجعل الملك يسجد له ويعظّمه فوق كل الرؤساء. وهذا بالطبع أعطى دانيال إحساساً بمساندة اللَّه له، فإزداد إيمانه وتمسكه بعبادة اللَّه.
سمح اللَّه بمشكلة تحدث في بابل في الأيام التي كان فيها دانيال شاباً صغيراً؛ ليظهر نقاوة وشجاعة وحكمة دانيال.
كان هناك رجل يهودي عظيم يُسمّى يوياقيم وكان من أغنى وأعظم الرجال اليهود المُقيمين في بابل، وكان في بيته حديقة كبيرة يجتمع فيها اليهود للقضاء وفض المنازعات بينهم. وكان يقوم بالقضاء اثنين من شيوخ إسرائيل العارفين بالشريعة وكانا يتغيران كل سنة.
كان ليوياقيم امرأة جميلة جداً تُسمى سوسنة بنت حلقيا، وكان والداها من أتقياء اليهود اهتما بتربيتها تربية روحية، فعرفت شريعة اللَّه وتمسكت بها وكذلك ربت أولادها على ذلك.
كان اليهود يجتمعون في كل صباح لفض منازعاتهم، وبعد انصرافهم عند الظهر كانت سوسنة تنزل وتتمشى في حديقتها، فلاحظها هذان الشيخان في إحدى المرات وأُعجب كل منهما بجمالها ولكن لم يكاشف أحدهما الآخر، بل كانا كل يوم يحاولان أن يتأخرا قليلاً ـ بعد انصراف الشعب ـ ليتمتعا برؤيتها، دون أن تشعر وهى تتمشى في أحد جوانب حديقتها.
وفي أحد الأيام قرر كل من الشيخين أن يبقى فترة في الحديقة؛ ليتمتع برؤيتها فترة أطول، فتظاهر كل منهما أمام الآخر بالانصراف، ولكن بعد قليل عاد كل منهما، فتقابلا وتعجب كل منهما لرجوع الآخر، فاضطر أن يكشف كل منهما للآخر تعلّقه بجمالها ونيته أن يتمتع برؤيتها فترة طويلة، وفعلاً انتظرا وهما مختبئان وتمتعا برؤيتها، ثم انصرفا بعد أن اتفقا على تحيُّن فرصة للإنفراد بها لمضاجعتها.
في أحد أيام القضاء بعد انصراف الشعب، اختفى الشيخان في أحد أركان الحديقة؛ ليتمما قصدهما الشرير بمضاجعة سوسنة. وفي هذا اليوم نزلت سوسنة كعادتها للتمشي في الحديقة وكان يوماً حاراً، فقالت سوسنة لجاريتها، أغلقا الأبواب وأحضرا لي دهن وغسول، أي المواد اللازمة للاستحمام. وبعد أن أغلقت الجاريتان أبواب الحديقة دخلتا إلى القصر لإحضار الدهن.
في هذه اللحظة خرج الشيخان من مخبئهما وهجما على سوسنة وطلبا أن يضطجعا معها؛ لأنهما قد تعلقا بحبها وإن لم توافقهما فسيشهدا عليها أنهما رأيا شاباً يفعل الخطية معها.
قالت سوسنة إن لم أوافقكما تأمران بموتي وإن وافقتكما أخطئ إلى اللَّه وأستحق الموت، فالأفضل لي ألاَّ أوافقكما وأُرضي اللَّه، حتى لو تعرّضت للموت، ثم صرخت بصوت عظيم؛ فأسرع أحد الشيخان وفتح باب الحديقة.
اجتمع أهل البيت والعبيد والجواري، فقال الشيخان لهم إننا قد رأينا شاباً يعانق سوسنة، فأسرعنا لإيقاف الشر ولم نستطع لقوته الإمساك به، فهرب منا. فتعجب الكل مما سمعوا؛ لأن سوسنة كانت تتصف بالطهارة والنقاوة.
انعقد مجلس القضاء في اليوم التالي واجتمع الشعب، وأمر الشيخان بإحضار سوسنة وأمرا بكشف البرقع الذي تغطي به وجهها؛ ليتمتعا برؤية جمالها. ثم شهدا زوراً عليها، أنهما وجداها بالأمس تُعانق أحد الشبان في الحديقة وحدهما ويفعلان الإثم وحُكما عليها بالموت.
أعلنت سوسنة أنها بريئة من هذا الاتهام وصرخت إلى اللَّه ولكن لم يسمع لها أحد؛ لتوقيرهم للشيخين اللذين شهدا عليها. واقتادوا سوسنة لتنفيذ حكم الموت عليها. وإذ بدأ الموكب يتحرك صرخ شاب ـ هو دانيال النبي ـ وقال أنا بريء من دم هذه المرأة ووبخ الشعب؛ لأنهم قبلوا الحكم عليها دون فحص. وقرر أن هذين الشيخين قد شهدا عليها زوراً. وطلب من الكل العودة إلى مجلس القضاء لفحص الأمر.
أعطى اللَّه نعمة لدانيال فخافه الكل حتى الشيخين وعادوا إلى مجلس القضاء، فجلس دانيال وطلب تفريق الشيخين عن بعضهما. وقال للأول أيها الشرير تحت أي شجرة رأيت سوسنة والشاب؟ فقال تحت شجرة الضروة.
ثم استبعده وأتى بالشيخ الآخر وقال له: يا من كنت تنظر إلى بنات إسرائيل وكن يخجلن من نظراتك وكلامك وخفن أن يتكلمن معك، قل لي تحت أي شجرة رأيت سوسنة والشاب؟ فقال: تحت شجرة السنديانة.
وإذ اختلف الشيخان في شهادتهما ظهر كذبهما وظهرت براءة سوسنة، فهتف الشعب وباركوا اللَّه الذي أظهر براءة هذه المرأة التقية، ثم اقتادا الشيخين للحكم عليهما بالموت، طبقاً للشرعية التي تقضي بنفس الحكم على من يشهد زوراً على غيره (دا 13).

وبعد هذا أراد نبوخذنصر إظهار عظمته، فأقام تمثالاً ضخماً من الذهب ارتفاعه ثلاثين متراً وعرضه ثلاثة أمتار، وأمر كل رؤساء مملكته أن يأتوا ويسجدوا للتمثال في احتفال عظيم، عُزِفَتْ فيه الموسيقى بآلات كثيرة. ولم يحضر بالطبع الثلاثة فتية؛ لأنهم لا يسجدون إلاَّ للَّه ولم يحضر أيضاً دانيال. وهنا تقدم بعض الرجال الكلدانيين واشتكوا الثلاثة فتية للملك؛ لأنهم لم يسجدوا للتمثال وأنهم مستحقون أن يُلْقَوا في أتون النار، عقاباً لهم، كما أمر الملك. ويبدو أن مركز دانيال كان أكبر من أن يشتكوا عليه، فخافوا ولم يتكلموا عنه.
فغضب الملك واستدعى الثلاثة فتية، الذين أصروا على عدم السجود للتمثال؛ لأنهم يسجدون للَّه وحده. فاعتبر الملك هذا التصرف عصياناً له وأمر بأن يُحمَّى الأتون سبعة أضعاف ما كان مقرراً له ويُربط الثلاثة فتية بحبال، ويمسك بهم أناساً أقوياء ويلقون بهم في أتون النار، ففعلوا هكذا وحضر الملك بنفسه. وأمسك رجال الملك بالثلاثة فتية الموثقين واقتربوا من باب الأتون وألقوهم فيه. ومن شدة النار احترق رجال الملك الجبابرة. أما الثلاثة فتية فإن الحبال التي تربطهم انحلت ورآهم الملك يتمشون داخل الأتون ومعهم شخص رابع شبيه بابن الآلهة، إذ أن اللَّه أحاطهم في الحال بغلاف من هواء بندى، فلم تمسهم نار الأتون. وفرح الثلاثة فتية برؤية اللَّه داخل الأتون وأخذوا يسبحونه. فقالوا له مديح موجود في تسبحة الكنيسة، بدايته: “نتبعك بكل قلوبنا” (دا 3: 41-44)، ثم أنشدوا الهوس الثالث، أي التسبيح الثالث الموجود في كتاب التسبحة (دا 3: 52-90). وحاول رجال الملك تحمية الأتون، حتى ارتفعت النار إلى 24.5 متراً في الهواء وأكلت النار بعض الكلدانيين الذين اقتربوا من الأتون، فتعجب الملك جداً عندما رأى أربعة رجال يتمشون داخل النار، ثم نادى على الثلاثة فتية من النار، فخرجوا إليه. ولاحظ أن النار لم تمس حتى ثيابهم وليس فيها رائحة النار، فأعلن قوة إلههم التي تفوق كل قوة في العالم. وبهذا حوّل اللَّه هذه الضيقة العظيمة إلى وسيلة لتمجيد اسمه وإعلاء شأن أولاده الثلاثة فتية (دا 3).
مجّد اللَّه دانيال، إذ أعلن له الأسرار التي لا يعرفها غير اللَّه وأعطاه أيضاً ذكاءً يفوق كل من حوله، فاحترمه الكل حتى الملك، فانتقل من مرتبة العبد إلى رئاسة المملكة، كما نقل اللَّه قديماً يوسف العبد إلى رئاسة مملكة مصر بالحكمة وفهم الأسرار. وقد شهد حزقيال بحكمة دانيال الفائقة وفهمه الأسرار في (حز28: 3).
مرّت السنوات ونبوخذنصر يملك على مملكة بابل ويُسيطر على العالم، مُظهِراً حكمته وسلطانه في إدارة المملكة وفي بنائه عاصمته بابل بأسوار عالية مُحصّنة. ووضع فيها مخازن كبيرة للطعام وكان نهر الفرات يمر من تحتها، وبالتالي لا يمكن اقتحامها، أو محاصرتها بحسب المنطق البشري. ولكن نبوخذنصر تكبر بسبب إحساسه بعظمته في أعماله التي عملها ونسب كل المجد لنفسه وليس للَّه، فأراد اللَّه أن يُعرِّفه بضعفه، فحلم حلماً غريباً أزعجه، فأسرع لدانيال ملتجئاً إليه ليفسر له الحلم. وهنا تظهر شجاعة دانيال، الذي قال للملك أنه بسبب تكبرك غضب اللَّه عليك، والشجرة العظيمة التي رأيتها في الحلم والتي تحتمي بها جميع طيور السماء وبهائم الأرض وقد قطعت، هى أنت أيها الملك، الذي ستفقد عقلك ويطردونك من بين الناس سبع سنوات وتعيش مثل الحيوانات؛ حتى تتوب عن كبريائك وعندما تتضع يعيدك اللَّه إلى مملكتك وقد حدث كل هذا مع الملك (دا 4).

بعد هذا مات نبوخذنصر العظيم وملك بعده ابنه أويل مردوخ عام 562 ق.م وكان منشغلاً بالفن والعلوم المختلفة، فضعفت المملكة في أيامه ولم يعتمد على دانيال، الذي كان عمره وقتذاك تسعة وخمسين عاماً، فأهمل وجوده وعاش في أحد زوايا القصور الملكية، فكانت فرصة للصلاة وعبادة اللَّه الذي أحبه. وغالباً عاش دانيال بتولاً، إذ لم يُذكر له زوجة وأولاد، فعاش كأحد الرهبان يتمتع بحياة الوحدة والتأمل سنوات كثيرة وكان ذلك لمدة اثنين وعشرين عاماً، حتى أن حزقيال النبي ـ الذي كان معاصراً له وأكبر منه في السن ببضع سنوات ـ شهد أنه من أتقى رجال العهد القديم، الذين اتصفوا بمحبة الصلاة، إذ ذكره مع نوح وأيوب كرجال اللَّه المتميزين بالبر (حز14: 14، 20).
في هذه الفترة الهادئة غالباً كانت فرصة أن يعلن اللَّه لدانيال مجموعة من الرؤى ذكرها لنا في (ص7-12)، تُحدِّثنا عن مستقبل الممالك التي تحكم العالم وعلاقتها بشعب اللَّه ومملكة المسيا المنتظر القادمة وكيف يُتمم فداءه على الصليب ويأخذ أولاده في النهاية إلى الملكوت الأبدي.
رغم أن دانيال تبوأ مراكز عظيمة في المملكة البابلية، ثم بعد ذلك في مملكة مادي وفارس ـ كما سنذكر ـ لكنه تعرّض لمؤامرات كثيرة، وصلى وأنقذه اللَّه منها. فكان مُعرضاً للموت عدة مرات، كل هذا ساعد دانيال على التعلق باللَّه والتغرب عن العالم، فلم ينزعج عندما أهمله الملوك التاليون لنبوخذنصر، بل كانت فرصة له للصلاة مع الزهد، إذ كان ناسكاً يصوم أياماً كثيرة أثناء عبادته للَّه (دا 8: 27، 10: 3). ومع أنه كان في السبي بعيداً عن أورشليم والهيكل، لكن قلبه كان مُتعلقاً بعبادة اللَّه والمُحرَقة الصباحية والمسائية اليومية وكل ممارسات العبادة، التي كانت تتم في الهيكل الذي دمَّره نبوخذنصر.
ملك أويل مردوخ لمدة سنتين ونصف، ثم قتله أحد رؤساء المملكة. وتوالت الاغتيالات وتملك هؤلاء الرجال على عرش بابل، حتى سنة 539 ق.م وفيها ضعفت المملكة البابلية جداً.
وفي عام 539 ق.م تملك بيلشاصر ـ الذي كان يُعتَبر ابناً لبنونيدس الملك حفيد نبوخذنصر ـ على بابل. وكان شاباً مستهزءاً، انشغل بالخمر والنساء، فلم يملك إلاَّ شهوراً قليلة لم تصل إلى سنة. وفي نهاية ملكه ـ تمادياً في خلاعته واستباحته ـ طلب أواني بيت الرب؛ ليشرب فيها الخمر مع أحبائه ونسائه، وهنا ظهر غضب اللَّه عليه، إذ ظهرت يد تكتب على الحائط أمام عينيه كلمات غير مفهومة وهى “منا منا تقيل وفرسين” (دا 5: 5-9). فانزعج الملك جداً وطلب كل حكماء بابل ليفسروا له هذه الرؤيا المفزعة. وهنا تقدمت الملكة ـ وهى غالباً إحدى بنات نبوخذنصر ـ وطمأنت الملك بأن هناك رجلاً فهيماً يُدعَى بلطشاسر (دانيال) موجود في المملكة منذ أيام أبيه، أي جده نبوخذنصر، فاستدعاه بسرعة وأتى من مكان خلوته ـ وكان عمره وقتذاك واحد وثمانين عاماً ـ فوعده الملك بهدايا ولكنه لم يهتم بها وأعلمه بمعنى الرؤيا وهو أنه لتجاسره بشرب الخمر في آنية بيت الرب وكل شروره أرسل اللَّه له هذه الرسالة، وهى: أنه وُزِنَ بالموازين فوُجِدَ ناقصاً، وأن مملكته ستُقسَّم وتؤخذ منه، فمن خوف بيلشاصر الملك أعطى دانيال قلادة، تعلن أنه الرجل الثالث في المملكة. وقد تحقق كلام دانيال في هذه الليلة، إذ قُتِلَ بيلشاصر وغزت مملكة مادي وفارس بابل واستولت عليها، وانتهت بهذا الإمبراطورية البابلية وبدأت إمبراطورية مادي وفارس وكان ذلك عام 538 ق.م.
حكم كورش على مملكة مادي وفارس كأول ملك للمملكة وكان يساعده حميه الملك داريوس المادي وقد شعرا بمكانة دانيال وذكائه وتاريخه العظيم، فجعلاه من رؤساء المملكة، بل عندما أقاما 120 مرزباناً (رئيساً) جعلا عليهم ثلاثة رؤساء، منهم دانيال، وكان داريوس يود أن يجعله رئيساً وحده على جميع الرؤساء (دا 6: 1-3)؛ لاقتناعه بتميزه، خاصة وأن داريوس تميز بالفهم والإدارة السليمة لبابل، التي ظلت إحدى عواصم المملكة الجديدة؛ مملكة مادي وفارس؛ وداريوس هذا كان صديقاً لدانيال واعترف بقوة إلهه.
اغتاظ مرازبة الملك، أي رؤسائه من تميز دانيال ورئاسته لهم، فدبروا خدعة أقنعوا بها الملك، والمقصود الظاهري بها تعظيم الملك كإله، وهى ألاَّ يطلب أحد أية طلبة في المملكة إلاَّ من الملك. ومن لا يصنع هذا يُلقى في جب الأسود؛ لأنهم يعلمون أن دانيال متمسك بعبادة اللَّه والصلاة له (دا 6: 5).
ظهرت هنا شجاعة دانيال، الذي ذهب إلى بيته وفتح نوافذه ونظر نحو أورشليم وصلى ثلاث مرات ـ كما تعود كل يوم بحسب عادة اليهود ـ وهى صلاة الساعة الثالثة والسادسة والتاسعة، التي تُقابِل الساعة التاسعة صباحاً والثانية عشرة ظهراً والثالثة بعد الظهر (دا 6: 10).
أسرع رؤساء المملكة إلى الملك واشتكوا له دانيال وعرَّفوه أنه لا يستطيع أن يرجع في أوامره؛ لأنه ملك، فحزن داريوس جداً وأجَّل عقاب دانيال حتى المساء، ثم أمر بإلقائه في الجب. وظل الملك حزيناً ولم يأتوا إليه بسراريه وسهر طوال الليل. وفي الصباح الباكر ذهب إلى الجب مع رجاله ونادى على دانيال، فرد عليه من الجب وأعلمه أن إلهه أرسل ملاكه وسد أفواه الأسود، فلم يصبه أذى. فأمر بإصعاد دانيال، ثم إلقاء الرؤساء الذين اشتكوا عليه، هم وأسرهم، فالتهمتهم الأسود فور إلقائهم، وهذا أكد قوة اللَّه التي تحمي دانيال، فالأسود قوية وجائعة ولكنها لم تمس دانيال. وبهذا ازدادت عظمة دانيال في نظر الملك (دا 6: 14-24).
إذ كان دانيال صديقاً للملك كورش، فكان يصطحبه في كل مكان، وكان هناك إلهاً في بابل يُسمَّى بال، يُقدم له أطعمة وأشربة كثيرة كل يوم، وكان الملك يذهب إليه ويسجد أمامه، أما دانيال فلم يكن يسجد، فسأله الملك عن سبب عدم سجوده، فقال له: إن بال تمثال لا يأكل ولا يشرب، فقال له الملك: إنه حي ويأكل كل هذه الأطعمة، فنفى دانيال ذلك بشدة.
فاغتاظ الملك من كهنة بال وهددهم بالقتل إن ثبت أن بال لا يأكل هذه الأطعمة. ووافق الكهنة؛ لأن عددهم كان سبعين كاهناً هم ونساءهم وأولادهم، وكانوا قد صنعوا مدخلاً خفياً تحت المائدة التي يضعون عليها الأطعمة (دا 14: 1-12).
ذهب الملك إلى معبد بال وأخرج الكهنة ووضع بنفسه الأطعمة والأشربة، ثم صرف دانيال كل عبيد الملك ولم يبقَ إلاَّ عبيد قليلون لدانيال، ونثروا رماداً في كل أرضية المعبد، ثم خرجوا وأغلقوا الباب وختموا عليه بختم الملك (دا 14: 13).
في الغد ذهب الملك ودانيال إلى المعبد وتأكدوا من سلامة الأختام، ثم فتحوا الباب، فلم يجدوا طعاماً ولا شراباً، فهتف الملك وأراد أن يدخل وهنا أمسكه دانيال وقال له: انظر إلى الأرض، فقال له أرى آثار أقدام رجال ونساء وأطفال، ففهم الملك أن أناساً دخلوا المعبد وأكلوا الطعام فقبض على الكهنة وضيَّق عليهم حتى أروه المدخل الخفي تحت المائدة، الذي يدخلون منه، فأمر بقتلهم وحطم دانيال تمثال بال وكل المعبد (دا 14: 14-21).
كان في بابل تنين عظيم يخاف منه الكل ويعبدونه وكان هذا حياً يتحرك، فقال الملك لدانيال إنك لا تستطيع أن تقول أن هذا الإله صنماً لا يأكل ولا يشرب فهو حي، فلماذا لا تسجد له ؟!
فقال له دانيال إني لا أسجد إلاَّ للَّه، ثم استأذن الملك أن يسمح له فيقتل التنين. فتعجب الملك من شجاعة دانيال الذي بذكائه طبخ أقراصاً من الزفت والشعر والشحم وألقاها للتنين، وعندما أكلها انشق جوفه ومات. وقال دانيال للشعب هذه معبوداتكم بلا قيمة (دا 14: 22-26).
اغتاظ رؤساء الملك واتهموه أنه قد صار يهودياً تابعاً لدانيال وطلبوا منه أن يُسلّم لهم دانيال وإلاّ فإنهم سيقتلون الملك. وهذا يُبيِّن سلطان هؤلاء الرؤساء ولكنه بلا قيمة أمام قوة اللَّه.
ألقوا دانيال في جب الأسود مرة أخرى واستبقوه هناك ستة أيام؛ ليضمنوا أن تأكله الأسود الجائعة. وكان في الجب سبعة أسود مُنِعوا عنها الطعام مدة، فلم تمس دانيال كما حدث في الجب الأول. وتعاظم عمل اللَّه مع دانيال، إذ كان حبقوق النبي في اليهودية بجوار أورشليم، وكان قد طبخ طبيخاً وصنع خبزاً؛ ليُقدّمه للحصادين في الحقل. فظهر له ملاك الرب وقال له: احمل طعامك هذا إلى بابل إلى دانيال الذي ألقوه في جب الأسود، فقال حبقوق له إني لا أعلم الطريق إلى بابل. وهنا قال الملاك لحبقوق: امسك طعامك جيداً، ثم حمله وأوصله في الحال إلى الجب، فنادى حبقوق على دانيال، الذي فرح برؤية حبقوق، كما فرح حبقوق برؤية دانيال. وقال حبقوق: خذ الغذاء الذي أرسله لك اللَّه وألقى له بالطعام في الجب، فشكر دانيال اللَّه، الذي يهتم بطعامه، ثم أعاد الملاك حبقوق إلى اليهودية (دا 14: 30-36).
ظل دانيال في خلوة مع اللَّه ستة أيام يأكل من الطعام الذي أرسله له اللَّه بيد حبقوق والأسود حوله في هدوء كحيوانات أليفة، وفي اليوم السابع جاء الملك داريوس ونادى على دانيال، فوجده صحيحاً لم تمسه الأسود بأذى، فأعلن الملك أن إله دانيال ليس مثله في الآلهة، ثم أمر بإصعاد دانيال وإلقاء من اشتكوا عليه فافترستهم الأسود فور سقوطهم في الجب، وأمر الملك أن يتَّقي كل الشعب إله دانيال (دا 14: 37-42).
تظهر دقة دانيال في كتابة هذا السفر جزءاً باللغة الآرامية ـ التي كانت لغة بلاد مادي وفارس ـ وذلك في أحاديثه مع الملوك ورجالهم، وجزءاً باللغة العبرية في أحاديثه مع اليهود، والجزء الثالث كتبه باللغة اليونانية، التي كانت قد بدأت تنتشر في العالم، تمهيداً لظهور الإمبراطورية اليونانية التي ستأتي بعد مملكة مادي وفارس.
وهكذا تظهر في حياة دانيال فضائل كثيرة ميَّزته عن كل من حوله، فظهر إيمانه وتمسكه بعبادة اللَّه حتى نهاية حياته. وكان رجل صلاة متمسكاً بالصلوات في مواعيدها وفي اتجاهها السليم، أي نحو أورشليم، وكذلك كان شجاعاً طوال حياته، حتى بعد أن تجاوز الثمانين من عمره، بالإضافة إلى حكمته وذكائه الفائق. فأعطاه اللَّه مكانة عظيمة ونعمة في أعين كل الملوك وأهمهم نبوخذنصر، وحتى الشاب بيلشاصر المستهتر الخليع خافه وكذلك ملوك مادي وفارس وقَّروه جداً.
مما سبق نفهم أن دانيال أصغر من حزقيال بحوالي ثلاث سنوات، وقد تنبأ حزقيال عن السبي والرجوع منه ولكنه استشهد أثناء السبي. أما دانيال فعاصر المملكة البابلية طوال أيامها، ثم بدأ بضعة سنوات مع المملكة الجديدة، مملكة مادي وفارس، فرأى بعينه الرجوع الأول من السبي ـ على يد زربابل ـ قبل وفاته بسنة واحدة، ولم يعد معهم؛ لأنه كان قد تقدم جداً في السن، إذ كان عمره ثلاثة وثمانين عاماً. وهكذا مرّ سبعون عاماً لدانيال في السبي البابلي، فقد تم سبيه وعمره ثلاثة عشر عاماً وعاد الفوج الأول من السبي وعمره ثلاثة وثمانين عاماً.
عاش دانيال حتى السنة الثالثة للملك كورش (دا 10: 1)، أو بعد ذلك بقليل وكان قد بلغ من العمر أربعة وثمانين عاماً، ثم رقد ودُفِنَ على رجاء آبائه، منتظراً المسيا الآتي لخلاص العالم والذي تنبأ عنه، بعد أن قدّم مثالاً لحياة عظيمة لأولاد اللَّه، حتى بين الوثنيين، مهما كان سلطانهم.
وتعيد له الكنيسة في يوم 32 برمهات (1 أبريل) صلاته تكون معنا آمين.

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%af%d8%a7%d9%86%d9%80%d9%8a%d9%80%d8%a7%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8%d9%89/

حياة حزقيال

ولد حزقيال عام 623 ق.م ومعنى اسمه “الله يقوى” وهذا معنى نبوته، فهو يتنبأ عن الله، الذى يقبل توبة شعبه المسبى ويقويهم ويعيدهم من السبى.

حينما كان حزقيال طفلاً، كان يجلس على عرش مملكة يهوذا يوشيا الملك الصالح. وعندما بلغ حزقيال الثانية من عمره اكتشف يوشيا نسخة من الشريعة فى الهيكل. ورأى فى طفولته إصلاحات يوشيا الذى أزال عبادة الأوثان ونشر عبادة الله في كل المملكة، فتهلل قلبه بهذه الإصلاحات الروحية.
كان حزقيال من نسل كهنوتي، فجده الاكبر هو صادوق رئيس الكهنة أيام داود وسليمان، ووالده كاهن يدُعى بوزي (حز1: 3)، فتعلم من طفولته شريعة الله وأحب الهيكل الذي رآه وتحرك فى ساحاته وأكل من الطعام المخصص للكهنة وأسرهم وغالباً ساعد والده فى بعض الإعمال المعاونة فى الهيكل، مثل إعداد البخور والزيوت.
تأثر حزقيال بسير الأنبياء الذين سبقوه، مثل إشعياء وعاموس وهوشع وميخا، فأحب الله ورفض الخطية وعبادة الأوثان.
فى طفولته رأى إرميا النبى وأحبه وسمع نبواته ويقول البعض انه كان خادماً له لفترة في أيام شبابه. وعاصر أيضا أنبياء آخرين هم باروخوناحوموعوبديا.
كبر حزقيال وصار عمره عشر سنوات وسمع عن سقوط نينوى عاصمة أشور وبداية المملكة البابلية، فتخلصت يهوذا من سيطرة أشور ولكن قامت المملكة البابلية والتى ظهرت قوتها فى السنوات المقبلة من حياة حزقيال.
عندما بلغ حزقيال الخمسة عشر من عمره حدث أمر مؤسف وهو قتل يوشيا الملك الصالح فى معركة مجدو بيد نخو ملك مصر وبهذا انتهت الفترة السعيدة في حياة شعب الله التى كان يدعوهم فيها يوشيا لعبادة الله ورفض الأوثان، وكان ذلك عام 608 ق. م.
تملك بعد يوشيا ابنه يهوآحاز الذي سار عكس أبيه، فأنغمس فى الشر وعبد الأوثان، فقبض عليه نخو ملك مصر وأخذه أسيراً إلى مصر وملك بدلاً منه أخيه يهوياقيم.
سار يهوياقيم في الشر ونشر عبادة الأوثان ولم يرتدع مما حدث لأخيه يهوآحاز، فتعرض لهجمات من ملك بابل. ورأى حزقيال بعينيه اضطهاد يهوياقيملإرميا، فحزن جداً لابتعاد الملك والشعب عن الله وتعلق قلبه بإرميا ونبواته.
كان حزقيال حزيناً عندما رأى انحراف الكهنة عن عبادة الله ومقاومتهم لإرميا، فهو أحد شباب نسل الكهنة وسمع عن اختفاء إرميا ومنع الكهنة له من دخول الهيكل ونبوات إرميا التي قرأها باروخ في بيت الرب، وكيف مزق الملك يهوياقيم النبوات وأحرقها، فحزن حزقيال لإصرار قيادات الشعب على الشر وابتعادهم وشعبهم عن الله.
عندما بلغ حزقيال الخامسة والعشرين من عمره وكان ذلك عام 598 ق.م قتل نبوخذنصريهوياقيم الملك وتملك بعده ابنه يهوياكين، الذي لم يمكث على العرش إلا ثلاثة شهور وسار في الشر، فقبض عليه نبوخذنصر وأرسله ليُسجن فى بابل وأخذ مع يهوياكين أشراف يهوذا، أي كل الرجال والشباب الذين لهم مواهب وقدرات خاصة ومنهم حزقيال وسباهم إلى بابل، ثم ملك عم يهوياكين مكانه وهو صدقياالملك، آخر من جلس على عرش مملكة يهوذا.
تأثر حزقيال جداً لابتعاده عن أورشليم المدينة المقدسة. لأن البابليين كانوا قد نقلوه إلى مدينة تسمى تل أبيب (وهى غير مدينة تل أبيب الموجودة حالياً فى إسرائيل) وهذه المدينة تقع على نهر يسمى نهر خابور وهو أحد فروع نهر الفرات داخل المملكة البابلية (حز 1).
وجد حزقيال نفسه بين مجموعة من اليهود المسبيين عند نهر خابور وحولهم يسكن الوثنيون. فاهتم بهدوء أن يرعى شعبه وينبههم إلى أن ما حدث معهم – أي السبى- هو تأديب إلهي لابتعادهم عن الله ونبههم ليبتعدوا عن الآلهة الوثنية المحيطة بهم ويرفعوا عيونهم نحو هيكل الله والمدينة المقدسة ويظلوا متمسكين بشريعة الله.
تزوج حزقيال واقتنى بيتا فى السبى فى مدينة تل أبيب (حز 3: 15)، التى تقع شمال بابل وليست بعيدة عنها. وكانت الاتصالات بين المسبيين وأهلهم فى اليهودية مستمرة، أي كانتالرسائل ترسل منهم وإليهم. وأقتنى المسبيون بيوتاً وحقولاً، بل إن صدقيا الملك فى السنة الرابعة من ملكه، أي بعد وصولهم للسبي بأربع سنوات زار بابل. ليقدم فروض الطاعة والولاء لنبوخذنصر واستقبله المسبيون بموكب عظيم.
بعد خمس سنوات من السبي بلغ حزقيال من العمر ثلاثين عاما وكان ذلك عام 593 ق.م وبدأت فى هذا الوقت نبوات حزقيال، ورأى الله في مجد عظيم فى هيكله بأورشليم ورأى الطغمات السمائية محيطة به (حز 1: 1)، فكان هذا تشجيعاً إلهيا وتعويضاً له؛ لأنه في هذا السن كان من حقه ممارسة العمل الكهنوتى لو كان فى أورشليم، ولكنه بدأ عمله النبوي فى السبى ورأى الهيكل ومجد الله. فاطمأن قلبه وهذا شجعه على مواصلة دعوة المسبيين معه إلى عبادة الله.
ولما صار عمر حزقيال واحد وثلاثين عاماً علم حزقيال (من الله) أن صدقيا تحالف مع ملك مصر وبهذا نقض عهده مع ملك بابل وهذا لا يليق بأولاد الله، أن يرجعوا فى عهودهم، حتى لو كانت مع غير المؤمنين، فأعلن الله نبوة على فم حزقياللصدقيا يوبخه فيها على تراجعه عن عهده مع ملك بابل ويحذره من الخراب الآتى عليه من ملك بابل وتدمير مدينته أورشليم (حز 15:17-18).
أنبا الله حزقيال أن زوجته المحبوبة له ستموت بمرض مفاجئ وأمره ألا يندبها؛ ليكون مثالاً لباقى إخوته اليهود، الذين لن يستطيعوا البكاء على أورشليم عند تدميرها ولا يرثونها؛لأن الخراب البابلي سيكون قاسياً جداً. فكان حزقيال بهذا مثالاً عملياً أمام شعبه ليتوبوا ويرجعوا لله حتى يرحمهم (حز 24: 15).
تنبأ حزقيال عن تدمير أورشليم وحرق الهيكل فلم يسمعه فقط المسبيون معه، بل وصل أيضاً إلى آذان شعبه في أورشليم عن طريق التجار والمسافرين وبهذا عضد نبوات إرميا الذي كان يتنبأ في أورشليم.
كل هذه النبوات كانت تدعو شعب الله للتوبة، حتى لا تخرب أورشليم ولكنهم للأسف لم يسمعوا، فتم تأديب الله للمدينة والهيكل. ورأى حزقيال الله-فى رؤيا أخرى- يفارق هيكله (حز 10) وحدد الزمن واليوم الذي ستخرب فيه أورشليم. وقد تمت نبواته بكل دقة (حز 24: 2، 33: 21).
عندما بلغ حزقيال من العمر ستة وثلاثين عاماً أحرق الهيكل وأورشليم، فحزن حزقيال جداً لغضب الله ومفارقته لشعبه، لكنه لم يفقد رجاءه، بل ظلت نبواته تدعو شعبه للتوبة.
تشجع حزقيال عندما علم بالمركز الذي ناله دانيال فى بابل هو والثلاثة فتية، فقد كانت بابل قريبة من حزقيال.
عاش حزقيال فترات بين الأشواك، مثل نباتات القريس والسلاء (حز20: 6)؛ ليبين عملياً لشعبه أنهم يسكنون بين الأمم التى تعبد الأوثان. فكان النبى مثالاً عملياً للشعب؛ حتى يكون رجاءهم الوحيد هو الله، فيرحمهم ويعيدهم من السبى.
تميز حزقيال بالفصاحة وكان يكتب كلامه بالشعر، كما كان صوته جميلاً وجذاباً، حتى يساعد شعبه على قبول كلمة الله ولكنهم للأسف أعجبوا بفصاحته وتركوا عنهم مضمون كلامه، أي دعوتهم للتوبة (حز 33: 31- 33).
كان إرميا ينبه شعبه للتوبة ولكنه كان يتميز بالكلام الحنون، إذ أن طبيعة إرميا أنه رقيق للمشاعر، أما حزقيال فقد تميز بالكلام الشديد الصارم؛ لأن نبوته بدأت قبل خراب الهيكل بست سنوات فقط؛ كما أنه كان مسئولاً عن دعوة شعبه المسبي إلى الرجوع لله وليس الانشغال بالمقتنيات في المملكة البابلية، ثم الارتباط بالآلهة الوثنية. فتوبة شعبه كانت الأساس الذي من أجله سيعيدهم الله ثانية إلى بلادهم ويبنى لهم الهيكل من جديد.
كان كلام حزقيال في الجزء الأول من نبوته يدعو إلى التوبة بكل الوسائل، ثم بعد الإصحاح الرابع والعشرين نجد كلماته مملوءة رجاء في الرجوع من السبي، بل يحدثهم عن هيكل الرب الذي أستغرق الحديث عنه التسعة إصحاحات الأخيرة من نبوته، فحدثهم عن جمال هيكل العهد الجديد، ثم عظمة أورشليم السماوية، فهذا الهيكل كانت قياساته لا يمكن إتمامها؛ لأنها ترمز إلى أورشليم السماوية، التي لا يمكن التعبير عن مجدها وعظمتها.
كان الله يأمر حزقيال أحياناً أن يصمت؛ ليبين أن الشعب رافضاً لكلام الله، فصمت حزقيال كان إعلاناً لعدم استحقاق الشعب أن يسمع (حز 24: 17).
إن نبوات حزقيال تحدثنا كثيراً عن تجديد القلب، أي إنسان العهد الجديد، الذي يحيا مع الله بقلب لحمى وليس حجري (حز 36: 26). وتنبأ عن أمنا العذراء، الباب المغلق، الذي يدخله الرب ويخرج منه ويظل مغلقاً (حز 44: 2). وتحدث عن أسرار الكنيسة مثل المعمودية (حز 36: 25)، فقد أطل حزقيال بنظره إلى العهد الجديد بنبواته وهو مازال في العهد القديم.
بعد أن استمر حزقيال يتنبأ لمدة اثنين وعشرين عاماً، أي بلغ من العمر اثنين وخمسين عاماً، يدعو فيها شعبه للرجوع إلى الله. فيما كان يوبخ أحد القضاة ليحكم بالحق ولا يخالف شريعة الله اغتاظ وقام عليه وقتله، كما يخبرنا القديس أبيفانيوس أسقف قبرص عن مخطوط قديم وجده، وقد دفن حزقيال في مقبرة جده الكبير سام وابنه وأرفكشاد.
استشهد حزقيال بعد أن أعلن صوت الله بقوة للشعب المسبى وللشعب الذي فى أورشليم ولكل العالم، وترك دانيال النبى يكمل رسالة الله لشعبه حتى أعادهم من السبى. فنبوات حزقيال تأتى زمنياً بين نبوات إرميا الذي سبقه ونبوات دانيال الذي تنبأ بعده، فالله لا يترك نفسه بلا شاهد، بل يتتابع الأنبياء ليعلنوا صوت الله فى كل حين.

 

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d8%a9-%d8%ad%d8%b2%d9%82%d9%8a%d8%a7%d9%84/

باروخ النبى

ولد باروخ عام 624 ق.م فى أحد بلاد اليهودية، حول أورشليم (إر 51: 59، با1: 1). وهو من عائلة شريفة، فأبوه نيريا بن معسيا كان له أملاك وهذا شجع باروخ على تملك مزارع وكروم بعد هذا (إر45: 5)، وأخوه سرايا صار أحد الرؤساء العاملين مع الملك صدقيا (إر 51: 59).

معنى اسم باروخ “مبارك” وترجمته باللغة القبطية “مكاري”، أي “طوباوي”، وهذا يدل على نبوته التى يبارك فيها الراجعين إلى الله بالتوبة والذين سيرجعون من السبي.
في طفولته وحتى سن السادسة عشر عاصر باروخ الإصلاحات الدينية التى قام بها يوشيا الملك الصالح، فتمتع بالجو الدينى وابتعاد الشعب عن عبادة الأوثان. وفى نفس الوقت تمتع أيضاً بمعلم هذا الجيل وهو إرميا النبى- أشهر الأنبياء فى مملكة يهوذا وقتذاك- فأحبه جداً وتأثر بتعاليمه، بل ارتبط به وصار تلميذاً له.
انحرفت مملكة يهوذا بعد موت يوشيا، بتملك ابنه يهوياقيم، وبالتحديد فى السنة الثالثة من ملكه؛ حيث انتشرت عبادة الأوثان، فسمح الله لبابل أن تهجم على مملكة يهوذا وتأخذ بعض آنية الهيكل وتسبى عدداً كبيراً من شبابها النابغين، مثل دانيال النبى، وكان باروخ قد بلغ الثامنة عشر من عمره، فتأثر قلبه وحزن على ما حدث لشعبه، ولكنه في نفس الوقت تأكد من صدق نبوات معلمه إرميا النبي.
لازم باروخ معلمه إرميا وتمتع بعشرته، فرأى الله فى هذا الرجل العظيم وحزن كل يوم على ابتعاد شعبه عن عبادة الله وعبادتهم للأوثان، خاصة وأنه رأى رفض الشعب لكلام إرميا وبالأكثر رؤسائهم الدينيين، أي الكهنة والمعلمين، بالإضافة للأنبياء الكذبة الذين أحاطوا بالملك.
رأى باروخ معلمه إرميا وهو يقف بباب الهيكل ويعلن نبواته للشعب ويدعوهم للتوبة؟ لأن السبي مقبل عليهم والمدينة المقدسة ستحرق، ولكن قام عليه الكهنة وأمسكه فشحور الكاهن وسجنه (إر 20: 1، 2) فحزن باروخ جداً لقساوة قلب شعبه، بالإضافة إلى حزنه على آلام معلمه المسجون.
فيما كان إرميا في السجن ولم يكن في إمكانه الذهاب إلى بيت الرب لإعلان نبواته، طلب من تلميذه باروخ أن يسجل كل نبواته فى درج (كتاب) ويذهب ليقرأه في باب بيت الرب، فى يوم الصوم، حيث يزدحم الشعب الآتين لعبادة الله (إر 36: 6). فكان إرميا يملي النبوات على باروخ فيكتبها في الدرج. وهذا يبين إصرار إرميا على عمله النبوي، مهما منعته القيود والظروف من ذلك، وفي نفس الوقت تبين شجاعة باروخ وطاعته لمعلمه، فقد ذهب وقرأ الدرج في باب بيت الرب، معرضاً نفسه للموت من كل من يعادون إرميا (إر 36: 4، 5). بهذا الموقف وبتلمذته لمُعلمه إرميا صار باروخ شخصية قوية، وازدادت قوته مع الأيام، حتى أن بعض الشعب اعتقدوا أنه كان يؤثر على إرميا ويهيجه، ليتنبأ ضد الشعب والرؤساء (إر 43: 3)، وذلك لأن باروخ كان يبدو ذو شخصية فذة وقوية، فى حين يظهر ارميا كشخصية رقيقة المشاعر. قريب إلى الدموع.
بعدما قرأ باروخ الدرج فى باب بيت الرب، سمع بعض رؤساء الشعب الأتقياء بما جري، فأرسلوا إليه وأحضروه وطلبوا منه أن يقرأ لهم السفر، فلما سمعوا كلمات إرميا خافوا الله جداً ثم طلبوا من باروخ أن يختفي هو ومعلمه إرميا- الذي كان قد أفرج عنه (إر 36: 19). فذهب باروخ مسرعاً إلى إرميا وهربا واختفيا فى مكان بعيد عن الملك ورؤسائه. وعندما أعلموا الملك يهوياقيم بما حدث وقرأوا له ما فى الدرج، غضب جداً وقطع وأحرق الدرج، ولكنه لم يستطع القبض على إرميا وباروخ لاختفائهما (بر 36: 23).
بعد هذا أمر الله إرميا أن يملي درجاً جديداً على باروخ، فكتب باروخ كل نبوات إرميا مرة أخرى وزاد عليها إرميا- من قبل الرب- نبو ة على يهوياقيم، الذي رفض كلام الله وأحرق الدرج، مؤكدا أن بابل ستهجم على مملكة يهوذا وسيقتل يهوياقيم وتجر جثته على الأرض مثل جثة حمار (إر 36: 30)، فأطاع باروخ وكتب درجاً جديداً.
حتى هذا الوقت كان باروخ يتتلمذ عى يد ارميا ولم يعلن أية نبوة خاصة به، فلم يفعل هذا إلا بعد استشهاد معلمه- كما سنرى- وهذا يبين مدى اهتمام باروخ بالتلمذة الروحية. كما تتلمذ يشوع على موسى وأليشع على إيليا سنوات طويلة. ظهرت طاعة باروخ لمعلمه إرميا، الذي أعطاه رسالة من الله أن لا ينشغل بأمور العالم، لأن باروخ- كما ذكرنا- كان قد أمتلك مزارعاً وكروماً وممتلكات مختلفة، فقال له الله: أن كل هذا سيهدم عندما تأتي مملكة بابل ولكن الله سينجي باروخ من الموت، فأطاع باروخ وترك عنه ممتلكات العالم- وهذا يبين طاعته وزهده- وانشغل بالتلمذة على يد إرميا وكان هذا فى السنة الرابعة لملك يهوياقيم، حين بلغ باروخ التاسعة عشر من عمره.
مرت السنوات وباروخ يشارك معلمه إرميا فى احتمال الآلام واضطهاد من الشعب والرؤساء. ومات يهوياقيم الملك بيد نبوخذنصر ملك بابل وكان باروخ قد بلغ الخامسة والعشرين من عمره.
بعد موت يهوياقيم الشرير تملك ابنه يهوياكين، الذي سار في الشر، مثل أبيه، فقبض عليه جيش بابل وأرسله؛ ليسجن فى بابل وملكوا بعده صدقيا عمه، وكان أيضاً شريراً ولكنه كان يبدي بعض الخضوع الظاهري لإرميا.
عندما بلغ باروخ التاسعة والعشرين من عمره، وفى السنة الرابعة لملك صدقيا (إر 51: 59) ذهب صدقيا لزيارة بابل وإعلان خضوعه لنبوخذنصر ملك بابل وأخذ معه بعض رؤسائه، ومنهم سرايا أخى باروخ، فأنتهز إرميا هذه الفرصة وأرسل مع سرايا الدرج المحتوي على نبوات إرميا والذي كتبه باروخ؛ ليقرأه في بابل أمام المسبيين، ثم يربطه في حجر ويلقيه فى نهر الفرات ويعلن أمام المجتمعين من البابليين واليهود، أنه هكذا سيعاقب الله بابل من أجل شرورها ويخربها (إر 51: 63، 64).
ظل باروخ ملازماً لمعلمه إرميا وحزن كثيراً عندما سجنه صدقيا الملك. وكان يهتم بخدمة معلمه وهو فى السجن. كان باروخ قد بلغ من العمر تسعة وثلاثين عاماً حين كان إرميا فى السجن.
وفي أحد الأيام- عندما كان يزوره باروخ – طلب إرميا منه من يحتفظ بصك شراء إرميا لحقل من ابن عمه حنمئيل، فاخذ باروخ نسختين من صك الشراء ووضعهما في إناء خزفي؛ ليبقيا مدة طويلة، إعلاناً من الله بأن شعبه، الذي سيُسبى بعد سنة واحدة من هذا التاريخ، بيد بابل سيعود إلي أرضه على يد كورش ملك مادي وفارس ويشترون أراضي وبيوتاً (إر 32: 7-15)، ففعل باروخ كما أمره إرميا.
عندما بلغ باروخ الأربعين من عمره، هجمت بابل على أورشليم وأحرقتها هى وهيكلها وقبضت على صدقيا الملك وقتلت بنيه وفقأت عينيه وأرسلته سجيناً إلى بابل. وأكرمت بابل إرميا، إذ علمت بنبواته عنها، وترك له الاختيار أن يبقى في اليهودية، أو في بابل، فبقى هو وباروخ تلميذه في اليهودية.
حاول اليهود الهرب إلى مصر، فأوصاهم إرميا بالخضوع لبابل وعدم الذهاب إلى مصر لكنهم أصروا وأخذوه بالقوة معهم وتبعه باروخ، فوصلوا إلى مصر، وبالتحديد فى تحفنحيس وكان عمر باروخ قد بلغ الحادي والأربعون من عمره. ظل إرميا يتنبأ لليهود في مصر بالتوبة وأعلن لهم أن نبوخذنصر سيهجم على مصر التى يحتمون فيها ولكنهم لم يسمعوا له، بل قاموا عليه ورجموه وكان هذا هو أصعب منظر قد رآه باروخ فى حياته. لتعلقه الشديد ومحبته لإرميا.
بعد استشهاد إرميا هجم نبوخذنصر على مصر وخربها، وفي عودته إلى بابل أخذ معه باروخ وهناك رأى باروخ اليهود في ذل العبودية وبعضهم قد عاد إلى الله بالتوبة والبعض الأخر قد انشغل بالماديات والممتلكات فى بابل، فحزن باروخ على اليهود، الذين لم يتعلموا من ضيقة السبى ولم يرجعوا إلى الله.
فى بابل كتب باروخ نبوته فى السنة الخامسة لخراب أورشليم، حين كان عمره خمسة وأربعين عاماً، وقرأها على مسامع يهوياكين ملك يهوذا المسجون فى بابل وعلى مسامع اليهود المسبيين فى بابل (با 1: 1-3). وفى هذه النبوة دعا الشعب للتوبة والرجوع إلى الله بالبكاء والصوم والصلاة (با 3: 1-8) وضمن فى نبواته كلاماً واضحاً عن تجسد المسيح (با 3: 24) والثالوث القدوس (با 4: 22)، ثم أضاف إلى نبواته رسالة من ارميا إلى المسبيين فى بابل، كان قد أملاها عليه قبل استشهاده في مصر (با 6).
عاش باروخ فى بابل سنوات طويلة يصلى من أجل شعبه ويدعوهم للرجوع إلى الله الذي وعدهم بالرجوع من السبي. وجمع باروخ تبرعات من الشعب من الفضة وأرسلها إلى يوياقيم بن حلقيا الكاهن (با 1: 10). لتقديم ذبائح عن المسبيين فى بابل ولعل الكهنة في أورشليم كانوا يقدمون ذبائح على مذبح مؤقت في خرائب الهيكل. كل هذا صنعه باروخ ليتعلق شعبه بأورشليم والهيكل الذي سيبنى فيها، فيتحمسون للرجوع من السبي.
شاخ باروخ في بابل وكان يتتلمذ على يديه أتقياء اليهود، ومنهم شاباً صغيراً هو عزرا الكاهن والكاتب، الذي كتب سفر عزرا، والذي ارتبط بمعلمه باروخ وأحبه جداً، فاستطاع أن يحصل على خلاصة فكره الروحي في شيخوخته.
عندما بلغ باروخ الثامنة والثمانين من عمره هجمت مملكة مادي وفارس على بابل واستولت عليها هى وكل البلاد التابعة لها، وشهد باروخ تحقيق كلام الله على فم معلمه إرميا وعلى فم باقي الأنبياء بالعودة من السبى، إذ أن كورش أول ملوك فارس وافق على عودة اليهود إلى أورشليم؛ ليبنوا هيكلها.
وعندما بلغ باروخ التسعين من عمره تحرك أول فوج من اليهود الراجين من السبي بقيادة زربابل وكان ذلك عام 536 ق.م، ولم يذهب معهم عزرا تلميذ باروخ؛ لتعلقه بالتلمذة على يد معلمه، فظل معه في بابل، رغم شوق عزرا الشديد للرجوع إلى أورشليم وممارسة كهنوته.
مرت سنوات قليلة بعد هذا، ثم تنيح النبي العظيم باروخ في بابل، بعد أن تجاوز التسعين من عمره بسنوات قليلة وقد أعطى مثالاً عملياً في القوة والشجاعة وفى نفس الوقت الطاعة والتلمذة. فاهتم عزرا بتشجيع اليهود على العودة إلى أورشليم، رغم أنه كان شاباً صغيراً، ومرت سنوات طويلة حوالي سبعة وخمسين عاماً، عاد بعدها عزرا بالفوج الثانى من المسبيين إلى أورشليم.

 

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d9%88%d8%ae-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8%d9%89/

إرميا النبى

وُلد إرميا في قرية تدعى عناثوث (إر 1: 1) التى تبعد ثلاثة أميال شمال شرق أورشليم. ومعنى اسمه “الله يرمى ويخرج إلى الشعوب”. واسم إرميا يدل على حياته، فقد أخرجه الله؛ ليتنبأ على كل المحيطين به ويدعوهم للرجوع إلى الله.

وُلد إرميا عام 646 ق.م فى أواخر حكم منسى ملك يهوذا، الذي عبد الأوثان وسار في الشر، ولكنه فى نهاية حياته تاب وعاد إلى الله، وإن كان لم يستطع أن يعيد شعبه إلى الله، بل ظل يعبد الأوثان. وفى سن الرابعة من عمر إرميا مات منسى وملك ابنه آمون على يهوذا، وهذا سار فى الشر وعبد الأوثان أيضاً. ومعنى هذا أن الجو المحيط بإرميا كان فاسداً والشعب يميل لعبادة الأوثان والابتعاد عن الله.

إن قرية عناثوث- التى وُلد فيها إرميا- هى قرية مخصصة لسكنى الكهنة (يش 21: 18)، فإرميا من نسل كهنوتى، إذ أن جده الأكبر أبياثار كان رئيساً للكهنة مع صادوق أيام داود النبى. وبعد موت داود عزل سليمان أبياثار عن الكهنوت؟ لاشتراكه فى تمليك أدونيا أخى سليمان، مخالفاً لأوامر الله ولداود الملك (1مل 2: 27). ولذا فكان نسل أبياثار الساكنين فى عناثوث المعزولين عن خدمة الهيكل قد سقطوا فى بدعة، وهى تقديم العبادة خارج أورشليم فى قريتهم عناثوث. كل هذا يوضح مدى الفساد والتخبط الذي ساد الجو المحيط بإرميا فى طفولته.

مما سبق نفهم أن إرميا كان كاهناً ونبياً فى نفس الوقت ولكنه لم يمارس كهنوته، بل ركز على النبوة، أو هكذا الله أراده أن يكون نبياً، ولم يتضايق إرميا بسبب عزل جده أبياثار وكل نسله من الخدمة الكهنوتية. وجمع إرميا للكهنوت والنبوة فى شخصه يشبه آخرين، مثل حزقيال النبى وزكريا الكاهن والنبى أبى يوحنا المعمدان. ولما بلغ إرميا من العمر سبع سنوات، تملك يوشيا الملك الصالح على مملكة يهوذا، بعد موت آمون أبيه. وكان يوشيا طفلاً عمره ثماني سنوات حين ملك، ولم يبدأ يوشيا إصلاحاته الدينية إلا حين بلغ ستة وعشرين عاما . ً أي بعد ثمانية عشر سنة من تملكه، فبدأ فى ترميم الهيكل وإبادة عبادة الأوثان من مملكة يهوذا بكل شدة (2 مل 22: 1، 23: 23).

فى الفترة التى كان فيها إرميا طفلاً، ثم فتى كان الفساد يعم مملكة يهوذا. ولكن يظهر عمل الله مع إرميا، فقد تأثر بالأنبياء الذين سبقوه. كما ذكر فى نبوته (إر 28: 8) ولعل من أشهر هؤلاء الأنبياء: إشعياء وصفنيا الذى سبق إرميا بثلاثة عشر عاماً وهوشع وعوبديا.

وبهذا كان إرميا فى ضيق شديد من هذا الفساد وكان يعلم مدي غضب الله على شر شعبه، خاصة وأن إرميا كان رقيق المشاعر جداً، فأحب الله من كل قلبه وتضايق لضيق الله من الشر.

نادى الله ارميا ليبدأ نبوته وكان عمره عشرين عاماً وقتذاك، وكان في السنة الثالثة عشر من ملك يوشيا؟ قبل أن يبدأ إصلاحاته الدينية (ار 1: 2)، فكان ارميا بهذا مشجعاً ليوشيا على إبادة عبادة الأوثان وترميم الهيكل ودعوة الشعب للتوبة والرجوع إلى الله.

أمر الله إرميا أن يوبخ كل فئات الشعب لشرهم، الملك والرؤساء والمعلمين والكهنة وكل الشعب. فشعر إرميا بصعوبة الرسالة التى كلفه بها الله واعتذر أولاً لصغر سنه (ار 1: 5). لكن الله قال له، لا تقل إني ولد، وتنبأ بما أمرتك (إر 1: 7)، فقام مسرعاً لينفذ مشيئة الله ويتنبأ على كل من حوله. وخاصة وأن الله أعلمه أنه مختار من الله وهو بعد جنين في بطن أمه (ار 1: 5).

أحب إرميا البتولية، ثم أمره الله بعدم الزواج، وكان هذا متمشياً مع محبة إرميا لله والتفرغ لخدمته. وقصد الله أيضاً ببتولية إرميا أن يكون مثالاً للشعب فى أن مملكة يهوذا غير مستقرة ومعرضة للخراب بيد بابل (إر 16: 2).

استمر إرميا فى دعوة شعبه للتوبة وكان يوشيا وقتذاك مستمراً أيضاً في دعوة الشعب لعبادة الله، وإذ رأى الله اهتمام يوشيا وإرميا جعل حلقيا- رئيس الكهنة وقتذاك- يكتشف نسخة من شريعة الله فى الهيكل، أثناء ترميمه (2 مل 22: 8). وعندما قرأها يوشيا تأثر جداً ومزق ثيابه مقدماً توبة عن نفسه وكل شعبه بسبب مخالفتهم للشريعة. وأرسل إلى خلده النبيه الساكنة فى أورشليم (2 أى 34: 22)، فأعلمتهم أن الله سيجلب الشر على أورشليم. لأجل كثرة خطاياها، ولكن لتوبة يوشيا سيجعل هذا الخراب يتم بعد موته. وقد سمح الله أن يرسل يوشيا إلى خلده. لتقول نفس كلام ارميا وبهذا يساند الله إرميا فى نبواته ووعظه لشعبه ويؤكد للشعب صدق كلام ارميا. وهذا بالطبع ساند إرميا وشجعه. ليواصل رسالته.

واهتم يوشيا بعمل عيد الفصح ودعا الشعب فى كل مملكته، واليهود الباقين فى مملكة إسرائيل التى تم سبيها، فكان عيدا عظيماً. وهذا اسعد قلب إرميا جداً، إذ رأى ثماراً روحية فى شعبه وصلى لعلها تدوم.

لم يتجاوب الشعب مع إرميا (إر 7: 24 ، 26)، إذ أنه وبخهم وهددهم بخراب بلادهم وتدمير الهيكل وهى أخبار صعبة عليهم. وكان يملك وقتذاك على مملكة أشور، التى تحكم العالم، ملك يسمى أشور بأنيبال ولكنه مات مع بداية نبوة إرميا، وبدأت أشور تضعف من بعده. فشعر اليهود أنه لم يعد هناك خطراً على بلادهم وهيكلهم، فلم يطيعوا كلام ارميا ولم يتوبوا.

من ناحية أخرى لم يتجاوب مع دعوة إرميا أهل قريته عناثوث (إر 11: 21)، إذ رأوا أنه يمكن تقديم عبادة لله فى قريتهم وليس فى هيكل أورشليم. وهذا عكس ما نادى به إرميا. كما أنهم تضايقوا من إرميا مثل باقى الشعب؛ لأنه هدد البلاد بالخراب ودعا شعبه للخضوع والذهاب إلى السبى، فاعتبره الكل خائنا للوطن، مع أن كلامه كان هو كلام الله، الذي ينذر شعبه بالتأديب فى السبى لعدم توبتهم.

ولما بلغ إرميا السابعة والثلاثين من عمره قام نخو ملك مصر على رأس جيش للاستيلاء على الشام، مستغلاً ضعف مملكة أشور، فأندفع يوشيا الملك لمقاومة نخو ومنعه من الوصول إلى أشور، وهذا كان اندفاع من يوشيا الذي لم يطلب الله، فقتل في معركة مجدو عام 608 ق 3 (2 أي 35: 20- 24) وكانت بابل في هذا الوقت قد بدأت فى الظهور كدولة صغيرة.

بعد موت يوشيا مللك ابنه يهوآحاز وكان شريراً، عكس أبيه يوشيا، فابتعد عن الله وبدأت في أيامه عبادة الأوثان من جديد. ولكنه لم يبق طويلاً على العرش، إذ أن نخو ملك مصر- بعد انتصاره على أشور فى معركة كركميش عند نهر الفرات- قبض على يهوآحاز وأرسله مسبياً إلى مصر وملك بدلاً منه أخيه يهوياقيم (2 أي 36: 1- 4).

سار يهوياقيم فى الشر مثل يهوآحاز أخيه، فابتعد عن الله وعبد الأوثان وبالتالى قاوم إرميا، الذى كان يوبخ الكل لابتعادهم عن الله. والعجيب أن يهوياقيم لم يتعلم شيئاً من صلاح أبيه، بالرغم من تنبيه إرميا له أن يسير في طريق أبيه (إر 22: 15-19). كانت مشاعر إرميا كأب لشعبه تعتصر ألماً؛ لاندفاعهم في الشر، خاصة وأن الله أعلن له أن العقاب سيأتي، وهو تدمير أورشليم والهيكل وقتل الكثيرين من شعبه. فكان يبكي عليهم كثيراً، فهو رقيق المشاعر جداً. وهذا زاده إلحاحاً على الشعب أن يتوبوا، أما هم فاستمروا يستهزئون به ويقاومونه، وذلك من الملك والرؤساء الدينيين والمعلمين وكل الشعب. فاحتمل كثيراً جداً فى صمت ولم يكن له معزي إلا الله.

وقف إرميا في باب بيت الرب أمام الجموع المحتشدة هناك، الآتية للعبادة وأعلن لهم نبواته، فدعاهم للتوبة؟ لأن غضب الله شديد عليهم بسبب كثرة خطاياهم، وأعلمهم أن الله سيخرب بلادهم عن طريق ملك بابل (إر 7-9)، وصلى إرميا من أجل شعبه وتشفع فيهم أمام الله، حتى يسامحهم ولكن الله رفض، لعدم توبتهم وهذا يبين حنان إرميا واهتمامه بشعبه (إر 18: 20).

ولكن الأنبياء الكذبة قاوموا إرميا معلنين أن كلامه كله خطأ وعلى العكس سيكون سلام للشعب. وأشترك معهم الكهنة، فقام فشحور وضرب إرميا وربط يديه ورجليه بالسلاسل وسجنه (إر 2،1:20).

تأثر إرميا بهذه الضغوط الشديدة وحاول أن يكف عن خدمته ولكنه شعر بتأنيب ضميره فصارت كلمة الله كالنار في داخله، إذ أن الله أشعره بخطأ صمته عن إعلان التعليم السليم. وفي نفس الوقت شجعه أنه معه. وفى النهاية أقتنع إرميا وقام ليواصل خدمته (إر20: 7-9).

أستمر الكهنة في مقاومة إرميا، حتى أنهم منعوه من دخول الهيكل، فأمر الله إرميا أن يكتب نبواته فى درج (كتاب)، فأملى كلامه على تلميذه باروخ، فقد كان باروخ مسجلاً لكلام إرميا ومرافقاً له، ولكن كانت له أيضاً نبوة خاصة به موجودة فى الكتاب المقدس. وأمر إرميا باروخ أن يقرأ الدرج فى باب هيكل الرب – لأن ارميا كان ممنوعاً من دخول الهيكل- حيث يجتمع عد كبير من الشعب. وكان الدرج يحوي تحذيراً إلهيا بأن بابل ستهجم عليهم وتستولى على بلادهم، وقصد الله من هذا أن يتوبوا.

استدعى رؤساء مملكة يهوذا باروخ، ليقرا الدرج لهم، فخافوا من كلام الله، وأوصوا باروخ أن يختفي هو وارميا عن وجه الملك؛ لأنه سيغضب ويحاول قتلهما. ولكن لما أعلموا الملك يهوياقيم، أخذ الدرج ومزقه بمبراة الكاتب (مثل السكين) وألقاه فى النار حتى احترق. ثم أمر بالقبض على ارميا وباروخ ولكن الله أخفاهما عن عينيه، فلم يستطع أن يصل إليهما (إر 36: 20-26).

اختفى إرميا وباروخ، ولكن أعاد ارميا كتابة نسخة جديدة من نبواته بيد باروخ. واحتوت نبوات إرميا أيضاً أن يهوياقيم الملك سيقتل وتسحب جثته على الأرض مثل جثة حمار. وهذا ما حدث على يد نبوخذنصر ملك بابل (إر 22: 19). عضد أيضاًَ الله ارميا وعزاه بإرساله حبقوق النبي؟ الذى تنبأ بعد ارميا بحوالى خمسة عشر عاماً. ونادى الشعب للتوبة والرجوع إلى الله. وظهر أيضاً أيام أرميا نبيا يسمى أوريا. نادى بنفس كلام إرميا، أى دعا الشعب للتوبة؛ لأن الخراب مقبل عليهم. ولكن لم يسمع الشعب له، بل أمر يهوياقيم ملك يهوذا بقتله وكان قد هرب إلى مصر، فأحضروه من هناك وقتلوه أمام الملك (ار 26: 21-23). أما إرميا فتشفع من أجله أحد رؤساء المملكة- وهو أخيقام بن شافان- فلم يقتله الملك (إر 26: 24). وهذا يبين مدى الاضطهاد الذي واجهه إرميا أيام يهوياقيم، فكان مرضاً للموت مرات كثيرة، ولكنه لم يتوقف عن إعلان صوت الله لكل أمته حتى يتوبوا.

بعد موت يهوياقيم تملك ابنه يهوياكين لمدة ثلاثة أشهر ولكن قبض عليه نبوخذنصر ملك بابل وأرسله ليسجن فى بابل وملك بدلاً منه عمه صدقيا (2 أي 36: 9، 10).

كان صدقيا ضعيف الشخصية، متلوناً، فأحياناً يظهر اهتمامه بنبوات إرميا ويتودد إليه، وفى أحيان أخرى يأمر بسجنه ويضطهده (إر 32: 3). وكان إرميا قد بلغ من العمر- وقت ملك صدقيا- ثمانية وأربعين عاماً.

وقد ظهر خضوع صدقيا لإرميا، أمر اليهود بإطلاق إخوتهم المستعبدين عندهم. فأطاعوه (إر34: 8-11). وأيضا أرسل صدقيا إلى اليهود المسبيين فى بابل، نبوات إرميا التى تطلب منهم أن يستقروا فى أماكنهم ويشتروا بيوتاً ويغرسوا كروماً، مؤكدة أن بابل ستسبى أورشليم وسيستقروا هناك سنوات طويلة. وطلب منهم أيضاً الصلاة من أجل ملك بابل، أي الخضوع للملك؛ لعل كل هذا يقودهم للتوبة، إذ يؤكد حرمانهم من أورشليم، التى ستخرب بسبب شرها (إر 29: 1- 17). ولكن بعد هذا تقلب صدقيا ولم يعد يسمع لكلام إرميا، إذ أنه فى السنة الرابعة لملكه أتى إليه وفود من الأمم المحيطة باليهودية يشجعونه على التمرد ضد بابل ولكن أعلن له ارميا خطورة ما يحاول عمله، إذ قدم نفسه مثالاً عملياً، فحمل نيراً خشبياً على كتفه وعنقه مؤكداً ضرورة الخضوع لبابل، ولكن لم يستجيب صدقيا له ولم يطعه (إر 27). وعلم نبوخذنصر، فاستدعى صدقيا ووبخه، فخاف جداً، خاصة وأنه ضعيف الشخصية.

مما سبق نفهم أن بابل قامت بسبى مملكة يهوذا مرة أيام يهوياقيم، فأخذت أفضل الرجال ومنهم دانيال و الثلاثة فتية، ثم قامت بسبى ثان- بعد موت يهوياقيم- وأخذت فيه يهوياكين الملك وعدداً كبيراً من أشراف اليهود، وكان منهم عدد كبير من الأتقياء ومنهم حزقيال النبي. وبهذا لم يبق إلا عدد قليل من الأتقياء حول صدقيا الملك، أي أن مشيريه معظمهم كانوا أشراراً، فشجعوه على مقاومة بابل وعلى اضطهاد إرميا، حتى أن يرئياً وهو من الرؤساء ضرب ارميا وألقاه في سجن قاس فى بيت يوناثان، متهماً إياه بالخيانة لوطنه والتواطؤ مع بابل (ار 37: 13: 14). وظل فى السجن مدد طويلة حتى تعب جداً واقترب من الموت.

استدعى الملك صدقيا إرميا سراً وهو فى السجن القاسى؛ ليطلب منه كلمة الله، فأعلن له إرميا بشجاعة أن بابل ستهجم على البلاد. ولم يخف من الملك وترجى الملك أن يخرجه من هذا السجن، فأخرجه ونقله إلى سجن آخر فى القصر الملكى، أقل قسوة من السجن السابق (ار 37 : 18- 21). لان صدقيا خاف أن يفرج عن إرميا، فيغضب عليه الرؤساء.

ألقي إرميا مرة أخرى في سجن قاسى وهو جب مملوء بالطين (ار 38: 6) ولكن تشفع فى إرميا احد الرؤساء وهو عبد ملك. فأمر الملك بإخراجه (إر 38: 7- 12).

فى نفس الوقت الذي تنبأ فيه ارميا النبى تنبأ أيضاً حزقيال النبى، الذي تنبآ في السبي في شمال مدينة بابل.

فى السنة الثامنة لملك صدقيا، هجم نبوخذنصر على اليهودية وأستولى على بلاد كثيرة منها، فأرسل الله إرميا إلى صدقيا وقال له إن نبوخذنصر سيستولى على أورشليم ويحرقها وسيقبض عليك، ثم يرسلك مقيداً إلى بابل (ار 34: 2 ،3) كل هذا قاله إرميا لصدقيا لعله يتوب ولكنه لم يرجع إلى الله.

بعد هذا ترك نبوخذنصر اليهودية، ثم عاد إليها فى السنة التاسعة لملك صدقيا وحاصر أورشليم (2 مل 25، إر 39، 52). ولكن عندما تقدم خفرع ملك مصر بجيش لنجدة أورشليم، ترك نبوخذنصر حصار أورشليم والتقى بجيش مصر وهزمه، ثم عاد فحاصر أورشليم مرة ثانية (ار 44: 30، 37: 8- 10). فى هذه الأثناء ظن اليهود أنهم تخلصوا من بابل، فقسوا قلوبهم ولم يطيعوا كلام الله على فم ارميا. ليتوبوا عن شرهم، فأتى عليهم الشر بأن حاصرهم نبوخذنصر مرة ثانية، وظل يحاصرهم حتى السنة الحادية عشرة لملك صدقيا. وأثناء هذا الحصار، مات الكثيرون من اليهود فى أورشليم بالجوع والوبا، إذ كانت الضيقة عظيمة جداً؛ لأن الحصار استمر حوالي سنة ونصف.

وفى نهاية هذه المدة شعر صدقيا بأن أورشليم ستسقط حتماً فى يد بابل، حينئذ نقب صدقيا السور وهرب من أورشليم هو ورجله، فقبض عليهم رجال نبوخذنصر وأخذوه إلى نبوخذنصر، فقتل بنيه أمامه، ثم فقأ عينيه وقيده بسلاسل نحاس وأرسله إلى بابل (2 مل 25: 4-6). وفي نفس الوقت اقتحم نبوخذنصر أورشليم وأحرقها وهيكلها بالنار وسبى ما بقى فيها من أشراف وهكذا تمت نبوات إرميا (إر 34).

بعد تدمير أورشليم- وكان عمر إرميا وقتذاك تسعة وخمسين عاماً- سمعت بابل إن إرميا كان يتنبأ بنبوات لصالحها، فعامل مندوب ملك بابل إرميا برفق وسمح له أن يذهب إلى بابل، أو يبقى في أورشليم- أيما يختار (إر 39: 11- 14)، فاختار إرميا أن يظل بين شعبه في أورشليم؛ ليدعوهم إلى التوبة.

حاول اليهود الالتجاء إلى مصر ولكن إرميا أعلن لهم ضرورة الخضوع لبابل، فالخضوع لها هو خضوع لله وضرورة قبول التأديب البابلي؛ ليتوبوا. أما هم فأصروا على الهرب إلى مصر، بل وحملوا إرميا معهم بالقوة إلى مصر.

في مصر ظل إرميا يدعو شعبه للرجوع إلى الله ولكنهم للأسف قدموا عبادة للآلهة الوثنية في مصر، فأعلن لهم إرميا إن إصرارهم على رفض الله سيؤدي بهم إلى الفناء؛ لأن نبوخذنصر سيهجم على مصر ويدمر آلهتها، بعد أن ينتصر عليها (إر 43: 13) أما هم فقسوا قلوبهم واستمروا فى عبادة الأوثان. بل حنقوا على إرميا وقاموا عليه ورجموه فى مصر، فمات شهيداً، بعد أن بلغ من العمر ستين عاماً، كما يذكر التقليد اليهودي.

استشهد إرميا بعد أن تنبأ أربعين عاماً لشعبه واحتمل آلاماً كثيرة وتعرض للموت عدة مرات، فكان رمزا للمسيح، الذي رفضه شعبه، والذي جاء إلى خاصته وخاصته لم تقبله (يو 1: 1). ومات إرميا بيد شعبه- مثل المسيح- بعد أن تمم إرميا خدمته فى طاعة عجيبة.

تميز إرميا برقة المشاعر، فقد سالت دموعه كثيراً من أجل شعبه ولكنه في نفس الوقت أعلن صوت الله وعدله وعقابه بلا تقصير. كان كأب يتألم من أجل أولاده الذين سيهلكون وفي نفس الوقت ينبههم دائماً للعودة إلى الله (إر 9: 1). وفى تأثره الشديد لهلاك شعبه كتب مرثاة طويلة سجلت فى الكتاب المقدس في خمسة إصحاحات وهى سفر مراثى إرميا.

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a5%d8%b1%d9%85%d9%8a%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8%d9%89/

إشعياء النبى

ولد إشعياء عام 760 ق. م فى أورشليم ومعنى اسمه يدل على نبوته وهو يعنى “الله يخلص؛. لأنه إن كان الله سيسمح بالسبى لشعبه لكثرة خطاياهم، لكنه يخلصهم ويعيدهم من السبي. وكان اسم إشعياء يتسمى به الكثيرون من شعب الله في هذا الوقت.

كان أبوه يسمى أموص (2أخ 26: 22) ويقول التقليد اليهودي أنه كان أيضاً نبياً، ويضيف بأنه كان أخو أمصيا ملك يهوذا، وبهذا يكون الملك أمصيا عم إشعياء، وهذا معناه أن إشعياء كان من حقه دخول القصر الملكى والاختلاط بالموجودين فيه، وبالتالي معرفة أسرار القصر، فتكلم فى نبوته عن الأخطاء الموجودة به ودعا الكل للتوبة؟ ليرحمهم الله.
أثناء طفولة إشعياء كان على عرش مملكة يهوذا الملك عزيا ولكنه أصيب بمرض البرص؛ نتيجة تجاسره ودخوله إلى القدس، الذى لا يجوز دخول أحد إليه إلا الكهنة، فعزل فى بيت المرض، وكان يقوم بقيادة أعمال المملكة أبنه يوثام (2 أي 26: 19- 21). وانتشرت في هذه الفترة عبادة الأوثان بين شعب الله ولم يُرجعهم يوثام عنها.
كذلك فى هذا الوقت عاش الأغنياء في ترف شديد ورأى إشعياء مركباتهم الفاخرة تجري فى شوارع أورشليم ونسائهم المدللات بالملابس العظيمة، بل رأى أيضاً الولائم الكبيرة في القصر الملكى. وفى نفس الوقت رأى الفقراء يعانون من الجوع والعوز، بالإضافة إلى ممارسة أنواع النجاسات المختلفة المرتبطة بعادة الأوثان فى أورشليم، فكان وهو فتى يتأذى قلبه من كل ذلك.
عندما صار شاباً سمع بالدول القوية وقتذاك- وهى مصر وأشور- وميل الشعب للتخلف معها وليس الاتكال على الله، فكان يتضايق جداً. والى جانب ذلك حزن لابتعاد مملكة إسرائيل، أي الأسباط العشرة عن الله، بل محاولتهم التحالف مع الأمم ضد مملكته، أي مملكة يهوذا، فكان يتعجب ويقول كيف يتحارب الأخوة اليهود؟؛ بل كان قلبه حزيناً جداً، لانشغال الناس عن عبادة الله فى هيكله وتفاخر الأغنياء بكثرة الذبائح التى يقدمونها وتمجيد الكهنة لهم.
وسط ظلام الفساد الذي انتشر في مملكة يهوذا ومملكة إسرائيل، ظهرت أنوار شجعت إشعياء، فقد سمع وهو طفل عاموس النبى، الذي كان يتنبأ فى مملكة إسرائيل. وبعد ذلك عندما صار فتى سمع عن هوشع النبي فى مملكة إسرائيل أيضاً، ثم ظهر ميخا النبى في مملكة يهوذا وهذا ظل يتنبأ مع إشعياء. عندما بلغ إشعياء سن العشرين وكان ذلك عام 740 ق.م. وكان قلبه مملوءا حزنا على شعبه البعيد عن الله، أظهر الله حنانه عليه، فظهر له في رؤيا (إش 6: 1-8)، رأى فيها الله وهو جلس على عرشه وأذياله تملأ الهيكل وحوله ملائكة من رتبة السرافيم، يغطون وجوههم وأرجلهم بأجنحتهم، خشوعاً أمام الله، ويقولون قدوس قدوس قدوس. ثم أتى أحد السرافيم بجمرة من نار ومس بها شفتى إشعياء وطهره، وحينئذ نادى الله طالباً من يتقدم ليرسله؛ ليرجع شعبه إليه، فأعلن إشعياء فى الحال موافقته، إذ كان قلبه حارا فيه ومشتاقا لإرجاع شعبه إلى الله.
بدأ ينادي إشعياء شعبه فى مملكة يهوذا وكذلك فى مملكة إسرائيل؛ ليتوبوا ويرجعوا إلى الله. وبهذا بدأ إشعياء عمله النبوي، وكان ذلك فى سنة وفاة عزيا، ثم تملك يوثام وحده على عرش مملكة يهوذا.
تزوج إشعياء بامرأة دعاها النبية (إش 8: 3)، ليس لأنها تنبأت، بل لأنها تعاونه فى عمله النبوي وأنجب منها ابنين، دعى كل منهم باسم يعنى حدثاً مقبلاً، أي أن الله أوصاه أن يسمى ابنه الأكبر ” شار ياشوب ” (إش 7: 3)، ومعناه “البقية سترجع” ويظهر من ذلك حنان الله الذي يبشر شعبه قبل أن يسبى بأنه سيرجع من السبى. أما الابن الثانى فدعاه “مهير شلال حاش بز” (إش 8: 3) ومعناه “عجل النهب أسرع الغنيمة” ويعنى أن السبى مقبل على الشعب تأديباً له؛ ليتوب.
عندما بلغ إشعياء ستة وثلاثين عاماً من عمره مات يوثام وملك بعده ابنه أحاز على مملكة يهوذا (2 أي 27: 9). وكان أحاز شريراً، فترك عبادة الأوثان تنتشر فى مملكته. وخاف من تحالف ملك آرام مع ملك إسرائيل ضده، وبدلاً من أن يتمسك بالله، ذهب وتحلف مع ملك أشور (2 أي 28: 16)، فأرسل الله له إشعياء ليوبخه، خاصة وأنه كان قد صنع مذبحاً وثنياً داخل الهيكل، بدلاً من مذبح المحرقة الذي أوصى به الله. ودعاه إشعياء أن يطلب من الله ويتكل عليه، فرفض واستمر متحالفاً مع ملك أشور ضد أوامر الله. فقال له إشعياء إن الله قادر أن يصنع معجزات مع شعبه، إن اتكل عليه، وأخبره أيضاً بما سيحدث فى ملء الزمان بتجسد المسيح من عذراء، وهذه معجزة لا مثيل لها (إش 14:7).
بالإضافة إلى مناداة إشعياء شعبه فى مملكة يهوذا ومملكة إسرائيل بالتوبة، نادى الأمم أيضاً أن ترجع إلى الله؛ لأن الله هو خلق كل البشر.
عندما بلغ إشعياء من العمر خمسين عاماً حدث أمر مؤسف جداً، وهو أن هجمت مملكة أشور على مملكة إسرائيل واستولت عليها على ثلاثة مراحل، وأخذت شعبها وفرقته بين شعوب الأمم (عام 722 ق.م)؛ لتلغي قوميتهم وأتت بشعوب الأمم وأسكنتهم مكانهم. وهكذا تحولت أرض إسرائيل إلى عبادة الأوثان، فغضب الله وهجمت السباع على الأمم الساكنة مكان مملكة إسرائيل، فخافوا جميعاً من إله إسرائيل (2 مل 17: 25).
بعد سبى مملكة إسرائيل وكل ما سببه من أحزان لإشعياء، أراد الله أن يفرح قلبه، إذ بعد سنتين- عندما بلغ من العمر أثنين وخمسين عاماً- تملك حزقيا الملك على مملكة يهوذا. ورغم أن أبوه أحاز كان يعبد الأوثان ولكن حزقيا اهتم منذ تملكه بعبادة الله فى هيكله؛ لأن حزقيا تتلمذ على يد إشعياء، فأحب الله وعبادته. فاهتم حزقيا بترميم الهيكل وفتح أبوابه للعبادة وجمع الكهنة واللاويين للاهتمام بخدمة الهيكل، بالإضافة إلى إزالة أشكال العبادة الوثنية فى مملكته. كل هذا فرح قلب إشعياء، واستمر حزقيا مطيعاً لإشعياء.
تعرض حزقيا الملك لهجوم جيوش الأشوريين بقيادة سنحاريب الملك الأشوري، الذي أرسل رسائل تهديد إلى حزقيا، فوضعها حزقيا فى بيت الرب وطلب وتذلل أمامه. فأرسل الله إشعياء وطمأنه. وفى هذه الليلة أرسل الله ملاكه وقتل 185000 من جيش سنحاريب وهرب الباقون (2مل 19: 35-37).
تعرض حزقيا لمرض شديد وأنبأه إشعياء بأنه سيموت، فصلى حزقيا طلباً من الله أن يعش، فقال له إشعياء: أن الله قبل صلاته وسيمد عمره خمسة عشر عاماً وأعطاه علامة في الطبيعة وهو أن يتراجع الظل عشر درجات (2مل 20: 8- 11) وهذه معجزة غريبة، فعاش حزقيا وشكر الله.
أتى وفود من بلاد العالم لتهنئة حزقيا ومنهم مندوبين من بابل فتكبر حزقيا وأراهم نفائسه وكل ما فى خزائنه، فوبخه إشعياء وأعلمه أن الله سيأخذ كل هذه النفائس وتنقل إلى بابل. ولكن لأجل صلاح حزقيا، سيفعل هذا بعد وفاته. وقد حدث هذا فعلاً عندما سبيت مملكة يهوذا إلى بابل (2مل 2: 13، 17، 18).
اهتم إشعياء بدعوة شعبه لعبادة الله من القلب وليست العبادة المظهرية (إش 1: 11) استمر إشعياء يدعو شعبه للتوبة ويوبخهم ويعلن لهم أن أشور هو قضيب تأديب من الله، فقد قامت بسبى مملكة إسرائيل لشرها، وغزت واستولت على بلاد اليهودية؛ لسقوط مملكة يهوذا أيضاً فى عبادة الأوثان فى بعض الأحيان. ولكن لم تستطع أشور أن تدخل أورشليم من أجل صلاح إشعياء وحزقيا الملك واستجابة الكهنة والشعب لهما.
رأى إشعياء بروح النبوة تجسد المسيح وآلامه وموته وقيامته. وكتب نبوات كثيرة عنها؛ حتى دعي النبي الإنجيلي؛. لأنه وصف أحداث الصليب بدقة وخصص لها جزءاً كبيراً من نبواته من الإصحاح الأربعين حتى الإصحاح السادس والستين.
عندما بلغ إشعياء ثلاثة وسبعين عاماً من عمره، مات حزقيا ملك يهوذا وجلس على عرش يهوذا ابنه منسى، الذي سلك فى الشر، فأهمل عبادة الله ونشر عبادة الأوثان. وبالتالى لم يكن محباً لإشعياء- مثل أبيه حزقيا- بل اضطهده، ثم أمر بقتله بطريقة صعبة وهي نشره بمنشار خشبى لتعذيبه، فمات شهيداً وعمره ثمانين عاماً وذلك عام 680 ق. م.
أستمر إشعياء يتنبأ حوالى ستين عاماً بشجاعة ليس لها نظير، ولذا فاليهود يعتبرونه فى المرتبة الثانية بعد موسى النبى رئيس الأنبياء. لقد كان مثالاً للمسيح فى احتمال الآلام. وكتب سفراً طويلاً عدد إصحاحاته ستة وستين إصحاحا مملوءة بالدعوة إلى التوبة والرجاء فى الرجوع من السبى، ثم تجسد المسيح المخلص.

 

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a5%d8%b4%d8%b9%d9%8a%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8%d9%89/

شخصيات فى أيقونة الفداء (4)

عند التأمل فى أحداث الصلب والقيامة نجد بعض الشخصيات التى تظهر بوضوح فى هذه الأيقونة، بعضهم مثل نجوم مضيئة تعلن أثر عمل الروح القدس فى البشرية فيظهر فى صورة المحبة النقية والتوبة الصادقة، أما البعض الآخر فمثل بقع سوداء توضح حال البشرية عندما ترفض عمل الروح القدس فيها فتصبح خائنة خائفة وفاقدة للرجاء.
من هذه الشخصيات:
8- يوسف الرامى
يعتبر “يوسف الرامى” من الشخصيات الهادئة الوقورة. متوازن وقوى الشخصية وله كلمة مسموعة ولسنا نعرف متى تبع السيد المسيح وصار له تلميذاً. إنه نموذج جيد للتلميذ المخلص الصادق, وإن كان فيه بقية من الأنسان العتيق. فقد كان مثل نيقوديموس يخشى رد فعل اليهود متى عرفوا إنه تلميذ للمسيح.
ويقول القديس مرقس أن يوسف الرامى هو “تلميذ ليسوع” وهو أيضاً “منتظر ملكوت السموات”
ولادته:
ولد يوسف فى “الرامة” أو “الرمتايم” وهى نفس البلدة التى ولد فيها صموئيل النبى (اصم1:1) ومعنى اسم تلك البلدة “مرتفع الحراس” ويعتقد أن موقعها الآن “رام الله”.
يوسف الرامى فى الأناجيل:
ذُكر عنه فى البشائر الأربعة بأنه:
1- رجل غنى (مت 57:27)
2- مشير شريف (مر43:15)
3- مشيراً ورجلاً صالحاً باراً (لو50:23)
4- تلميذ يسوع (يو38:19)
وظيفته الدينية:
واضح أنه كان عضواً فى السنهدريم وعندما أنعقد المجمع لمحاكمة يسوع (قبل القبض عليه) رفض أن يوافقهم على رأيهم.
ولم يستطع يوسف أن يُكرم المسيح فى حياته ولكن أحداث الآلام و الصلب الدامية حركت مشاعره وعندما مات يسوع على الصليب طلب يوسف من بيلاطس جسد يسوع ليدفنه بنفسه, ولكن تعجب بيلاطس بأن يسوع مات سريعاً. والدليل على ذلك أنه استدعى قائد المئة ليتأكد منه, وبعدها وافق على طلب يوسف. (مر44:15).
“ولكن كيف تجاسر كما يقول القديس مرقس ويدخل إلى بيلاطس ويطلب جسد يسوع (مر43:15) وهو ليس من أقرباءه كما التشفع فى مصلوب أمر يعرض للمتاعب وقد يصل فى بعض الأحيان إلى الإعدام لمجرد طلب جسد المصلوب ولكن يوسف رجل سنهدريمي وله شهرته.
التكفين والدفن:
مع أن بائعى الأكفان والحنوط كانوا لا يعملون أيام السبوت إلا أن نيقوديموس استطاع شراء الحنوط قبل السبت, أما الكتان فكان كتاناً نقياً بمعنى أنه غالى الثمن (مت59:27)
وقام كل من يوسف الرامى ونيقوديموس بتكفين جسد يسوع مع الأطياب حسب عادة اليهود (يو40:19).
القبر الذى دٌفن فيه السيد:
هو قبر ملك خاص ليوسف الرامى حفره ليٌدفن فيه بالقرب من المدينة المقدسة, وحفر ذلك القبر خصيصاً فى الصخر لتكون مقبرة العائلة ولم يكن أحد قد دُفن فيه بعد (يو41:19, مت60:27) والقبر الذى من هذا النوع مُكلف جدا, ولم يعتد علًى فعل ذلك إلا الأغنياء فقط.
الحجر على فم القبر:
كان هذا الحجر الثقيل عبارة عن أسطوانة مثل حجر الطاحونة يُدحرج حتى يأتى مقابل فتحة القبر. مع وجود هبوط تحته يستقر فيه حتى لا يمكن دحرجته بسهولة وإلا لكانت النسوة حركوا الحجر بسهولة ولكنهن بحثن عمن يدحرجه لهن (مر3,2:16). ولعل دفن يوسف لجسد المسيح كان أعظم عمل جاء إلى الحياة لأجله.
وتعيد له الكنيسة القبطية فى يوم 22 برمهات الموافق 31 مارس من كل عام.

9- نيقوديموس
اسم نيقوديموس يُعنى “نقى الدم” أو “منتصر على الشعب” وهذا الاسم كان من الأسماء الشائعة بين اليهود فى القرن الأول الميلادى.
نيقوديموس فى الأناجيل:
ذُكر نيقوديموس ثلاث مرات فى العهد الجديد:
1- هو الذى أتى إلى يسوع ليلاً وتحدث معه عن الولادة الجديدة (يوحنا 3).
2- هو الذى على استحياء عاتب مجلس السنهدريم على التسرع فى الحكم على يسوع.
3- أعظم عمل قام به فى حياته وهو دفن جسد يسوع.
لقاء نيقوديموس بالسيد المسيح:
جاء نيقوديموس إلى السيد المسيح ليلاً وراح يسأل مثل تلميذ مبتدىء. كيف يولد شيخ كبير مثله من جديد؟, ألعله يقدر أن يدخل بطن أُمه ثانيةً! غير أن السيد المسيح لم يكن يتكلم عن البطن الجسدية بل البطن الروحية, بطن الأم والتى تلد بنين الله.
وهكذا كان نيقوديموس المعلم والحاخام الكبير لا يُدرك أن الناموس والأنبياء والنبوات والرموز كلها أشارت إلى رب المجد يسوع وتوقفت عنده.
دفن السيد المسيح:
يُذكر أن نيقوديموس اشترى مئة رطل من الحنوط مع الكتان النقى لينال هذه النعمة العظيمة مع يوسف الرامي فى تكفين جسد يسوع.
ويُذكر أيضاً فى بعض التقاليد إنه اعترف جهراً بالمسيح فادياً ومخلصاً, ونال سر المعمودية على يدى القديس بطرس, وما أن سمع السنهدريم فى أورشليم حتى أصدروا قراراً بطرده من مركزه, ونفيه من أورشليم (لعله اختار هذا النفى), وقد فقد ثروته مع إنه كان من أثرياء اليهود ولكنه ضحى بكل ما يملك ليفوز بكنز الإنجيل و الكنز المذخر له فى الحياة الأبدية. “انه الكنز الذى مضى التاجر وباع كل ما له واشتراه”
وتعيد له الكنيسة القبطية فى يوم 17 برمودة الموافق 25 أبريل من كل عام.

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%b4%d8%ae%d8%b5%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%89-%d8%a3%d9%8a%d9%82%d9%88%d9%86%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%af%d8%a7%d8%a1-4/

شخصيات فى أيقونة الفداء (2)

عند التأمل فى أحداث الصلب والقيامة نجد بعض الشخصيات التى تظهر بوضوح فى هذه الأيقونة، بعضهم مثل نجوم مضيئة تعلن أثر عمل الروح القدس فى البشرية فيظهر فى صورة المحبة النقية والتوبة الصادقة، أما البعض الآخر فمثل بقع سوداء توضح حال البشرية عندما ترفض عمل الروح القدس فيها فتصبح خائنة خائفة وفاقدة للرجاء.
من هذه الشخصيات:
4- بيلاطس البنطى
هو الوالى الذى حوكم أمامه السيد المسيح, والاسم بيلاطس معناه: “المتسلح برمُح”.
وُلد بيلاطس وهو الوالى الخامس على اليهودية سنة 10 ق.م. فى روما, والبعض يقول في سيفيل (أشبيلية) وقد عمل ضمن الحرس الإمبراطوري, خدم فى ألمانيا, وقضى فترة فى روما بعد إنتهاء مدته, وكان عليه إما أن يترك السياسة فيتحول إلى الأعمال الحرة أو يواصل فى الخدمة العسكرية ليترقى حيث يصبح وزيراً أو مسئول مقاطعة.
شخصيته:
فقد ورد عنه أنه جاد الملامح مربّع الوجه, شعره مُجعّد رمادى داكن. وحين توجه إلى اليهودية كان فى سن الخامسة والثلاثين, وكانت هيئته رومانية مثالية, وكان سجله العسكرى مشرفاً, عمل فى إدارة عسكرية مع الفيلق الثانى عشر وقام بإخماد ثورة كبيرة- من خلال الخطابة والقوة معاً, امتدحه سيجانوس المسئول الرومانى الكبير آنئذ وأسهم ذلك فى شهرته.
تعيينه والياً على اليهودية:
كان فاليروس جانوس, الذى تولى حكم اليهودية لمدة إحدى عشرة سنة قد ملّ من اليهودية, ووافق الإمبراطور طيباريوس قيصر على استبداله, وأقترح سيجانوس اسم بيلاطس, فوافق, ووصل راتبه السنوى مائة الف سسترس (عشرين الف دولار) مع الوعد بالزيادة متى نجح فى مهمته, وكان بيلاطس يعرف جيداً أنه لا راحة بين روما واليهود, فمنذ أن غزاها بومباى قبل تسعين عاماً قام اليهود خلالها باثنتين وعشرين ثورة قُتل فيها الكثيرين. وقد صادق طيباريوس قيصر على تعيين بيلاطس فى منتصف عام 26م (فى السنة الثانية عشر من ملكه).
تزوج بيلاطس من “كلوديا بروكولا”, ورغم وصف بعض المؤرخين له وصفاً سلبياً، فإن الكتابات المتاحة تتعاطف معه وترى فى استمراره أحد عشر عاماً دليل نجاح, وقد أدار الكثير من الأزمات بحكمة, والعجيب أن السامريين هم الذين تسببوا فى إقصائه عن الحكم وليس اليهود!
مشروع المياه:
وهو المشروع الذى أراد أن يموله من خزينة الهيكل, ولكن اليهود ثاروا ثورتهم الثالثة والعشرين ضد روما واستطاع بيلاطس بحيلة أن يستولى على الأموال الآتية من بابل كتقدمات للهيكل, وهنا ثار الحجاج الجليليون عندما جاءوا فى الفصح وعلموا بما حدث, فأعمل الجنود الرومانيون السيوف فيهم, وهذا هو المقصود بأن بيلاطس خلط دماء الجليليين بذبئحهم (لو 1:13).
بيلاطس والمسيح:
اعتبر بيلاطس المسيح فيلسوفاً يحث على الفضيلة ولم يُبلغ عن أى شغب بخصوصه, والرومان بشكل عام لم يضطهدوا المسيحيين (على الأقل فى البداية) إلا بسبب شكاية اليهود ضدهم.
كان بيلاطس قد كلُف السنهدريم بجمع أخبار يسوع, وتقول بعض مصادر من التقليد أن قيافا مضى ليلاً إلى بيلاطس البنطى فى مسكنه، وأطلعه على القضية واستطاع إقناعه بأنه من الأفضل التخلص من ذاك المشاغب (حسب تصوره) قبل احتفالات الفصح، بعد أن قرروا القبض عليه فى العيد ولكنهم تراجعوا لئلا تندلع المظاهرات المؤيدة له فتأتى الخطة بنتيجة عكسية، وحاول قيافا إقناع بيلاطس بأنهم قد وفروا عليه عناء المحاكمة وأخذ الأقوال بحجة الحرص على وقته، واتفق معه على أن يقوم فى الغد بالتصديق على الحكم بموته ولكن بيلاطس فى الصباح فاجأهم بأنه سيعيد النظر فى القضية برمتها وعندما جلس بيلاطس ليحاكم يسوع فوجئ بشاب نبيل, وسيم, مهيب الطلعة, فخاف منه! فسأله: “أنت ملك اليهود؟” وأجابه السيد: “أَمِنْ ذاتك تقول هذا” (يو34,33:18) لم يجد بيلاطس فى السيد المسيح ما يستحق عليه الموت, بل مجرد خلاف حول تفسير الناموس، فأيقن إنه برئ وإنه أسلم إليه حسداً، فأتجه إلى اليهود يسألهم: “أيَة شكاية تقدمون على هذا الإنسان؟” مما ضايق قيافا جداً وجعله يهدد بيلاطس ويهيج الشعب ضده بأنه فى حالة أطلاق سراح يسوع سيكون مقاوماً للقيصر, والعجيب هنا أن قيافا عندما فشل فى الدين لجأ إلى السياسة, أى أنه عندما لم يستطع أن ينتزع من بيلاطس الحكم بصلب المسيح بسبب المبررات الدينية التى ساقها إليه بدأ فى الضغط السياسي (يو 19 : 4-14).
ولكن خطية بيلاطس أنه لم يقُم العدل (يقول القانون فى روما أقِم العدل ولو انطبقت السماء على الأرض) وفى النهاية صرخ بيلاطس : “إنى برىء من دم هذا البار!” (مت 24:27) , ومن ثم قام بغسل يده. عند ذلك أطلق اليهود السهم الأخير فى جعبتهم وهددوه قائلين: “إن أطلقت هذا فلست مُحباً لقيصر. كل من يجعل نفسه ملكاً يُقاوم قيصر!”(يو12:19). وكانت عقوبة تلك الخيانة تسمى crimen caesaris وهى الإعدام , وعلى العكس منها “محب لقيصر” amicus caesaris وتعنى قدّم أعمالاً جليلة لقيصر والدولة, هى المكافأة الكبيرة, هنا فقد غيّر بيلاطس موقفه وتغير بالتالى سير القضية.
محاولات إطلاق سراح السيد المسيح:
1- تحويل القضية إلى هيرودس عندما سمع أنه جليلي, ولكن هذا رفض بدوره لئلا يكرر مأساته مع المعمدان.
2- قدم حلاً وسطاً بجلده واطلاق سراحه, ولكنهم رفضوا (لو16:23, يو1:19)
3- اعلانه أن المتهم برىء (لست أجد فيه علة).
4- احكموا عليه بحسب ناموسكم (ليبرر نفسه) ولكنهم رفضوا أيضاً متعللين أنه ليس من حقهم قتل أحد.
5- غسل يديه, وهو العلامة المعروفة للتبرء من أمر ما.
6- كما عرض عليهم صفقة استبدال باراباس بيسوع, ولكنهم أصرّوا على العكس.
7- استعطاف بيلاطس للمسيح (لى سلطان أن أطلقك) ولكنهم هددوه بأنه ليس مُحب لقيصر.
بعد الصلب:
يقول التقليد أن بيلاطس رأى فى يديه دماً, فلما غسلهما صار الدم يصرخ: “أنا برىء من دم هذا البار”. وعندما كتب اللافتة “يسوع الناصرى ملك اليهود” كان يعبر عن سخريته وضيقه من اليهود, فها هوذا ملككم معلق على الصليب, وأن سلطان روما على اليهود, فهى قتلت حتى الذى قيل إنه ملك اليهود, وإن الذى حُسِب ملكاً عليهم صُلِب! فلما احتجوا عليها رد عليهم كطفل عنيد غاضب “ما كتبت قد كتبت” (يو22,19:19).
آخر أخبار بيلاطس:
لم يتابع بيلاطس قضية يسوع و أتباعه فيما بعد, بل نسيها كليةً ولكن محور تقريره المرفوع إلى القيصر فى تلك السنة كان قضية يسوع الناصرى, أما نهايته فقد كانت عندما تسلّم خطاب مارشيللوس” والى سورية و المسئول عنه, فسلّم الحكم و أتجه إلى روما (وما لم يستطع اليهود فعله قام به السامريون) حيث توجّب عليه الدفاع عن نفسه فى قضية “مذبحة بلا مبرر” وان كان استمراره فى الحكم إحدى عشرة سنة يمثل نجاحاً بذاته!.

5- بروكولا
بروكولا: اسم تأنيث لعشيرة تسمى البروكليين, مثل قولنا سامرية (أى تتبع عشيرة السامريين) وقد شاع اسم بروكولا Procula من بروكليا Proculia , أما اسمها الكامل فهو “كلوديا بروكولا” والعجيب أن اسم بروكولا مقتبس من لفظة تعنى “منبوذة”.
هى واحدة من شخصيات الظل فى دراما الصلب, إنها وثنية رغم محاولات البعض القول بأنها كانت مسيحية أو يهودية فى ذلك الوقت, وحتى إن كانت قد صارت مسيحية, فمن المعتقد أن هذا لم يحدث قبل صعود السيد المسيح. ولكن ورغم أنها كانت وثنية فى وقت أحداث القبض على المسيح ومحاكمته, إلا انها متدينة بشكل عام وتخشى الآلهة وتتأثر بالمعجزات ولها قلب طيب. وعندما عين طيباريوس قيصر بيلاطس والياً على اليهودية بتوصية من سيجانوس (رجل القصر القوى) كان بيلاطس مايزال خطيباً لــ “بروكولا” وكانت هى ماتزال فى السابعة عشر من عمرها.
كان جد بروكولا شخصاً مشهوراً يدعى “جرايوس بروكوليوس”, وكان صديقاً لأغسطس قيصر, وربما كانت هناك صلة قرابة بين العائلتين. ورثت بروكولا مقر العائلة بالقرب من “ميسينا” حيث تربت مرفهة متدينة, فى حين لم يكن بيلاطس متديناً (وان لم يكن متعصباً بطبعه ضد أى ديانة), عندما تزوج بيلاطس من بروكولا لم تكن عائلته فى مستوى ثراء عائلة البروكليين, ولكن جمع العائلتين حبهم للفروسية ومالها من التاريخ العسكرى, وقد تزوجا فى 14 يونيو سنة 26م. وعندما وصلت لليهودية صارت لها علاقات حميمة مع نساء قيصرية وأورشليم, واهتمت بقضايا الولاية, ولكن مع ذلك لم يكن بيلاطس يقبل الأخذ برأيها كثيراً.
حلم بروكولا:
أتاحت الحفلات الكثيرة التى شاركت فيها بروكولا على مدار ثلاث سنوات التعرف عن كثب على شخصية المسيح و تعاليمه ومعجزاته, ومن ثم شعرت أنه يمكن أن يكون نبياً وربما إلهاً, ومن هنا تحمست لقضيته وهابته وأحبته. ولا شك أن أحاديث طويلة دارت بين بيلاطس و بروكولا عن شخصية يسوع المسيح وما يدور حوله من جدل, ومن المؤكد أن أهم تلك الأحاديث تلك التى دارت ليلة محاكمته, لا سيما بعد تلك الزيارة المشبوهة عندما مر رئيس الكهنة قيافا به فى منزله للاتفاق على تسوية القضية لصالح أعداء يسوع.
بكّر بيلاطس فى الخروج إلى دار الولاية بينما كانت هى ماتزال فى فراشها, وقد استيقظت لاحقاً من نومها مذعورة, فأسرعت و تناولت قرطاساً وربما قرصاً من الشمع (وهى طريقة متبعة فى ذلك الوقت فى المراسلات) لتكتب رسالة تحذيرية توسلية, حملتها لأحد حراسها إلى بيلاطس وهو جالس على كرسي القضاء “إياك وذلك البار, لأنى تألمت اليوم كثيراً فى حُلم من أجله”. (مت 27: 19).
اضطرب بيلاطس وتضايق حالما فض الرسالة وقرأها, ومع ذلك فقد أسهمت هذه الرسالة وهذه اللفتة فى زيادة محاولات بيلاطس لتخليص المتهم الواقف أمامه من الموت, حيث بثت فيه الرسالة روح العدالة الرومانية, والتى تقول “أقِم العدل ولو انطبقت السماء على الأرض” ومن ثم راح يدرس القضية بتدقيق أكثر, مما ضايق اليهود.. وربما ظن بعضهم أنه قد أتته رسالة من رئيسه بهذا الخصوص!.
وكما أرسلت بروكولا معلنة “إياك وذلك البار” …فقد هتف بيلاطس قائلاً “إنى برىء من دم هذا البار!..”(مت 24:27).
بقية أخبار بروكولا:
نسمع بعد ذلك عن هياج أهل السامرة ضد بيلاطس لقتله عدداً كبيراً منهم, وأنهم قد قدموا شكاية ضده للإمبراطور سنة 36م. حيث أمر بنفيه هو وزوجته, ويرد فى بعض التقاليد أن بروكولا والتى تتبعت خطوات المسيح وتعاليمه, إبان وجوده على الأرض قد تحولت إلى المسيحية بعد ذلك. وإذا صدقت التقاليد التى تفيد بأن كلاهما قد صار مسيحياً فستكون بروكولا قد آمنت أولاً.

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%b4%d8%ae%d8%b5%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%89-%d8%a3%d9%8a%d9%82%d9%88%d9%86%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%af%d8%a7%d8%a1-2/

شخصيات فى أيقونة الفداء (1)

عند التأمل فى أحداث الصلب والقيامة نجد بعض الشخصيات التى تظهر بوضوح فى هذه الأيقونة، بعضهم مثل نجوم مضيئة تعلن أثر عمل الروح القدس فى البشرية فيظهر فى صورة المحبة النقية والتوبة الصادقة، أما البعض الآخر فمثل بقع سوداء توضح حال البشرية عندما ترفض عمل الروح القدس فيها فتصبح خائنة خائفة وفاقدة للرجاء.
من هذه الشخصيات:

1- قيافا رئيس الكهنة

قيافا اسم أرامى معناه صخرة.
من هو قيافا ؟؟
هو يوسف قيافا الذى تولى رئاسة الكهنوت فى الفترة (من18-36م.)
عينه فاليروس جرانوس الحاكم السورى والمسئول عن منطقة اليهودية والوالى الذى فيها, فقد عزل حنان وعين مكانه آخر يدعى (إسماعيل بن فابى) ثم عزله وعين بدلاً منه “ألعازر” وهو ابن “حنان” المشار إليه هنا, وأخيراً جاء قيافا صهر حنان. وكان قيافا نفسه هو الخامس عشر فى سلسلة رؤساء الكهنة على مدار ستين سنة!!
أول مرة نسمع عن قيافا, كان عند كرازة يوحنا المعمدان (لـو 3) ويعتبر قيافا صدوقى أرستقراطى, ينتمى إلى عائلة صادوق رئيس الكهنة الذى عينه سليمان الحكيم لينهى كهنوت عالى الكاهن ويعيد عائلة فينحاس إلى هذه الخدمة كما وعده الرب (عد25 : 13,12).
فى أيام السيد المسيح كان قيافا هو رئيس الكهنة الرسمى, بينما كان حماه حنان هو رئيس الكهنة الفعلى والمحرك الحقيقى لصهره قيافا, وكان أكثر شراً منه, وقيافا هذا هو المسئول الأول عن صلب المسيح من جهة الاجراءات والدسائس, مثلما كان المسئول الأول عن اضطهاد المسيحيين فى بكور العصر الأول للمسيحية (أعمال 4 : 5, 6) لقد أضمر فى قلبه أن يدمر الكنيسة بعد صلب المسيح, فى حين أن بيلاطس البنطى ذاته لم يشغل باله بالمسيح وبالمسيحيين بعد الصلب, مثلما كان يرغب فى إطلاق سراح المسيح لولا اصرارهم على التخلص منه, لقد كان قيافا مايزال فى منصبه عندما أمر بعد سنوات بالقاء الرسل فى السجن, كما أباح رجم أستفانوس رئيس الشمامسة, وهو الذى سلم شاول الرسائل إلى رؤساء المجمع فى دمشق للقبض على المسيحيين.

2- حنان رئيس الكهنة

اسم عبرى اختصار ” حنانيا ” ومعناه ” الرب تحنن “.
هو رئيس الكهنة الذى كان الحاكم فاليروس قد خلعه قبل أحداث الصلب بعشرين عاماً, وكان هيرودس الكبير قد استدعاه هو وأسرته لكى يعينه فى الحكم بشكل أو بآخر, ثم عينه رئيساً للكهنة, وقد سيطر على رئاسة الكهنوت لمدة طويلة لا سيما وأن خمسة من أولاده- بخلاف قيافا – تولوا رئاسة الكهنوت, ولأنه كان غنياً جداً فقد استطاع شراء هذه الرتبة لهم.
فى محاكمة السيد المسيح كان كل من حنان وقيافا يسكنان فى سراى رئيس الكهنة فى أورشليم. وعندما أتى الجند وبعض من رعاع الشعب بالسيد المسيح اتجهوا أولاً إلى حنان حيث أرسله هذا بدوره مقيداً إلى قيافا وفى هاتين المحاكمتين كان السيد ينتقل فقط من جناح إلى آخر داخل القصر نفسه.
وكانت المحاكمة الأولى أمام حنَّان عبارة عن مؤامرة، بينما كانت الثانية أمام قيافا عبارة عن أخذ أقوال، وأما المحاكمة الدينية الثالثة فكانت أمام مجلس السنهدريم والتى كانت – بحسب الشكل فقط – المحاكمة القانونية الوحيدة.

3- مجلس السنهدريم

هو أعلى سلطة تشريعية وقضائية يهودية, وهو يقابل مجلس الشعب المصرى ومجلس العموم البريطانى ومجلس الشيوخ الرومانى والأمريكي, ولكنه يختلف عنهم فى أنه ديني وقضائى أيضاً إلى جوار أنه تشريعي, وفى الأوقات التى كان اليهود يحكمون أنفسهم بأنفسهم كان هذا المجلس بمثابة الحكومة.
تأتى كلمة سنهدريم من اللفظة اليونانية “زيندرون” “zynedrion” والتى تعنى “الجالسون معاً وهكذا تعنى لفظة سنهدرين وفى العبرى سنهدريم مجمعاً أو مجلساَ أو مؤتمراً, ومنها جاءت لفظة سينود “synod” المستخدمة الآن على نطاق واسع فى الكثير من الكنائس.
نشأت فكرة السنهدريم قبل المسيح بعدة قرون…. وفى أيام السيد المسيح كان هناك ثلاث أنواع (أو درجات) من السنهدريم:
– المجلس القروى ويضم سبعة أعضاء ويفصل فى القضايا المحلية الصغيرة.
– المجلس المدينى (من مدينة) ويضم ثلاثة وعشرين عضواً ويختص بأمور المدينة.
– المجلس الأعلى وهو الرئيسي ويوجد فى أورشليم ويتكون من سبعين عضواً يرأسهم رئيس الكهنة, وكان يسمى داخل المجلس بــ (نازى) أى الزعيم.
ويتكون مجلس السنهدريم من ثلاث فئات من الشعب: الكهنة ورؤسائهم والصدوقيون (وهم لا يؤمنون بالملائكة ولا القيامة من الأموات), ثم الشيوخ وهم الأراخنة أو رؤساء الشعب, ثم الكتبة وهم طبقة المُثقفين من الشباب دينياً ومفسرون للأسفار وأكثرهم من الفريسيين.
وكان المجلس يتخذ شكل نصف دائرة أو حرف “يو” “U”, ويجلس رئيس الكهنة باعتباره رئيس المجلس فى الوسط مقابل الكل, وفى بعض الجلسات يتكون المجلس من ثلاثة صفوف, الأول للمجلس الرسمى والثانى يتكون من تلاميذ الأعضاء والثالث من عامة الشعب, فإذا نقص عدد أعضاء السنهدريم يُختار من تلاميذهم من يحل محله, فى حين يُختار من الشعب من يحل محل التلميذ وهكذا.. وقيل أن كرسياً فى مجلس السنهدريم كان يترك خالياً ويسمى “كرسي موسى” على اعتبار أن جلسة المجلس امتداد لعمل موسي المشرع وكأنه حاضر معهم.
السنهدريم ومحاكمة يسوع:
كان من حق رئيس الكهنة أن يدعو لعقد مجلس السنهدريم لأى أمر طارئ, وبخصوص السيد المسيح كانت أول إشارة إلى ذلك فى إنجيل يوحنا “وكان أيضاً رؤساء الكهنة والفريسيون قد أصدروا أمراً أنه إن عرف أحد أين هو فليدل عليه, لكى يمسكوه.” (يـو11 :57). وفى الثانى والعشرين من شهر فبراير من ذلك العام أصدر مجلس السنهدريم أمراً بالقبض على المسيح, فكتبت رسالة من المجلس مختومة بخاتمه وخاتم رئيس الكهنة إلى شيوخ الشعب فى المدن والقرى كما دار منادٍ فى الشوارع يعلن القرار, وهذا نصه:
((مطلوب القبض على يسوع الناصرى, وسيُرجم لأنه مارس السحر وأغوى إسرائيل وجعله يرتد. أى شخص يستطيع أن يقول شيئاً لمصلحته فليأتِ ليدافع عن نفسه, وأى شخص يعرف مكانه فليعلن عنه لمجلس الـسـنــهــدريــم فـى أورشــلــيــم))
وقف المسيح أمام مجلس السنهدريم بعد حنان وقيافا, حيث يشار إلى السنهدريم هنا بالمجمع, ومن مجلس السنهدريم مضوا به إلى بيلاطس البنطى.
حوكم المسيح ليلاً, ومن هناك تأتى عدم قانونية المحاكمة, لاسيما وأنها أصدرت حكما بالموت ليلاً وهو ما لا يجوز بحسب التقليد اليهودى, وهناك مقولة فى التلمود مفادها أن مجلس السنهدريم الذى يصدر أحكاماً بالإعدام أكثر من مرة خلال سبع سنوات يُحسب متسرعاً عجولاً حامى الطبع.

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%b4%d8%ae%d8%b5%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%89-%d8%a3%d9%8a%d9%82%d9%88%d9%86%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%af%d8%a7%d8%a1-1/

مريم المجدلية

تلقب بالمجدلية تميزاً لها عن غيرها من المريمات. وقد اطلق عليها “المجدلية” لأنها كانت من “مجدل( )”.

وقد شفى الرب يسوع مريم المجدلية بأن أخرج منها سبعة شياطين (مر 16: 9، لو 8: 2)، وهذا معناه أنها كانت مريضة وشفيت تماماُ. وليس ثمة ما يبعث الظن بأنها كانت إمرأة خاطئة. كما لا يوجد مطلقاً ما يدعو للخلط بينها وبين المرأة الخاطئة المذكورة فى الصحاح السابع من إنجيل معلمنا لوقا (7: 36- 50).
ومن الواضح أنها كانت سيدة ثرية، إذ يذكر اسمها بين النساء اللواتى شفاهن الرب يسوع ”من أرواح شريرة وأمراض مريم التي تدعى المجدلية التى خرج منها سبعة شياطين، ويونَّا امرأة خوزى وكيل هيرودس، وسوسنة وأخر كثيرات كن يخدمنه من أموالهن“ (لو 8: 1-3) ولو أنها كانت المرأة الخاطئة التي ذكرها فى الأصحاح السابع، لَمَا فاته أن يجمع بينهما.
وتظهر مريم المجدلية بعد ذلك عند الصليب بين عدد من النسوة اللواتى كنَّ قد تبعنه من الجليل (مت 27: 55-56، مر 15: 40-41) حيث يرد ذكرها مع مريم أم يعقوب ويوسي و(سالومة) أم ابني زبدى.
وفى يوم الأحد جاءت إلى القبر والظلام مازال باقياً، فنظرت الحجر مرفوعاً عن القبر، فركضت وجاءت إلى سمعان بطرس ويوحنا وأخبرتهما بما رأته وعادت مع بطرس ويوحنا إلى القبر، فرأوا القبر فارغاً والأكفان موضوعة، فآمن التلميذان بقيامة الرب ومضيا إلى موضعهما أما مريم فكانت واقفة عند القبر خارجا تبكى عندما ظهر لها السيد المسيح فظنت أولاً أنه البستانى ولكنها عرفته عندما قال لها ”يا مريم“ ثم كلفها ان تذهب إلى التلاميذ وتخبرهم بما رأت، وأنه سيسبقهم إلى الجليل (مت 28: 10، مر 16: 10، يو 20: 1-18). فأتت وبشرت التلاميذ بالقيامة، فتمت بذلك نبوة يوئيل النبي القائلة : ” ويكون بعد ذلك أني أسكب روحي علي كل بشر فيتنبأ بنوكم وبناتكم ويحلم شيوخكم أحلاما ويري شبابكم رؤى ” (يؤ 2 : 28).
وبعد صعود الرب بقيت في خدمة التلاميذ وفى يوم الخمسين حل عليها الروح القدس ونالت مواهب الروح القدس. وقد بشرت هذه القديسة مع التلاميذ وردت نساء كثيرات إلى الإيمان بالمسيح وأقامها الرسل شماسة لتعليم النساء وللمساعدة عند تعميدهن. وقد نالها من اليهود تعييرات وإهانات كثيرة وتنيحت بسلام وهي قائمة بخدمة التلاميذ.
وتعيد لها الكنيسة القبطية فى يوم 28 أبيب (4 أغسطس) بينما تعيد لها الكنيسة الغربية فى يوم 22 يوليو.

 

 

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d9%85%d8%b1%d9%8a%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ac%d8%af%d9%84%d9%8a%d8%a9/

القديس مارمرقس الرسول

لما كان القديس مارمرقس هو مؤسس الكنيسة المصرية لذا فهو البابا الأول للإسكندرية ويدعى كل من يأتي بعده خليفة مار مرقس، وهو من أصل يهودي ولد في المدن الخمس الغربية في بلدة تسمي ايرياتولوس تابعة لمدينة تسمى القيروان.

أبوه أرسطوبولس ابن عم زوجة القديس بطرس، ومرقس أيضًا ابن أخت برنابا الرسول، هاجرت الأسرة من القيروان إلى فلسطين في بداية خدمة السيد المسيح فتبعه القديس مرقس وصارت أمه من المريمات اللاتي تبعن يسوع.

كان مرقس أحد السبعين رسولاً الذين ارسلهم رب المجد يسوع أمام وجهه، وقد كرز مع القديس بطرس في اليهودية وفي أورشليم وبيت عنيا.

كرز أيضًا مع القديس برنابا والقديس بولس في رحلته الأولى وبشر معهم في سوريا وخاصةً أنطاكية عام 45م (أع25:13)، كذلك بشر معهم في قبرص (أع 4:13).

بعدها فارق القديس مرقس بولس في برجه، وبشر في الإسكندرية بعد مجمع أورشليم سنة 50م، آمن على يديه أنيانوس الإسكافي، وفي عام 62م رسم أنيانوس أسقفًا لتدبير أمور الكنيسة أثناء غيابه.

بعد عودته من أحد رحلاته التبشيرية بشر في الإسكندرية حتى تحول الكثيرين من عبادة الأوثان إلى الديانة المسيحية، مما أثار الوثنيين عليه فنال اكليل الشهادة بعد الكثير من العذابات في 30برموده سنة 68م.
بركاته تكون معنا جميعًا ولربنا المجد الدائم إلى الأبد آمين.

 

 

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b3-%d9%85%d8%a7%d8%b1%d9%85%d8%b1%d9%82%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b3%d9%88%d9%84-2/

موسى النبى

ميلاده ونشأته:

ولد هذا القديس في بيئة كلها تعب ومشقة، لا توحي بأن هذا الطفل سيحيا حياة روحية بل لا توحي بأنه سيحيا علي الإطلاق فقد ولد فى وقت كان المصريون يستعبدون بنى إسرائيل بعنف (خر 1: 13) وكان هناك أمر من فرعون بقتل المواليد الذكور من بنى إسرائيل (خر 1: 22). ولذلك عندما ولد خبأته أمه ثلاثة أشهر ثم اضطرت أن تصنع له سفطاً من البردي وطلته بالحمر والزفت ووضعت موسى فيه ووضعت السفط بين الحلفاء على حافة النهر وجعلت أخته تراقبه. ولكن اللـه يرسل ابنة فرعون الى النهر فتراه وترق له وتتخذه لها ابناً.

وهكذا تدخلت عناية اللـه ليس فقط لحفظ الصبى ولكن لتأهيله لرسالته فى المستقبل فتربيته كأمير فى قصر فرعون جعلته يتهذب بكل حكمة المصريين (عب 7: 22) كما جعلت له الحق فى الدخول بحرية إلى القصر.

 

بدء رسالته وإعداده:

تربي موسى في قصر ملك، في جو من الرفاهية و العز و الغني… علي عكس الحياة التي عاشها أخوته في ذلك الزمن. ولكن لما كبر – كان عمره وقتئذ أربعون سنة – يقول عنه بولس الرسول “أبى أن يدعى ابن ابنة فرعون، مفضلا بالأحرى أن يذل مع شعب الله على أن يكون له تمتع وقتي بالخطية ( ) ” (عب 11: 24،25).

خرج موسى إلى إخوته لينظر في أثقالهم “فرأى رجلا مصريا يضرب رجلا عبرانيا من إخوته فالتفت إلى هنا وهناك ورأى أن ليس أحد فقتل المصري وطمره في الرمل” (خر 2: 11،12) وظن أن إخوته يفهمون أن الله على يده يعطيهم نجاة وأما هم فلم يفهموا (أع 7: 25) بل رفضوه فعندما خرج في اليوم الثاني ورأى رجلان عبرانيان يتخاصمان فقال للمذنب: “لماذا تضرب صاحبك؟” رفض هذا الشخص كلامه وقال له “من جعلك رئيسا وقاضيا علينا؟ أمفتكر أنت بقتلي كما قتلت المصري؟”. (خر 2: 13،14).

 

هروبه إلى أرض مديان ( ) :

سمع فرعون بما حدث من موسى وطلب أن يقتله (خر 2: 12) فاضطر موسى أن يهرب من مصر إلى أرض مديان وجلس عند البئر. وهناك يتكرر نفس الموقف، بنات كاهن مديان السبعة أتين واستقين وملأن الأجران ليسقين غنم أبيهن فأتى الرعاة وطردوهن فنهض موسى وأنجدهن واستقى لهن أيضا وسقى الغنم وعندما عدن بسرعة إلى أبيهن وعرف منهم ما حدث أرسل ودعى موسى للطعام ثم أقام موسى عنده وتزوج ابنته صفورة ( ) التى ولدت له ابنا أسماه جرشوم ( ) .

 

ظهور الرب له ودعوته:

قضى موسى أربعين سنة فى أرض مديان يرعى غنم حميه، واستخدم اللـه هذه الفترة لتهيئة موسى لرسالته وخدمته التى سيرسله فيها فاختفي موسى الأمير ساكن القصر، وظهر موسى الراعي رجل وعندما ظهر له اللـه فى العليقة المشتعلة وقال له “فالآن هلم فأرسلك إلى فرعون وتخرج شعبي بني إسرائيل من مصر” (خر 3: 10) قدم موسى الأعذار الواحد تلو الآخر إلى أن استسلم فى النهاية. (خر 3: 11- 4: 17).

• تحول من موسى الذي يندفع إلي العمل بلا دعوة. إلي موسى الذي يدعوه الله، فيستعفي من الدعوة.

• تحول من موسى الواثق بقدراته. إلي موسى الذي يقول “من أنا ؟”

• تحول موسى من الإنسان الذي يستخدم العنف و القتل، إلي إنسان حليم جداً … لقد تحول من إنسان يغضب ويقتل، إلي إنسان يهدئ غضب الله !!

• تحول من موسى الذي تهذب بكل حكمة المصريين، إلي موسى الذي يقول أنا ثقيل الفم واللسان. بدأ يشعر بضعفه، وأنه ليس أهلاً للمسئولية. وصار هذا الشعور هو أكبر مؤهلاته لأنه جعله يشعر بأنه محتاج إلي قوة الله لتعمل فيه، وتعمل به.

 

موسى وفرعون:

عاد موسى إلى مصر وتكلم مع بنى لإسرائيل ففرحوا أن اللـه افتقدهم (خر 4: 31) ثم دخل إلى فرعون هو وهرون أخيه وطلبوا منه أن يطلق بنى إسرائيل حسب أمر الرب ولكن تقسى قلب فرعون وازداد فى قسوته على بنى إسرائيل مما يجعلهم يتذمرون على موسى. (خر 5: 21)

وتدخل اللـه وبدأ فى إرسال الضربات على فرعون والمصريين حتى اكتملت عشر ضربات، بعدها أطلق فرعون بنى إسرائيل من مصر. (خر7: 8 – 12: 33) ثم عاد وندم فخرج ورائهم بستمائة مركبة ولكن اللـه يتدخل ويشق البحر الأحمر ليعبر بنى إسرائيل والأمر الذى لما شرع فيه المصريون غرقوا. (خر 14)

1 – تحويل ماء النهر إلي دم. (خر 7: 19 )
2 – ضربة الضفادع. ( خر 8: 5)

3 – ضربة البعوض. ( خر 8: 16 ) .
4 – ضربة الذبان. ( خر 8: 21 – 24 )

5 – وبأ المواشى. ( خر 9 : 3 – 6 ) .
6 – ضربة الدمامل. ( خر 9 : 8 )

7 – ضربة البرد. ( خر 10 :13)
8 – ضربة الجراد. ( خر 10 : 13 )

9 – ضربة الظلام. ( خر 10 : 22 )
10 – ضربة الأبكار. ( خر 12: 29)

 

وقد أدرك المصريون ان الضربات أحداث غير طبيعية :

• لشدة الضربات وتوقيتها ومدتها.

• تجلى مصدرها الإلهى فى تزايد شدتها.

• حدوثها فى الوقت وعلى الصورة كما أنبأ موسى وهرون، وزوالها أيضا بناء على صلاة موسى وفى الوقت الذى حدده.

• عدم امتدادها إلى أرض جاسان حيث يقيم بنى إسرائيل.

كما أثبتت هذه الضربات عجز آلهة المصريين وعدم نفعها، أو بالحرى ثبت أنها بطل وأوهام لا وجود لها فى الحقيقة، لأنها لم تستطع أن تحمى نفسها من سطوة الإله القدير الحي الحقيقى (خر 7: 5 و 17، 8: 19، 9: 27 ).

أما بالنسبة لبنى إسرائيل فقد أدركوا أن اللـه هو:

• الإله القدير الحافظ العهد. (تك 15: 13 و خر 12: 40)

• كل الأشياء تتم بحسب إرادته. (خر 6: 6-9 و 12: 31-42)

وبخروج موسى وبنى إسرائيل من مصر يكون اللـه أنقذ موسى من ثلاث فراعنة:

• فرعون الذي أراد قتله وهو طفل (خر 1: 15، 16).

• فرعون الذي أراد قتله عندما قتل المصرى (خر 2: 15).

• فرعون البحر الأحمر (خر 15: 19).

 

موسى فى البرية:

قضى موسى مع بنى إسرائيل فى البرية أربعون سنة كانت مليئة بالأحداث والتى ذكرت فى أربعة اسفار من الكتاب المقدس، ولكن ممكن تلخيص أهم احداثها فى النقاط التالية:

• في برية سين، تذمر الشعب بسبب الطعام فأعطاهم الرب المن والسلوى. (خر 16)

• في رفيديم، تذمر الشعب بسبب الماء فأخرج لهم الرب ماء من الصخرة. (خر 17: 1-7)

• الحرب مع عماليق وانتصار بنى إسرائيل. (خر 17: 8-16)

• اللـه يترائى لبنى إسرائيل على جبل سيناء وسط سحاب وبروق ورعود. (خر 19)

• اللـه يعطى موسى بعض الشرائع. (خر 20 – 23)

• موسى على الجبل مع اللـه أربعين يوما ليأخذ لوحى الشريعة. (خر 24-31)

• العجل الذهبى وشفاعة موسى عن بنى إسرائيل. (خر 32)

• موسى على الجبل مع اللـه أربعين يوما ثانية. (خر 34)

• صنع خيمة الاجتماع (الشهادة) وإقامتها وتكريسها . (خر 35-40)

• التجسس على كنعان وإشاعة الخوف والتذمر بين الشعب وعقاب الله لهم بتيههم فى البرية أربعون سنة. (عد 13-14)

• اللـه يعاقب موسى وهارون بعدم دخولهم أرض كنعان من أجل أنهما لم يؤمنا به حتى يقدساه أمام أعين بني إسرائيل عند صخرة ماء مريبة. (عد 20: 12-13)

• الانتصار على ملك عراد، سيحون ملك الأموريين وعوج ملك باشان. (عد 21)

• زنى بنى إسرائيل مع بنات مؤاب وانتشار الوباء بينهم. (عد 25)

• الانتصار على المديانيين. (عد 31)

• إعطاء الأرض شرق الأردن لسبطى جاد ورأوبين ونصف سبط منسى. (عد 32)

• صعود موسى إلى جبل نبو حيث أراه الرب جميع الأرض التى أقسم لإبراهيم واسحق ويعقوب أن يعطيها لنسلهم. وموته على الجبل. (تث 34: 1-6)

 

موسى شخصية فريدة فى التاريخ:

إن موسى النبى شخصية فريدة فى الكتاب المقدس. من عدة نواحى:

• قيل عنه أنه كان رجلاً حليما جدا أكثر من جميع الناس الذين على وجه الأرض (عد 12: 3) إلا أنه مر ببعض المواقف القليلة التى جعلته يغضب مثل:

• عندما نزل من الجبل ووجد بنى اسرائيل يعبدون العجل الذهبى غضب جداً وكسر لوحى الشريعة. (خر 32: 19)

• عندما احترق تيس الخطية سخط على ألعازار وإيثامار ابني هارون. (لا 10: 16)

• غضب على قورح وداثان وأبيرام بسبب مقاومتهم. (عد 16: 15).

• قال عنه الرب ” فما إلى فم وعيانا أتكلم معه لا بالألغاز. وشبه الرب يعاين” (عد 12: 8)

• تكررت جملة “كلم الرب موسى” 104 مرة فى الكتاب المقدس وهو ما لم يحدث مع أى شخص آخر فى كل الكتاب المقدس.

 

رموز للسيد المسيح فى أسفار موسى الخمسة:

أسفار موسى الخمسة (التكوين، الخروج، اللاويين، العدد والتثنية) مليئة برموز وإشارات عن السيد المسيح لعل من أشهرها:

• الوعد بالفداء. (تك 3: 15)

• ملكى صادق. (تك 14: 18-20)

• ذبح إسحاق. (تك 22: 1-19)

• يعقوب يبارك ابنى يوسف واضعاً يديه عليهما على صورة الصليب. (تك 48: 13-16)

• خروف الفصح. (خر 12)

• الخروج من مصر. (خر 13: 17-22)

• عبور البحر الأحمر. (خر 14: 21-29)

• الذبائح بأنواعها. (لا 1-7)

• الحية النحاسية. (عد 21: 4-9)

• الصخرة التى أنبعت ماء (خر 17: 1-7، عد 20: 8-11) والتى يقول عنها بولس الرسول “لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم والصخرة كانت المسيح” (1كو 10: 4)

 

أسفار موسى فى القراءات الكنسية:

فى أثناء الصوم الكبير وفى أسبوع الآلام تقوم الكنيسة بتهيئة عقول المؤمنين للصليب والقيامة ولذلك تقوم بقراءة أجزاء كبيرة من العهد القديم خاصة تلك التى فيها إشارة للسيد المسيح وذبيحة الصليب وذلك فى رفع بخور باكر فى أيام الصوم الكبير وساعات أسبوع الآلام.

فمن حوالى 115 فصل من العهد القديم تقرأ أيام الصوم المقدس عشرون منهم من أسفار موسى الخمسة وهى:

التكوين (6 فصول)
تك 22 : 1 – 18

تك 27 : 1 – 41

تك 28 : 10 – 22

تك 32 : 1 – 30

تك 49 : 33 – 50 : 26

تك 49 : 1 – 28

الخروج (7 فصول)
خر 2 : 11 – 20

خر 2 : 23 – 3 : 5

خر 3 : 6 – 14

خر4 : 19 – 6 : 13

خر7 : 14 – 8 : 18

خر 8 : 20 – 9 : 35

خر 10 : 1 – 11 : 10

العدد (فصل واحد)
عد 10 : 35 – 11 : 34

التثنية (6 فصول)
تث 5 : 15 – 22

تث 6 : 3 – 7 : 26

تث 8 : 1 – 9 : 4

تث 9 : 7 – 10 : 11

تث 10 : 12 – 11 : 28

تث 11 : 29 – 12 : 27

 

أما فى أسبوع الآلام فيقرأ 23 فصلاً هم:

التكوين (8 فصول)
تك 1 : 1 – 2 : 4

تك 2 : 15 – 3 : 24

تك 6 : 5 – 9 : 6

تك 14 : 17 – 20

تك 18 : 1 – 23

تك 22 : 1 – 19

تك 24 : 1 – 9

تك 48 : 1 – 19

الخروج (10 فصول)
خر 12 : 1 – 14

خر 13 : 17 – 22

خر 14 : 13 – 15 : 1

خر 14 : 29 – 15 : 1

خر 15 : 23 – 16 : 3

خر 17 : 1 – 7

خر 17 : 8 – 16

خر 19 : 1 – 9

خر 32 : 7 – 15

خر 32 : 30 – 33 : 5

لاويين (فصل واحد)
لا 23 : 5 – 11

العدد (فصلين)
عد 20 : 1 – 13

عد 21 : 1 – 9

التثنية (فصلين)
تث 8 : 11 – 20

تث 8 : 19 – 9 : 24

 

 

( 1) يفسر قداسة البابا شنوده قول القديس بولس الرسول “تمتع وقتى بالخطية” هى أن يعيش موسى النبى في عز ورفاهية فى قصر فرعون، ويترك إخوته مذلولين ومطحونين.

(2) مديان: هو الابن الرابع لإبراهيم من زوجته قطورة، ونسله كانوا شعباً من البدو الرحل فلم يكن لهم مقر ثابت، إذ كانوا كثيرى التنقل من مكان إلى مكان سعياً وراء الكلأ لمواشيهم. ويتفق معظم العلماء على أن “بلاد مديان” كانت تطلق أساساً على المنطقة الواقعة شرقى خليج العقبة فى شبه الجزيرة العربية .

(3) صفورة: اسم مديانى معناه عصفورة.

(4) جرشوم: اسم معناه نزيل أو غريب.

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d9%85%d9%88%d8%b3%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8%d9%89/

يونان النبى

 

إن قصة يونان النبي هي قصة صراع بين الذات الإنسانية والله‏، فيونان النبي كان إنسانا تحت الآلام مثلنا‏.

من هو يونان النبى؟

يونان اسم عبرى معناه “حمامة” وهو ابن أمتاى، وأحد أنبياء إسرائيل (يون 1:1)، وكان من مدينة جت حافر فى سبط زبولون (2مل 14: 25). كان نبى فى مملكة إسرائيل (المملكة الشمالية) وتنبأ فى الفترة بين 793 – 735 ق.م. حيث عاصر يربعام الثانى ويذكر سفر الملوك الثانى أنه قد تنبأ بأن يريعام بن يهوآش ملك إسرائيل سيرد تخم إسرائيل من مدخل حماة إلى بحر العربة (خليج العقبة).

كلف الله يونان بالذهاب إلي نينوى ‏ , ‏والمناداة بهلاكها‏، ‏وكانت نينوى عاصمة كبيرة فيها أكثر من 120‏ ألف نسمة، ولكنها كانت أممية وجاهلة وخاطئة جدا. ولكن بدلاً من الذهاب إلى نينوى التى تقع الى الشمال الشرقى من السامرة ذهب الى يافا – مدينة على البحر – وأخذ سفينة ذاهبة إلى ترشيش والتى تقع إلى غرب مدينة السامرة فى البحر المتوسط.

لماذا هرب يونان من وجه الرب؟

هناك عدة أسباب لذلك:

• كان يونان يعلم أن الله ”إله رحيم ورؤوف بطيء الغضب وكثير الإحسان“ (خر 34: 6) ولذلك إذا تاب أهل نينوى فسوف يصفح الله عنهم وهكذا تسقط كلمته‏, ‏ويكون الله قد ضيع كرامته علي مذبح رحمته ومغفرته.

• كان اليهود يعتبرون أن الله (يهوه) هو إلههم الخاص – كما كانت لكل أمة آلهتها – ولذلك كانت فكرة أن الله (يهوه) يطلب خلاص وتوبة الأمم غير مقبولة بالنسبة لهم.

• البعض يرى أن هروب يونان كان إعلان لرفضه القيام بهذه المهمة وليس الهروب من الله ذاته وهكذا يرسل الله شخصاً آخر غيره، فهو أعلن أنه يؤمن بأن الله هو ”إله السماء الذي صنع البحر والبر“ (يون 1: 9).

• وهناك رأى آخر يقول أن يونان كان يعلم أن أشور هى الآلة التى سيستخدمها الرب لعقاب أمَّـته إسرائيل فأراد أن تفنى بسبب خطاياها بدلا من أن تبقى وتقضى على مملكة إسرائيل.

 

لم يشأ الله أن يصل يونان إلي ترشيش‏, ‏وإنما أمسكه في البحر‏, ‏وهيج الأمواج عليه وعلي السفينة كلها‏… ‏والعجيب أن يونان كان قد نام في جوف السفينة نوما عميقا‏. ‏لا أيقظه الموج‏, ‏ولا صوت الأمتعة وهي تلقي في الماء‏, ‏ولا صوت ضميره‏!!‏

نام يونان‏, ‏لم يهتم بمشيئة الله وأمره‏, ‏ولم يهتم بنينوى وهلاكها أو خلاصها‏, ‏ولم يهتم بأهل السفينة وما تجره عليهم خطيئته‏… ‏لكنه تمركز حول ذاته‏, ‏وشعر أنه حافظ علي كرامته فنام نوما ثقيلا‏…‏

هذا النوم الثقيل كان يحتاج إلي إجراء حاسم من الله‏ ‏ ينقذ به ركاب السفينة جسديا وروحيا‏, ‏وينفذ مشيئته من جهة نينوى وخلاصها‏, ‏وينقذ نفس هذا النبي الهارب‏, ‏ويعلمه الطاعة والحكمة‏. ‏مستبقيا إياه في خدمته بطول أناة عجيبة‏, ‏علي الرغم من كل أخطائه ومخالفته‏…‏

وهكذا استخدم الله خليقته الغير عاقلة من جماد وحيوانات ( الموج‏, الرياح‏, البحر‏ والحوت ) ليبكت خليقته العاقلة (الإنسان).

أمر الله الرياح‏, ‏فهاج البحر‏, ‏وهاجت أمواجه‏, ‏وصدمت السفينة حتى كادت تنقلب‏. ‏وتصرف ركاب السفينة بحكمة وحرص شديدين‏… ‏وبذلوا كل جهدهم, صلوا كل واحد إلي إلهه وطرحوا الأمتعة التي في السفينة إلى البحر ليخففوا عنهم. الوحيد الذي لم يذكر الكتاب أنه صلي كباقي البحارة‏, ‏كان يونان‏. ‏وحتى بعد أن نبهه أو وبخه رئيس النوتية‏, ‏لم يلجأ إلي الصلاة‏. كأن عناده أكبر من الخطر المحيط به . وعندما ألقوا قرعا ليعرفوا بسبب من كانت تلك البلية‏, أصابت القرعة يونان‏.‏

”خائف من الرب إله السماء الذي صنع البحر والبر“ (يون 1: 9)

اعترف يونان أنه خائف من الرب إله السماء الذي صنع البحر والبر‏!! إذا فهو يؤمن بسلطان اللـه على الخليقة كلها ولكن كبريائه كانت ما تزال تسيطر عليه

‏كان يونان يدرك الحق‏, ‏ومع ذلك تمسك بالمخالفة‏, ‏من أجل الكرامة التي دفعته إليها الكبرياء‏, ‏فتحولت إلي عناد‏… ‏قالوا له‏: ‏ماذا نصنع بك ليسكن البحر عنا؟‏. ‏فأجابهم‏: ‏خذوني واطرحوني في البحر.

علي الرغم من كل هذه الإنذارات والضربات الإلهية‏, ‏لم يرجع يونان‏. ‏لم يقل أخطأت يارب في هروبي‏, ‏سأطيع وأذهب إلي نينوى‏… ‏فضل أن يلقي في البحر‏, ‏ولا يقول أخطأت‏..!‏ لم يستعطف الله‏. ‏لم يعتذر عن هروبه‏. ‏لم يعد بالذهاب‏. ‏لم يسكب نفسه في الصلاة أمام الله‏. ‏إنما يبدو أنه فضل أن يموت بكرامته دون أن تسقط كلمته‏!! ‏وهكذا القوه في البحر‏…

اللـه ينفذ مشيئته:‏

مشيئة الله كانت لابد أن تنفذ‏. ‏هل ظن يا يونان أنه سيعاند الله وينجح؟‏! ‏هيهات‏, ‏لابد أن يذهب مهما هرب‏, ‏ومهما غضب‏. إن الله سينفذ مشيئته سواء أطاع يونان أو عصى‏, ‏ذهب أو هرب‏…‏

ألقي يونان في البحر‏, ‏وأعد الرب حوتا عظيما فابتلع يونان‏.‏ وكأن اللـه يقول له: ”يا يونان‏, ‏صعب عليك أن ترفس مناخس‏. ‏إن شئت فبقدميك تصل إلي نينوى‏. ‏وإن لم تنشأ فستصل بالبحر والموج والحوت‏. ‏بالأمر‏, ‏إن لم يكن بالقلب‏“.‏

صلاة يونان:

فى جوف الحوت وجد يونان خلوة روحية هادئة‏, ‏ففكر في حاله‏. ‏إنه في وضع لا هو حياة‏, ‏ولا هو موت‏. ‏وعليه أن يتفاهم مع الله‏, ‏فبدأ يصلي‏. ‏إنه لا يريد أن يعترف بخطيئته ويعتذر عنها‏, ‏وفي نفس الوقت لا يريد أن يبقي في هذا الوضع‏. ‏فاتخذ موقف العتاب‏, ‏وقال‏: ‏”دعوت من ضيقي الرب‏, ‏فاستجابني‏… ‏لأنك طرحتني في العمق‏… ‏طردت من أمام عينيك‏“ (يون 2: 6).‏

من الواضح أن الله لم يضع يونان في الضيق‏, ‏ولم يطرحه في العمق‏, ‏ولم يطرده ولكن خطيئة يونان هي السبب‏.‏

هو الذي أوقع نفسه في الضيقة‏, ‏ثم شكا منها‏, ‏ونسب تعبه إلي الله‏… ‏ولكن النقطة البيضاء، هي أنه رجع إلي إيمانه في بطن الحوت‏. ‏فآمن أن صلاته ستستجاب‏, ‏وقال للرب‏: ”‏أعود أنظر هيكل قدسك“‏. لقد ‏آمن أنه حتي لو كان في جوف الحوت‏, ‏فلابد سيخرج منه ويري هيكل الرب‏.‏

أتت هذه القضية الكبرى بمفعولها‏. ‏ونجح الحوت في مهمته‏. ‏والظاهر أن يونان نذر نذراً بأنه إن خرج من جوف الحوت‏, ‏سيذهب نينوى لأنه قال للرب وهو في جوف الحوت ”أما أنا فبصوت الحمد أذبح لك‏, ‏وأوفي بما نذرته“ (يون 2: 9). ‏أي نذر تراه غير هذا؟‏!

”قم اذهب إلى نينوى“:

‏لما قذف الحوت يونان إلي البر‏, صدر إليه أمر الرب ثانية‏ ”قم اذهب إلى نينوى“ (يون 3: 1-2), فنفذ نذره‏, ‏وذهب إلي نينوى‏. ولكن الظاهر أنه ذهب بقدميه مضطراً‏, ‏وليس بقلبه راضياً‏. ‏ذهب من أجل الطاعة‏, ‏وليس عن اقتناع‏، والدليل على ذلك أنه لما تاب أهل نينوى وندم الله على الشر الذي تكلم أن يصنعه بهم فلم يصنعه غم ذلك يونان غما شديدا فاغتاظ. (يون 3: 5 – 4: 1)

اللـه يبكت يونان:

عاتب يونان الله‏, ‏وبرر ذاته‏, ‏وظن أن الحق في جانبه‏. ‏فصلي إلي الله وقال‏: ”آه يا رب أليس هذا كلامي إذ كنت بعد في أرضي؟ لذلك بادرت إلى الهرب إلى ترشيش لأني علمت أنك إله رؤوف ورحيم بطيء الغضب وكثير الرحمة ونادم على الشر“ (يون 4: 2)

اغتاظ يونان من أجل محبة اللـه ورحمته وقبوله توبة أهل نينوى ونسى (أو تناسى) أنها نفس المحبة التى قبلت توبته عندما كان فى بطن الحوت. ولذلك قال أحد الآباء ”إذا وجدت أن اللـه يطيل أناته على من أساء إليك لا تحزن بل تذكر أن اللـه أطال أناته عليك من قبل عندما أسأت أنت إلى آخرين“.

خرج يونان وجلس شرقي المدينة ليري ماذا يحدث فيها‏. ‏كما لو كان ينتظر أن يعود الله فيهلك الشعب كله إرضاء لكرامة ؟‏!!

ولكن الله للمرة الثانية يستخدم خليقته الغير عاقلة من جماد وحيوانات (اليقطينة، الدودة، الرياح، والشمس) ليبكت الإنسان. فجعل يقطينة ترتفع فوق يونان لتكون ظلاً على رأسه وفى الصباح أرسل دودة فضربت اليقطينة فيبست ثم أرسل ريحا شرقية حارة فضربت الشمس على رأس يونان فذبل. وعندما يتذمر يونان يبكته الله قائلاً: ”أنت شفقت على اليقطينة … أفلا أشفق أنا على… اثنتي عشرة ربوة من الناس الذين لا يعرفون يمينهم من شمالهم !“ (يون 4: 10-11).

 

سفر يونان:

سفر يونان يلقى الضوء على:

• طول أناة الله. فهو لم يهلك أهل نينوى بسبب خطيئتهم بل أرسل لهم يونان لينذرهم ولم يهلك يونان عندما هرب من وجهه بل أرسل له حوتاً لينقذه.

• محبة الله للإنسان وفرحه بتوبته. فهو الذى قبل صلاة يونان فى بطن الحوت وفرح بتوبة أهل نينوى بل العجيب إنه التمس لهم العذر – إن جاز التعبير- ”اثنتي عشرة ربوة من الناس الذين لا يعرفون يمينهم من شمالهم“ (يون 4: 11).

• محبة الله تظهر أحياناً فى عدم تنفيذ صلواتنا وطلباتنا. فيونان طلب الموت ثلاث مرات (عندما طلب من النوتية أن يلقوه فى البحر ثم مرتين قال لله ”يا رب خذ نفسي موتي خير من حياتي“ (يون 4: 3، 8)

• الخليقة الغير العاقلة تبكت الإنسان على تمرده فهى تطيع الله والإنسان يعصى خالقه.

• خطورة الذات والكبرياء على الإنسان فقد تؤدى إلى هلاكه. بل العجيب أن يونان اهتم بكرامته وكيف يقول كلمة ثم لا تتحقق بسبب محبة الله، أما الله لم يفكر بنفس الطريقة فقبل أن لا ينفذ تهديده لأهل نينوى عندما تابوا بل فرح أيضاً بتوبتهم.

 

يونان النبى في الكتاب المقدس:

بالإضافة إلى السفر المسمى باسمه ذكر يونان أيضاً في الكتاب المقدس في المواضع التالية:

• ”هو (يربعام الثانى) رد تخم إسرائيل من مدخل حماة إلى بحر العربة حسب كلام الرب إله إسرائيل الذي تكلم به عن يد عبده يونان بن أمتاي النبي الذي من جت حافر.“ (2مل 14: 25)

• فأجاب (السيد المسيح) وقال لهم: ”جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تعطى له آية إلا آية يونان النبي. لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال. رجال نينوى سيقومون في الدين مع هذا الجيل ويدينونه لأنهم تابوا بمناداة يونان وهوذا أعظم من يونان ههنا!“ (مت 12: 39-41)

• جيل شرير فاسق يلتمس آية ولا تعطى له آية إلا آية يونان النبي”. ثم تركهم ومضى. (مت 16: 4)

• وفيما كان الجموع مزدحمين ابتدأ يقول: “هذا الجيل شرير. يطلب آية ولا تعطى له آية إلا آية يونان النبي. لأنه كما كان يونان آية لأهل نينوى كذلك يكون ابن الإنسان أيضا لهذا الجيل. (لو 11: 29-30)

• رجال نينوى سيقومون في الدين مع هذا الجيل ويدينونه لأنهم تابوا بمناداة يونان وهوذا أعظم من يونان ههنا! (لو 11: 32)

 

يونان النبى كرمز للسيد المسيح:

يونان يرمز لموت السيد المسيح وقيامته، فكما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال هكذا أيضاً كان السيد المسيح في القبر ثلاث أيام وثلاث ليال.

 

 

نينوى :

”نينوى“ هو اسم الإلهة ”عشتار“ مكتوبا بالرموز المسمارية على شكل سمكة داخل إطار، والأرجح أنه من أصل حورانى . كانت نينوى تقع على بعد نحو نصف الميل إلى الشرق من نهر الدجلة، وتدل الاكتشافات الأثرية على أن الموقع يرجع إلى ما قبل التاريخ (نحو 4500 سنة ق.م.) ويذكر سفر التكوين (10: 11) أن نمرود أو أشور هو الذي بناها. وقد كانت فى أيام يونان مدينة عظيمة تبلغ مساحتها نحو خمسة كيلومترات طولاً، ونحو اثنين ونصف كيلومتر عرضاً محاطة بسور يبلغ طوله نحو ثلاثة عشر كيلومتر وكان يلزم مدة ثلاثة أيام لاختراقها والمرور بكل أحيائها (يون 3: 3). وكانت عاصمة للإمبراطورية الأشورية في أوج عظمتها وهذه الإمبراطورية هى التى أفنت مملكة إسرائيل سنة 722 ق.م. وسبت أهلها إلى آشور.

ترشيش :

ومعناها فى العبرية ”الزبرجد“ ويرى البعض أنها كلمة فينيقية بمعنى ”معمل تكرير“. تذكر دائما بالارتباط بالسفن ”لأنه كان للملك (سليمان) في البحر سفن ترشيش مع سفن حيرام“ (1مل 10: 22 )، مما يدل على أن ترشيش كانت تقع على البحر. كما أن يونان نزل فى سفينة ذاهبة إلى ترشيش (يونان 1: 3، 4: 2) من ميناء يافا ليهرب إلى أرض بعيدة (إش 66: 19). وكانت تلك البلاد غنية بالمعادن مثل الفضة (ارميا 10: 9) والحديد والقصدير والرصاص التي كانت تصدر إلى البلاد الأخرى مثل صور ويافا (حز 27: 12) والأرجح أنها كانت بلادا فى غربى البحر المتوسط .

 

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d9%8a%d9%88%d9%86%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8%d9%89/

الآباء الأولون

من هم؟

هم الآباء الذين عاشوا قبل الطوفان أى منذ آدم والى نوح حيث إننا نجد فى سفر التكوين الاصحاح الخامس سجل لهؤلاء الآباء. ولا يذكر الكتاب المقدس عن كل من هؤلاء الآباء سوى عبارة واحدة هى:

” وعاش (…) (…) سنة وولد (…). وعاش (…) بعد ما ولد (…) (…) سنة وولد بنين وبنات. فكانت كل أيام (…) (…) سنة ومات.“

(تك 5: 3-32)

و الملاحظ عند دراسة ما ذكر فى الكتاب المقدس عن هؤلاء الآباء أنهم امتازوا بالعمر الطويل فالأعمار تراوحت بين 895 سنة (مهللئيل) و996 (متوشالح) – باستثناء أخنوخ الذى لم يمت بل اللـه نقله – وبالتالى نجد أن آدم عاصر لامك (أبو نوح) حيث كان عمر لامك وقت وفاة آدم 56 سنة.

فى عام … من الخليقة

مولد

وفاة

عمر الشخص وقت الحدث

آدم

شيث

انوش

قينان

مهللئيل

يارد

أخنوخ

متوشالح

لامك

نوح

130

شيث

 

130

 

 

 

 

 

 

 

 

 

235

انوش

 

235

105

 

 

 

 

 

 

 

 

325

قينان

 

325

195

90

 

 

 

 

 

 

 

395

مهللئيل

 

395

265

160

70

 

 

 

 

 

 

460

يارد

 

460

330

225

135

65

 

 

 

 

 

622

أخنوخ

 

622

492

387

297

227

162

 

 

 

 

687

متوشالح

 

687

557

452

362

292

227

65

 

 

 

874

لامك

 

874

744

639

549

479

414

252

187

 

 

930

 

آدم

930

800

695

605

535

470

308

243

56

 

987

 

أخنوخ

 

857

752

662

592

527

365

300

113

 

1042

 

شيث

 

912

807

717

647

582

 

355

168

 

1056

نوح

 

 

 

821

731

661

596

 

369

182

 

1140

 

انوش

 

 

905

815

745

680

 

453

266

84

1230

 

قينان

 

 

 

905

835

770

 

543

356

174

1290

 

مهللئيل

 

 

 

 

895

830

 

603

416

234

1422

 

يارد

 

 

 

 

 

962

 

735

548

366

1456

 

 

 

 

 

 

 

 

 

769

582

400

1556

سام – حام – يافث

 

 

 

 

 

 

 

 

869

682

500

1651

 

لامك

 

 

 

 

 

 

 

964

777

595

1656

 

متوشالح

 

 

 

 

 

 

 

969

 

600

2006

 

نوح

 

 

 

 

 

 

 

 

 

950

شيث:

اسم سامى معناه “بديل أو عوض أو مُعيّن”. وهو الابن الثالث لآدم وحواء، وقد وُلد لهم بعد مقتل هابيل، فدعته أمه “شيث” قائلة لأن اللـه قد وضع لى نسلاً آخر عوضاً عن هابيل (تك 4: 25).

انوش :

بمعنى “زائل” وهو ابن شيث وحفيد آدم (تك 4: 26، 5: 6، 1أخ 1:1، لو 3: 38)، والاسم يدل على أن الإنسان ضعيف وزائل. وبأنوش بدأ طور دينى جديد “حينئذ ابتدئ أن يدعى باسم الرب” (تك4: 26) ويبدو أن هناك مقابلة بين هذه العبارة وما جاء عن فرع آخر لآدم عن طريق حنوك بن قايين (تك 4: 17)

قينان:

بمعنى “مقتنى” وهو قينان بن أنوش بن شيث بن آدم، وأبو مهللئيل (تك 5: 9-14 ( .

مهللئيل:

معنى الاسم “حمد اللـه” وهو مهللئيل بن قنان بن أنوش. وجاء ذكره فى سلسلة نسب المسيح حسب الجسد (لو 3: 37 ( .

يارد:

معنى الاسم “نزول” وهو الخامس من آدم، وهو ابن مهللئيل بن قنان.

أخنوخ:

والاسم العبرى هو “حنوك” ولعل معناه “مكرس” أو “محنك” وهو نفسه اسم الابن الأكبر لقايين “حنوك” (تك 4: 17 و 18). وأخنوخ هو ابن يارد وأبو متوشالح، وهو السابع من آدم من نسل شيث (يهوذا 14) وقد عاش 365 سنة (تك 5: 23) وبهذا يكون أصغر الشخصيات سناً فى هذه السلسلة.

وقد شهد الكتاب المقدس ببره حيث قال “سار أخنوخ مع اللـه ولم يوجد لأن اللـه أخذه” (تك 5: 24). وعبارة “سار مع اللـه” تدل على حياة مكرسة عاشها فى شركة وثيقة مع اللـه , وهو ما أكده بولس الرسول فى رسالته الى العبرانيين حيث وضعه مع أبطال الإيمان “قبل نقله شُهد له بأنه أرضي اللـه” (عب 11: 5). وشرح المقصود من عبارة “لم يوجد لأن اللـه أخذه” بأنها تعنى “بالإيمان نقل أخنوخ لكى لا يرى الموت، ولم يوجد لأن اللـه نقله” (عب 11: 5).

لعل ما ورد عن أخنوخ هنا وسط سلسلة الآباء، تأكيد أن سرّ سعادة الإنسان ليس طول بقائه على الأرض وإنما انتقاله إلى حضرة الرب ليعيش معه وجها لوجه.

وكأن “أخنوخ” يمثل استرداد الإنسان لحالته الأولى الفردوسية، بانطلاقه من الأرض -التي فسدت- إلى مقدس اللـه. وكما يقول يهوذا الرسول: “وتنبأ عن هؤلاء أيضًا أخنوخ السابع من آدم قائلاً: “هوذا قد جاء الرب في ربوات قديسيه، ليضع دينونة على الجميع ويعاقب جميع فجورهم على جميع أعمال فجورهم التي فجروا بها على جميع الكلمات الصعبة التي تكلم بها عليه خطاة فجار” (يه 14: 15). انتقال أخنوخ إلى اللـه هي نبوة عملية عن الحياة الأبدية وشهادة ضد الأشرار ودينونتهم العتيدة، بجانب نبوته النطقية التي تسلمتها الكنيسة اليهودية خلال التقليد الشفوي وسجلها الرسول يهوذا.

أخنوخ يمثل القلب الذي يتحد مع الذي ويصير موضع سروره ورضاه في المسيح يسوع الابن المحبوب، فلا يمكن للموت (الروحي) أن يجد له فيه موضعًا، بل يكون في حالة انطلاق مستمر نحو الأبدية، لا يقدر العدو أن يمسك به أو يقتنصه.

لم نعرف عن حياة أخنوخ شيئًا سوي هذه العبارة “وسار أخنوخ مع اللـه ولم يوجد لأن اللـه أخذه” (24)، إذ لم يذكر لنا الكتاب شيئًا عن تصرفاته أو مثلاً لمعاملاته، لكنه بحياته الخفية سحب قلوب الكثيرين عبر الأجيال نحو التوبة والحياة مع اللـه. يقول أبن سيراخ: “نُقل أخنوخ كمثال للتوبة لجميع الأجيال” (سى 44: 16). ورأى فيه القديس أمبروسيوس صورة للحياة الرسولية التي لا يهزمها الموت إذ يقول: [حقًا لم يعرف الرسل الموت كما قيل لهم: “الحق الحق أقول لكم إن كثيرين من القيام ههنا لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان قادمًا في ملكوته” (راجع مت 16: 28). فمن ليس بداخله شيء يموت (يحيا أبديًا)، هذا الذي ليس فيه من مصر (رمزيًا) أي نعل أو رباط، إنما خلع عنه هذا كله قبل تركه خدمة الجسد. ليس أخنوخ وحده هو الحيّ ولا وحده أُخذ إلى فوق، إنما بولس أيضًا ارتفع ليلتقي بالمسيح].

بنفس الفكر يرى القديس كبريانوس مثلاً حيًا للمنتقلين إلى الرب سريعًا إذ تركوا عنهم محبة الزمنيات: [إنك تكون (كأخنوخ) قد أرضيت اللـه إن تأهلت للانتقال من عدوى العالم. لقد علّم الروح القدس سليمان أن الذين يرضون اللـه يؤخذون مبكرين ويتحررون سريعًا لئلا بتأخيرهم في هذه العالم يتدنسون بوبائه. وكما قيل: “خطفه لئلا يغير الشر عقله، إنه كان مرضيًا لله فأحبه وكان يعيش بين الخطاة فنقله” (حك 4: 10، 11). وفي المزامير تسرع النفس المكرمة لإلهها نحوه قائلة: “ما أحلى مساكنك يارب الجنود، تشتاق بل تتوق نفسي إلى ديار الرب” (مز 84: 1)].

ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن “أخنوخ” فاق هابيل في إيمانه، إذ يقول: [فاق هذا الرجل هابيل في إيمانه. ربما تسأل كيف؟ لأنه بالرغم من مجيئه بعده فإن ما أصاب هابيل كان كافيًا بصده عن سعيه… ومع هذا لم يدخل أخنوخ إلى اللامبالاة، ولا قال في نفسه: ما الحاجة إذن إلى التعب؟!]. كان أخنوخ عظيمًا في إيمانه، فمع عدم رؤيته أمثلة حية يحتذي بها، ومع سماعه ما حدث مع هابيل عاش مع اللـه يسلك بالبر فاستحق أن يأخذه اللـه.

ولكن ما السر وراء هذا الإيمان العظيم؟

إذا راجعنا الجدول السابق سنجد أن أخنوخ عاصر كل من سبقوه منذ آدم، حيث ولد عندما كان عمر آدم 622 سنة وعاش مع جده (آدم) حوالى 308 سنين ولا شك كان أبينا آدم كان يجلس مع أصغر أحفاده وقتئذ ليحكى له عن جنة عدن وحلاوة الحياة مع اللـه وكان هذا الحفيد يقارن بين ما يسمعه من جده وبين ما يراه على الأرض من شقاء وفناء وحينئذ أدرك بشاعة الخطية وفداحة نتائجها ولذلك اشتعل قلبه بمحبة اللـه وسار فى طريق البر. والعجيب أننا نجد أن اللـه يأخذ أخنوخ من هذا العالم سريعاً بعد وفاة آدم حيث أن الفارق بين موت آدم ونقل أخنوخ هو 57 سنة فقط وبذلك يكون أخنوخ أول شخص تنتهي حياته على الأرض بعد موت آدم.

موت أخنوخ:

ترى الكنيسة الأرثوذكسية – فى تفسيرات آبائها مثل العلامة ترتليان – أن أخنوخ سيعود هو وإيليا الى الأرض مرة أخرى فى آخر الأيام ويقاوما ضد المسيح ثم يذوقا الموت الجسدى إذ هما الشاهدين المذكوران فى سفر الرؤيا (رؤ 11: 3-14) وكلاهما لم يمت بل اختُطِفَا إلى السماء.

متوشالح:

اسم سامى معناه رجل الرمح أو عابد (الإله) “شالح”، وهو ابن أخنوخ من نسل شيث، وأبو لامك وجدّ نوح (تك 5: 21- 27). وقد عاش تسع مئة وتسعاً وستين سنة ومات قبل الطوفان، فهو أطول الناس المذكورين عمراً. ويذكر بين أسلاف الرب يسوع المسيح حسب الجسد (لو 3: 37).

وقد مات متوشالح عندما كان عمر حفيده نوح حوالى 600 سنة وهى السنة التى أرسل فيها اللـه الطوفان على الأرض وأهلك كل جسد فيه روح حياة من تحت السماء.

لامك:

اسم عبرى معناه شاب قوي أو رجل بري أو إنسان وحشي أو مدمِّر. بن أخنوخ من نسل شيث، وقد ولد نوحاً، وهو ابن مئة واثنتين وثمانين سنة. وقد دعا ابنه “نوحاً قائل: هذا يعزينا عن عملنا وتعب أيدينا من قبل الأرض التى لعنها الرب. فقد أحس لامك هذا بتعب العمل فى الأرض وقلة إنتاجها، نتيجة لعن اللـه إياها بسبب سقوط آدم (تك 3: 17 – 19)، وكان يتطلع إلى مجيء النسل الموعود، وتوقع أن يكون الابن المولود له، هو هذا النسل، فدعاه “نوحاً” أى “عزاء”.

وقد مات لآمك قبل أبيه متوشالح بحوالى 5 سنوات وهى نفس الفترة تقريباً قبل مجيء الطوفان على الأرض.

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d8%a2%d8%a8%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d9%84%d9%88%d9%86/

سمعان الشيخ وحنة بنت فنوئيل

فى ميلاد السيد المسيح نجد أن السماء تُسَبِّح والأرض تفرح وتتهلل بميلاد رب المجد، حيث سَبَّحَ الملائكة وتهلل الرعاة وسجد المجوس للطفل المولود فى بيت لحم.

وبعد أربعين يوماً نجد أن بقية البشرية تشترك فى التسبيح والتمجيد. فإن كان الشيوخ لم يتمكنوا من الذهاب الى بيت لحم فها هم ينتظرونه فى الهيكل يقودهم سمعان الشيخ وحنة بنت فنوئيل ليقدموا له التسبيح والتمجيد.

من هما سمعان وحنة؟

لما ملك بطليموس الملقب بالغالب حوالي سنة 269 قبل الميلاد. أرسل بتدبير من الله إلى أورشليم، واستحضر سبعين رجلا من أحبار اليهود وعلمائهم، وأمرهم إن يترجموا له أسفار العهد القديم من العبرية إلى اليونانية (وهى الترجمة المعروفة بالترجمة السبعينية).

ولكى لا يتفقوا علي ترجمة واحدة، عزل كل اثنين منهم في مكان منفرد، حتى يضمن نسخة صحيحة بعد مقارنة هذه الترجمات. وكان سمعان الشيخ من بين السبعين رجلاً الذين قاموا بهذه الترجمة.

وقد حدث انه لما وصل إلى ترجمة قول أشعياء النبى “ها العذراء تحبل وتلد ابنا” (أش 7: 14) خشي أن يكتب “عذراء تحبل” فيهزأ به الملك فأراد إن يكتب كلمة “فتاة” عوض كلمة “عذراء” ولما تألم في داخله لهذه الترجمة غير الصحيحة، أعلن له الله في رؤيا انه لا يرى الموت قبل إن يرى مسيح الرب المولود من العذراء. وقد تم ذلك وعاش هذا البار نحو ثلاثمائة سنة حيث ولد السيد المسيح. وكان بصره قد كف فلما حمل الصبي علي ذراعيه أبصر واعلمه الروح القدس إن هذا هو الذي كنت تنتظره “فبارك الله وقال الآن تطلق عبدك يا سيد حسب قولك بسلام. لان عيني قد أبصرتا خلاصك. الذي أعددته قدام وجه جميع الشعوب. نور إعلان للأمم ومجدا لشعبك إسرائيل” (لو 2: 25-32).

أما حنة بنت فنوئيل فهى أرملة من سبط أشير يتجاوز عمرها المئة عام. كانت تزوجت لمدة سبع سنوات ثم مات زوجها فبقيت أرملة لم تتزوج لمدة أربع وثمانين سنة لا تفارق الهيكل عابدة بأصوام وطلبات ليلا ونهارا. ويقول الكتاب أنه عندما أتى يوسف ومريم بالطفل يسوع الى الهيكل لممارسة طقس ختانه “وقفت تسبح الرب وتكلمت عنه مع جميع المنتظرين فداء في أورشليم” (لو 2: 36-38).

 

تسبحة سمعان:

“الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ الَّذِي أَعْدَدْتَهُ قُدَّامَ وَجْهِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. نُورَ إِعْلاَنٍ لِلأُمَمِ وَمَجْداً لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ” وَكَانَ يُوسُفُ وَأُمُّهُ يَتَعَجَّبَانِ مِمَّا قِيلَ فِيهِ. وَبَارَكَهُمَا سِمْعَانُ وَقَالَ لِمَرْيَمَ أُمِّهِ: “هَا إِنَّ هَذَا قَدْ وُضِعَ لِسُقُوطِ وَقِيَامِ كَثِيرِينَ فِي إِسْرَائِيلَ وَلِعَلاَمَةٍ تُقَاوَمُ. وأنْتِ أيْضاً يَجُوزُ فِى نَفسِكِ سِيْفٌ لِتُعلَنَ أفْكَارٌ مِنْ قُلُوبٍ كَثِيرَةٍ.” (لو 2: 29-35)

ويلاحظ في تسبحة سمعان الشيخ الآتي:

أولاً: يعلن عموميّة الخلاص وجامعيّة الكنيسة، فإن كان شعبه إسرائيل الذي تجسّد منه وحلّ في وسطه قد تمجَّد، وقبِلَ بعض اليهود الإيمان به، لكن إسرائيل الجديد ضم من كل الأمم.

ثانياً: إن كان الله الآب قد أرسل ابنه لخلاص العالم (يو 3: 16) خلال علامة الصليب، لكن ليس الكل يقبل هذه العلامة ويتجاوب مع محبَّة الله الفائقة، بل يقاوم البعض الصليب ويتعثَّرون فيه. هذا ومن ناحية أخرى فإنَّ سقوط وقيام الكثيرين يشير إلى سقوط ما هو شرّ في حياتنا لقيام ملكوت الله فينا، فعمل السيِّد المسيح أن يهدم الإنسان القديم ليُقيم الإنسان الجديد؛ يقتلع الشوك ليغرس في داخلنا شجرة الحياة.

ثالثاً: إن كان السيِّد المسيح الذي جاء لخلاص العالم قد صار موضع مقاومة، فإنَّ القدِّيسة مريم تشارك ابنها الصليب بكونها تمثِّل الكنيسة، التي تحمل صورة عريسها المصلوب المقاوَم. وكما يقول القدِّيس كيرلس الكبير: [يُراد بالسيف الألم الشديد الذي لحق بمريم وهي ترى مولودها مصلوبًا، ولا تعلم بالكليّة أن ابنها أقوى من الموت، وأنه لابد من قيامته من القبر، ولا عجب أن جهلت العذراء هذه الحقيقة فقد جهلها أيضًا التلاميذ المقدَّسون، فلو لم يضع توما يده في جنب المسيح بعد قيامته، ويجس بآثار المسامير في جسم يسوع لما صدق أن سيِّده قام بعد الموت.] وجاء في قطع الساعة التاسعة: [عندما نظرت الوالدة الحمل والراعي مخلِّص العالم علي الصليب معلَّقا، قالت وهي باكية: أما العالم فيفرح لقبوله الخلاص، وأما أحشائي فتلتهب عند نظري إلى صلبوتك الذي أنت صابر عليه من أجل الكل يا ابني وإلهي.]

 

وتعيد الكنيسة القبطية فى يوم 8 أمشير بعيد دخول السيد المسيح الهيكل ونياحة سمعان الشيخ.

 

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%b3%d9%85%d8%b9%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a%d8%ae-%d9%88%d8%ad%d9%86%d8%a9-%d8%a8%d9%86%d8%aa-%d9%81%d9%86%d9%88%d8%a6%d9%8a%d9%84/

القديس يوسف النجار خطيب مريم العذراء

من هو؟

يذكر القديس متى أنه ابن يعقوب ابن متان بينما يذكر القديس لوقا أنه هالى وكلاهما يصلا بالنسب الى داود الملك ( ) . حيث يذكر القديس متى النسب الحقيقى (حسب الطبيعة) بينما يذكر القديس لوقا النسب حسب الشريعة.

أى إنه إذا استمر الملك فى إسرائيل لكان يوسف هو الوارث الشرعى لعرش يهوذا.

يذكر السنكسار أنه تزوج عندما كان يبلغ من العمر أربعون سنة وظل متزوجاً اثنين وخمسون سنة حيث ماتت زوجته عندما كان يبلغ من العمر اثنين وتسعون سنة.

خطبة القديس يوسف الى مريم العذراء:

جاء فى ميمر للقديس يعقوب أسقف أورشليم أن العذراء مريم عندما بلغت من العمر 12 سنة (وهو العمر الذى ينبغى أن تترك فيه الهيكل) أشار الملاك على زكريا الكاهن ليجمع بعض شيوخ يهوذا ويكتب على كل عصا اسم صاحبها والعصا التى تظهر منها علامة يكون صاحبها هو المختار خطيباً لمريم. وعندما فعل زكريا ذلك جاءت حمامة واستقرت على عصا يوسف فسلم زكريا مريم إليه.

ثم ظهر الملاك جبرائيل لمريم العذراء وبشرها بأنها ستلد السيد المسيح وأعلمها أن اليصابات هى أيضاً حبلى, فذهبت مريم الى بيت زكريا فى مدينة يهوذا حيث مكثت هناك ثلاثة أشهر (لو 1: 26-56).

ولما عادت مريم الى الناصرة ورآها يوسف حبلى – وحيث أنه إنسان تقى – فلم يقبل أن تستمر هذه الخطبة ولكنه فى نفس الوقت هو رجل بار حنون ولذلك لم يرد أن يشهرها ويعلن فى الهيكل أنه ليس والد هذا الطفل وهكذا أصبح فى حيرة الى أن توصل أن أفضل الحلول التى أمامه أن يطلقها سراً بدون أن يعرف أحد سبب هذا الطلاق ولكن الله الرؤوف أرسل له ملاك فى حلم وأعلمه أن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس وأنها عذراء وفيها تتم النبوات وفى الحال آمن يوسف ونفذ ما قاله الملاك إذ يقول الكتاب ” فلما استيقظ يوسف من النوم فعل كما أمره ملاك الرب وأخذ امرأته” (مت 1: 18-24).

وهكذا نجد أن الله شهد ليوسف أنه بار وكذلك أفعاله شهدت له.

 

ولادة السيد المسيح والهروب الى مصر:

عندما ولد السيد المسيح كان يوسف ومريم فى بيت لحم وهكذا رأى يوسف أن فى الطفل المولود بدأت تتحقق النبوات (مى 5: 2) ثم جاء المجوس وسجدوا للسيد المسيح وقدموا له هدايا (مت 2: 9-11) ومن الطبيعى أن يحكى المجوس ليوسف ومريم ما حدث فى أورشليم فى قصر هيرودس وما قاله رؤساء الكهنة عن السيد المسيح (مت 2: 1-8). ثم يأتى الرعاة ويخبروهم بما رأوه وسمعوه (لو 2: 8-2).

ثم يرى بعينه ويسمع بأذنيه صلاة سمعان الشيخ وتسبحة حنة بنت فنوئيل وما قالوه عن الصبى (لو 2: 25-38) فتفرح وتتعزى نفسه.

ولكن سرعان ما يظهر الملاك له مرة ثانية ليأمره بالهروب من وجه هيرودس الى مصر (مت 2: 13-14) والعجيب أننا نجد أن يوسف يطيع أمر الملاك ولم يجادله فلم يحتج بسبب صعوبة الرحلة الى مصر وهو شيخ (كان عمره وقتئذ خمسة وتسعون سنة) ولم يشك أو يتساءل كيف يهرب من حبل به من الروح القدس من أمام ملك أرضى بل أطاع فى صمت.

العودة من مصر وبقية حياته:

بعد ثلاث سنوات فى مصر يظهر الملاك ليوسف مرة ثالثة ليطلب منه العودة الى أرض إسرائيل وكالعادة يطيع بلا مناقشة ولكنه عندما سمع أن أرخيلاوس يملك على اليهودية عوضا عن هيرودس أبيه خاف أن يذهب إلى هناك. فيظهر له الملاك في حلم للمرة الرابعة ويوحي إليه أن ينصرف إلى نواحي الجليل. فأتى وسكن في مدينة يقال لها ناصرة (مت 2: 19-23).

بعد ذلك لا يذكر الكتاب المقدس أى أحداث عن طفولة السيد المسيح غير حادثة واحدة عندما كان سنه 12 سنة حيث بقى فى الهيكل ولم يعد مع يوسف ومريم أمه وعندما بحثا عنه ولم يجداه رجعا الى أورشليم حيث وجداه فى الهيكل جالسا في وسط المعلمين حيث يقول الكتاب ثم نزل معهما وجاء إلى الناصرة وكان خاضعاً لهما (لو 2: 41-52). ولكن السنكسار يذكر أن يوسف عاش الى أن صار عمر السيد المسيح ستة عشر سنة حيث تنيح عن عمر مائة واحدى عشرة سنة.

وتعيد له كنيستنا القبطية فى يوم السادس والعشرين من شهر أبيب (يوافق 1 سبتمبر) من كل عام كما تذكره فى ثيؤطوكيات وصلوات أخرى.

بركة صلواته تكون معنا آمين.

 

 

 

 

(1) سبب هذا الخلاف الظاهرى أن الشريعة كانت تنص على أنه إذا تزوج أحد ومات دون أن ينجب نسلاً فإنه يتعين على أخيه – أو أقرب شخص فى الأسرة – أن يتزوج أرملة المتوفى ليقيم نسلاً باسم الشخص المتوفى لكى لا يمحى اسمه من إسرائيل. (تث 25: 5-6)

 

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b3-%d9%8a%d9%88%d8%b3%d9%81-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%ac%d8%a7%d8%b1/

قايين وهابيل (2)

شخصية قايين:

عندما نتأمل قصة قايين كما وردت في سفر التكوين (4: 1-16) بالإضافة إلى ثلاث آيات أخرى وردت في العهد الجديد (عب 11: 4، 1يو 3: 12، يه 11) نستطيع أن نرى شخصية قايين وما كانت تتصف به، وإذا كان من المتعذر الإحاطة بها جميعاً، فعلى الأقل نقدر أن نشير في كلمات إلى أهمها وأظهرها، ولعلها :

• الضراوة والوحشية:

فإن كان فمجرد فكرة أن يقوم إنسان على شخص آخر ويقتله فكرة وحشية مجردة من الإنسانية فكيف يكون الحال إذا كان هذا الإنسان شقيقه!!!

• الكبرياء والاعتداد بالذات:

مما لا شك فيه أن قايين كان متكبراً، صلفاً، شديد الاعتداد بالنفس، والذات، ويبدو هذا بوضوح من الطريقة التي قدم بها قربانه لله، إذ كان ينظر الى تقدمته جيدة وسيقبلها اللـه بلا شك، ولذلك اغتاظ عندما لم يقبلها اللـه وفى نفس الوقت قبل قربان هابيل، بل أن سقوط وجهه بعد التقدمة يدل إلى حد كبير على أنه كان في الأصل ذا طبيعة متعالية شامخة !!

• الحسد:

خطية الحسد تملكت قايين وأسقطت وجهه عندما رفض الله قربانه وقبل قربان أخيه.

وللأسف فإن خطية الحسد تولد وتنمو وتثمر في الحال، إذ يكفي أن يرى الإنسان غيره يفضل عليه، حتى يشعر في التو واللحظة أن نيران الجحيم بأكملها قد استعرت فيه. وهى مثل النار الآكلة التى تأكل كل نعمة وبركة روحية ودائماً ما تكون أول ضحاياها المحبة.

• الأنانية وحب الذات:

وهل هناك من شك في أن قايين كان أنانياً، بل كان غارقاً في الأنانية وحب الذات؟!! ألم ير الدنيا وكأنما هي أضيق من أن تتسع له ولأخيه، وكأنما لا تستطيع أن تحملهما معاً متعاونين متحابين متساندين؟!! بل ألا تبدو هذه الأنانية في قوله لله: “أحارس أنا لأخي” وهي عبارة إن دلت على شيء، فإنما تدل على الذاتية وعدم الاهتمام بالآخرين؟!!

هناك صورة مشهورة لمصور بريطاني عنوانها: “أحارس أنا لأخي” وهي عبارة عن مقعد حجري على نهر التايمز، وقد جلس عليه ستة أو سبعة من التعساء البؤساء المشردين، ممن لم يكن لهم مكان في المدينة، فأتوا إلى ذلك المكان ليقضوا فيه ليلتهم، وتراهم في الصورة وقد ناموا وهم جلوس على المقعد، وكان ثلاثة منهم من العمال العاطلين، ورابع من الجنود المسرحين، وإلى جواره امرأة تحتضن طفلها وتميل برأسها على زوجها الجالس إلى جانبها، والجميع مستغرقون في النوم، وعلى مقربة من المكان فندق عظيم، يتلألأ بأنواره الفخمة التي يسكبها هنا وهناك!!.. والمعنى الذي يقصده المصور من صورته هذه، واضح وظاهر، إذ أن هؤلاء البؤساء ليس لهم مكان بين أخوتهم من رواد الفندق الفخم القريب !!

• الخداع والمكر

هما من الصفات البارزة في قايين فقد جعلت فى استطاعته أن يخفي في نفسه أمر مؤامرته وغدره، ثم يدعو أخاه إلى الحقل دون أن ينتبه هابيل الى نية أخيه. بل انه استغل ثقة أخيه ليخدعه ثم يقتله.

• الكذب:

كذب قايين واضح في الجواب الذي رد به على الله عندما سأله قائلاً: “أين هابيل أخوك” إذ قال: “لا أعلم”، وليس عجباً أن يكذب قايين، بل العجب ألا يكذب وهو من الشرير (أى الشيطان)، فقد قال السيد المسيح عن الشيطان “متى تكلم بالكذب فإنما يتكلم مما له لأنه كذاب وأبو الكذاب” (يو 8: 44)

 

خطايا قايين:

لا نستطيع أن نقوم بحصر وإحصاء لخطايا قايين لان فاحص الكلى والقلوب هو اللـه، ولكن من التأمل فيما كتب عنه فى الكتاب المقدس نستطيع أن نرى بعض الخطايا مثل:

• البر الذاتى:

يعتقد بعض المفسرين أن قايين كان يشعر أنه بار وبلا خطية ولذلك قدم قربانه من ثمار الأرض ولم يقدم ذبيحة كأخيه هابيل. وكما هو معروف فى العهد القديم أن الخاطئ يجب أن يقدم ذبيحة تسفك دمها حيث أن ”بدون سفك دم لا تحصل مغفرة“ (عب 9: 22)

• قتل هابيل أخيه:

وهى خطية ارتكبها قايين مع سبق الإصرار دون أن ينتفع من تحذير الله وإنذاره، وقد اتسمت هذه الخطية على الأقل بعدة سمات، إذ كانت:

أولاً – الخطية القريبة من الباب: فقد قال له اللـه “إن أحسنت أفلا رفع وإن لم تسحن فعند الباب خطية رابضة”.

ثانيا – الإصرار: فقايين لم يقم بقتل أخيه هابيل فوراً بل قتله بعد تقديم القرابين بفترة إذ يقول الكتاب ”وكلم قايين هابيل أخاه. وحدث إذ كانا في الحقل“ وخلال هذه الفترة لم يراجع قايين نفسه ولم يتب.

ثالثا – وحشيتها: ففكرة قتل إنسان هى فكرة بشعة وأن يكون هذا القتيل هو أخيه فهى فكرة لا يمكن لعقل سوى أن يقبلها. ولذلك قال أحد الآباء أن اللـه عندما حذر قايين شبه الخطية بوحش عندما قال له ”عند الباب خطية رابضة “.

رابعاً – خطية ارتكبت بيد رفيعة: فقد كان من الممكن لقايين أن ينتصر عليها لو أراد، ولكنه ارتكبها بإصرار وعناد قلب. فبالرغم من تحذير اللـه له وتشجيعه إياه عندما قال له ”وأنت تسود عليها“ إلا انه لم يسمع لصوت اللـه وقام بقتل أخيه.

• رفض التوبة:

البعض يقول أن قايين لم يتب، ولكن فى الحقيقة أن قايين رفض التوبة والدليل على ذلك:

+ عندما كانت الخطية فكرة لم يستجب لتحذير اللـه ” فعند الباب خطية رابضة وإليك اشتياقها وأنت تسود عليها “ (تك 4: 7)

+ خلال الفترة بين تقديم القرابين وقتله لأخيه لم يصرخ الى اللـه طالباً المعونة والنصرة.

+ عندما ارتكب الخطية لم يشعر بالندم ولم يطلب المغفرة.

• قساوة القلب:

الإصرار على رفض التوبة وسماع صوت اللـه جعله يصل الى مرحلة قساوة القلب. حتى أن اللـه عندما بدأ يوبخه على خطيئته قائلاً له ” “أين هابيل أخوك ؟“ كانت إجابته قاسية ”لا أعلم! أحارس أنا لأخي ؟“.

وهنا لم يكن هناك طريق آخر سوى اللعنة والعقوبة.

بل أن قايين بعد أن لعنه اللـه وعاقبه قال ”ذنبي أعظم من أن يحتمل“ وكأنه يشتكى ليس من ثقل الخطية ولكن من ثقل العقوبة.

 

هابيل البار

فليعطنا الرب بركة هابيل البار، أول من ذكر الكتاب أنه قدم محرقة الرب، وذبيحة مقبولة، نذكرها باستمرار في كل قداساتنا. فنقول في مقدمة أوشية بخور باكر “يا الله، الذي قبل إليه قرابين هابيل الصديق.. اقبل إليك هذا البخور من أيدينا نحن الخطاة”..

وذبيحة هابيل الصديق تعطينا فكرة عن أهمية التقليد في الكنيسة. لأن هابيل في تقدمته لم ينفذ وصية مكتوبة، ولم تكن هناك شريعة مكتوبة في أيامه، ولا وصية مكتوبة تأمر بتقديم المحرقات.. إنما أخذها هابيل عن أبيه، الذي أخذها من الله لم تكن هناك وصايا مكتوبة أيام هابيل. ولكن كان هناك التقليد أو التسليم. وجيل يسلم جيلاً وصايا الرب. وظل الأمر هكذا في كل ذبائح نوح وإبراهيم وإسحق ويعقوب وأيوب، إلى أن وصلت إلينا الشريعة المكتوبة على يد موسى النبى، بعد آلاف من السنين عاشتها البشرية بالتقليد والتسليم من الآباء..

وجميل جداً هو قول الكتاب عن تقدمة هابيل البار: ”وقدم هابيل أيضاً من أبكار غنمه ومن سمانها“ (ع 4) لقد قدم البار أفضل ما عنده للرب. بل أنه نفذ وصية البكور، قبل أن يقول الرب على يد موسى النبى ”قدس لى كل بكر، كل فاتح رحم.. إنه لى“ (خر 13: 2).

أتراه قدم البكور، بروح النبوة، قبل الوصية المكتوبة؟ أم تراه فعل ذلك عن طريق التقليد والتسليم أيضاً؟ أم هو القلب البار الحساس الذي يدرك مشيئة الرب ورغبته، دون أن يتلقنها من معلم..؟

إنه هابيل الذي شهد له أنه بار، وشهد الله لقرابينه. ”وبه وإن مات يتكلم بعد“ (عب 11: 4) ولقد ذكره بولس الرسول في مقدمة رجال الإيمان: فقال ”بالإيمان، قدم هابيل لله ذبيحة أفضل من قايين“ (عب 11: 4). إذن لم تكن هذه الذبيحة مجرد أمر تعوده هابيل، أو تسلمه بلا فهم. وإنما كان عملاً من أعمال الإيمان ”به شهد له أنه بار“..

إن هابيل يمثل الإيمان وهو بكر، في بداية معرفته. إنه أول إنسان في العالم، وصف بكلمة الإيمان.

ترى ماذا كان الإيمان في أيام هابيل؟

إنه على أية الحالات كان بداية لذلك المبدأ اللاهوتى القائل ”بدون سفك دم لا تحصل مغفرة“ (عب 9: 22). الخطية كشفت عرى الإنسان آدم، والذبيحة غطته، حينما صنع له الله أقمصه من الجلد (تك 3: 21)، ورفض أن يغطى بورق التين، وبشئ من ثمار الأرض.

وعرف هابيل هذه الحقيقة: الله يريد الدم لا ثمار الأرض. فقدم الدم من أبكار غنمه ومن سمانها. بينما قدم قايين من ثمار الأرض. وكأنه لا يؤمن بما حدث لأبويه..

وكانت ذبيحة هابيل رمزاً لذبيحة السيد المسيح. وكان هابيل في ذبيحته كاهناً للرب. ولم يكن قايين كذلك..

ولم يذكر الكتاب خطية ارتكبها هابيل، بل شهد له السيد المسيح نفسه أنه بار (مت 23: 35). ويذكرنا بالبر الذى يناله كل من يقدم ذبيحة للرب.

أنستطيع أيضاً أن نقول إن هابيل كان أول شهيد:

لقد قتل لأجل بره، وبسبب ذبيحته التي قبلها الرب، ورضى عنها إنه أول دم بشرى يتقبله الرب.

إنه باكورة الدماء الزكية المقدسة التي تقبلتها السماء، عبر الأجيال الطويلة..

إنه الباكورة التي قدمت بكورها للرب.

وحسناً إنه انتقل إلى السماء بعد تقديمه الذبيحة.

إنتقل وهو في حالة بر، مقدس بالذبيحة التي قدمها.

وعزيز عند الرب موت أتقيائه.

 

 

 

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d9%82%d8%a7%d9%8a%d9%8a%d9%86-%d9%88%d9%87%d8%a7%d8%a8%d9%8a%d9%84-2/

قايين وهابيل

قايين:

وهو الابن الأول لآدم وحواء – بعد السقوط – فهو أول إنسان وُلد في العالم. والاسم فى العبرية شبيه بكلمة عبرية أخرى بمعنى ” يقتني “، فعندما ولدته حواء ” قالت: اقتنيت رجلاً من عند الرب ” (تك 4: 1) ظناً منها أن فيه يتحقق وعد الله عن نسل المرأة الذى يسحق رأس الحية ( تك 3: 15).

 

هابيل:

هو الابن الثانى لآدم وحواء، ورابع البشر فى الخليقة. وهو اسم لا يُعلم اشتقاقه على وجه اليقين، ولكن يرجح البعض أنه يعنى ” نفخة ” أو ” بخار ” أو ” هشاشة “.

 

عملهما:

كان قايين عاملاً فى الأرض أما هابيل فكان راعيا للغنم وقدم كل منهما قرباناً للرب حيث قدم هابيل من أثمار الأرض، بينما قدم هابيل من أبكار غنمه ومن سمانها .

 

كيف عرفا الوصية بتقديم قربان للرب؟

وصايا اللـه للبشر لم تكتب إلا فى عهد موسى النبى حين أمره اللـه أن يكتب الوصايا التى سلمه إياها فى سفر ويحفظ هذا السفر فى خيمة الشهادة ( خيمة الاجتماع ) ولكن منذ أيام آدم وحواء وحتى موسى النبى كان كل جيل يعلم الأجيال التالية وصايا اللـه التى أوصى بها آدم ومن هنا عرفت البشرية وصية تقديم قرابين وذبائح فقدم الإنسان قرابين وذبائح عبر الأجيال منذ هابيل ومروراً بنوح وإبراهيم واسحق ويعقوب الى موسى حيث أصبحت الوصية مكتوبة لبنى إسرائيل.

 

لماذا قبل اللـه قربان هابيل ورفض قربان قايين؟

اختلفت الآراء حول السبب فالبعض قال أن هابيل قدم أفضل ما عنده وهو ما لم يفعله قايين. والبعض رأى أن هابيل قدم ذبيحة دموية فى حين أن قايين قدم ذبيحة غير دموية.

 

ومع احتمال ما لهذين الرأيين من صواب، إلا أننا نجد فى رسالة بولس الرسول إلى العبرانيين سبباً واضحاً، حيث يقول ” بالإيمان قدم هابيل لله ذبيحة أفضل من قايين. فبه ( بالإيمان ) شهد الله أنه بار” ( عب 11: 4 ). وهذا معناه أنه لم يكن عند قايين إيمان، وبدون إيمان لا يمكن إرضاؤه ” إرضاء الله ” ( عب 11: 6 ).

 

” فاغتاظ قايين جدا وسقط وجهه ” ( تك 4: 5 )

إذن قايين لم يكن يسعى إلى محبة الله، وإلى إرضاء قلب الله، إنما كان يبحث عن كرامته الشخصية ورضاه عن نفسه وعن مركزه.

لو كان يبحث عن محبة الله، لكان فى حالة رفض الله لقربانه، يفتش كيف يرضى الرب، و لا مانع من أن يغير قربانه، ويقدم ذبيحة كهابيل، ويحسن تصرفه 0ولعل هذا ما قصده الرب بقوله : ” إن أحسنت، أفلا رفع ”

( ع 7 ) أى أفلا يرتفع وجهك، إن أحسنت التصرف، وإن أحسنت التقدمة، وإن أحسنت التفكير والشعور..

 

كانت أمامه فرصة لتحسين موقفه، ولكنه لم يستغلها، ولم يستفد من توجيه الرب ، الذى تنازل وكلمه. لم يشأ أن يعترف بينه وبين نفسه أنه مخطئ فى تقدمته، وأنه يجب أن يسلك كأخيه، إنما ركز على كرامته.

 

كانت ذاته تتعبه. وليته كان يحب ذاته محبة سليمة ! إن الذى يحب ذاته محبة حقيقية طاهرة من الكبرياء والعناد، لا مانع مطلقاً من أن يصحح لهذه الذات أخطاءها، ويعمل على تطهيرها من نجاساتها. أما محبة الذات الممتزجة بالكبرياء، فإن كبرياءها تعميها عن رؤية أخطائها، فتظل كما هى، وتصر على سلوكها.!

 

قايين أيضاً ركز كل تفكيره فى ذاته، كيف يتفوق على أخوه ويحظى برضى الرب ؟!. فرأى أن يتخلص من أخيه. يتخلص من هذا البار، الذى كلما يراه تصغر نفسه و يشعر أنه أقل. ورأى أنه إذا تخلص منه، لا يبقى أمامه شخص أفضل، يثير حسده.

 

كانت كبرياء الذات ، أهم عنده من نقاء الذات. حقا، إنها قصة متكررة، تحدث فى كل جيل، سببها عدم نقاوة القلب والاستسلام لمشاعر الغيرة.

 

لقد نبهه الرب إلى أن هناك ” خطية رابضة “. وقال له بكل وضوح ” وإن لم تحسن ، فعند الباب خطية رابضة، وإليك اشتياقها، أنت تسود عليها ” . مازال فى متناول يدك أن تتخلص منها. إن الخطية مازالت على باب فكرك، وعلى باب قلبك، وعلى باب إرادتك. ومازالت إرادتك فى يدك، وأنت تسود عليها. فاحذر لنفسك قبل أن تتورط. ما أعمق هذا الحنو، فى معاملة الله للخطاة.

العجيب أن قايين، بعد أن كلمه الله، لم يستجب لكلمة الله، ولم يفتح لها قلبه، بل فتحه للخطية. بعد أن نصحه الرب، لم يستفد من النصيحة، إنما تورط فى الخطية، وبالأكثر، ” قام على هابيل أخيه وقتله “.

 

وسائط النعمة يستفيد منها من يشاء، ويرفضها من يشاء إنها لا ترغم الإنسان على عمل الخيرفالشاب الغنى، تقابل مع السيد الرب، وسمع نصيحة نافعة من فمه الإلهى، ولكنه بعد سماعها مضى حزيناً، ولم يقل الكتاب إنه نفذ شيئاً من تلك النصيحة إذا المشكلة تكمن فى وجود إستعداد داخلى ورغبة أم لا.

 

” وقام قايين على هابيل أخيه وقتله “. وهكذا تطورت به الخطية من سئ إلى أسوأ ، و هو مستسلم لها. وبعد أن كان يسود عليها ، صارت تسود عليه.

 

” أين هابيل أخوك ؟ “ ( تك 4: 9 )

لم يرو لنا الكتاب أن هابيل دافع عن نفسه، أو أنه قاوم الشر، أو حتى أنه شكا أو إستنجد أو إستغاث لقد لاقى مصيره فى صمت، ومات بيد أخيه. ولكن ” الرب مجري العدل والقضاء لجميع المظلومين “ (مز 103: 6) لم يسكت بل سأل قايين: ” أين هابيل أخوك ؟ ”

 

والعجيب أن قايين بدلاً من أن يعترف بخطيئته ويطلب المغفرة نجده يتمادى فى الشر ويجيب الرب قائلاً:

” لا أعلم، أحارس أنا لأخى ؟ ! “

 

حقاً، إن الكذب هو الإبن البكر لكل خطية. هو الغطاء الذى يحاول الخاطئ أن يغطى به على خطيئته فلا تظهر. ولكن الله واجهه بالحقيقة التى تكشف كذبه ، فقال له:

” صوت دم أخيك صارخ إلى من الأرض “. ( تك 4: 10)

 

إن هابيل لم يتكلم، ولكن دمه له صوت صارخ من الأرض. قد يصمت المظلومون. ولكن صمتهم له صوت صارخ إلى الله. والله يسمع هذا الصوت، صوت صمتهم الصارخ. إن يوسف الصديق قد ظلمه أخوته وظلمته إمرأة فوطيفار، وصمت. ولكن صمته كان يصرخ إلى الله، وسمع الله، وتدخل لينقذه من الظلم. والعمال الذين بخست أجورهم، يقول الكتاب إن هذه الأجرة المبخوسة تصرخ، والصراخ قد دخل إلى أدنى الرب ( يع 5: 4 ). إن الله يقاتل عنكم وأنت تصمتون، لأنه يسمع صوت صمتكم.

 

” فالآن ملعون أنت من الأرض التى فتحت فاها لتقبل دم أخيك من يدك “ ( تك 4: 11 )

هنا بدأت العقوبة. ولأول مرة هنا يلعن الرب إنساناً. عندما أخطأ آدم قال له ملعونة الأرض بسببك، ولكن لم يلعنه شخصياً. لعنت الحية، والأرض، ولكن هنا لأول مرة يلعن الإنسان. فأصبحت الأرض تتمرد عليه ” لا تعود تعطيك قوتها “ وفقد سلامه الداخلى ” تائها وهارباً تكون فى الأرض “.

 

” ذنبى أعظم من أن يحتمل “ ( تك 4: 13)

للأسف لم تكن عبارة توبة، إنما خوف من العقوبة. أى أن العقوبة أعظم من إحتماله.لذلك فإن الله الرحوم، الذى يشفق حتى على القلوب القاسية إذا ما تذللت أمامه، طمأن قايين الخائف ” وجعل له علامة لكى لا يقتله كل من وجده “ ( ع 15 ). بل قال له أيضا ” كل من قتل قايين، فسبعة أضعاف ينتقم منه “.

 

ونلاحظ أن قايين لم يطلب مغفرة لخطيئته ، بل أنه لم يقل عبارة أخطأت. كل ما أتعبه هو العقوبة. وإذ جعل الرب علامة لكى لا يقتله كل من وجده، ” خرج قايين من لدن الرب، وسكن فى أرض نود “

 

 

 

 

 

 

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d9%82%d8%a7%d9%8a%d9%8a%d9%86-%d9%88%d9%87%d8%a7%d8%a8%d9%8a%d9%84/

آدم وحواء (4)

ثالثاً: نتائج هذه الخطايا وعقوباتها

• اللعنة

اللعنة لم تصب آدم وحواء لسببين:

أولا: لأن الله كان قد باركهما قبلاً (تك 1: 8) وهبات الله بلا ندامه (رو 11: 9).

ثانيا: أنه لو لعن آدم وحواء، لكانت اللعنة قد أصابت الجنس البشرى كله.

ولكن اللعنة أصابت الحية التى أغرت حواء بأكل الثمرة. كذلك أصابت اللعنة الأرض التى تخرج ثمراً للأكل.

وفى لعنة الحية، كانت تحمل عقوبة ضمنية للإنسان. فقد أصبحت هناك عداوة بينه وبين الحية.

وفى داخل هذه العقوبة التى أوقعها الله على الحية، وضمناً على الإنسان، كان يوجد الوعد بالخلاص. وعد بأن نسل المرأة سيسحق رأس الحية. وهذه كانت أول نبوءة عن مجيء السيد المسيح لخلاصنا.

وفى اللعنة التى أصابت الأرض، كانت توجد أيضاً عقوبة ضمنية موقعة على الإنسان نفسه. إذ قال له الله “ملعونة الأرض بسببك. بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك. وشوكاً وحسكاً تنبت لك، حتى تعود إلى الأرض التى أخذت منها.. ” (تك 3: 17-19)

بهذه اللعنة بدأت الأرض تتمرد على الإنسان، كما أصبحت الحيوانات تتمرد عليه، ممثله فى الحية، هكذا فقد الإنسان هيبته، فيما كانت تعده الحية بالألوهية !!

 

• الموت

كان الموت هو العقوبة الأساسية للخطية، “يوم تأكل منها موتاً تموت” (تك 2: 17).

+ الموت الجسدى: لم يكن ممكناً أن يموت أبوانا فى التو واللحظة وإلا لانتهت البشرية كلها وزالت. لذلك تأجل هذا الموت إلى حين.

+ الموت الروحى: فكما قال القديس أوغسطينوس [موت الجسد هو انفصال الروح عن الجسد. أما موت الروح، فهو انفصال الروح عن الله ]

+ الموت الأدبى: ضاعت كرامة هذا الإنسان الأول، وفقد الحالة الفائقة للطبيعة التى خلق عليها.

+ الموت الأبدي: وهو الذى خلصنا منه السيد المسيح بالفداء، حين مات عنا.

• فقدان الصورة الإلهية

فى حالة البر الأولى، كان آدم على صورة الله، ومثاله، ولكن بعد السقوط نجد الله يقول له ” لأنك تراب، وإلى التراب تعود ” كان صورة الله، فأصبح تراباً.

• فساد الطبيعة البشرية

فقدت الطبيعة البشرية نقاوتها الأولى، وعرفت الخطيئة، ودخلت فى ثنائية معرفة الخير والشر، وفى الصراع بين الجسد والروح. بل وانحدرت إلى أن وصلت إلى محبة الخطية، والعبودية لها، وإلى إنكار الله.

وفقد آدم وحواء هيبتهما، سلطتهما على الطبيعة، وعلى الحيوان، فتمردت عليهما الأرض، وتمرد عليهما الحيوان، وصارت عداوة بينهما.

• تعب النفس

بدأت البشرية تعرف أمراض النفس، الشهوة، الخوف، الخجل، الحسد، الغضب، القتل، القلق، الرعب وفقدان السلام الداخلى.

• تعب الجسد

أصبح آدم يأكل خبزه بعرق جبينه. وأصبحت حواء بالوجع تلد أولاداً. هذا بالإضافة الى تعب آخر، هو شهوات الجسد وغرائزه، واشتياقاته.

ولم يعد هناك من حل، سوى انتظار الخلاص الذى يأتى به المسيح، حيث ينضح علينا بزوفاه فنطهر ويغسلنا أكثر من الثلج، ويمنحنا بهجة خلاصه (مز 50)

 

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a2%d8%af%d9%85-%d9%88%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%a1-4/

آدم وحواء (3)

ثانياً: خطايا عديدة لأبوينا الأولين

• العصيان أو المخالفة

الوصية كانت واضحة (تك 2: 16، 17)، وقد سمعها آدم بنفسه من فم الله. وكانت تحفظها حواء (تك 3: 2). ومع ذلك خالفاها.

• المعاشرات الرديئة

بدأت سلسلة الخطايا التى وقع فيها آدم وحواء بخطية “المعاشرات الرديئة التى تفسد الأخلاق الجيدة” (1كو 15: 33)، فجلست أمنا حواء مع الحية. وحتى إن كانت أمنا حواء، بنقاوة قلبها وبساطتها، لا تدرك ما فى الحية من خبث، فإنه كان يجب عليها أن تنتبه، حينما أخذت الحية تكشف أوراقها، وتقول كلاماً عكس ما قاله الله نفسه لهما.

• خطية الشك

قالت الحية فى خبث “لن تموتا، بل الله عالم إنكما يوم تأكلان تتفتح أعينكما، تكونان مثل الله عارفين الخير والشر”. هذا هو الشك الذى ألقته الحية فى نفس حواء، الشك فى صدق كلام الله، والشك فى حب الله للبشر، بل الشك أيضاً فى إنذار الله لهما بالموت. فهما – حسب كلام الحية – لن يموتا، بل ستتحسن أحوالهما.

• خطية الانقياد

انقادت – وهى صورة الله ومثاله – إلى الحية ومشورتها. ونفس هذا الانقياد الخاطئ، الذى وقعت فيها حواء، حدث بالنسبة إلى أبينا آدم من جهة امرأته.

• ضعف الإيمان

الله يقول عن ثمر الشجرة “لا تأكلا منه لئلا تموتا” والحية تقول “لن تموتا” والمرأة تقبل كلام الحية، إذن فهذا ضعف إيمان بالله وبكلمته وبإنذاره. بل هو عدم إيمان بصدق الله.

• الاستهانة وعدم مخافة الرب

بدأت تستهين بحكم الله وبتهديده وعقوبته، ولم تخف إطلاقاً من أن تمد يدها وتأخذ، كما لو كانت عبارة “موتاً تموتاً” لا تهز لها جفناً، و لا تحرك ضميرها أو قلبها.

• خطية الشهوة

نظرت المرأة إلى الشجرة، فإذ هى “جيدة للأكل، وبهجة للعيون، و أن الشجرة شهية للنظر” فاشتهتها. كانت شجرة معرفة الخير والشر فى وسط الجنة، وربما كانت حواء تمر عليها كل يوم وتراها. وكانت نظرتها إليها بسيطة، لا تحمل شهوة، أما ألان فبدأت تنظر إليها بشهوة.

• خطية الكبرياء

“تصيران مثل الله” أو تصيران إلهين..!! إن كان الأمر هكذا، فلماذا نرضى ونكتفى بالمستوى البشرى؟ واستطاعت هذه الكبرياء أن تحطمها، كما حطمت الشيطان من قبل.

وكما قال أحد القديسين: إن حواء اشتهت مجد الألوهية، ففقدت ما كان لها من مجد البشرية.

• المعرفة المخربة

“تصيران مثل الله، عارفين الخير والشر” “تنفتح أعينكما”.. لقد قدم الشيطان للإنسان هذا الإغراء، إغراء المعرفة.. ولكن أى معرفة؟ فقد وهبهما الله فضل معرفته، وجعلهما يعرفان الخير والبر ويذوقان ما فى هذه المعرفة من لذة! وهنا يقول الحكيم عن هذه المعرفة المؤذية ” وَالَّذِي يَزِيدُ عِلْماً يَزِيدُ حُزْناً” (جا 1: 18).

• طلب المعرفة من غير الله

كان الله هو المعلم الأول والوحيد للإنسان، يعطيه من المعرفة ما يفيده وما يبقى على نقاوته. ثم بدأ الإنسان يتخذ له مرشداً غير الله، يشير عليه بما يفعل، ويعطيه معرفة أخرى. وكان هذا المرشد للأسف، هو الشيطان الذى دخل الحية، وأرشد الإنسان إلى ما فيه هلاكه.

• حفظ الوصية عقلاً لا عملاً

كانت حواء تحفظ الوصية حفظاً عقلياً! لذلك عندما سألتها الحية “أحقاً قال الله لا تأكلا من كل شجر الجنة؟” صححت لها حواء منطوق الآية، فقالت للحية “من ثمر شجر الجنة نأكل. وأما ثمر الشجرة التى فى وسط الجنة، فقال الله لا تأكلا منه ولا تمساه لئلا تموتا”.

والعجيب أنها فى نفس الوقت الذى ذكرت فيه الوصية بهذه الدقة العجيبة، عادت وكسرت الوصية، ومدت يدها وقطفت وأكلت. لقد حفظت الوصية عقلاً لا عملاً.

إنها تذكرنا بالشاب الغنى الذى كان يحفظ الوصايا، وقال عنها للسيد الرب “هذه كلها حفظتها منذ حداثتى” (مت 19: 20). وفى نفس الوقت مضى حزيناً، لأنه كان يعبد إلهاً آخر هو المال، بينما تقول الوصية الأولى “لا تكن لك آلهة أخرى أمامى” (خر 20: 3).

• الانحدار إلى المستوى الجسدانى

اعتبر البعض أن الوصية الأولى التى أعطيت للإنسان، كانت وصية صوم، تشبه صومنا فى هذه الأيام، نأكل من الكل ماعدا نوع واحد وهو الأطعمة الحيوانية. كذلك أعطى آدم وحواء أن يأكلا من الكل ماعدا شجرة واحدة. ولكن آدم وحواء كسرا هذا الصوم، وأكلا من هذا الصنف المحرم. وبالأكل سقطا من المستوى الروحى إلى المستوى الجسدى.

• عدم القناعة

الله أعطى أبوينا الأولين أن يأكلا من كل شجر الجنة، ماعدا واحدة. ولا شك أنه كانت توجد أثمار كثيرة جداً فى الجنة، بل كان فيها كل أنواع الثمر. ولكن هذا كله لم يقتنع به آدم وحواء ولم يكفيهما، بل أرادا الأكل من هذا النوع الواحد الناقص. وهذا يدل على عدم القناعة.

ولذلك قال سليمان الحكيم “العين لا تشبع من النظر، والأذن لا تمتلئ من السمع” و”كل الأنهار تجرى إلى البحر، والبحر ليس بملآن” (جا 1: 7، 8)

• إعثار الآخرين

فالكتاب يقول عن حواء إنها “أكلت، وأعطت رجلها أيضاً” لم تفعل الخطأ فقط بل كانت عثرة لآدم أيضاً.

• محاولة تغطية نتائج الخطية

لما أكلا “انفتحت أعينهما، وعلما آنها عريانان”، إذ فقدا نقاوتهما. وبدلاً من معالجة الخطية والتخلص منها، و الرجوع إلى النقاوة الأولى، قاما بتغطية الخطية بأوراق التين. وهكذا تغطى آدم وحواء، ولكن بقى القلب من الداخل غير سليم.

• الهروب من الله

“سمعا صوت الرب الإله ماشياً فى الجنة، عند هبوب ريح النهار، فاختبأ آدم وامرأته من وجه الله فى وسط شجر الجنة” (تك 3: 8). أصبح هناك تباعد بينهما وبين الله، وجدت هوة فاصلة، لم يعودا يفرحان بالوجود فى حضرة الرب. فحالما سمعا صوته مقبلاً، هربا من وجهة واختفيا.

• الخروج من محبة الله

الرب يقول “الذي عنده وصاياي ويحفظها فهو الذي يحبني” (يو 14: 21) إذن كسر الوصية ضد المحبة.

* ورغبة آدم وحواء فى أن يصيرا ” مثل الله ” حسب إغراء الحية، كان عملاً آخر ضد محبتهما لله.

* وتصديق كلام الحية، عكس كلام الله، كان أيضاً عملاً ضد محبة أبوينا الأولين لله.

* وفى مناقشتهما مع الله، كانت الطريقة لا تتفق والمحبة.

* وهروبهما من وجه الله، واختباؤهما، كان عملاً رابعاً منهما ضد محبة الله.

• عدم السعى إلى الخلاص

إنهما إنسانان قد كسرا وصية الله، وأصبح محكوماً عليهما بالموت. فماذا فعلا للتخلص من حكم الموت هذا؟ هل سعيا إلى الخلاص؟ هل بذلا جهدهما لكى يصطلحا مع الله ولكى يعودا إلى علاقة الحب الأولى؟ كلا.

لقد شل الخوف تفكيرهما، فلم يقوما بأى عمل من أجل نفسيهما الهالكتين، إنما أسرعا بالاختفاء من وجه الله.

• الجهل بالله وقدرته

إلى أين يهربا من وجه الرب؟ وأين يختفيان؟ لقد كان حفيدهما داود أكثر معرفة بالله حينما قال: “أين أذهب من وجهك؟ ومن وجهك أين أهرب؟ إن صعدت إلى السموات فأنت هناك. وإن فرشت فى هاوية فها أنت.. ” (مز 139: 7، 8).

هل يخفيهما الشجر عن عين الله الفاحصة الخفيات والظاهرات؟ أم أنهما جهلا قدرة الله على كل شيء.

حقاً إن الإنسان لما أكل من شجرة المعرفة صار جاهلاً، لقد وعده الشيطان وعداً زائفاً لم يبر به.

• عدم إدانة النفس

إن كان هذا الإنسان قد أكل من شجرة المعرفة، وعرف الخير والشر، فعلى الأقل أصبح يعرف أنه قد أخطأ. ولكن كلمة “أخطأت” لم يقلها آدم أو حواء إطلاقاً، ولم يعترف أى أحد منهما بخطاياه.

• محاولة تبرير النفس

كل منهما حاول أن يبرر نفسه وأن يوجد لنفسه عذراً يغطى به خطيته، أو على الأقل يقلل من الجرم الذى وقع فيه. ولكن لم يقبل الله شيئاً من تبريراتهما وأعذارهما، لأن الخطية واضحة.

• إلقاء التبعية على الآخرين

آدم يلقى التبعة على حواء “المرأة أعطتنى فأكلت” وحواء تلقى التبعة على الحية فتقول “الحية غرتنى فأكلت”. ولا يلقى أحد منهما باللوم على نفسه.

• ضد محبة القريب

كما كسر آدم محبته لله، كسر أيضاً محبته للقريب (حواء). اتهمها أمام الله، وحملها تبعة سقوطه فى الخطية.

• الاختفاء وراء امرأة

ما كان يليق بأبينا آدم – الرجل الأول فى البشرية أن يختفى وراء امرأة لكى ينجو! يقدمها للاتهام، ويحملها المسئولية، لكى يتبرر هو! الأمر المثالى، أن يتحمل أخطاءها، وينسبها لنفسه، كمسئول، وينجيها من العقوبة، ويتصدر الموقف ويتركها تختفى وراءه. ويحمل خطاياها، كما حمل السيد المسيح خطايا عروسه الكنيسة.. لكن آدم فعل العكس.

• عدم اللياقة فى الحديث

وفى دفاع آدم عن نفسه باللقاء التبعة على المرأة، فقد اللياقة اللازمة فى التحدث مع الله نفسه..! فلم يكتف بقولة “المرأة أعطتنى فأكلت” وإنما قال لله: “المرأة التى جعلتها معى، هى أعطتنى” كأنه بهذا يشرك الله فى المسئولية، أو يجعل الله السبب فى سقوطه، أنه أعطاه المرأة التى أعطته الثمرة..!

 

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a2%d8%af%d9%85-%d9%88%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%a1-3/

آدم وحواء (2)

أولاً: بهاؤهما الأول

• كانا مخلوقين، غير مولودين، لم يرثا فساداً من طبيعة سابقة.

• خلقهما الله على صورته ومثاله. وفى ذلك يسجل سفر التكوين ” وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا.. فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه. ذكراً وأنثى خلقهم” (تك 1: 26، 27).

وما أكثر تأملات الآباء القديسين وتفسيراتهم، الخاصة بخلق أبوينا الأولين على صورة الله..

• قيل إن الله خلقهما على صورته في البر والقداسة، في وضع فائق للطبيعة.. وهكذا كان كلاهما باراً بلا خطية حينما خلقهما الله متسربلين بالقداسة.

• وقيل على صورته في الجمال والبهاء والمجد، أى أعطاهما قبساً من بهائه، فكانا في منتهى الجمال، جسدا ونفسا وروحا.

• وقيل إن الله خلق الإنسان على صورته في الخلود، إذ وهب لهما نفساً خالدة، نفخها في أنف آدم، نسمة حياة، فصار آدم نفساً حية (تك 2: 7).

• وقيل إن الله خلقهما على صورته في حرية الإرادة.

• وقيل أيضاً إن الإنسان خلق على صورة الله في التثليث والتوحيد: ذاتاً، لها عقل ناطق، ولها روح. والذات والعقل والروح كائن واحد: كالذات الإلهية، لها عقل، ولها روح، والثلاثة كائن واحد.. إنما الله غير محدود في كل شيء، والإنسان محدود.

• وقيل إن الله خلقهما على صورته في الملك والسلطة. فكانا ملكين على الأرض، وممثلاً للخليقة الأرضية كلها.

• وقيل إن الله كان يعرف مسبقاً بسقوط الإنسان، وبأنه سيخلى ذاته ويتجسد لكى يخلصه. فخلق هذا الإنسان على الصورة التي كان الله مزمعاً أن يتجسد بها، على شبهه ومثاله.

• وكان آدم وحواء يتصفان بالبساطة والبراءة، ما كانا يعرفان الشر إطلاقاً. كانا يعرفان الخير فقط، ولا شيء سوى الخير. لذلك لم يفكرا وقت التجربة أن الحية يمكن أن تخدع وأن تكذب. فعبارات الكذب والخداع لم تكن موجودة فى قاموسهما في ذلك الحين.

• وقد باركهما الله معاً، بنفس البركة، وأعطاهما سلطاناً على الأرض كلها بجميع كائناتها. “وقال الله نعمل الإنسان كصورتنا، فيتسلطون على سمك البحر، وعلى طير السماء، وعلى البهائم، وعلى كل الأرض، وعلى الدبابات التي تدب على الأرض” (تك 1: 28). وهكذا عاش الاثنان، ولهما هيبة وسلطة، على الأرض ومخلوقاتها. وآدم هو الذي سمى كل الحيوانات وكل ذوات الأنفس بأسمائها “وكل ما دعا به آدم ذات نفس حية، فهو اسمها. فدعا آدم بأسماء جميع البهائم وطيور السماء، وجميع حيوانات البرية” (تك 2: 19، 20).

• خلق آدم وحواء بعد أن أعد الله لهما كل شيء. خلقهما فى اليوم السادس، كقمة لمخلوقاته كلها. وخلقهما بعد أن خلق من أجلهما كل شيء كما فى القداس الغريغورى. من أجلهما أعد السماء لهما سقفاً، ومهد لهما الأرض كى يمشيا عليها. رتب لهما قوانين الفلك، ووضع لهما الشمس لضياء النهار، القمر لإضاءة الليل. ونظم لهما الطبيعة وأجواءها، وخلق لهما النبات لطعامهما، والحيوانات لخدمتهما. وأخيراً خلقهما، ليتمتعا بهذه الطبيعة كلها.

• كان آدم وحواء سعيدين، يعيشان فى الجنة فى عِشرة الله. لعل السبب الأول فى سعادتهما، أنهما كانا يحيان فى عشرة الله.. الله كان يظهر لهما، وكان يكلمهما، ويباركهما، ويعلمهما بنفسه ويقدم لهما الوصايا النافعة لهما. كانت لهما علاقة مباشرة مع الله، لم يكن هناك ما ينقصهما، ولم يكن هناك ما يعكر صفوهما، كان كل شيء حولهما جميلاً وعاشا فى اليوم السابع، اليوم الذى قدسه الرب، واتخذه للراحة، له ولهما.

• عاش آدم وحواء فى الجنة نباتيين. حيث أن أكل اللحوم لم يسمح به الله إلا فى أيام نوح، بعد خروجه وأسرته من الفلك، أما ما قبل فلك نوح، فلم يكن مصرحاً بغير النبات.. وهذا ما يذكر سفر التكوين: لما خلق الله آدم و حواء، سمح لهما بأكل الفاكهة والبقول، أى ثمار الأشجار، وذلك بقوله “إنى قد أعطيتكم كل بقل يبذر بذراً على وجه كل الأرض، وكل شجر فيه ثمر شجر يبذر بذراً، لكم يكون طعاماً”. “ولكل حيوان الأرض، وكل طير السماء وكل دبابة على الأرض فيها نفس حية، أعطيت كل عشب أخضر طعاماً، وكان كذلك”. (تك 1: 29، 30)

 

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a2%d8%af%d9%85-%d9%88%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%a1-2/

آدم وحواء (1)

 

آدم:

يرد هذا اللفظ في العهد القديم في العبرية حوالي 500 مرة للتعبير عن “الإنسـان” أو “الجنس البشري”. والاسم يحتمل معنى: خليقة، أحمر، مولود الأرض (أديم)، شهـي (للنظر)، اجتماعي.

حواء:

هي أول امرأة خلقت فى العالم، وقد أطلق عليها هذا الاسم من واقع وظيفتها الفريدة “أم كل حي” (تك 20:3)، وقد خلقها الله لآدم لتكون “معيناً نظيره” (تك 18:2-22).

وقد أعطاها رجلها اسمين: الأول هو “امرأة” وهى مؤنث “إمرء” أى رجل، “لأنها من أمرء أخذت” (تك 2: 23)، فهو ليس “اسم علم” أساساً ولكنه تحديد لعلاقتها بالرجل. و الثاني هو “حواء” وقد دعاها آدم به بعد السقوط ونتائجه مشيراً إلى دورها فى تاريخ البشرية الذى كانت هى بدايته (تك 3: 16و20).

آدم وحواء فى العهد القديم:

يركز الأصحاح الأول على الله وأعماله في الخليقة، ثم تأتي خليقة الإنسان في العدد السادس والعشرين وما بعده كتتويج لعملية الخلق، رغم أن بعض الحيوانات قد خلقت في نفس اليوم الذي خلق فيه الإنسان. ولا يرد ذكر للذكر والأنثى إلا في خلقة الإنسان (عدد 27) ، وهذا دليل على أن الله خلق زوجاً واحداً من البشر، وقد خُلق الإنسان على صورة الله (26 و 27) وأعطي سلطاناً على كل المخلوقات علـى الأرض (28 – 30).

وتذكر خلقة الإنسان بكل دقة وتفصيل في سفر التكوين، فهـو ليس إله، ولم يأخذ شيئاً مادياً من الكائنات الأسمى أو من أي كائن سماوي. كما أنه منفصل ومتميز تماماً عن كل صور الخليقة الأخرى، فهو الكائن الوحيد الذي “نفخ الله فيه نسمة حيـاة” (تك 2: 7). ونقرأ عقب كل مرحلة من مراحل الخلق هذه العبارة: “ورأى الله ذلك أنه حسن” (تك 1: 10 و 12 و 18 و 21 و 25) ، أما بعد خلق الإنسان فنقرأ: “ورأى الله كل ما عمله فإذا هو حسن جداً” (1: 31). وفي ذلك إشارة الى أن خلق الإنسان هو ذروة الخلق وغايته، فالإنسان هو المخلوق الذي يقف على الخط الفاصل بين الله وبين سائر الخليقة، فهو من تراب الأرض ولكنه خلق على صورة الله وأعطى سلطاناً على كل الأرض.

أما الأصحاح الثاني من التكوين، فهو ليس قصة أخرى للخلق، ولكنه إبراز لبعض النقاط التي تركز على الإنسان. وهو شديد الارتباط بالأصحاح الثالث، فهو بمثابة مقدمة له.

خلق الله الإنسان من تراب الأرض، ” ونفخ في أنفه نسمة حياة فصار آدم نفساً حيـة ” (2: 7) ، ثم وضعه في جنة عدن (2: 8 و 15) وأوصاه ألا يأكل من شجرة معرفة الخير والشر (16 و 17) . ودعا آدم كل الحيوانات والطيور بأسمائها، ولكن لم يكن فيها ما يصلح رفيقاً لآدم، وهكذا صنع له الله حواء من جسد آدم (2: 20 – 23) وقد عاشا معاً في براءة كاملة (2: 25).

ويروي الأصحاح الثالث قصة سقوط الإنسان بغواية الحية التي ألقت الشكوك على صدق الله، وأثارت كبرياء الإنسان (3: 1 – 5). وهكذا وقعت حواء في حبائل الحية وبعدها سقط آدم (3: 6 و 7) ، ومما يلفت النظر أنهما على الفور عرفا أنهما قد وقعا في الخطية، فحاولا الاختباء من الله (عد 8) قبل أن يطردا من الجنة (3: 22).

وقد شمل عقاب الله لهما:

(1) دوام العداوة بين نسل المرأة ونسل الحية.

(2) لعنة الأرض التي يعتمد عليها الإنسان في حياته على الأرض (3: 17 – 19).

(3) أوجاع الحمل والولادة لحواء.

وبعد ذلك ولد آدم قايين وهابيل (4: 2). وبعد مقتل هابيل، ولدت حواء شيث، عندما كان آدم ابن مئة وثلاثين سنة (4: 25، 5: 3). ومات آدم وهو ابن تسع مئة وثلاثين سنة (5: 5).

آدم وحواء في العهد الجديد:

(أ) في الأناجيل:

اليهود كانوا يميلون إلى العودة بنسبهم إلى إبراهيم أبي الأمة، وهو ما يظهر في سلسلة النسب في متى (1: 1-17) ، أما لوقا الذي يتوجه بإنجيله إلى الأمم، فيذهب بنسب السيد المسيح إلى آدم أب الجنس البشري (لو 3: 23 -38) ، وهي المرة الوحيدة التي يذكر فيها “آدم ” بالاسم في الأناجيل.

(ب) في الرسائل:

توجد إشارة تاريخية إلى آدم في رسالة يهوذا (14) حيث يذكر أن أخنوخ هو السابع من آدم. كما يستند الرسول بولس على حقيقة خلق آدم قبـل حواء (التي أخذت منه) لبيان أفضلية الرجل أساساً فيما يتعلق بالعبادة الجماعية (1كو 11: 8، 1 تي 2: 13 و 14) ، ويؤيد ذلك بالإشارة إلى أن حواء هي التي خطت الخطوة الأولى نحو السقوط (1تي 2: 14).

كما توجد إشارة بعيدة إلى آدم بالمقارنة مع المسيح: “الذى لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله” بينما استجاب آدم لتجربة أن يكون “كالله عارفاً الخير والشر” (تك 3: 5) فأكل من الشجرة التي نهاه الله عنها (تك 3: 22 مع في 2: 6).

وأول الإشارات الثلاث التي لها أهمية بالغة فيما كتبه الرسول بولس، نجدها في رسالة كورنثوس الأولى (15: 22) حيث يذكر اشتراك كل الجنس البشري في تعدي آدم، وأنه إذا كان هناك هذا الرباط الوثيق بآدم في الموت، فهناك الارتباط الوثيق بالسيد المسيح للحياة، وهو الموضوع الذي يشرحه بتفصيل أكبر في رومية (5: 22) كما سيأتي بعد.

وفي حديثه عن القيامة (1كو 15: 45-49) يذكر اختلافاً أصيلاً بين طبيعتي الممثلين العظيمين للإنسان: آدم، الإنسان الأول “، والسيد المسيح ” الإنسان الثاني ” فالأول جبل من التراب مخلوقاً من لحم ودم، كائناً فانياً قابلاً للفساد، وكل الناس بناء على حقيقة ارتباطهم العرقي الوثيق بآدم يشتركون في هذه الطبيعة التي لا تستطيع أن ترث ملكوت الله. أما السيد المسيح – في مفارقة واضحة – فهو الرب من السماء، كائن روحي سرمدي غير قابل للفساد، وهو روحاً محيياً، وكل الذين له يشتركون في طبيعته ويحملون صورته.

كما نجد مقارنة بين ارتباط الجنس البشرى بآدم، وارتباط المفديين بالمسيح، وذلك في رومية (5: 12-21).

كذلك تذكر حواء في كورنثوس الثانية (11: 3) حين يقول ” لكنى أخاف أنه كما خدعت الحية حواء بمكرها هكذا تفسد أذهانكم عن البساطة التى فى المسيح ”

 

آدم وحواء

أولاً: بهاؤهما الأول

• كانا مخلوقين، غير مولودين، لم يرثا فساداً من طبيعة سابقة.

• خلقهما الله على صورته ومثاله. وفى ذلك يسجل سفر التكوين ” وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا.. فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه. ذكراً وأنثى خلقهم” (تك 1: 26، 27).

وما أكثر تأملات الآباء القديسين وتفسيراتهم، الخاصة بخلق أبوينا الأولين على صورة الله..

• قيل إن الله خلقهما على صورته في البر والقداسة، في وضع فائق للطبيعة.. وهكذا كان كلاهما باراً بلا خطية حينما خلقهما الله متسربلين بالقداسة.

• وقيل على صورته في الجمال والبهاء والمجد، أى أعطاهما قبساً من بهائه، فكانا في منتهى الجمال، جسدا ونفسا وروحا.

• وقيل إن الله خلق الإنسان على صورته في الخلود، إذ وهب لهما نفساً خالدة، نفخها في أنف آدم، نسمة حياة، فصار آدم نفساً حية (تك 2: 7).

• وقيل إن الله خلقهما على صورته في حرية الإرادة.

• وقيل أيضاً إن الإنسان خلق على صورة الله في التثليث والتوحيد: ذاتاً، لها عقل ناطق، ولها روح. والذات والعقل والروح كائن واحد: كالذات الإلهية، لها عقل، ولها روح، والثلاثة كائن واحد.. إنما الله غير محدود في كل شيء، والإنسان محدود.

• وقيل إن الله خلقهما على صورته في الملك والسلطة. فكانا ملكين على الأرض، وممثلاً للخليقة الأرضية كلها.

• وقيل إن الله كان يعرف مسبقاً بسقوط الإنسان، وبأنه سيخلى ذاته ويتجسد لكى يخلصه. فخلق هذا الإنسان على الصورة التي كان الله مزمعاً أن يتجسد بها، على شبهه ومثاله.

• وكان آدم وحواء يتصفان بالبساطة والبراءة، ما كانا يعرفان الشر إطلاقاً. كانا يعرفان الخير فقط، ولا شيء سوى الخير. لذلك لم يفكرا وقت التجربة أن الحية يمكن أن تخدع وأن تكذب. فعبارات الكذب والخداع لم تكن موجودة فى قاموسهما في ذلك الحين.

• وقد باركهما الله معاً، بنفس البركة، وأعطاهما سلطاناً على الأرض كلها بجميع كائناتها. “وقال الله نعمل الإنسان كصورتنا، فيتسلطون على سمك البحر، وعلى طير السماء، وعلى البهائم، وعلى كل الأرض، وعلى الدبابات التي تدب على الأرض” (تك 1: 28). وهكذا عاش الاثنان، ولهما هيبة وسلطة، على الأرض ومخلوقاتها. وآدم هو الذي سمى كل الحيوانات وكل ذوات الأنفس بأسمائها “وكل ما دعا به آدم ذات نفس حية، فهو اسمها. فدعا آدم بأسماء جميع البهائم وطيور السماء، وجميع حيوانات البرية” (تك 2: 19، 20).

• خلق آدم وحواء بعد أن أعد الله لهما كل شيء. خلقهما فى اليوم السادس، كقمة لمخلوقاته كلها. وخلقهما بعد أن خلق من أجلهما كل شيء كما فى القداس الغريغورى. من أجلهما أعد السماء لهما سقفاً، ومهد لهما الأرض كى يمشيا عليها. رتب لهما قوانين الفلك، ووضع لهما الشمس لضياء النهار، القمر لإضاءة الليل. ونظم لهما الطبيعة وأجواءها، وخلق لهما النبات لطعامهما، والحيوانات لخدمتهما. وأخيراً خلقهما، ليتمتعا بهذه الطبيعة كلها.

• كان آدم وحواء سعيدين، يعيشان فى الجنة فى عِشرة الله. لعل السبب الأول فى سعادتهما، أنهما كانا يحيان فى عشرة الله.. الله كان يظهر لهما، وكان يكلمهما، ويباركهما، ويعلمهما بنفسه ويقدم لهما الوصايا النافعة لهما. كانت لهما علاقة مباشرة مع الله، لم يكن هناك ما ينقصهما، ولم يكن هناك ما يعكر صفوهما، كان كل شيء حولهما جميلاً وعاشا فى اليوم السابع، اليوم الذى قدسه الرب، واتخذه للراحة، له ولهما .

• عاش آدم وحواء فى الجنة نباتيين. حيث أن أكل اللحوم لم يسمح به الله إلا فى أيام نوح، بعد خروجه وأسرته من الفلك، أما ما قبل فلك نوح، فلم يكن مصرحاً بغير النبات.. وهذا ما يذكر سفر التكوين: لما خلق الله آدم و حواء، سمح لهما بأكل الفاكهة والبقول، أى ثمار الأشجار، وذلك بقوله “إنى قد أعطيتكم كل بقل يبذر بذراً على وجه كل الأرض، وكل شجر فيه ثمر شجر يبذر بذراً، لكم يكون طعاماً”. “ولكل حيوان الأرض، وكل طير السماء وكل دبابة على الأرض فيها نفس حية، أعطيت كل عشب أخضر طعاماً، وكان كذلك”. (تك 1: 29، 30)

 

آدم وحواء

ثانياً: خطايا عديدة لأبوينا الأولين

• العصيان أو المخالفة

الوصية كانت واضحة (تك 2: 16، 17)، وقد سمعها آدم بنفسه من فم الله. وكانت تحفظها حواء (تك 3: 2). ومع ذلك خالفاها.

• المعاشرات الرديئة

بدأت سلسلة الخطايا التى وقع فيها آدم وحواء بخطية “المعاشرات الرديئة التى تفسد الأخلاق الجيدة” (1كو 15: 33)، فجلست أمنا حواء مع الحية. وحتى إن كانت أمنا حواء، بنقاوة قلبها وبساطتها، لا تدرك ما فى الحية من خبث، فإنه كان يجب عليها أن تنتبه، حينما أخذت الحية تكشف أوراقها، وتقول كلاماً عكس ما قاله الله نفسه لهما.

• خطية الشك

قالت الحية فى خبث “لن تموتا، بل الله عالم إنكما يوم تأكلان تتفتح أعينكما، تكونان مثل الله عارفين الخير والشر”. هذا هو الشك الذى ألقته الحية فى نفس حواء، الشك فى صدق كلام الله، والشك فى حب الله للبشر، بل الشك أيضاً فى إنذار الله لهما بالموت. فهما – حسب كلام الحية – لن يموتا، بل ستتحسن أحوالهما.

• خطية الانقياد

انقادت – وهى صورة الله ومثاله – إلى الحية ومشورتها. ونفس هذا الانقياد الخاطئ، الذى وقعت فيها حواء، حدث بالنسبة إلى أبينا آدم من جهة امرأته.

• ضعف الإيمان

الله يقول عن ثمر الشجرة “لا تأكلا منه لئلا تموتا” والحية تقول “لن تموتا” والمرأة تقبل كلام الحية، إذن فهذا ضعف إيمان بالله وبكلمته وبإنذاره. بل هو عدم إيمان بصدق الله.

• الاستهانة وعدم مخافة الرب

بدأت تستهين بحكم الله وبتهديده وعقوبته، ولم تخف إطلاقاً من أن تمد يدها وتأخذ، كما لو كانت عبارة “موتاً تموتاً” لا تهز لها جفناً، و لا تحرك ضميرها أو قلبها.

• خطية الشهوة

نظرت المرأة إلى الشجرة، فإذ هى “جيدة للأكل، وبهجة للعيون، و أن الشجرة شهية للنظر” فاشتهتها. كانت شجرة معرفة الخير والشر فى وسط الجنة، وربما كانت حواء تمر عليها كل يوم وتراها. وكانت نظرتها إليها بسيطة، لا تحمل شهوة، أما ألان فبدأت تنظر إليها بشهوة.

• خطية الكبرياء

“تصيران مثل الله” أو تصيران إلهين..!! إن كان الأمر هكذا، فلماذا نرضى ونكتفى بالمستوى البشرى؟ واستطاعت هذه الكبرياء أن تحطمها، كما حطمت الشيطان من قبل.

وكما قال أحد القديسين: إن حواء اشتهت مجد الألوهية، ففقدت ما كان لها من مجد البشرية.

• المعرفة المخربة

“تصيران مثل الله، عارفين الخير والشر” “تنفتح أعينكما”.. لقد قدم الشيطان للإنسان هذا الإغراء، إغراء المعرفة.. ولكن أى معرفة؟ فقد وهبهما الله فضل معرفته، وجعلهما يعرفان الخير والبر ويذوقان ما فى هذه المعرفة من لذة! وهنا يقول الحكيم عن هذه المعرفة المؤذية ” وَالَّذِي يَزِيدُ عِلْماً يَزِيدُ حُزْناً” (جا 1: 18).

• طلب المعرفة من غير الله

كان الله هو المعلم الأول والوحيد للإنسان، يعطيه من المعرفة ما يفيده وما يبقى على نقاوته. ثم بدأ الإنسان يتخذ له مرشداً غير الله، يشير عليه بما يفعل، ويعطيه معرفة أخرى. وكان هذا المرشد للأسف، هو الشيطان الذى دخل الحية، وأرشد الإنسان إلى ما فيه هلاكه.

• حفظ الوصية عقلاً لا عملاً

كانت حواء تحفظ الوصية حفظاً عقلياً! لذلك عندما سألتها الحية “أحقاً قال الله لا تأكلا من كل شجر الجنة؟” صححت لها حواء منطوق الآية، فقالت للحية “من ثمر شجر الجنة نأكل. وأما ثمر الشجرة التى فى وسط الجنة، فقال الله لا تأكلا منه ولا تمساه لئلا تموتا”.

والعجيب أنها فى نفس الوقت الذى ذكرت فيه الوصية بهذه الدقة العجيبة، عادت وكسرت الوصية، ومدت يدها وقطفت وأكلت. لقد حفظت الوصية عقلاً لا عملاً.

إنها تذكرنا بالشاب الغنى الذى كان يحفظ الوصايا، وقال عنها للسيد الرب “هذه كلها حفظتها منذ حداثتى” (مت 19: 20). وفى نفس الوقت مضى حزيناً، لأنه كان يعبد إلهاً آخر هو المال، بينما تقول الوصية الأولى “لا تكن لك آلهة أخرى أمامى” (خر 20: 3).

• الانحدار إلى المستوى الجسدانى

اعتبر البعض أن الوصية الأولى التى أعطيت للإنسان، كانت وصية صوم، تشبه صومنا فى هذه الأيام، نأكل من الكل ماعدا نوع واحد وهو الأطعمة الحيوانية. كذلك أعطى آدم وحواء أن يأكلا من الكل ماعدا شجرة واحدة. ولكن آدم وحواء كسرا هذا الصوم، وأكلا من هذا الصنف المحرم. وبالأكل سقطا من المستوى الروحى إلى المستوى الجسدى.

• عدم القناعة

الله أعطى أبوينا الأولين أن يأكلا من كل شجر الجنة، ماعدا واحدة. ولا شك أنه كانت توجد أثمار كثيرة جداً فى الجنة، بل كان فيها كل أنواع الثمر. ولكن هذا كله لم يقتنع به آدم وحواء ولم يكفيهما، بل أرادا الأكل من هذا النوع الواحد الناقص. وهذا يدل على عدم القناعة.

ولذلك قال سليمان الحكيم “العين لا تشبع من النظر، والأذن لا تمتلئ من السمع” و”كل الأنهار تجرى إلى البحر، والبحر ليس بملآن” (جا 1: 7، 8)

• إعثار الآخرين

فالكتاب يقول عن حواء إنها “أكلت، وأعطت رجلها أيضاً” لم تفعل الخطأ فقط بل كانت عثرة لآدم أيضاً.

• محاولة تغطية نتائج الخطية

لما أكلا “انفتحت أعينهما، وعلما آنها عريانان”، إذ فقدا نقاوتهما. وبدلاً من معالجة الخطية والتخلص منها، و الرجوع إلى النقاوة الأولى، قاما بتغطية الخطية بأوراق التين. وهكذا تغطى آدم وحواء، ولكن بقى القلب من الداخل غير سليم.

• الهروب من الله

“سمعا صوت الرب الإله ماشياً فى الجنة، عند هبوب ريح النهار، فاختبأ آدم وامرأته من وجه الله فى وسط شجر الجنة” (تك 3: 8). أصبح هناك تباعد بينهما وبين الله، وجدت هوة فاصلة، لم يعودا يفرحان بالوجود فى حضرة الرب. فحالما سمعا صوته مقبلاً، هربا من وجهة واختفيا.

• الخروج من محبة الله

الرب يقول “الذي عنده وصاياي ويحفظها فهو الذي يحبني” (يو 14: 21) إذن كسر الوصية ضد المحبة.

* ورغبة آدم وحواء فى أن يصيرا ” مثل الله ” حسب إغراء الحية، كان عملاً آخر ضد محبتهما لله.

* وتصديق كلام الحية، عكس كلام الله، كان أيضاً عملاً ضد محبة أبوينا الأولين لله.

* وفى مناقشتهما مع الله، كانت الطريقة لا تتفق والمحبة.

* وهروبهما من وجه الله، واختباؤهما، كان عملاً رابعاً منهما ضد محبة الله.

• عدم السعى إلى الخلاص

إنهما إنسانان قد كسرا وصية الله، وأصبح محكوماً عليهما بالموت. فماذا فعلا للتخلص من حكم الموت هذا؟ هل سعيا إلى الخلاص؟ هل بذلا جهدهما لكى يصطلحا مع الله ولكى يعودا إلى علاقة الحب الأولى؟ كلا.

لقد شل الخوف تفكيرهما، فلم يقوما بأى عمل من أجل نفسيهما الهالكتين، إنما أسرعا بالاختفاء من وجه الله.

• الجهل بالله وقدرته

إلى أين يهربا من وجه الرب؟ وأين يختفيان؟ لقد كان حفيدهما داود أكثر معرفة بالله حينما قال: “أين أذهب من وجهك؟ ومن وجهك أين أهرب؟ إن صعدت إلى السموات فأنت هناك. وإن فرشت فى هاوية فها أنت.. ” (مز 139: 7، 8).

هل يخفيهما الشجر عن عين الله الفاحصة الخفيات والظاهرات؟ أم أنهما جهلا قدرة الله على كل شيء.

حقاً إن الإنسان لما أكل من شجرة المعرفة صار جاهلاً، لقد وعده الشيطان وعداً زائفاً لم يبر به.

• عدم إدانة النفس

إن كان هذا الإنسان قد أكل من شجرة المعرفة، وعرف الخير والشر، فعلى الأقل أصبح يعرف أنه قد أخطأ. ولكن كلمة “أخطأت” لم يقلها آدم أو حواء إطلاقاً، ولم يعترف أى أحد منهما بخطاياه.

• محاولة تبرير النفس

كل منهما حاول أن يبرر نفسه وأن يوجد لنفسه عذراً يغطى به خطيته، أو على الأقل يقلل من الجرم الذى وقع فيه. ولكن لم يقبل الله شيئاً من تبريراتهما وأعذارهما، لأن الخطية واضحة.

• إلقاء التبعية على الآخرين

آدم يلقى التبعة على حواء “المرأة أعطتنى فأكلت” وحواء تلقى التبعة على الحية فتقول “الحية غرتنى فأكلت”. ولا يلقى أحد منهما باللوم على نفسه.

• ضد محبة القريب

كما كسر آدم محبته لله، كسر أيضاً محبته للقريب (حواء). اتهمها أمام الله، وحملها تبعة سقوطه فى الخطية.

• الاختفاء وراء امرأة

ما كان يليق بأبينا آدم – الرجل الأول فى البشرية أن يختفى وراء امرأة لكى ينجو! يقدمها للاتهام، ويحملها المسئولية، لكى يتبرر هو! الأمر المثالى، أن يتحمل أخطاءها، وينسبها لنفسه، كمسئول، وينجيها من العقوبة، ويتصدر الموقف ويتركها تختفى وراءه. ويحمل خطاياها، كما حمل السيد المسيح خطايا عروسه الكنيسة.. لكن آدم فعل العكس.

• عدم اللياقة فى الحديث

وفى دفاع آدم عن نفسه باللقاء التبعة على المرأة، فقد اللياقة اللازمة فى التحدث مع الله نفسه..! فلم يكتف بقولة “المرأة أعطتنى فأكلت” وإنما قال لله: “المرأة التى جعلتها معى، هى أعطتنى” كأنه بهذا يشرك الله فى المسئولية، أو يجعل الله السبب فى سقوطه، أنه أعطاه المرأة التى أعطته الثمرة..!

 

آدم وحواء

ثالثاً: نتائج هذه الخطايا وعقوباتها

• اللعنة

اللعنة لم تصب آدم وحواء لسببين:

أولا: لأن الله كان قد باركهما قبلاً (تك 1: 8) وهبات الله بلا ندامه (رو 11: 9).

ثانيا: أنه لو لعن آدم وحواء، لكانت اللعنة قد أصابت الجنس البشرى كله.

ولكن اللعنة أصابت الحية التى أغرت حواء بأكل الثمرة. كذلك أصابت اللعنة الأرض التى تخرج ثمراً للأكل.

وفى لعنة الحية، كانت تحمل عقوبة ضمنية للإنسان. فقد أصبحت هناك عداوة بينه وبين الحية.

وفى داخل هذه العقوبة التى أوقعها الله على الحية، وضمناً على الإنسان، كان يوجد الوعد بالخلاص. وعد بأن نسل المرأة سيسحق رأس الحية. وهذه كانت أول نبوءة عن مجيء السيد المسيح لخلاصنا.

وفى اللعنة التى أصابت الأرض، كانت توجد أيضاً عقوبة ضمنية موقعة على الإنسان نفسه. إذ قال له الله “ملعونة الأرض بسببك. بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك. وشوكاً وحسكاً تنبت لك، حتى تعود إلى الأرض التى أخذت منها.. ” (تك 3: 17-19)

بهذه اللعنة بدأت الأرض تتمرد على الإنسان، كما أصبحت الحيوانات تتمرد عليه، ممثله فى الحية، هكذا فقد الإنسان هيبته، فيما كانت تعده الحية بالألوهية !!

 

• الموت

كان الموت هو العقوبة الأساسية للخطية، “يوم تأكل منها موتاً تموت” (تك 2: 17).

+ الموت الجسدى: لم يكن ممكناً أن يموت أبوانا فى التو واللحظة وإلا لانتهت البشرية كلها وزالت. لذلك تأجل هذا الموت إلى حين.

+ الموت الروحى: فكما قال القديس أوغسطينوس [موت الجسد هو انفصال الروح عن الجسد. أما موت الروح، فهو انفصال الروح عن الله ]

+ الموت الأدبى: ضاعت كرامة هذا الإنسان الأول، وفقد الحالة الفائقة للطبيعة التى خلق عليها.

+ الموت الأبدي: وهو الذى خلصنا منه السيد المسيح بالفداء، حين مات عنا.

• فقدان الصورة الإلهية

فى حالة البر الأولى، كان آدم على صورة الله، ومثاله، ولكن بعد السقوط نجد الله يقول له ” لأنك تراب، وإلى التراب تعود ” كان صورة الله، فأصبح تراباً.

• فساد الطبيعة البشرية

فقدت الطبيعة البشرية نقاوتها الأولى، وعرفت الخطيئة، ودخلت فى ثنائية معرفة الخير والشر، وفى الصراع بين الجسد والروح. بل وانحدرت إلى أن وصلت إلى محبة الخطية، والعبودية لها، وإلى إنكار الله.

وفقد آدم وحواء هيبتهما، سلطتهما على الطبيعة، وعلى الحيوان، فتمردت عليهما الأرض، وتمرد عليهما الحيوان، وصارت عداوة بينهما.

• تعب النفس

بدأت البشرية تعرف أمراض النفس، الشهوة، الخوف، الخجل، الحسد، الغضب، القتل، القلق، الرعب وفقدان السلام الداخلى.

• تعب الجسد

أصبح آدم يأكل خبزه بعرق جبينه. وأصبحت حواء بالوجع تلد أولاداً. هذا بالإضافة الى تعب آخر، هو شهوات الجسد وغرائزه، واشتياقاته.

ولم يعد هناك من حل، سوى انتظار الخلاص الذى يأتى به المسيح، حيث ينضح علينا بزوفاه فنطهر ويغسلنا أكثر من الثلج، ويمنحنا بهجة خلاصه (مز 50)

 

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a2%d8%af%d9%85-%d9%88%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%a1-1/

القديسة: بريسكلا

إن كانت فيبى مثال للمرأة المتبتلة الخادمة فى الكنيسة الأولى، فإن بريسكلا هى المرأة المتزوجة الخادمة الكارزة، حتى أن القديس يوحنا ذهبى الفم يقول: [ سيبقى أكيلا وبريسكلا المثل الأعلى للكمال فى الزواج المسيحى] …

تدعى بريسكلا أو بريسكا وهو اسم لاتينى، وكان زوجها أكيلا يهودياً… ولا نعرف عنهما شيئا سوى الإشارات العابرة التى يشير بها القديس بولس إليهما فى بعض رسائله، فضلاً عن ذكر اسمهما فى سفر أعمال الرسل.. كانت تقيم مع زوجها أولاً فى روما، لكنهما تركاها مع كل اليهود الذين طردهم كلوديوس

 

قيصر (87) ، وأتيا إلى مدينة كورنثوس، حيث إلتقى بهما معلمنا بولس فى رحلته التبشيرية الثانية حينما وفد إلى هذه المدينة (أع 18: 2)… أمضى بولس فى هذه المدينة سنة ونصف كان خلالها ضيفاً على هذين الزوجين … وقد وطد من أواصر الصلة أنهما كانا- نظير بولس- يعملان فى صناعة الخيام… ولا نستطيع أن نؤكد ما إذا كانت هذه وسيلة كسب عيشهما فى روما أيضاً، أم أنهما إضطرا إليها – نظير بولس أيضاً- إزاء الظروف التى ألمت بهما بعد طردهما من روما… وقد إشتركا مع القديس بولس فى خدمة كلمة الله..

ولما غادر بولس كورنثوس عائداً إلى أنطاكية ماراً بأفسس وأورشليم، رافقاه حتى مدينة أفسس … أقاما فى مدينة أفسس، وأخذا يبشران بكلمة الله، وكان بيتهما هو مكان إجتماع المؤمنين … والرسول بولس فى رحلته التبشيرية الثالثة حينما أتى إلى مدينة أفسس ومكث بها ثلاث سنوات، ومنها كتب رسالته الأولى إلى كورنثوس، كانا مايزالان بها، فنجد القديس بولس يكتب للكورنثيين ” تسلم عليكم كنائس آسيا، يسلم عليكم فى الرب كثيراً أكيلا وبريسكلا مع الكنيسة التى فى بيتهما ” (1 كو 19:16).

وبعد أن تغيرت الأوضاع وسمح لليهود بالعودة الى روما، عادت بريسكلا مع زوجها اليها . وهناك أخذا يمارسان نشاطهما الكرازى … فحينما أنفذ بولس رسالته إلى كنيسة رومية، بعث بتحياته إليهما فى تقدير كبير … ” سلموا على بريسكلا وأكيلا العاملين معى فى المسيح يسوع، اللذين وضعا عنقيهما من أجل حياتى . اللذين لست أنا وحدى أشكرهما بل أيضاً جميع كنائس الأمم، وعلى الكنيسة التى فى بيتهما ” ( رو 16: 3- 5)…. ولا يوجد كلام تقدير أكثر من هذه الكلمات : فهما عملا معه، ووضعا عنقيهما من أجل حياته، ولهما جهود فى خدمة الأمم . ويبدو من هذا الكلام أنهما خاطرا بحياتهما فى سبيل إنقاذ بولس من المؤامرات التى كثيراً ما تعرض لها من اليهود والأمم على السواء …

 

ومرة أخرى يترك الزوجان روما ويعودا إلى آسيا، وإلى أفسس بالذات كبرى مدنها، ليتابعا عملهما فيها لأجل الرب … فالرسول بولس فى آخر رسالة له من سجنه فى روما – قبيل إستشهاده مباشرة بينما كان يُسكب سكيباً، لا ينسى تعب محبتهما فيكتب إلى تيموثاوس تلميذه وأسقف مدينة أفسس يقول : ” سلم على بريسكا وأكيلا “(2 تى 19:4). ..

ويلاحظ العلماء – ومنهم يوحنا الذهبى فمه – أن اسمها فى العهد الجديد يلازم اسم زوجها، بل أن اسمها فى أكثر الحالات يذكر متقدماً على اسم رجلها، مما يدل على شخصتها الفذة وإقتدارها فى عمل الرب – ويبدو أنها كانت أيضاً مقتدرة فى الكتب المقدسة ” حتى أنها صارت شريكة لرجلها فى شرح الإيمان الحقيقى السليم لأ بولس الاسكندرى الذى كان خيبراً فى طريق الرب، عارفاً معمودية يوحنا فقط ” ( أع 18: 24-26).

هذا كل ما نعلمه عن هذه السيدة البارة المضحية، مثال الزوجة المسيحية الخادمة …. وللأسف لا يمدنا تاريخ الكنيسة بأية معلومات أخرى عنها أو عن زوجها .

 

(87) لم يكن الزوجان يهوديين و قت طر د اليهود من روما، لكن المسيحيين طردوا مع اليهود ،لأن الرومان كانوا ينظرون إلى المسيحية حتى ذلك الوقت على أنها شيعة يهوديه

 

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b3%d8%a9-%d8%a8%d8%b1%d9%8a%d8%b3%d9%83%d9%84%d8%a7/

القديسة فيبى

تكاد تكون فيبى أشهر أنثى ورد أسمها فى رسائل الرسل …لا نعرف عنها شيئاً غير ما دوِّنه القديس بولس فى أول الأصحاح الأخير من رسالته إلى كنيسة رومية… والعجيب أيضاً أن التاريخ الكنسى لا يسجل عنها أى شىء .. يكاد الأصحاح الأخير من الرسالة إلى رومية يقتصر على أسماء بعض الأشخاص الذين يبعث بولس تحياته إليهم … ويذكر على رأس هذه القائمة الطويلة كلها- قبل الرجال- ” فيبى خادمة الكنيسة التى فى كنخريا” يقول معلمنا بولس ” أوصى إليكم بأختنا فيبى التى هى خادمة الكنيسة التى فى كنخريا، كى تقبلوها فى الرب كما يحق للقديسين، وتقوموا لها فى أى شىء إحتجته منكم، لأنها صارت مساعدة للكثيرين ولى أنا أيضاً” (رو 16: 1، 2).

ويبدو أن فيبى كانت متبتلة وكانت تقوم بخدمة فعالة فى الكنيسة فى منطقة كورنثوس فهى بحسب تعبير بولس ” صار مساعدة للكثيرين ولى أنا أيضاً “. ويبدو أنها كانت تخدم كشماسة فى كنيسة كنخريا إحدى موانى كورنثوس فى بلاد اليونان. فالرسول بولس يذكرها على أنها Diakanos هذه الكلمة التى تطلق على من يقوم بخدمة الشماسية سواء كان ذكراً أم أنثى (86) … وقد أشرنا سابقاً إلى الخدمات التى كانت تضطلع بها الشماسة فى الكنيسة الأولى… ولابد وأن فيبى

 

كانت تمارس عمل الشماسية النسوية… وفضلاً عن ذلك، فقد كانت هى كاتبة الرسالة إلى رومية، بناء عن إملاء الرسول بولس …. وليس هذا فحسب، بل لقد حملت هى نفسها هذه الرسالة إلى رومية.

وإذ نفكر فى وضع المرأة الإجتماعى فى ذلك الع ص ر المبكر، وكيف كانت تحيا فى عزلة عن المجتمع، لا يسعنا الاَّ الاعتقاد أن فيبى لم تكن شخصية نسائية عادية… فقد جمعت فى شخصها، إلى جانب الثقافة، الشخصية والثراء، اللذين مكناها من السفر عبر البحار الى روما، من أجل الإيمان بيسوع المسيح.

وليس من السهل أن نسلم بأن مهمة فيبى كانت مجرد توصيل الرسالة التى كتبها القديس بولس إلى كنيسة رومية، بل لابد أن يكون الرسول قد كلفها بمهمة خاصة، وجد أن من الحكمة عدم الإفصاح عنها… وكل ما فعله أنه أوصى الكنيسة بتسهيل مهمتها… لا شك أن تلك المهمة كانت شىء يتعلق بخدمة الكرازة..

 

(86) Wuest, Romans in the Greek N.T., p. 257

 

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b3%d8%a9-%d9%81%d9%8a%d8%a8%d9%89/

القديس تيموثاوس

 

هو تلميذ القديس بولس الرسول، ورفيقه فى أسفاره، وشريكه فى أتعاب الكرازة… يذكر لأول مرة فى سفر الأعمال فى بداية رحلة بولس التبشيرية الثانية (أع 1:16).

كان تيموثاوس من مدينة لسترة بإقليم غلاطية بآسيا الصغرى… كان أبوه يونانياً، لكن أمه وجدته كانتا يهوديتين تقيتين (2 تى1: 5). وهكذا نشأ تيموثاوس منذ أيام طفولته المبكرة على التقوى والصلاح… ” وأنك منذ الطفولية تعرف الكتب المقدسة، القادرة أن تحكمك للخلاص” (2 تى 3: 15)… والمرجح أنه آمن على يد بولس، فكثيراً ما يدعوه الرسول ابنه فى الايمان (69) … لكن يبدو أن هذا الأمر تم فى وقت سابق للقاء المذكور فى ( أع16: 1)، لأن الرسول بولس حينما دخل لسترة كان هو ” تلميذاً” أى مسيحياً… وكان تيموثاوس مشهوداً له بالتقوى من كل أهل تلك المنطقة.

إختاره القديس بولس ليكون رفيقاً له فى أسفاره، ومعاوناً له فى الخدمة لما رأه فيه من مواهب وإستعداد للخدمة… فأخذه بولس وختنه أولاً حتى لا يثير غضب اليهود عليه من أجل تهيئة الجو للخدمة… بعد ذلك اصطحبه معه إلى فريجية وغلاطية وترواس، وطافا معاً بلاد اليونان، وبشرا فى مدن فيلبى وتسالونيكى وبيرية. وقد بقى مع سيلا (سلوانس) فى بيرية، بينما ذهب بولس إلى أثينا وكورنثوس… بعد ذلك نجده يخدم مع بولس مدة إقامته الطويلة فى أفسس، ومنها أرسله إلى مكدونية وكورنثوس (70) . ونراه مرة ثانية مع بولس فى مكدونيا وقت كتابة الرسالة الثانية إلى كورنثوس (2 كو 1: 1)- وصحب الرسول إلى كورنثوس (رو 16: 21). ورافقه أيضاً فى طريق عودته إلى آسيا عن طريق مكدونيا (أع 20: 4،3)… ويحتمل أن يكون قد صحبه أيضاً إلى أورشليم فى زيارته الخامسة والأخيرة لتلك المدينة (1 كو 16: 3).

ويرد ذكر تيموثاوس فى رسائل الأسر، مما يظهر له أنه كان مع بولس فى روما (71) … بعد ذلك نقرأ عنه فى الرسالتين الرعويتين اللتين بعث بهما بولس إليه بعد أن سامه أسقفاً على أفسس (1تى 4: 14؛ 2 تى 1: 6)… وإن كنا لا نعلم متى تمت الرسامة الكهنوتية التى كانت بوضع اليد، لكننا نقرأ أن إقامته أسقفاَ كانت بإعلان نبوى (1تى 1: 18)… ويرجح أن يكون تيموثاوس قد أسر مع بولس فى روما ثم أطلق (72) .

من هذه الأسفار الكثيرة وإتعابه فى الخدمة والصفات التى خلعها الرسول بولس عليه تظهر لنا صورة ذلك الرجل الذى نجهل الكثير من أتعابه فى الخدمة وفضائله الروحية. إننا نلمس غيرته فى تركه لوطنه وبيته، ونلمس انكاره لذاته وحكمته وغيرته على عمل الرب، حينما قبل أن يختتن (2 تى 1: 4)، على الرغم من إعتلال صحته الجسدية (1تى5 :23).

ذكره بولس على أنه ” عامل معه ” (رو 16: 21)، ودعاه ” أخانا وخادم الله والعامل معنا فى إنجيل المسيح” ( 1تس 3: 2)، ” الابن الصريح فى الإيمان ” (1 تى 1: 2)، ” والابن الحبيب ” (2 تى 1: 2)، ” ابنى الحبيب والأمين فى الرب ” (1كو 4: 17).

ويذكر التقليد الكنسى أن تيموثاوس عمرّ طويلاً بعد استشهاد معلمه وأبيه الروحى القديس بولس… فقد قيل إنه استشهد سنة 97… قتله الوثنيون فى أفسس ضرباَ بالعصى ورجماً بالحجارة فى يوم من أيام أعيادهم.

 

(69) 1كو 17:4؛ 1تى 2:1؛ 2 تى 2:1 .

(70) أع 19: 21، 22- انظر أيضاً 1 كو 4: 17؛ 16: 10- والرسالة إلى كورثنوس كتبها بولس من أفسس.

(71) فى 1: 1؛ كو1: 1؛ فل 1

(72) انظر: عب 13: 23

 

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b3-%d8%aa%d9%8a%d9%85%d9%88%d8%ab%d8%a7%d9%88%d8%b3/

القديس تيطس

القديس تيطس (73)

هو أحد تلاميذ القديس بولس الرسول الأوفياء… لا يرد إسمه فى سفر الأعمال، وكل معلوماتنا عنه نستمدها من الرسالة الثانية إلى كورنثوس، ومن رسالتى غلاطية وتيطس…

لا نعرف شيئاً عن حياته الأولى السابقة للخدمة الكرازية.. كل ما نعرفه عنه أنه كان يونانياً أممياً (غل 2: 3،1) يجمع العلماء على أنه إهتدى إلى الإيمان على يدى بولس، فهو يدعوه ابنه فى الإيمان (تى1: 4)… لكن يبدو أن إيمانه هذا، كان فى وقت مبكر، فقد حضر معه مجمع أورشليم سنة 50(غل 2: 1). وقبلها كان على صلة وثيقة ببولس وبرنابا فى أنطاكية، ورافقهما إلى أورشليم حين صعدا إليها لحضور ذلك المجمع… ومن هنا، فيحتمل أن يكون تيطس أنطاكياً.

أرسله الرسول بولس مرتين إلى كورنثوس بينما كان هو نفسه يخدم فى أفسس… المرة الأولى لما سمع بالشقاق الذى كان حادثاً فيها، ويبدو أنه هو الذى حمل رسالة الرسول إلى تلك الكنيسة (2 كو 2: 13)- والمرة الثانية أرسله ليجمع تقدمات لفقراء اليهودية (2 كو 8: 16، 17). ويبدو أيضاً أنه هو الذى حمل رسالته الثانية إلى كورثنوس (2 كو 12: 18)… ونستنتج مما ورد فى (2 تى 4: 10) أنه كان مرافقاً لبولس فى بداية أسره الثانى فى روما.

أقامه القديس بولس أسقفاً على كريت ليرعى الكنيسة فى تلك الجزيرة، وليقيم كهنة عل كنائسها… ويذكره للكورنثيين على أنه معاونه وشريكه والعامل معه فى الخدمة (2 كو 8: 23) ويذكر التقليد أنه عمرّ طويلأ، ورقد فى الرب فى شيخوخة صالحة فى جزيرة كريت، التى مازال أهلها حتى الآن يعتبرونه شفيعهم.

 

 

(73) Smith, Dictionary of the Bible, Vol. 3. pp. 1518-1520.

 

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b3-%d8%aa%d9%8a%d8%b7%d8%b3/

القديس سيلا

أول ما نلتقى به فى سفر الأعمال، فى الكلام عن مجمع أورشليم الذى إنعقد لبحث مشكلة تهود الأمم. لكن يبدو أنه كان له وضع متميز فى كنيسة أورشليم ( أع 15: 22). ومن هنا فقد أوكلت إليه تلك الكنيسة مع يهوذا الملقب بارسابا، أن يرافقا بولس وبرنابا لتبليغ كنائس أنطاكية وسوريا وكيليكية قرار المجمع… ويقول عنه سفر الأعمال أنه ذهب ووعظ الإخوة بكلام كثير وقواهم لأنه كان نبياً (أع 5 1: 22، 23)… كان مواطناً رومانياً نظير بولس (أع 16: 37). ومن هنا جاء اسمه اللاتينى “سلوانس “، أما ” سيلا” فهو اسم يونانى مأخوذ عن الأصل الآرامى ” شئيلا”.

يبدو أنه عاد إلى أورشليم بعد أن أتم المهمة التى كلفته بها كنيسته (أع 15: 33)، ويبدو أيضاً أنه ذهب بعدها ثانية إلى أنطاكية، قد اختاره القديس بولس رفيقاً له فى الخدمة الكرازية خلفاً لبرنابا (أع 15: 40) فى رحلته التبشيرية الثانية (أع 15: 18- 22)… رافق القديس بولس حينما إجتاز فى سوريا وكيليكية يشدد الكنائس، وكذا فى فريجية وكورة غلاطية… وبعد أن ظهرت لبولس رؤيا الرجل المكدونى، رافقه إلى فيلبى فى مقاطعة مكدونيا ( أع 16: 12- 39). وفى فيلبى إحتمل سيلا مع القديس بولس الضرب بالعصى وزج به فى السجن، حيث حدثت المعجزة وفتحت أبواب السجن وآمن حافظ السجن (أع 16: 25- 34)… ومن فيلبى رافق القديس بولس إلى تسالونيكى ثم إلى بيرية… تخلف هو وتيموثاوس فى بيرية عن مصاحبة بولس إلى أثينا، لكنه لحقه فيها بعد ذلك (أع 17: 13-15) ورافق بولس فى كورنثوس (75) (أع 18: 5)- ثم لا نعود نقرأ عنه شيئاً بعد ذلك فى سفر أعمال الرسل… ويقال إنه أنهى حياته بسفك دمه على اسم المسيح فى مكدونيا.

 

(74) Smith, Dictionary of the Bible. Vol. 3, p. 1310.

(75) انظر 2 كو1: 19

 

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b3-%d8%b3%d9%8a%d9%84%d8%a7/

القديس يعقوب الكبير

 

هو ابن زبدى وشقيق يوحنا الحبيب… ويدعى ايضاً يعقوب الكبير تمييزاً له عن يعقوب الصغير (ابن حلفى). كان من بيت صيدا من مدينة بطرس واندراوس. دعاه السيد المسيح للتلمذة مع أخيه يوحنا فى نفس المرة التى دعا فيها بطرس واندراوس، فتركا السفينة وأباهما وتبعاه (مت 4: 21، 22)… و يبدو أن يعقوب كان حاضراً معجزة الرب يسوع الأولى فى قانا الجليل حيث حول الماء خمراً (يو 2:2).

إختاره الرب يسوع مع بطرس ويوحنا ليكونا شاهداً لبعض الأحداث الهامة. فكان معه حينما أقام ابنة يايروس من الموت، وفى حادث التجلى، وفى بستان جثسيمانى ليلة آلامه… وقد أحبه المخلص مع أخيه يوحنا محبة خاصة، فميزهما بلقب خاص، إذ دعاهما بوانرجس أى إبنى الرعد (مر 3: 17)، تعبيراً عن حماستهما وغيرتهما.

أما عن جهوده الكرازية، فمعلوماتنا عنها ضئيلة، لكن التقاليد تجمع على أن ميدانه فى التبشير كان اليهودية والسامرة. أما القول بأنه كرز بالإنجيل فى أسبانيا فقول ليس له أسانيد تاريخية… وقد كانت غيرته الرسولية سببا فى إثارة عداوة اليهود، فثاروا ضده، وأحدثوا شغباً فى أورشليم، فقبض الجند الرومان عليه وأحضروه أمام الملك هيرودس أغريباس (8) ، فامر بقطع رأسه بحد السيف (أع 12: 1)، وكان ذلك سنة 44 … ويعتبر هذا الرسول أول من استشهد من الرسل، وهو الوحيد بين الرسل الذى سجل لنا كتاب العهد الجديد موته وكيفيته …

ويذكر لنا يوسابيوس المؤرخ نقلاً عن إكليمنضس الاسكندرى إن الجندى الذى قاد هذا الرسول إلى المحاكمة تأثر عندما رأى شجاعته وصلابته، وحركت النعمة قلبه، فاعترف هو الآخر بالإيمان المسيحى، فكان جزاؤه قطع رأسه مع الرسول فى وقت واحد (9) . ويبدو أن الذى حرك الجندى إلى إعتناق الإيمان، معجزة أجراها الرب على يدى الرسول وهو مسوقاً بواسطة ذلك الجندى، فقد أبرأ مخلعاً كسيحاً… وقد حفظ لنا التقليد- وشهد بذلك أبيفانيوس – أن هذا الرسول حافظ على البتولية طوال حياته (10) . وقيل أن جسده نقل إلى بلدة تدعى كومبوستيلا Compostella فى أسبانيا.

 

(8) حفيد هيروس الكبير قاتل أطفال بيت لحم، وابن أخى هيرودس الثانى الذى قطع رأس يوحنا المعمدان

(9) , 2.9 Eusebius ,H.E

(10) Smith ,Dictionary of the bible , vol 1 part .2.p.1511

 

 

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b3-%d9%8a%d8%b9%d9%82%d9%88%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%a8%d9%8a%d8%b1/

القديس يعقوب البار

هو يعقوب بن حلفى أحد الاثنى عشر رسولاً، وهو أحد الأعمدة الثلاثة لكنيسة الختان حسبما دعاه معلمنا بولس (غل 2: 7- 9). عُرف باسم يعقوب أخى الرب لأنه ابن خالته بالجسد من مريم زوجة كلوبا. فكلمة حلفى آرامية ويقابلها ” كلوبا ” (16) فى اليونانية. وعُرف باسم يعقوب الصغير (مر15: 40) تمييزاً له عن يعقوب الكبير ابن زبدى. وعُرف أيضا باسم يعقوب البار نظراً لقداسة سيرته وشدة نسكه. كما عُرف باسم يعقوب أسقف أورشليم لأنه أول أسقف لها.

وقد أثير جدل حول شخصيته، وحول اللقب الذى عُرف به ” أخ الرب “.

وهناك ثلاثة أراء بخصوص اخوة الرب:

1- رأى يقول انه ابن ليوسف ومريم بعد ميلاد رب المجد يسوع… قال بهذا الرأى ترتليانوس (17) . وتبنى هذا الرأى بعده شخص يدعى هلفيديوس Helvidius الهرطوقى من روما سنة 380 م، مما دعا القديس ايرونيموس أن يرد عليه برسالة قوية سنة 383 فند فيها كل هذه الادعاءات الباطلة (18) ، ودعا كلا من ترتليانوس وهلفيديوس منشقان على الكنيسة الجامعة… وهذا الرأى هو رأى البروتستانت. وهو يتناقض مع روح الكتاب المقدس ونصوصه وعقيدة الكنيسة الجامعة منذ عصرها الرسولى. ونحن نرفض هذا الرأى ونشجبه لأن العذراء مريم ظلت عذراء أيضا بعد ولادة المسيح، فهى ” العذراء كل حين” وهى لم تعرف يوسف خطيبها معرفة الزواج قبل وبعد ميلاد المخلص.

2- رأى ثان يقول ان المذكورين فى الإنجيل إخوة الرب، هم فى الحقيقية أبناء ليوسف النجار من زوجة سابقة توفيت قبل خطبته لمريم العذراء… وقد ظهرت هذه النظرية إلى عالم الوجود فى كتابات الأبوكريفا المنسوبة للقديس يعقوب أخى الرب ومنها إنجيل يعقوب المعروف باسم Protevangelium (ف 9). وقد أخذ بهذا الرأى بعض الآباء الشرقيين – وهذا هو رأى الكنيستين اليونانية والسريانية (19) . وهذا الرأى- على ما فيه من أخطاء وثغرات لا محل للرد عليها هنا ـ فإنه لو كان هؤلاء المدعوين إخوة الرب أولاداً ليوسف من زوجة سابقة، لكانوا أكبر من الرب يسوع سناً وفى هذه الحالة لا يعتبر يسوع وارثاً لعرش داود (20) ، وفى هذا هدم لنصوص الكتاب ونبوات العهد القديم.

3- الرأى الثالث- وهو رأى كنيستنا القبطية الأرثوذكسية والكنيسة (21) اللاتينية أيضاً. بأن يعقوب هذا هو عينه ابن حلفى (كلوبا) وابن خالة السيد المسيح بالجسد من مريم أخرى شقيقة العذراء مريم، وذلك إستناداً لما جاء فى الإنجيل (22) المقدس- وقد دافع عن هذا الرأى بحماس كبير كل من چيروم وأغسطينوس. والغريب أن هذا الرأى الثالث يدافع عنه حالياً كثير من العلماء البروتستانت (23) … وفضلاً عن ذلك، فليس أدل على صحة هذا الرأى من أن التقليد الكنسى القديم فى العالم كله، يجعل منهما- يعقوب بن حلفى ويعقوب أخا الرب- شخصاً واحداً (24) .

هذا وقد أثير جدل أيضاً حول وضع هذا الرسول فى الكنيسة الأولى من جهة رسوليته – هل كان رسولاً من الاثنى عشر أم لا… فريق يؤكد رسوليته على إعتبار أنه ابن حلفى المذكور فى قوائم الرسل، وفريق يدعى أنه شخص آخر، وبالتالى ليس من الاثنى عشر… بل ذهبوا إلى أبعد من هذا، فقالوا بل إنه لم يؤمن بالسيد المسيح إلاَّ بعد قيامته، وظهوره له ظهوراً خصوصياً على نحو ما حدث لشاول الطرسوسى (بولس الرسول) قرب دمشق ويستند أصحاب هذا الرأى الأخير إلى ما جاء فى (يو 7: 5) ” لأن أخوته أيضاً لم يكونوا يؤمنون به” بالمقارنة مع ما قاله معلمنا بولس فى (1 كو15 : 7) عن ظهور الرب يسوع ليعقوب بعد قيامته المجيدة…

لكن ليس فى هذا ما يثبت هذا الزعم. فقول يوحنا أن إخوة الرب يسوع لم يكونوا يؤمنون به، لا يعنى عدم الإيمان كلية. لكن العبارة تحمل معنى عدم الإيمان الكامل بلاهوته… ولهذا الأمر نظير فيما يختص بالرسل أنفسهم، الذى قيلت عنهم أقوال مشابهة (25) … أما عن الآية التى أوردها القديس بولس الخاصة بظهور الرب له (1كو15: 3-7)… فنقول أن ظهور الرب ليعقوب بعد قيامته ليس فيه أى دليل على أنه لم يكن مؤمناً، ثم آمن بواسطة هذا الظهور كما فى حالة بولس الرسول. لأنه يوجد كثيرون أظهر الرب لهم ذاته بعد قيامته، فلماذا يكون يعقوب هو الوحيد بين هؤلاء جميعاً الذى كان غير مؤمن ثم آمن بسبب هذا الظهور ؟ !! أما عن هذا الظهور الذى خص به يعقوب، فهناك رأى قديم بخصوصه أورده كاتب إنجيل العبرانيين الأبوكريفا – وهو من أقدم الأناجيل الأبوكريفا وأقلها مجانبة للصواب – ويتلخص فى أن يعقوب لما علم بموت المخلص على الصليب تعاهد ألاَّ يذوق طعاماً إلى أن يقوم الرب من بين الأموات. وحدث فى صبيحة يوم القيامة أن الرب يسوع تراءى له وقدم له خبزاً وقال له: [ قم يا أخى، تناول خبزك لأن ابن البشر قام من بين الراقدين ] (26) … وجدير بالذكر أن كاتب إنجيل العبرانيين يجعل من يعقوب ابن حلفى ويعقوب أخ الرب شخصاً واحداً (27) .

ويؤكد رسولية هذا القديس وأنه من الاثنى عشر، نص صريح ذكره القديس بولس الرسول فى رسالته إلى أهل غلاطية. يذكر بولس زيارته الأولى لأورشليم بعد إيمانه فيقول: ” ثم بعد ثلاث سنين صعدت إلى أورشليم لأتعرف ببطرس، فمكثت عنده خسمة عشر يوماً. ولكننى لم أرى غيره من الرسل إلاَّ يعقوب أخا الرب” (غل 1: 18، 19) … وواضح من هذه الآية أن يعقوب أخا الرب رسول نظير بطرس والآخرين…

رأس كنيسة أورشليم، وصار أسقفاً عليها، واستمر بها إلى وقت إستشهاده. ولا يعرف بالضبط متى صار أسقفاً على أورشليم. لكن هناك رأى يقول إن ذلك كان سنة 34 م. وهذا التاريخ يتفق تقريباً مع شهادة چيروم التى ذكر فيها أنه ظل راعياً لكنيسة أورشليم نحو ثلاثين سنة (28) . وعمله كأسقف على أورشليم يوضح لنا حكمة الكنيسة الأولى وسياستها فى وضع الرجل المناسب فى المكان المناسب… فقد كان هذا الرسول يتمتع بشخصية قوية بحكم صلة القرابة الجسدية بالرب، فضلاً عن تقواه الشديدة ونسكياته الصارمة. ومن هنا فقد تمتع بسلطان كبير بين اليهود المتنصرين، بل تمتع بمكانة كبيرة بين اليهود أنفسهم، ولذا وضع فى أورشليم معقل اليهودية فى العالم كله، وإليها يفد الآلاف منهم، ليكون كارزاً لهم… وبناء على تقليد قديم دوّنه لنا أبيفانيوس، كان يعقوب يحمل على جبهته صفيحة من الذهب منقوش عليها عبارة ” قدس للرب” على مثال رئيس أحبار اليهود (29) .

تمتع هذا الرسول بمكانة كبيرة فى كنيسة الرسل… فقد رأس أول مجمع كنسى سنة 50 هو مجمع أورشليم، الذى عرض لموضوع تهود الأمم الراغبين فى الدخول إلى الإيمان (أع15)، وكان رأيه فيه فصل الخطاب بالنسبة لموضوع، كان يعتبر موضوع الساعة وقتذاك. بل يبدو أنه هو الذى كتب بنفسه قرار المجمع، فقد لاحظ العلماء، تشابهاً بين أسلوب ذلك القرار وأسلوب الرسالة التى تحمل اسمه (رسالة يعقوب)، مما يدل على أن كاتبهما شخص واحد.

والرسول بولس يذكره كأحد أعمدة كنيسة الختان الثلاثة، الذين أعطوه مع برنابا يمين الشركة ليكرز الأمم، بل ويورد اسم يعقوب سابقاً لاسمى بطرس ويوحنا مما يدل على مكانته (غل 2: 9)… ويؤيد هذه المكانة أيضاً، الخوف والارتباك اللذان لحقا ببطرس الرسول فى أنطاكية، الأمر الذى جعله يسلك مسلكاً ريائياً وبخه عليه بولس علانية لمجرد وصول إخوة من عند يعقوب !! (انظر غل 4: 11-14)

أما عن نسكه فقد أفاض هيجيسبوس (30) Hegesippus فى وصفه، وقال إنه كان مقدساً من بطن أمه لم يعل رأسه موسى، لم يشرب خمراً ولا مسكراً وعاش نباتياَ لم يأكل لحماً… وكان لباسه دائماً من الكتان. وكان كثير السجود حتى تكاثف جلد ركبته وصارتا كركبتى الجمل.

وبسبب حياته ونسكه ومعرفته الواسعة بالكتب المقدسة وأقوال الأنبياء نال تقديراً كبيراً من اليهود، وآمن على يديه كثيرون منهم فى مدة أسقفيته .. بل أن يوسيفوس المؤرخ اليهودى الذى عاصر خراب أورشليم، لم يتردد عن الاعتراف بأن ما حل باليهود من نكبات ودمار أثناء حصار أورشليم، لم يكن سوى إنتقام إلهى لدماء يعقوب البار…

لكن إنعطاف اليهود نحو القديس يعقوب أثار حنق رؤساء الكهنة والكتبة والفريسيين عليه فقرروا التخلص منه.

وذكر هيجيسبوس- وأيده فى ذلك إكليمنضس الاسكندرى – أن اليهود أوقفوه فوق جناح الهيكل ليشهد أمام الشعب ضد المسيح… فلما خيب ظنهم وشهد عن يسوع أنه المسيا وهتف الشعب أوصنا لابن داود. صعدوا وطرحوه إلى أسفل، أما هو فجثا على ركبتيه يصلى عنهم، بينما أخذوا يرجمونه، وكان يطلب لهم المغفرة. وفيما يصلى تقدم قصار ملابس وضربه بعصا على رأسه فأجهز عليه، ومات لوقته (31)

وكان ذلك فى سنة 62 أو سنة 63 بحسب رواية يوسيفوس و چيروم وفى سنة 69 بحسب روايه هيجيسبوس. والرأى الأول هو المرجح.

وقد خلف لنا هذا الرسول، الرسالة الجامعة التى تحمل اسمه والتى أبرز فيها أهيمة أعمال الإنسان الصالحة ولزومها لخلاصه إلى جانب الإيمان. أما عن تاريخ كتابتها، فهناك رأى يقول إنه كتبها فى الأربعينات قبل مجمع أورشليم، ورأى آخر يقول إنه كتبها قبيل إستشهاده بوقت قصير… كما خلف لنا يعقوب الرسول الليتورجيا (صلاة القداس) التى تحمل اسمه، والتى انتشرت فى سائر الكنائس (32) . أما عن صحة نسبتها إليه، فالتقليد الكنسى لجميع الكنائس الشرقية يجمع على ذلك (33) .

 

(16) Carrington,vol1,pp,31,40

(17) عالم وقس من قرطاجنة بشمال أفريقيا. ولد حوالى منتصف القرن الثانى وتوفى بين سنتى 220، 240 . انضم آخر القرن الثانى أو أوائل الثالث إلى هرطقة المونتانيين Montanists . له عدة إنحرافات إيمانية عقيدية

(18) 346 – N.p.N,F.,series vol.6,pp.334

(19) انظر: تاريخ الكنيسة السريانية الأنطاكية جـ1 ص 89

(20) انظر مت 1: 17؛ لو 1: 27؛ رو 1: 3؛ 2 تى 2: 8؛ رؤ 22: 16- وأيضا .274: ً Schaff,vol.1p

(21) انظر: ترجمة هذا الرسول فى سنكسار الروم الكاثوليك تحت يوم 9 تشرين الأول.

(22) انظر: يو 19: 25 بالمقارنة مع لو 24: 0 1؛ مر 15: 40.

(23) انظر التعليق عل يوسابيوس ك 1ف 12: فى مجموعة: N.P.N.F ,.scries 2,2 vol .1,p.99

(24) Dictionary of Biography ,christian

(25) انظر: مت 17: 17؛ مر 4: 40 ؛ 9: 19؛ 16: 14؛ لو 8: 25؛9: 49؛ 17: 5؛ 24: 25؛ يو 6: 64 وانظر تلميذى عمواس ورأيهما المدون فى لوقا 24: 13-27

(26) ترجم هذا الاقتباس القديس چيروم من العبرية إلى اللاتيية واليونانية وأورده فى الفصل الثانى من كتابه مشاهير الرجال انظر: N.P.N.F ,.scries 2,3 vol .1,p.362

(27) Schaff,vol.1p 266(footnote)

(28) خلاصة تاريخ كنيسة أورشليم الأرثوذكسية ص 5.

(29) خر 28: 16.

(30) هو أحد علماء القرن الثانى المسيحيين، كان يهودياً وآمن، ويرجح أنه كان من فلسطين متاثراً بالعوائد اليهودية كان كثير الأسفار فى سوريا واليونان وإيطاليا.كتب تاريخاً للكنيسة لكنه فقد، وقد حفظ لنا يوسابيوس بعض ققرات H.E.,2-23

(31) Eusebius ,H.E ,2-23 .

(32) خلاصة تاريخ كنيسة أورشليم الأرثوكسية ص 5 ، 6.

(33) عن ليتورجية القديس يعقوب انظر : A.N.F.,vol.1.pp.529-550

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b3-%d9%8a%d8%b9%d9%82%d9%88%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%b1/

القديس متى

كان من الجليل، ويدعى لاوى.. كان عشاراً، وكان العشارون جباة رسميين يعملون لحساب الرومان المستعمرين . لذلك كانوا ممقوتين لدى الشعب، ومعتبرين خطاة فى نظر عامة الناس … دعاه الرب أن يتبعه ـ وكان جالساً عند مكان الجباية ـ فترك كل شىء وقام وتبعه ( مت 9: 9-24)… ولا شك أن هذا يدل على قلب عملت فيه نعمة الرب فليس للإنسان أن يعمل أكثر من ذلك : أن يترك كل شىء، وليس فى إستطاعته أن يفعل أفضل من اتباع يسوع …

لازم الرب يسوع وسمع تعاليمه وشاهد عجائبه، وعاين قيامته المجيدة، وامتلأ من الروح القدس يوم الخمسين. قيل أنه كرز بالإنجيل فى بلاد اليهودية وأثيوبيا وقيل إنه بشر فى بلاد الفرس والبارثيين (39) .

 

(39) Smith,Dictionary of the bible , vol 2 .p.274

 

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b3-%d9%85%d8%aa%d9%89/

القديس يهوذا

ويدعى أيضاً تداوس ولباوس ويهوذا أخا يعقوب تمييزاً له عن يهوذا الاسخريوطى الذى أسلم الرب (40) … والتقليد القديم يؤكد أنه أخو يعقوب كما ذكر القديس لوقا فى إنجيله وفى سفر الأعمال- وليس ابن يعقوب كما فى الترجمة السريانية (41) … وهو أحد الأربعة المذكورين فى كتاب العهد الجديد إخوة الرب… لا يذكر الإنجيل متى دعى هذا الرسول للرسولية، لكن الأناجيل وسفر الأعمال تذكره ضمن جداول الرسل الإثنى عشر… لا يذكر ه الإنجيل إلأ فى موضع واحد. فحينما كان الرب يتكلم عقب العشاء الأخير وقال ” الذى عنده وصاياى ويحفظها فهو الذى يحبنى. والذى يحبنى يحبه أبى وأنا أحبه وأظهر له ذاتى” قال يهوذا للرب “يا سيد ماذا حدث حتى أنك مزمع أن تظهر ذاتك لنا وليس للعالم” (يو 14: 22،21).

أما عن كرازته، فتذكر التقاليد أنه بشر في بلاد ما بين النهرين وبلاد العرب وبلاد فارس. ويبدو أنه أنهى حياته شهيداً في إحدى مدن بلاد فارس.

والى هذا الرسول تنسب الرسالة التى تحمل اسمه بين الرسائل الجامعة، وهى رسالة قصيرة. ويذكر فى مقدمتها أنه ” عبد يسوع المسيح وأخو يعقوب “. ولم يتفق العلماء على تاريخ هذه الرسالة، ولا مكان كتابتها، ولا من أرسلت إليهم… وجل غرضها التحذير من المعلمين والمضلين والإخوة الكذبة.

 

(40) انظر: مت 10: 3 ؛ مر 3: 18 بالمقابلة مع لو 6: 16 ؛أع 1: 13

(41) انظر: تاريخ الكنيسة السريانية الأنطاكية جـ ا ص 68.

 

 

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b3-%d9%8a%d9%87%d9%88%d8%b0%d8%a7/

مشاركات سابقة «