Category Archive: شخصيات رهبانية

القديسة أبراكسية

نشأتها:

وحيدة أبوين محبين للعبادة والرحمة، وكان والدها أندئكيانوس أميرًا يمت بصلة قرابة للملك هونريوس (395 ـ 423 م) إمبراطور الغرب. وإذ تنيح الأب وهو يوصي ابنته التي رباها على حفظ الوصية الإنجيلية سألها أن تهتم بخلاص نفسها وألا تحيد عن طريق الرب، بكاه الكل من أجل تقواه ومحبته. وإذ كان الإمبراطور يحب هذه الأسرة طلب من الأم والابنة أن يعيشا معه في القصر، وكانت الإمبراطورة تحبهما جدًا، معتنية بابراكسية التي وهبها الله مع جمالها الفائق روح الوداعة والتعبد.

مجيئها إلى مصر:

سألت الأم ابنتها ابراكسية التي كانت في سن التاسعة، أن تسافر معها إلى مصر لتتصرف في بعض ممتلكات أندئكيانوس التي هناك، فانطلقت الابنة وهي متألمة لمفارقة الإمبراطور وزوجته إذ كانت قد تعلقت بهما جدًا.

في مصر بدأت الأم ومعها ابنتها تزوران بعض الأماكن المقدسة خاصة أديرة الراهبات لتنال بركة، فشاع خبرهما.

دخلت ابراكسية من دير إلى دير، وكانت تشعر كمن يهيم في السماء أو ينتقل بين جوانب الفردوس. فالتهب في داخلها الاشتياق للحياة النسكية، تكرس حياتها لعريسها السماوي الذي قدم دمه مهرًا لها…. خلال هذه الأحاسيس المتزايدة دخلت أحد الأديرة وقررت عدم الخروج منه.

مع الأخت يوليطة:

تعرفت على إحدى الراهبات تسمى يوليطة، فنشأت بينهما صداقة قوية على صعيد الروح، تسندان إحداهما الأخرى في الجهاد الروحي.

شعر الملك هونريوس وزوجته بالقلق تجاه ابراكسية ووالدتها إذ غابتا جدًا في مصر، فبعث رسلاً يبحثون عنهما، وبعد جهد شاق عرفوا مكانهما. عندئذ سألت الأم ابنتها أن تعود معها إلى الإمبراطور وزوجته، أما هي فأصرت ألاّ تخرج من باب الدير، ولا تتراجع عما عزمت عليه. وإذ أدركت الأم صدق نية ابنتها أبلغت الرسل أنهما سيقضيان حياتهما معًا في الدير، ثم قامت بتوزيع كل ممتلكاتهما على المساكين.

عاشت الأم سنوات قليلة ثم انتقلت بسلام إلى الفردوس، وبقيت ابنتها تمارس الحياة النسكية بحب شديد وغيرة متقدة في الرب.

عطايا الله لها:

أظهرت ابراكسية غيرة صادقة في عبادتها ونسكها ومعاملاتها، فصارت تكرس وقتها للصلاة ودراسة الكتاب مع التسبيح المستمر، تصوم أيامًا بأكملهاانقطاعيًا، تلبس المسوح عوض ثيابها الفاخرة وتفترش الأرض. وكانت منفتحة القلب مع صديقتها يوليطة، تشتركان معًا في كل شيء.

دخلت في آلام جسدية، ومع هذا لم تتراخ في جهادها، فتحنن الرب عليها وشفاها. وإذ رأى الله اتساع قلبها بالحب لله وهبها عطية الشفاء وإخراج الشياطين، فذاع صيتها وتحول الدير إلى مركز روحي حيّ يجد الكثيرون فيه راحتهم الروحية والنفسية والجسدية.

بقيت سنوات طويلة في الدير، يلجأ إليها المتألمون والمرضى بكل نوع يطلبون صلواتها.

نياحتها:

رأت رئيسة الدير في أحد الليالي كأن رجلين بهيين يلبسان ثيابًا بيضاء موشاة بالذهب عليها صليب كبير يضيء كالنور، يطلبان منها ابراكسية، قائلين بأن الملك يود منها أن تأتي إليه، ثم أخذاها إلى موضع مجيد للغاية.

استيقظت الأم لتروي ما رأت لبعض الراهبات، فحزن الكل جدًا على فراقها، وقد طلبت الأم منهن ألا يخبرن إياها بشيء بل يصلين من أجلها.

سمعت يوليطة فكانت تبكي بدموع لا تتوقف، وكانت تصلي إلى الرب إلا يطيل غربتها على الأرض حتى تلحق بصديقتها.

مرضت ابراكسية بحمى شديدة، وإذ أدركت أن ساعتها قد اقتربت تهللت بالروح وكانت تسبح الله وتشجع الراهبات اللواتي جلسن بجوارها يبكين. أما يوليطة فكانت تجلس عند قدميها تقرأ لها الكتاب المقدس، وإذ أدركت أن الوقت قد حان، بدموع قالت يوليطة: “أسألك أيتها الأخت المباركة ابراكسية من أجل المحبة التي جمعت بيننا والصداقة التي تأصلت فينا، إن كنت قد وجدت نعمة أن تطلبي منه لأجلي وأنتِ أمام عرشه لكي ينعم عليّ بالانتقال من هذا العالم”.

تحولت الدموع إلى تسابيح الرجاء، وإذ بها تنظر إليهن تشكرهن على محبتهن لها وتعبهن من أجلها، وفي نظرة مملوءة حبًا تطلعت إلى رئيسة الدير والأخت الراهبة يوليطة، وما عجز لسانها عن الحديث به عبرت به بنظرتها الوداعية، ثم رفعت عينيها نحو السماء ورشمت نفسها بعلامة الصليب لتسلم روحها في يدي الرب في 26 برمهات.

بركة صلواتها وشفاعتها تكون معنا جميعًا،،،

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b3%d8%a9-%d8%a3%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d9%83%d8%b3%d9%8a%d8%a9/

الأنبا بضابا الأسقف الشهيد

 نشأته:

وُلد هذا القديس في مدينة أرمنت بمحافظة قنا، من أسرة تقية، والده يُسمى مينا. “بضابا” مشتقة عن الهيروغليفية “باتبي” وتعنيالرئيسي” أو “الجوهري”، وفي القبطية “باتابي” تعني “المنتسب إلى الرأس”. تكونت صداقة قوية بينه وبين ابن خالته “أندراوس” منذ طفولتهما، فقد كان الأخير يكبر بضابا بعامين. وكانا يحملان فكرًا واحدًا هو التمتع بالملكوت السماوي. كان الاثنان منذ نعومة أظافرهما يلتقيان معًا على صعيد الروح، زاهدين في الحياة، عاكفين على دراسة الكتاب المقدس والكتب الدينية، يصومان يومين يومين بلا طعام ولا شراب مع المداومة على الصلاة ليلاً ونهارًا.

حياته الرهبانية:

 انطلقا معًا إلى الجبل الشرقي بقصر الصياد (مركز نجع حمادي)، وتتلمذا على يديْ القديس أنبا إيساك. سكنا صومعة يمارسان فيها تداريبهما الروحية، وكانا يمارسان نساخة الكتب الروحية لنفعهما الشخصي روحيًا ولبيعها مقابل دراهم قليلة للإنفاق على نفسيهما وتوزيع ما يتبقى على الفقراء. فاحت رائحة المسيح الذكية فيهما، وصارت صومعتهما مركز إشعاع روحي، فجاء إليهما أسقف المنطقة الأنبا تادرس وسام القديس بضابا قسًا وأندراوس شماسًا، وكانا يمارسان الخدمة الكهنوتية مرة كل أربعين يومًا في كنيسة بإحدى القرى المجاورة. دخل الأنبا تادرس الكنيسة يومًا، وإذ تطلع إلى القديس بضابا شاهد وجهه مشرقًا ببهاءٍ عجيب كما نظر إكليلاً كما من ذهب مرصع متلألئ موضوعًا على رأسه، فاشتاق أن يبقى بضابا وأندراوس معه في الأسقفية، فرفض الأول ورجع إلى قلايته بينما وافق الآخر أن يبقى معه. عاد القديس بضابا إلى قلايته، وإذ أدرك أن الكل يلاحقه هرب. أرسل الأسقف وراءه رسلاً فوجدوه قد ترك الموضع، فقام الأسقف بتدشين القلاية ككنيسة.

 

تنقلاته المستمرة:

لما هرب القديس كانت فضائله تسحب قلوب الكثيرين نحوه الأمر الذي كان يرعبه، فكان يزداد نسكًا كتأديبٍ لنفسه. أينما حلّ تجمهر المؤمنون حوله، لذا كان يتنقل بين “هوو”قوص” و”نقادة” و”بهجورة”، هربًا من الناس، وكان الرب يعمل به عجائب كثيرة.

رسامته أسقفًا:

أسقف قفط إذ تنيح أسقف قفط اجتمع الكهنة مع الشعب ورأوا أن القديس بضابا هو خير من يصلح للأسقفية، فبعثوا وفدًا كبيرًا إلى القديس البابا بطرس خاتم الشهداء (17) الذي رأى ملاك الرب في رؤيا يعلنه بسيامة هذا الأب أسقفًا. التقى البابا بالوفد واستجاب لطلبهم، وأرسل أربعة من الكهنة إلى الصعيد، حيث جاءوا به إلى البابا بالرغم من تردده لقبول هذه الرتبة وخوفه لئلا تهلك نفسه! إذ جاء القديس أمام البابا أعلنت الوفود التي جاءت متزاحمة قبولها بل وفرحها بالأسقف الجديد. رافقته الآيات والعجائب منذ لحظة سيامته وأثناء رجوعه بالسفينة حتى بلوغه كرسيه. عاش هذا الأسقف ناسكًا في ملابسه وطعامه، زاهدًا كل شيء. أرسل إلى ابن خالته “أندراوس” ليكون معه في خدمة ربنا يسوع المسيح فجاء وأقام عنده.

استشهاده:

في عهد دقلديانوس إذ كان أريانا والي أنصنا يجول صعيد مصر ليمارس كل أنواع العذابات على المسيحيين، علم الأسقف بأن الوالي قد بلغ مدينة إسنا وأنه يقوم بقتل سكانها. جمع الأسقف شعب المسيح وصار يحثهم على الثبات في الإيمان وقبول الآلام بفرح، ثم باركهم وودعهم. ذهب إلى مدينة إسنا وبصحبته القس أندراوس (ابن خالته) والقديس خريستوذلوا وهناك اعترفوا باسم السيد المسيح، ونالوا عذابات كثيرة، وقد ظهر السيد المسيح حيث أكد له: “تعزى يا حبيبي بضابا، أنا معك” ثم صعد إلى السماء وكان حوله كثير من الملائكة. تمتع الثلاثة بإكليل الاستشهاد في 19 من شهر أبيب، وكان القديس بضابا ابن ثمانية وستين عامًا، قضى منها 15 عامًا في بيت أبيه، 49 عامًا في الحياة الرهبانية النسكية، وثلاث سنوات ونصف على كرسي قفط أسقفًا. وضع الأب المكرم الأنبا ثاؤفيلس أسقف قفط ميمرًا في سيرة هذا الأسقف الشهيد، قام الاكليريكي الدكتور رشدى واصف بهمان بنشره

صلاة هذا القديس العظيم الأسقف والشهيد تكون معنا جميعًا.

 

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%86%d8%a8%d8%a7-%d8%a8%d8%b6%d8%a7%d8%a8%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b3%d9%82%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%87%d9%8a%d8%af/

حبيب جرجس

الأرشيدياكون
حبيب جرجس
بمناسبة اعتراف المجمع المقدس بقداسته
من هو الأرشيدياكون حبيب جرجس:

إن كان بابا الإسكندرية الراحل, مثلث الرحمات قداسة البابا شنودة الثالث، والكثير من الأساقفة والكهنة والشمامسة الحاليين من خدام التربية الكنسية، فالكل يشعر بأن الفضل يعود إلى الأرشيدياكون حبيب جرجس الذي أسس مدارس الأحد في كل القطر.
روى أحد الخدام انه كان تلميذًا في اجتماع للشباب يقوده المتنيح حبيب جرجس، وكان الشباب في وقتها ثائرين ضد رجال الكهنوت. أما هو فقال لهم إن الإصلاح الكنسي لا يقوم على الهجوم أو النقد اللاذع للقيادات الكنسية، وإنما بالعمل الجاد مع الأطفال والفتيان والشباب، إذ يصيرون أعضاء الكنيسة في المستقبل، ومنهم من يتسلم القيادات الكنسية.

نشأته:
ولد سنة 1876م وصار أشهر واعظ في جيله بعد القمص فيلوثيؤس إبراهيم، وكان في وعظه جهوري الصوت، قويًا، غزير المعلومات، يؤثر في سامعيه، وقد قام بإنشاء جمعيات خيرية جديدة، كما قام بتشجيع الجمعيات القائمة وأنشأ جمعيات أخرى للوعظ.

المعلم الأول:
مر وقت كان فيه حبيب جرجس هو المعلم الأول حتى أخرج للكنيسة جيلاً من المعلمين. وشمل عمله في التعليم الكلية الإكليريكية ومنابر الكنائس والجمعيات، كما علَّم بقلمه من خلال الكتب التي ألفها. وتعتبر مدارس التربية الكنسية من أهم ميادينه في التعليم. وقد أصدر حبيب جرجس مجلة الكرمة. كما أصدر أكثر من ثلاثين كتابًا في شتى العلوم الدينية: في الروحيات والعقيدة والتاريخ والإصلاح الكنسي. أصدر أيضًا كتبًا في الترانيم وفي الشعر.

مؤسس مدارس الأحد:
أنشأ مدارس الأحد سنة 1918 لتعويض النقص الذي يعانيه الطلبة الأقباط في دراسة مادة الدين في المدارس الأميرية وبعض المدارس الأهلية. فإنه وإن كان قد نجح مرقس بك مليكة في تقرير دراسة الدين المسيحي في المدارس الأميرية سنة 1908 لكن عدم وجود أساتذة متخصصين واعتبار مادة الدين إضافية أدى إلى إهمال تدريسه.
حددت اللجنة العليا لمدارس الأحد هدفها الذي تركز في خلق جيلٍ محبٍ للكتاب المقدس والحياة الكنسية والسلوك المسيحي بروح وطني، مع الاهتمام بالرحلات الدينية والخلوات الروحية.
تقدمت مدارس الأحد بسرعةٍ فائقةٍ، فصار لها في سنة 1935: 20 فرعًا بالقاهرة، 18 بالوجه البحري، 44 بالوجه القبلي، 30 بالسودان.
في عهد المتنيح البابا كيرلس السادس سيم نيافة الأنبا شنودة أول أسقف على المعاهد الدينية والتربية الكنسية، وباختياره بابا للإسكندرية بقي أيضًا مسؤولاً عن هذه الأسقفية.

المؤسس الحقيقي للإكليريكية:
يعتبر حبيب جرجس المؤسس الحقيقي للإكليريكية في عصرها الحاضر، فهو الذي اشترى لها الأرض وأسس لها المباني في مهمشة، وأعد القسم الداخلي لمبيت الطلبة. أنشأ الإكليركية في 29 نوفمبر 1893 والتحق بها, وصار الواعظ الأول ومدرس اللاهوت بالكلية في الربع الأول من القرن العشرين. وتسلم نظارتها سنة 1918 إلى نياحته سنة 1951.
وأنشأ كذلك القسم الليلي الجامعي سنة 1946م. وكان أول أستاذ لعلم اللاهوت في الكلية الإكليريكية، وتولى تدريس زملائه وهو طالب.اختير عضوًا للمجلس الملّي العام، ورُشِّح مطرانًا للجيزة سنة 1948م ولكن لم يقبل البابا يوساب رسامته لأنه لم يكن راهبًا.

نياحته:
وبعد أن خدم الأرشيدياكون حبيب جرجس الكنيسة 55 سنة خدمة باذلة ومضحية، مرض قليلًا وتنيح في 21 اغسطس سنة 1951م الموافق 15 مسرى 1667 للشهداء.

اعتراف المجمع المقدس بقداسته:
بعد مرور أكثر من ستين عامًا على نياحتة وافق المجمع المقدس لكنيستنا القبطية الأرثوذكسية برئاسة قداسة البابا تواضروس الثاني على الاعتراف رسميًا بقداسة الأرشيدياكون حبيب جرجس وذلك في جلسته بتاريخ 20 يونية 2013م.

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%ad%d8%a8%d9%8a%d8%a8-%d8%ac%d8%b1%d8%ac%d8%b3/

القديسة تكلا

تقدمة:

القديسة تكلا هي تلميذة القديس بولس الرسول، حُسبت كأول الشهيدات في المسيحية كما حُسب القديس إسطفانوس أول الشهداء، إذ احتملت ميتات كثيرة مع أنه لم يُسفك دمها. رآها كثير من الآباء نموذجًا مصغرًا للكنيسة البتول المزينة بكل فضيلة بعد القديسة مريم مباشرة، حتى أن كثير من الآباء حين يمتدحون قديسة عظيمة يدعونها “تكلا الجديدة”.

 

إيمانها:

نشأت في أيقونية وقد عُرفت بجمالها البارع بجانب خلقها الحميد وغناها مع علمها إذ اهتم والدها -أحد أشراف المدينة- بتثقيفها. تبحرت في الفلسفة، وأتقنت الشعر؛ وكانت فصيحة اللسان، مملوءة جراءة لكن في احتشام وأدب.

تقدم لها كثير من الشبان، وقد استقر رأي والديها على أحد الشبان الأغنياء، ابن أحد الأشراف، وكان يدعي تاميريس.

نحو عام 45م إذ مرّ القديسان بولس وبرنابا في مدينة أيقونية، في الرحلة التبشيرية الأولي (أع13: 51)، وإذ كانت تجلس عند حافة نافذة في أعلي المنزل ترى القديس بولس وتسمع كلماته، سحبها روح الله للتمتع بالإنجيل. التقت القديسة بالرسول بولس وسمعت له، وأعلنت إيمانها ثم اعتمدت. خلال جلساتها المستمرة شعرت بحنين شديد للحياة البتولية، فبدأت تطرح عنها الزينة الباطلة ولا تعبأ بالحلي واللآلئ، كما عزفت عن الحفلات والولائم، الأمر الذي أربك والدتها.

بدأت الأم تلاطفها وتنصحها أن تعود إلى حياتها الأولى العادية فتتزوج ليكون لها أطفال، ولكي تسندها أيضًا في شيخوختها، لكن القديسة أعلنت بكل حزم رغبتها في البتولية من أجل الرب، فصارت الأم تهددها. التجأت الأم إلى تاميريس ليساعدها في إقناع ابنتها بالزواج، فصار يتملقها، حاسبًا أنه قادر أن يسحب قلبها للهو العالم، أما هي فكانت تصرّ على حياة البتولية.

 

اهتمامها بالقديس بولس في السجن:

شعرت الأم بأن عارًا يلحق بها برفض ابنتها للزواج، وشعر تاميريس أن تكلا قد كسرت تشامخه، فتحول حبه لها إلى كراهية شديدة، وإذ أراد التنكيل بها أثار الوالي ضد معلمها بولس الرسول، فزج به في السجن.

أدركت القديسة كلمات بولس الرسول: “كلمة الله لا تُقيد” (2تي2: 9)، فتسللت إلى السجن لتقف بجوار معلمها، تسمع كلماته الإنجيلية، وتنفق عليه من مالها، إذ يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: “قدمت القديسة تكلا في بدء تنصرها ما عندها من الجواهر لإسعاف بولس الرسول، وأنتم القدماء في الديانة والمفتخرون بالاسم المسيحي لا تساعدون المسيح بشيء تتصدقون به على الفقراء”.

ومما ترتب على فعلها أن جُلد الرسول بولس ثم طرد بينما أُلقي القبض على تلميذته.

 

الآلام التي احتملتها:

ثارت الأم على ابنتها وأيضًا ثار تاميريس عليها، وقد حاول القاضي إقناعها أن ترتد عن الإيمان بالمسيح وتخضع لقانون الطبيعة فتتزوج لكنها رفضت بإصرار. أشعل أمامها أتون النار فلم تبالِ بل صلت لله وتقدمت بشجاعة بنفسها وسط الأتون. حدث ريح عاصفة وبروق ورعد، وإذ هطلت الأمطار انطفأت النيران ولم يصبها أذى، بينما أصاب الأذى بعضًا ممن هم حولها، وإذ هرب الكل انطلقت هي إلى خارج المدينة ورافقت القديس بولس حتى استقرت في إنطاكية.

وفي إنطاكية إذ افتتن بجمالها أحد كبار المدينة، يدعى إسكندر، وجدها يومًا في الطريق فحاول اغتصابها لكنها أفلتت من يديه، وصارت تنتهره وسط الجموع بل ومزقت ثوبه وألقت بعمامة رأسه في الوحل، فأراد الانتقام منها. وشى بها لدى الوالي الذي حكم عليها بإلقائها وسط الوحوش المفترسة.

جاءت الحشود تنظر الفتاة الجميلة تنهشها الوحوش المفترسة. وإذ أعطى الوالي أمره بإطلاقها، أسرعت إليها لتجثوا عند قدميها وتلحسهما بألسنتها، فظن الوالي أن الوحوش غير جائعة، فأمر بإعادة الكرّة في اليوم التالي وإذ تكرر المنظر تعالت صرخات الجماهير تطلب العفو عنها، وإن كان قلة طلبوا قتلها بكونها ساحرة.

أُلقيت تكلا في السجن، وفي اليوم الثالث ربطت في أقدام ثورين هائجين، وإذ تألمت جدًا صرخت أن يقبل الرب روحها، لكن فجأة انفكت عن الثورين الذين انطلقا ليطرحا الجلادين أرضًا ويهلكانهم.

أُلقيت أيضًا في جب به ثعابين سامة فلم يصبها أذى، أخيرًا أمر الوالي بإطلاقها حرة، خاصة وأن كثير من الشريفات المسيحيات والوثنيات كن ثائرات على موقف إسكندر معها في الطريق، وقد احتضنتها شريفة تدعي تريفينا.

 

تنقلاتها وخدمتها:

انطلقت القديسة تكلا إلى القديس بولس في ميرا بليكيا وأخبرته بعمل الله معها فمجد الله وشجعها، فكانت تسنده في الكرازة بين الوثنيات.

انطلقت إلى أيقونية فوجدت خطيبها قد مات، أما والدتها فأصرت على عنادها. كرزت بين بعض الوثنيات ثم انطلقت إلى سوريا تكرز وتبشر بين النساء وقد آمن على يديها كثيرات. اتخذت لنفسها مغارة في سلوقية وعاشت في حياة هادئة تأملية مدة 27 سنة، كانت الجماهير تأتي إليها وتستمع لكلماتها وتطلب صلواتها.

 

نياحتها:

قيل إن الأطباء ثاروا ضدها، لأن المرضى هجروهم وذهبوا إلى القديسة يطلبون صلواتها عنهم، وإذ أثاروا جماعة من الأشرار للفتك بها، جاءوا إليها فوجدوها تصلي. لم ترتبك بل رفعت عينيها إلى السماء، فانشقت الصخرة ودخلت فيها لتنطلق إلى عريسها السماوي.

جاء في بعض المخطوطات أنها وجدت في الصخرة طريقًا منه انطلقت إلى روما لترقد وتُدفن بجوار معلمها بولس الرسول.

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b3%d8%a9-%d8%aa%d9%83%d9%84%d8%a7/

القديس الأنبا كاراس السائح


*
تقديم:

تقدم سيرة القديس أنبا كاراس صورة حيّة عنالسياحةبكونها مؤازرة نعمة الله للمؤمن المجاهد ليتمتع بدرجة سامية في الاتحاد مع الله. لقد عاش أنبا كاراس حوالي 57 سنة لم يرَ وجه إنسان حتى جاء إليه القديس أنبا بموا للتعرّف عليه، فيسجل لنا سطورًا من سيرته التي لا يعرف سرّها إلا من اختبرها، ويقوم بتكفينه ودفنه. قال عنهم الشيخ الروحاني: “أولئك الذين أشرقْت عليهم بشعاعٍ من حبك لم يحتملوا السُكني بين الناس“.

 

*سيرته ودخوله البرية:

            هو شقيق الملك ثيؤدوسيوس الكبير؛ فقد عرف هذا القديس جيدًا فساد العالم وسرعة زواله، فترك كل ماله وخرج لا يقصد جهة معلومة. فأرشده الله إلى البرية الغربية الداخلية وهناك قضى سنين كثيرة وحده لم يبصر خلالها إنسانًا ولا حيوانًا.

 

*القس بموا ينطلق إلى البرية كان في برية شيهيت:

قس قديس يسمى بموا وهو الذي كفَّن جسد القديسة إيلارية، ابنة الملك زينون المحب لربنا يسوع (474-491م). اشتهى هذا الأب أن يرى أحدًا من عبيد المسيح السُواح، فساعده الرب حتى دخل البرية الداخلية فأبصر كثيرين من القديسين. وكان كل منهم يعَّرفه عن اسمه والسبب الذي أتى به إلى هنا، أما هو فكان يسأل كلاً منهم قائلاً: “هل يوجد من هو أكثر توغُّلاً في البرية منكَ؟فيجيبه: “نعم“.

 

 *مع القديس سمعان القلاع السائح:

 في اليوم الرابع من سيره في البرية الداخلية وجد الأنبا بموا إحدى المغارات، وقد كان الباب مغلقًا بحجرٍ كبيرٍ، فتقدم وطرق الباب. فسمع صوتًا يقول له: “جيد أن تكون هنا اليوم يا بموا كاهن كنيسة جبل شيهيت، الذي استحق أن يكفن جسد القديسة الطوباوية إيلارية ابنة الملك العظيم زينون“. ثم فتح له الباب ودخل وقبّل بعضهما البعض، وجلسا يتحدثان بعظائم الله ومجده.

 

 سأله الأنبا بموا: “يا أبي القديس، هل يوجد في هذا الجبل قديس آخر يشبهك؟تطلع المتوحد إلى وجهه وصار يتنهد، وقال له: “يا أبي الحبيب يوجد في البرية الداخلية قديس عظيم، والحق أقول لك أن العالم لا يستحق أبدًا وطأة واحدة من قدميه“. سأله أنبا بموا: “وما هو اسمه يا أبي؟فقال: “الأنبا كاراس“.

 

ثم سأل الأنبا بموا عن اسمه وعدد السنوات التي عاشها في المغارة، أجابه: “اسمي سمعان القلاع. ولي اليوم ستون سنة في هذه البرية لم أنظر وجه إنسان. وأتقوّت في كل سبت بخبزة واحدة أجدها موضوعة علي هذا الحجر الذي تراه خارج المغارة. وهذه الخبزة بنعمة المسيح تكفيني إلى السبت الذي يليه“. عندئذ قال له الأب بموا: “باركني يا أبي القديس وصلي لأجلي لكي أرحل وأسير في طريقي إلى الأنبا كاراس“.

 

*مع الأنبا بلامون القلاع:

 سار بعد ذلك ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ وهو متهلل بالروح، يصلي ويسبح الله حتى بلغ مغارة أخري. وإذ قرع الباب أجابه صوت يحمل روح الفرح والتهليل. ظنّه القديس كاراس. قال له القديس بلامون: “الويل لي يا أبي القديس. أعرفك يا أبي إن داخل هذه البرية قديس عظيم، العالم بأسره لا يستحقه، وصلواته تبدِّل الغضب الذي يحل من السماء علي الأرض، وأن الرب يستجيب صلواته سريعًا“. “من أكون أنا المسكين حتى أكون أنبا كاراس هذا الذي هو حقًا شريك للملائكة وشريك الطبيعة الإلهية“.

 

 قال له أن اسمه بلامون، وأنه منذ تسعة وسبعين عامًا يسكن في تلك البرية، يعيش علي النخيل الذي يطرح له الثمر، فيأخذ كفايته ويشكر المسيح. طلب منه الأنبا بموا أن يصلي من أجله ويباركه فأجابه: “الرب يسهِّل لك خطواتك، ويرسل لك ملائكته لتحرسك في طريقك، فخرج من عنده فرحًا ومملوء سلامًا.

 

*وصوله للأنبا كاراس:

وهكذا حتى وصل إلى القديس كاراس آخر الجميع، وهذا ناداه من داخل مغارته قائلاً: “أهلا بالأنبا بموا قس شيهيت، فدخل إليه وبعد السلام سأله الأنبا كاراس عن أمور العالم وأحوال الولاة والمؤمنين. وصفه الأنبا بموا قائلاً أنه كان منيرًا جدًا، وكانت نعمة الله علي وجهه، وكانت عيناه مضيئتين جدًا. وهو متوسط القامة، ذا لحية طويلة لم يتبقَ فيه إلا شعيرات سوداء قليلة بعد أن أصبحت بيضاء كالثلج. وهكذا كان شعر رأسه. كان يرتدي جلبابًا بسيطًا، هو نحيف الجسم ذو صوت خافت وفي يده عكاز.                                             

*شفافية الأنبا كاراس:

في اليوم السابع من شهر أبيب أخذ القديس كاراس يبكي وقد رفع عينيه إلى السماء وهو بين الفرح والحزن، ثم قال للأنبا بموا: “إن عمودًا عظيمًا قد سقط اليوم في صعيد مصر، ولما استفسر منه الأنبا بموا أجاب القديس: “إنه القديس العظيم الأنبا شنودة رئيس المتوحدين، وقد تنيّح اليوم ورأيت روحه الطاهرة صاعدة إلى علو السماء وسط تهليل الملائكة. وقد اجتمع الرهبان حول الجسد المقدس يتباركون منه وهو يشع نورًا وبركة“.

 

*نياحته:  

بفرح شديد قال الأنبا كاراس للأنبا بموا: “يا أخي الحبيب، لقد أتيت اليوم إليّ، وجاء معك الموت، فإن لي اليوم زمانًا طويلاً في انتظارك أيها الحبيب. خلال هذه المدة كلها (57 سنة) لم أنظر وجه إنسانٍ قط، وطوال هذا العمر كنت أنتظرك بكل فرحٍ وصبرٍ واشتياقٍ كبير“. تحدث الاثنان معًا عن عظائم الله، ومكث معه يومًا، وفي نهايته مرض القديس أنبا كاراس بحمي شديدة، وكان يتحرك مترنحًا وهو يتنهد ويبكي قائلاً: “جاءني اليوم الذي كنت أخاف منه عمري كله يا رب. إلى أين أهرب؟ ومن وجهك كيف أختفي؟ حقًا ما أرهب تلك الساعة! كرحمتك يا رب وليس كخطاياي“. كان الأنبا بموا يتعجب كثيرًا من هذا الكلام إذ كان يشعر بأنه خاطئ، وغير مستحق أن يكون في السماء. في اليوم التاليأي الثامن من أبيبظهر نور عظيم يملأ المغارة ودخل السيد المسيح الذي كان معتادًا أن يظهر له بنورٍ ومجدٍ عظيمين ويتكلم معه فمًا لفم، وأخذ روح الأنبا كاراس في حضنه ثم أعطاها لميخائيل رئيس الملائكة. فتبارك الأنبا بموا من جسده ثم كفّنه بعبائته وانثنى راجعًا يخبر بسيرته وهو يمجد الله. في طريق العودة قضي ثلاثة أيام مع الأنبا بلامون، وثلاثة أيام مع أنبا سمعان القلاع وروي لهما ما شاهد بعينيه، ثم ذهب إلى كنيسته بجبل شيهيت يروي لهما رحلته العجيبة

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%86%d8%a8%d8%a7-%d9%83%d8%a7%d8%b1%d8%a7%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d8%ad/

القديس بيجيمي السائح

ميلاده ونشأته :

وُلد القديس بيجيمي في بلدة (فيشا ( غالبًا فيشا بلجة التابعة للمحمودية بمحافظة البحيرة، وهى غير فيشا الكبرى أو فيشا النصارى التابعة لمحافظة المنوفية. نشأ في أسرة تقية فقيرة، وكان منذ صبوته يقوم برعاية غنم والده. وكان لهذا العمل البسيط أثره في حياته الداخلية، إذ كان يقضي فترات طويلة يتأمل عناية الله وحبه مشتاقًا إلى تكريس حياته لله. وبالفعل وهو في الثانية عشرة من عمره ظهر له ملاك على شكل صبي في ذات عمره وكان يتظاهر أنه يود الرهبنة، فأشعل الحديث قلب الصبي بيجيمي بحب الرهبنة. وبالفعل بعد ثلاثة أيام جاء إليه ثلاثة رهبان أخذوه معهم إلى نتريا ليقضوا أيامًا قليلة هناك، ثم انطلقوا إلى برية شيهيت (إسقيط القديس مقاريوس) حيث تقدم في الحياة الروحية بطريقة لفتت الأنظار إليه.

حياته الرهبانية:

عاش سبع سنوات ينمو كل يوم في حياة الفضيلة في الرب ولبس بعد ذلك الإسكيم وهو بعد شاب صغير (الإسكيم منطقة من الجلد يرتديها النساك، ويخضع لابسو الإسكيم لقوانين رهبانية شديدة ونسكيات زائدة). سار بروح الله فكان الرهبان يستشيرونه ويطلبون بركته، أما هو فعاش في وسطهم بروح الطاعة والاتضاع.

جهاده الروحي:

إذ نال شهرة عظيمة كان كثيرون يوفدون إليه من رجال ونساء، وإذ كان يخشى على نفسه لئلا يسقط في شهوة شريرة اهتم بالأكثر بحياته الداخلية من صلوات وأصوام مع عمل يدوي، وكان محبًا للسهر الروحي، متذكرًا القول الإنجيلي: “اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة، أما الروح فنشيط وأما الجسد فضعيف” (مت26: 41). كان كلما اجتمعت وفود كثيرة به يتذكر يوم الدينونة، مبكتًا نفسه بالقول: “ماذا أفعل إن افتقدني الرب وأنا موجود وسط هذه الجموع التي لا أستحق أن أكون واحدًا منهم، فإني خاطئ ومتوانٍ في عمل الرب”.
في البرية الداخلية:

إذ بلغ حوالي السادسة والثلاثين من عمره ترك الإسقيط وأنطلق إلى البرية الداخلية، كان يسير وهو يسبح الله حتى وجد وادٍ صغير به بعض النخيل وقليل ماء، ففرح القديس وانطلق حوالي عشرين ميلاً داخل البرية بعد الوادي حيث وجد صخرة عالية بها مغارة سكن فيها، حاسبًا نفسه انه وجد جنة عدن، إذ تهللت نفسه جدًا بهذا الموضع الهادئ. بقى في المغارة 24 عامًا يجاهد بفرحٍ وسرورٍ، إذ عُرف في كل حياته بالبشاشة، وكان ملكوت الله لا يفارق ذهنه. كان طعامه هو قليل من البلح الذي يجمعه من الوادي ليأكله دون أن يخزن منه في مغارته شيئًا. أما صلواته ومطانياته فكانت مع قراءاته لا تنقطع. كانت الشياطين تظهر له في شكل وحوش مفترسة لترعبه، فكان يتقوى بالصلاة والصراخ لله حتى عرف ضعفهم، فكان يسخر منهم باسم الرب ويرسم عليهم علامة الصليب فيهربون. كان الشيطان يحاربه بفكر اليأس والفشل لكي يحطمه، معلنًا له أن أعماله هذه كلها غير مقبولة لدى الله، لعله يفتر عن الصلاة والصوم، فصار يقاوم هذا الفكر خلال الأصوام والصلوات المستمرة لمدة 80 يومًا، فالتهب قلبه بالروح أكثر مما كان عليه.

ظهور الرب له:

ظهر له ملاك وقدم له قليلاً من الخبز والماء وطلب منه أن يرجع إلى بلدته. وإذ اختفى الملاك خشي لئلا يكون هذا حيلة شيطانية، فرشم على الخبز والماء بالصليب، وكان يأكل ويشرب شاكرًا الله على نعمته، وبارك الله في هذا الطعام زمانًا طويلاً. بعد سبع سنوات ظهر له السيد المسيح ومعه رئيس الملائكة ميخائيل والإثني عشر رسولاً ببهاء عجيب، وطلب منه أن يرجع إلى بلدته ليشهد له وسط الوثنيين ويثبت المؤمنين. قيل أن رئيس الملائكة حمله على سحابة نورانية، وجاء به إلى ربوة عالية تبعد 3 أميال من بلدته، وهناك حفر لنفسه مغارة وصار يتعبد لله، فجاء إليه كثيرون يتمتعون بكلمات تعليمه ويطلبون صلواته إذ وهبه الله صنع العجائب. في فاران قيل إنه بأمر إلهي ذهب إلى برية فاران وبقى هناك خمس سنين يرد الضالين إلى حظيرة الإيمان، ليعود إلى مغارته التي بقرب فيشا. تحولت مغارته إلى مركز حيّ للكرازة بالإنجيل وردّ المنحرفين، كما كانت موضع تعزية للمتعبين والمرضى.

لقاء الأنبا شنودة معه:

قيل أن الأنبا شنودة رئيس المتوحدين رأى كأنه قد حُمل إلى السماوات ليرى المجد المُعد للقديس أنبا بيجيمي، فتعجب جدًا، وقرر أن يذهب إلى فيشا لينال بركته. بعد أن أكل واستراح من الطريق صارا يسبحان الله ويصليان ويتعزيان بكلمة الله.

نياحته:

عرف القديس بيجيمي يوم نياحته، وأخبر تلميذه بذلك. في أول كيهك أصيب بحمى شديدة، وفي الحادي عشر رأى جماعة من القديسين جاءوا إليه ومعهم ملائكة يزفون نفسه إلى موضع راحتها .

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b3-%d8%a8%d9%8a%d8%ac%d9%8a%d9%85%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d8%ad/

القديس الأنبا هرمينا السائح

ميلاده ونشأته:
ولد القديس الأنبا هرمينا السائح من أبوين بارين في البهنسا وعاش في الفترة ما بين منتصف النصف الأول من القرن الخامس وأوائل القرن السادس وكان منذ صبوته راعيًا للغنم، ومع صغر سنه كانت حياته ممتلئة بالفضائل فقد كان وديعًا محبًا للغرباء يحيا وهو في العالم حياة رهبانية كاملة يصوم حتى المساء.
فلما رأى الرب نسكه وجهاده ونموه في الفضيلة أرسل له بطرس ويوحنا الرسولين في شكل راهبين عابري طريق أثناء رعيه للغنم وقت المساء فلما رآهما القديس استقبلهما بالفرح كعادته وألح عليهما بالذهاب معه إلى القرية أما هما فقالا: لا يمكننا ذلك لكننا نمضى إلى الدير الموجود بالجبل، فطلب أن يذهب معهما، فسألاه ماذا تصنع بالغنم فقال: سمعت سيدي يقول في الإنجيل ليس أحد ترك شيئًا من أجلى ومن أجل الإنجيل إلا ويأخذ مائة ضعف.
لبسه الأسكيم المقدس:
فلما سمعا منه هذا الكلام أخذاه معهما إلى الدير وهناك مع الأنبا يعقوب رئيس الدير ألبساه الاسكيم المقدس وباركاه وتركاه للأنبا يعقوب ليتتلمذ على يديه، وكان إن ازداد جهادًا ونسكًا وامتلأ من النعمة الإلهية. ثم أرسل له الرب القديس يوحنا الرسول ليأخذه إلى الجبل القبلي بتخوم مدينة قاو فباركه الأنبا يعقوب وانصرفا من عنده وعندما وصلا إلى قرب أسيوط استقر القديس في واد عميق جداً بجوار نخلة وعين ماء وهناك تركه يوحنا الرسول حيث سكن وقتًا في هذا الوادي متزايدًا في النسك والعبادة حتى ضعف جسده وغارت عيناه وكان من عادته أن يصوم الأربعين المقدسة ويظل ساجداً إلى كمالها.
حروب الشياطين ضده:
ذات مرة صنع لنفسه قيودًا يضع فيها يديه لتظل مبسوطين أثناء الصلاة على مثال الصليب فاغتاظت الشياطين منه فأثارت عليه حروباً كثيرة وشديدة ولكن الرب كان يرسل ملائكته وعلى رأسهم رئيس الملائكة ميخائيل والقديسين ليعزونه ويقوونه في جهاده وكثيراً ما أخذت روحه إلى أماكن النياح المعدة للقديسين.
علاقته بالملائكة والقديسين:
بعد انتصاره على الشياطين قاده الروح القدس من ذلك المكان وعبر النهر حتى وصل إلى جبل قاو حيث توجد مغارات كثيرة فيها أجساد لقديسين منتقلين وكان كلما مر على أحداها يسمع أصواتهم ترحب به وتشجعه وتعزيه وأقام في ذلك المكان وكان الرب يرسل له القديس يوحنا الرسول والملائكة لتقويه. ولما طعن في السن وقرب وقت نياحته أرسل الرب القديس يوحنا الرسول إلى رفيق جهاده القديس أباهور الذي من أبرحت المعروف بالقصار وطلب منه الذهاب إلى حيث القديس، وعندما وصل القديس أباهور رآه قائماً يصلى ويداه مبسوطتان وأصابعه متقدة كعشرة مصابيح نار وبخور طيب يخرج من فمه، ورآه مرة أخرى في وسط جمع كبير من الملائكة المتوحدين بالأكاليل واللابسين حللاً بيضاء كالثلج والسماء مفتوحة وبأمر من الرب قام بسيامته الأخيرة مع القديس أباهور حيث زار الأماكن التي عاش فيها القديسون السابقون آخذًا بركة أجسادهم ثم رجع إلى جبل قاو مرةً أخرى .
نياحته:
طلب من رفيقه القديس أباهور ألا يأتي إليه إلا بعد أثنى عشر يوماً وقبل الموعد المحدد ودع الأخوة، وفى الموعد جاء القديس أباهور فوجد هناك الأنبا يوساب الناسك الذي كان يهتم بدفن القديسين وهو حامل ثلاث لفائف وزنارًا، وإذ بالرب يسوع يحضر مع ملائكته وهم يرنمون ترانيم الفرح ويأخذ روحه الطاهرة إلى أماكن نياح القديسين بعد جهاد ستين عامًا لم يعط فيها لجسده راحة يومًا واحدًا وكان ذلك في يوم 2 كيهك وقام بدفنه الأنبا يوساب والقديس أباهور وقبره موجود في الدير المعروف باسمه حتى الآن.
وقد استحق أن يطوبه الرب قائلاً طوباك يا مختاري هرمينا الذي تاجر بالوزنات فربح أضعافًا ها أنا أجعل اسمك شائعًا في المسكونة كلها وقد أعددت لك ثلاث أكاليل، واحدًا من أجل بتوليتك والثاني من أجل غربتك والثالث من أجل أتعابك وجهادك من أجل اسمي وسوف تكون في جسدك قوة لشفاء الأمراض والمعونة للملتجئين إلى بيعتك وتذكارك لن ينقطع من بين الأخوة وسوف أظهر اسمك وسيرتك وجهادك في الأيام الأخيرة.

موقع دير القديس هرمينا السائح:
وللقديس دير على اسمه في الصحراء علي مسافة 2 كيلو متراً شمال عزبة الأقباط التي تبعد 15 كيلو متراً جنوب البداري محافظة أسيوط ويقال أن القديس له مغارة على مسافة بعيدة في الجبل هناك، بركته فلتكن مع جميعنا…

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%86%d8%a8%d8%a7-%d9%87%d8%b1%d9%85%d9%8a%d9%86%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d8%ad/

القديس جيروم

حبه للعلم والمعرفة
يعتبر القديس إيرونيموس أوإيرينيموس أوجيروم St. Jerome من أعظم آباء الغرب في تفسيره للكتاب المقدس، له تراث عظيم في هذا المجال مع مقالات نسكية وجدلية ضد الهراطقة ورسائل.
وُلد حوالي عام 342م، في مدينة ستريدون Stridon على حدود دلماطية وبانونيا وإيطاليا، من أسرة رومانية غنية وتقية. ولما بلغ الثانية عشرة من عمره أرسله والده إلى روما، فبرع في الفصاحة والبيان، وقد شغف بكبار شعراء اليونان والرومان. اهتم أيضًا بنسخ الكثير من الكتب كنواة لإنشاء مكتبة خاصة به.
في هذا التيار انجرف إيرونيموس عن الحياة التقوية، لكنه عاد فتاب ثم نال سرّ العماد وإن كان قد بقي زمانًا يصارع ضد الشهوات فكريًا.
حبه للعبادة
بعد ثلاثة سنوات قرر مع صديقه بونوسيوس أن يرحلا إلى تريفا للتفرغ للعبادة. هناك بدأ يدرس اللاهوت بدراسة الكتاب المقدس، ثم عاد إلى وطنه وأقام في أكيلية سبع سنوات، حيث توثقت علاقته بصديقه الحميم روفينيوس الذي سبق فصادفه في روما.
في إنطاكية
إذ كان يحث أخته على حياة البتولية والنسك هاج أقرباؤه عليه فاضطر إلى الرحيل إلى الشرق، مارًا على اليونان فآسيا، ليستقر في إنطاكية عام 374م، حيث استضافه القديس أوغريس. أحب جيروم أوغريس، وكان للأخير أثره القوي عليه إذ سحب قلبه نحو الشرق والحياة النسكية.
تعرف أيضًا على أبوليناريوس أسقف اللاذيقية الذي وقف القديس ضده بعد ذلك، حينما انحرف عن الإيمان.
تفرغ قديسنا لدراسة الكتاب المقدس مع ممارسة الحياة النسكية، فانفرد في برية خليكس جنوب شرقي إنطاكية لحوالي أربع سنوات تعلم فيها العبرية. وقد تعرض في هذه البرية لمتاعب جسدية كثيرة، كما يظهر مما كتبه إلى القديسة أوستخيوم يصف حاله بصراحة كاملة، فيقول: “كانت حرارة الشمس الحارقة شديدة ترعب حتى الرهبان الساكنين فيها، لكنني كنت أُحسب كمن في وسط مباهج روما وازدحامها… في هذا النفي أي السجن الذي اخترته لنفسي، حتى أرهب الجحيم. كنت في صحبة العقارب والوحوش وحدها فكنت أحسب كمن هو بين الراقصات الرومانيات. كان وجهي شاحبًا من الصوم الإرادي فكانت نفسي قوية في الجهاد ضد الشهوة. جسدي البارد الذي جف تمامًا، فصار يبدو ميتًا قبل أن يموت، يحمل فيه الشهوة حيّة، لذا ارتميت بالروح عند قدمي يسوع أغسلهما بدموعي، مدربًا جسدي بالصوم الأسبوع كله، ولم أكن أخجل من كشف التجارب التي تحل بي… ولا أكف عن قرع صدري ليلاً ونهارًا حتى يعود إلىّ السلام”.
عاد من البرية إلى إنطاكية عام 377م، فظهرت مواهبه، لذا ضغط عليه البطريرك بولينوس ليقبل الكهنوت، وإن كان قد اشترط إيرونيموس عليه ألا يرتبط بكنيسة معينة، ليتفرغ لكلمة الله أينما شاء الله أن يدعوه.
تركه إنطاكية
سمع إيرونيموس عن القديس غريغوريوس النزينزي، فذهب إليه والتصق به لمدة عامين، وفي مجمع القسطنطينية المسكوني عام 381م لمع نجمه. وفي سنة 382م رافق بولينس بطريرك إنطاكية وأبيفانيوس أسقف سلاميس بقبرص إلى روما، فاتخذه داماسيوس أسقف روما كاتبًا له، وأوكل إليه ترجمة الكتاب المقدس إلى اللاتينية، وتسمى بالفولجاتا La Vulgate. . امتزج عمله بحياة النسك مع الفكر الروح المتقد، فألتف حوله كثيرون، من بينهم شريفات قديسات مثل باولا وبنتاها بلوزلا واستوخيوم، ومرسيليا وأمها ألبينا، وأسيلا البتول الشهيرة.
متاعبه بروما
إذ تنيح أسقف روما هاجمه منافسوه إذ كانت الأنظار تتجه إلى سيامته، فأثاروا ضده افتراءات كثيرة، بسبب علاقته بهؤلاء الشريفات، واضطر أن يعود إلى الشرق مع أخيه بولنيانس وبعض الرهبان، يحمل معه مكتبته الضخمة ومؤلفاته، وقد كتب رسالة إلى بناته الشريفات مؤثرة للغاية، جاء فيها: “أشكر الله الذي وجدني مستحقًا أن يبغضني الناس… نسبوا إلىّ أعمالاً شائنة لكن أبواب السماء لا تُغلق وتُفتح بأقاويل الناس وأحكامهم”.
عودته إلى الشرق
لحقت باولا وأستوخيوم قافلته في إنطاكية، وانطلق إلى يافا ثم بيت لحم، وإذ جال في فلسطين ذهب إلى مصر حيث الحياة الرهبانية في أوج عظمتها.
في مصر التقي بالقديس ديديموس الضرير الذي كان يحبه، وقيل أنه سبق فتتلمذ على يديه لمدة شهور، وسأله عن بعض معضلات في الكتاب المقدس فوجد إجابات شافية، ومن شدة إعجابه به حينما سبق فطلب منه داماسوس أسقف روما أن يكتب له بحثًا في الروح القدس، لم يجد أفضل من أن يترجم له ما كتبه القديس ديديموس إلى اللاتينية.
زار كثير من الأديرة والتقى بعدد كبير من نساك منطقة الأشمونين بمصر الوسطى (التابعة لطيبة) ومنطقة وادي النطرون، وسجل لنا كتابه “تاريخ الرهبان” عن آباء رآهم والتقي بهم شخصيًا أو سمع عنهم من معاصرين لهم يعتبر من أروع ما سُجل عن الحياة الرهبانية في ذلك الزمن، وقد اقتبست الكثير منه في هذا القاموس المبسط.
في فلسطين
عاد إلى فلسطين يحمل في جعبته خبرة آباء نساك كثيرين، وهناك بنت له باولا ديرين في بيت لحم عام 386م أحدهما للنساء تسلمت هي إدارته، والآخر للرجال يرأسه القديس إيرونيموس قرابة 35 عامًا، تزايد فيه حبه للدراسة والكتابة. قال عنه سالبسيوس ساويرس: “تراه على الدوام غائصًا في كتبه”.
أُعجب بالعلامة أوريجينوس الإسكندري الذي حسبه هبة الله للكنيسة، فعكف على ترجمة الكثير من كتابته ومقالاته إلى اللاتينية، وكان يلقيها على الرهبان والراهبات، حتى جاء القديس أبيفانيوس أسقف سلاميس إلى فلسطين وألقى عظته على الجماهير وهاجم أوريجينوس بعنف… فأصطاد القديس إيرونيموس ليحوّله من العشق الشديد لأوريجينوس إلى العداوة المرة، فيحسبه كأبيفانيوس أنه علّة كل هرطقة، بل حسبه شيطانًا رجيمًا. وبسبب هذا التحوّل خسر القديس جيروم صديق صباه روفينوس، ودخل معه في صراعات مرة وقاسية. وقد حاول القديس أغسطينوس التدخل بأسلوب رقيق للغاية، لكن القديس جيروم دخل معه في صراع شديد وبلهجة قاسية.
تصدَّى أيضًا القديس جيروم لكثير من الهرطقات.
أيامه الأخيرة
في أواخر أيامه هاجم البيلاجيون ديره وأحرقوا جزءًا كبيرًا منه وقتلوا ونهبوا.
تنيح القديس في بيت لحم عام 420م في مغارة المهد، وقد نُقل جسده إلى روما.
يُعيِّد له الغرب في 30 من سبتمبر.
يصوره الغرب وأمامه أسد رابض، إذ قيل أنه شفى أسدًا وقد لازمه في الدير. وربما لأنه كان يمثل الأسد في البرية، يزأر بشدة من أجل استقامة الإيمان، لا يستريح ولا يهدأ بسبب الهرطقات.
ترجماته
قام بترجمة الكتاب المقدس “الفولجاتا”، كما قام بترجمة 78 عظة لأوريجينوس، كتب أوريجينوس الأربعة “عن المبادئ”، والرسائل الفصحية للبابا ثاؤفيلس الإسكندري، ورسالة فصحية للقديس أبيفانيوس، ومقال القديس ديديموس السكندري “عن الروح القدس”… الخ.
كتاباته
1. اهتم بتفاسير الكتاب المقدس، فُقد بعضها. فسّر سفر الجامعة، وبعض رسائل القديس بولس، وإنجيل متى، والرؤيا، واهتم بأسفار الأنبياء، أروعها تفسيره لسفر أشعياء… الخ. في تفاسيره حمل المنهج الإسكندري، مستخدمًا أسلوب العلامة أوريجينوس وطريقته الرمزية حتى بعد مقاومته له.
بعض تفاسيره كتبها بسرعة شديدة، فسجل تفسيره لإنجيل القديس متى في 14 يومًا.
2. كتب في التاريخ: “مشاهير الرجال” ويعتبر الكتاب التاريخي الثاني بعد كتاب أوسابيوس القيصري، ضم 135 فصلاً، مقدمًا في كل فصل عرض لسيرة كاتب مسيحي وأعماله الأدبية، وقد سبق لي التعليق على هذا الكتاب بتوسع (راجع مقدمات في علم الباترولوجي، 1974م، ص14-16).
كتب أيضًا في سير الرهبان، كما سجّل حياة القديس بولا الطيبى وغيره…
3. كتابات جدلية ضد يوحنا أسقف أورشليم، واحتجاجه ضد روفينوس، وآخر ضد هلفيديوس (بخصوص دوام بتوليه العذراء مريم)، وضد جوفينيان، وضد البيلاجيين… الخ.
4. رسائله.

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b3-%d8%ac%d9%8a%d8%b1%d9%88%d9%85/

القديس البابا كيرلس السادس البطريرك المائة والسادس عشر

ما كتب عن هذا البابا القديس بعد نياحته، بلغات متعددة، أكثر مما كتب عنه في أثناء حياته. فقد عرفه كثيرون خاصة في مصر والسودان وأثيوبيا ولبنان وسوريا كرجل الله، رجل صلاة له موهبة صنع العجائب والمعجزات.

انتقل البابا يوساب الثاني في 13 نوفمبر 1956م وظل الكرسي البابوي شاغرًا إلى 10 مايو 1959م يوم سيامة هذا البابا، وفي فترة الانتقال هذه استمرت الصلوات والمشاورات والأصوام لكي يعطي الرب راعيًا صالحًا لكنيسته، وأجريت الانتخابات وتمّ فرز الأصوات لاختيار الثلاثة الحائزين على أعلى الأصوات، ثم أجريت القرعة الهيكلية يوم الأحد 19 إبريل 1959م وفاز فيها القمص مينا المتوحد. وفي يوم الأحد 10 مايو تمت مراسيم السيامة ودُعي باسم كيرلس السادس مع أن الجميع كانوا يتوقعون تسميته مينا، ولكن البابا كان قد رأى في حلم البابا كيرلس الخامس فطلب أن يحمل اسمه.

نشأته:

وُلد الطفل عازر في 2 أغسطس سنة 1902م من أسرة تقية مشبعة بروح القداسة وكان الثاني بين اخوته، وعاشت الأسرة معظم حياتها في دمنهور نازحين من طوخ النصارى، وكان بيتهم محط استراحة الرهبان ومنهم شيخ اسمه القمص تادرس البراموسي الذي قال لأمه عنه يومًا: “إنه من نصيبنا”. وفي الإسكندرية أتمَّ عازر دراسته الثانوية، وعمل في شركة ملاحة، وفجأة قدم استقالته من العمل معلنًا رغبته في الرهبنة، حاولت الأسرة والأنبا يوأنس مطران البحيرة والمنوفية آنذاك تثنيته عن عزمه، لكنه كان قد عرف الطريق إلى الله.

رهبنته:

ساعده الأنبا يوأنس في طريق الرهبنة بموافقة أخيه ووالده والتحق بالكلية الإكليريكية بمهمشة، وفي 27 يوليو سنة 1927م دخل دير البراموس بتوصية من المطران، ومنذ ذلك الحين لبس جلبابًا أسود وطاقية سوداء. وقد منحه الله نعمة في عينيَّ القمص عبد المسيح المسعودي الذي كان ابنًا له وكان هو أب حنون مدقق معه، ورُسم راهبًا في بداية الصوم الكبير يوم الاثنين 25 فبراير سنة 1928م وتسمى باسم الراهب مينا.

اتّصف بالتواضع الجم وخدمة الشيوخ، بالإضافة إلى حبه للقراءة في سير الآباء وتعاليمهم، فاهتم بمكتبة الدير. وكانت أحب القراءات إليه كتابات مار اسحق السرياني مما جعله ينسخها في خمسة مجلدات، ثم أصدر مجلة شهرية كتوصية أبيه الروحي أسماها “ميناء الخلاص” كتبها بخط يده بعدد رهبان الدير.

سيامته قسًا:

رُسِم قسًا الأحد 18 يوليو 1931م على يد أنبا ديمتريوس مطران المنوفية ودرس بعدها في الكلية اللاهوتية بحلوان مع صديقه القمص كيرلس أنبا بولا، ومنذ تلك اللحظة استمر في تأدية صلاة عشية وباكر والقداس كل يوم.

حياة الوحدة:

بعد خمس سنوات فقط من رهبنته غادر الدير إلى مغارة للتوحد، وكان يعاود الرجوع إلى ديره مساء كل سبت ويغادره مساء كل أحد. وزاره أنبا يوأنس البابا في وحدته مع سائح أمريكي يرغب الكتابة عن الرهبنة، ومعه مدير مصلحة الآثار شخصيًا الدكتور حسن فؤاد، وبعد مدة سكن في طاحونة في مصر القديمة بموافقة مدير مصلحة الآثار، الذي كان قد زاره من قبل في قلايته.

ولم يكن للطاحونة باب ولا سقف، وزامله فيها ذئب كان يأتيه كل مساء ويشرب معه القهوة وفي الصباح يغادر الطاحونة، ثم بمعاونة المحبّين بنى للطاحونة سقفًا ودور ثانٍ ليكون هيكلاً، ودبّر له الله شماسًا ليصلي معه القداس كل يوم.

رئيس دير الأنبا صموئيل المعترف:

بمشورة الأنبا يوساب القائمقام البطريركي بعد نياحة أنبا يوأنس البابا المائة والثالث عشر، أصبح القس مينا المتوحد رئيسًا لدير الأنبا صموئيل القلموني، الذي بدأ بتعميره ثانية وتعمير كنيسة العذراء فيه، وكرّسها أنبا أثناسيوس ورقّاه قمصًا فيها، وعادت الحياة إلى الدير على يد ذلك الناسك البسيط.

بناء كنيسة مار مينا بمصر القديمة:

وفي مصر القديمة بُناء على رغبته تم شراء أرض أقام عليها كنيسة باسم مار مينا، بعد أن فشل في تعمير دير مار مينا بمريوط، وأقام هو على سطح الكنيسة وأقام فيها بعض غرف للخدمة، وتعليم الشباب الحِرف، وسُكنًا للغرباء، وعاود إصدار مجلة “ميناء الخلاص”، وتخرج من المغتربين الذين سكنوا تحت رعايته الجيل الأول من الرهبان الشباب. وأعطاه الله مواهب كثيرة منها الإفراز وشفاء الأمراض وإخراج الأرواح النجسة مع أنه ظل غارقًا في صمته وصلواته وأصوامه ودموعه إلى أن وقع عليه الاختيار لكرسي الإسكندرية.

سيامته بابا الإسكندرية:

اصطحبه الآباء الأساقفة – حسب طقس الكنيسة – من ديره إلى مقر البطريركية، وفعلاً قصدوا دير البراموس ومنه إلى البطريركية صباح الأحد 10 مايو 1959م.

منذ رسامته أصبح بابه في المقر البابوي بالأزبكية مفتوحًا أمام الجميع ليلاً ونهارًا متخذًا من الشباب تلاميذ له، وكانت خدمته متعددة الجوانب.

من الناحية الروحية كان دائم الصلاة أمام المذبح بمحبة وروحانية ألهبت قلوب الشعب فجذب الجميع إلى محبة الله والكنيسة والآخرين.

ومن ناحية التعمير عزم على تعمير أديرة برية شيهيت وأديرة الوجه القبلي، كما وضع حجر أساس كاتدرائية جديدة ومبنى للكلية الإكليريكية بمنطقة الأنبا رويس بالإضافة إلى كنائس عديدة وأديرة للراهبات.

أما من الناحية الثقافية فبالإضافة إلى تشجيع المعاهد الكنسية ورسامة أسقفين أحدهما للتعليم والآخر للبحث العلمي، فقد أقام مبنى خاص للمطبعة التي أهدتها إليه كنيسة النمسا.

ومن الجانب الوطني فقد آثر البابا أن يبدأ خدمته في مصر بما نهج عليه الباباوات على مر العصور، فقام بزيارة رئيس الجمهورية جمال عبد الناصر يوم الجمعة 12 أكتوبر من نفس العام.

مرّت مرحلة كان فيها جمال عبد الناصر يصوّب سهامه ضد الأقباط بكل قوته. وساءت العلاقات بينه وبين البابا. لم يكن لدي البابا ملجأ إلا الصراخ إلى الله وطلب شفاعة مار مرقس كاروز الديار المصرية.

بعمل معجزي فائق تحوّلت العداوة إلى صداقة، فصار البابا والرئيس صديقين حميمين يزور أحدهما الآخر، وقد ساهمت الدولة في سدّ العجز في إيرادات البطريركية، واشترك الرئيس في حفل وضع حجر الأساس للكنيسة المرقسية الكبرى بالأنبا رويس.

وضع حجر الأساس لدير مارمينا بمريوط:

لم نسمع قط عن إنسان له صداقة مع القديسين مثل البابا كيرلس السادس الذي كثيرًا ما كان يراهم ويحاورهم، خاصة صديقه الحميم مار مينا العجايبي الذي تسمى باسمه في الرهبنة وحرص أن يأتي برفاته ليضعها في الكنيسة التي بناها على اسمه في مصر القديمة، وكان حريصًا على زيارة االدير الأثري القديم (منطقة أبو مينا الأثرية)، إلى أن استطاع شراء مائة فدان بجوار المنطقة الأثرية وقام بوضع حجر الأساس لدير مارمينا الحالي بصحراء مريوط سنة 1959م، والذي خُرب في القرن العاشر ثم قام ببناء ال 5 أفدنة الأولي للدير وعادت الصلوات والألحان والحياة الرهبانية إلى تلك البقعة بمريوط، وكان قداسته يحب هذا الدير ويذهب إليه كثيرًا ويقضي هناك شهورًا، حتى أنه احضر جزًا من رفات الشهيد مارمينا ووضعها في هذا الدير كبركة للمنطقة كلها0

الاهتمام بالعالم الخارجي:

في عصره أقيمت كنائس لرعاية الأقباط في أوربا ورسم مطرانًا للكرسي الأورشليمي للحفاظ على أملاك الكنيسة القبطية هناك.

وفي أفريقيا نظم الكنيسة في أثيوبيا رعويًا وإداريًا ورسم لها بطريركًا (جاثليق) هو الأنبا باسيليوس الذي تمت رسامته في مصر في يونيو سنة 1959م وحضرها الإمبراطور هيلاسلاسي وأهدى البابا وشاح سليمان الأكبر، كما زار البابا أثيوبيا في أكتوبر 1960م ولاقى فيها ترحيبًا فاق الوصف.

هذا ولأول مرة في العصر الحديث نسمع عن المجامع المسكونية، فقد ترأّس البابا كيرلس السادس مؤتمر الكنائس اللاخلقيدونية المنعقد في أديس أبابا في يناير سنة 1965م، متفقًا مع بطريرك إنطاكية وبطريرك الأرمن وجاثليق الكنيسة السريانية بالهند على عدة قرارات تؤدي إلى تعميق المفاهيم الأرثوذكسية اللاهوتية.

الكرازة:

أما عن العمل الكرازي فقد أوفد البابا عام 1960م من افتقد الكنيسة في دول شرق أفريقيا، وحضور مؤتمر مجلس كنائس أفريقية ومؤتمر الشباب الأفريقي، وفي نفس الوقت شجع قسم الدراسات الأفريقية في معهد الدراسات القبطية لإعداد جيل من الخدام اللاهوتيين والمدنيين للعمل في ربوع أفريقيا، وجاءت وفود أفريقية للدراسة في المعاهد اللاهوتية القبطية بمصر.

تجلي العذراء مريم:

من الأحداث الهامة في حِبْرية البابا كيرلس السادس، تجلي السيدة العذراء فوق قباب كنيستها بحي الزيتون بالقاهرة منذ ليلة 2 إبريل سنة 1967 م، ولمدة سنتين وأربعة شهور متتالية. وصاحب التجلي ظهورات سمائية مثل الحمام وروائح بخور ذكية، بالإضافة إلى معجزات شفاء كثيرة لمسيحيين ومسلمين على السواء.

استرجاع رفات كاروز الديار المصرية القديس مار مرقس الرسول:

أيضًا من الأحداث الهامة في عصره استرجاع رفات كاروز الديار المصرية القديس مار مرقس الرسول يوم 23 يونيو سنة 1968م، بعد غياب حوالي أحد عشر قرنًا، واستمرت الاحتفالات ثلاثة أيام شاركت فيها الدولة والكنائس الأخرى.

نياحته:

في 9 مارس سنة 1971م تحققت انطلاقته نحو مشتهى نفسه بعد جهاد مع مرض استمر خمس سنوات، ولم تدم باباويته سوى 11 سنة وعشرة شهور، وظل جالسًا على الكرسي البابوي ثلاثة أيام ألقى عليه أبناءه نظرة الوداع ثم صُلي عليه بالكاتدرائية الكبرى بالأزبكية. ثم بعد ذلك نُقِل جثمانه الطاهر في 24نوفمبر سنة 1972م من الكتدرائية المرقسية بالأنبا رويس ليدفن تحت مذبح الكاتدرائية الضخمة التي كان قد شيدها في دير مار مينا بمريوط وذلك تحقيقًا لوصيته.

بركة صلواته تكون معنا ولإلهنا المجد دائمًا.

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%a8%d8%a7-%d9%83%d9%8a%d8%b1%d9%84%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%af%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b7%d8%b1%d9%8a%d8%b1%d9%83-%d8%a7/

القديس يعقوب المجاهد التائب

قديسنا كان محب للوحدة والسكون فحاربه عدوالخير بالكبرياء والإعتزاز بالنفس لدرجة أنه اتكل على ذاته فسمح الرب بسقوطه ليعلم مقدار ضعفه ولكي تنصلح نفسه وبذلك يقدم لنا مثل من أعظم الأمثلة في التوبة.

حياته الأولى:

عاش هذا الراهب في القرن الرابع الميلادي، وانفرد متوحدًا في مغارته التي أقام بها 15 عامًا أ جهد نفسه بالأصوام والصلوات المستمرة، وكان محبًا للوحدة والسكون وقطع شوطًا طويلاً في حياه الفضيلة والجهاد حتى سمى إلى درجةٍ عاليةٍ وأنعم الله عليه بفضائله ومنحه موهبة إخراج الشياطين.

مواهب الله له:

ذات مرة جاء أحد الأشخاص إلى نتريا لكي يُشفى من مرضه، وعندما كان يمر بقلاية هذا القديس صرخ الشيطان وخرج منه، وعرف سكان البلدة بهذه القصة وللحال التف حوله كثيرون ممن بهم أمراض فكان يصلي عليهم ويشفيهم بقوة الله، وقد حباه الله إخراج الأرواح الشريرة.

الشياطين تحاربه:

حاول الشيطان أن يوقعه في الشر فاحتال عليه قوم من أتباع إبليس وأوعزوا إلى زانية فتزينت وذهبت إليه ودخلت عليه المغارة، ووثبت عليه وصارت تداعبه مستدرجة إياه إلى الخطية. فما كان من القديس إلا أن وعظها وذكّرها بنار جهنم والعقوبات الدهرية، تكلم معها بثبات ووقار حتى ندمت ورجعت عن طريقها وخرجت بدموعٍ وندمٍ واشتاقت إلى التوبة. فأرسلها القديس إلى أحد الكهنة لتعترف أمامه. كانت تردد الشكر الله الذي منَّ عليها بالرجوع عن طريق الموت إلى الحياة وذلك بصلاة القديس.

مرة أخرى ظهر له الشيطان بهيئة جسمية وقال له: ” يايعقوب قد ضجرت للغاية لأنك تخرجني من كل موضع لي فأقلقت راحتي ولم تتركني استريح ساعة واحدة “، فلما أبصره القديس عرفه وقال لوقته: ” ما هي قدرتك أنت حتى تقف أمام أولاد الله وتزعجهم ؟ ” والتفت إليه القديس ورفع عكازه الذي كان موسومًا بعلامة الصليب بقوة وضرب الشيطان على رأسه ثلاث ضربات منتهرًا آياه قائلاً:” الرب يسوع المسيح يبعدك عنا أيها الشرير الطاغي يا ابن الهلاك ” فخاف الشيطان العدو وهرب.

بعد أيام ليست كثيرة جاء الشيطان مرة ثانية وقال له: ” يا يعقوب قد ضربتني ثلاث ضربات ممكن أن تداوى ولكني سأضربك ثلاث ضربات

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b3-%d9%8a%d8%b9%d9%82%d9%88%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ac%d8%a7%d9%87%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a7%d8%a6%d8%a8/

القديسة سينكليتيكي

ليست القداسة والفضيلة حكرًا على الرجال فقط، بل نجد أن النساء أيضًا وصلن إلى قامات روحية عالية، وقديستنا يعدّها بعض المؤرخين ندًا للقديس الأنبا أنطونيوس كوكب البرية، فكما كان الأنبا أنطونيوس أبًا لجميع الرهبان، كانت سينكليتيكي أمًا لتلك المجموعة المتناسقة من العذارى المتبتلات، اللاتي جعلن من وادي مصر الخصيب مقرًا للنعمة الإلهية.

نشأتها:

في مدينة الاسكندرية وفي القرن الرابع ولدت هذه القديسة من أبوين شريفين وتربت على مخافة الله وحب الفضيلة، ولا يعرف زمن مولدها بالتحديد، فلم يذكرالقديس أثناسيوس الرسولي كاتب سيرتها السنة التي ولدت فيها وكانا والديها قد أنجبا ولدين وبنتين فأرادا أن يثقفانهم بأسمى أنواع الثقافة التي لم تكن متوفرة سوى في مدرسة الإسكندرية لذا أستقرا بجوارها.

التجارب تحيط بأسرة القديسة:

فجعت هذه الأسرة بوفاة أصغر اخوة سينكليتيكي في صباه، أما الأكبر فقد انتقل إلى عالم الخلود ليلة زفافه،ولم يعد سوى بنت صغيرة مكفوفة وهذه القديسة، الأمر الذي حرك عقل وقلب سينكليتيكي إلى التفكير والتأمل وأضحت مباهج العالم ومفاتنه في نظرها سرابًا خادعًا.

حياة البتولية والنسك:

حين طغت عليها هذه الخواطر قرّرت أن تكرّس حياتها لخدمة الله، على أنها أدركت في الوقت عينه أنها لا تستطيع ترك أبويها، لأنها إن تركتهما فستزيدهما حزنًا على حزن، فاستمرت تعيش في البيت معهما ولكنها أعلمتهما بأنها ترغب في الاحتفاظ ببتوليتها.

طلبا إليها في بادئ الأمر أن تتزوج كي يتعزيا بتربية أولادها، ولكنهما نزلا على رغبتها حين اتضح لهما أنها صادقة العزم في ما قالت، ومن ثم وضعت لنفسها نظامًا نسكيًا تسير عليه بكل دقة وإخلاص وهي مقيمة في بيت أبويها.

ظلت سينكليتيكي مداومة على أصوامها وصلواتها ونسكها وتعبدها في بيت أبويها إلى أن انتقلا إلى عالم النور، وعند ذاك وزّعت أموالها على الفقراء وأخذت أختها وذهبت إلى مقبرة العائلة حيث عاشت بضع سنوات، وفي تلك الفترة ضاعفت أصوامها وصلواتها وتأملاتها.

أم العذارى المتبتلات:

بدأ عبير حياتها ينتشر في الأرجاء إلى أن ملأ الإسكندرية، فجاء لزيارتها عدد غير قليل من الشابات. البعض منهن لمجرد رؤيتها وأخذ بركتها، والبعض الآخر مستفسرات عن حل مشاكلهن. وكان من الطبيعي أن تتأثر بعضهن بقدوتها ويمكثن معها ويشاركنها حياة النسك والتأمل.

تركت مقبرة العائلة وأخذت زميلاتها ليعشن معًا في مبنى خارج المدينة، وكرست حياتها لخدمتهن صائرة قدوة وصورة حية لما تنادي به من تعاليم، ولذلك أحبتها زميلاتها وأخلصن الولاء لها وأطعنها عن رضى وحبور.

تزايد عدد الشابات اللواتي خضعن لرياستها سنة بعد الأخرى، وكان بعضهن يقضين معها فترة من الزمن يعدن بعدها إلى بيئتهن ليحملن إلى أهلهن النعمة المنعكسة عليهن من حياة سينكليتيكي.

مرضها ونياحتها:

بلغت القديسة الثمانين من عمرها وكانت حتى ذلك الوقت تتمتع بصحة تامة، وفجأة أصيبت بمرض مزعج، فقد غطت القروح جسمها من قمة الرأس إلى أخمص القدم حتى أفقدها القدرة على النطق، وتضاعف ألم القروح بحمى عالية موجعة فكان صبر القديسة شبيهًا بصبر أيوب إذ تحملت كل ما أصابها برضى وطول أناة.

قبل انتقالها بثلاثة أيام رأت جمهورًا من الملائكة ومعهن عدد من العذارى، وتقدموا إليها قائلين:

” إننا أتينا لندعوكِ فتعالي معنا “.

وما أن سمعت هذه الكلمات حتى تبدّل حالها فبدت كأنها شخص جديد إذ قد اكتنفها نور بهي، وعاشت بعد ذلك ثلاثة أيام كاملة استنار الراهبات خلالها بالنور السماوي المنعكس عليهن من رئيستهن المريضة، ثم انتقلت إلى بيعة الأبكار في هدوء.

أقوال مأثورة للقديسة:

• يكثر في البداية التعب والجهاد عند الذين يتقدمون نحو الله، لكن بعد ذلك يغمرهم فرح لا يوصف. وهم كالذين يريدون إشعال النار، يلفحهم الدخان فتدمع عيونهم لكنهم يبلغون إلى ما يرومون، لأنه يقول: “إن إلهنا نار آكلة” (عب 12 : 29). هكذا يجب علينا أن نضرم النار الإلهية بدموع وأتعاب.

• يجب علينا نحن الذين اخترنا هذه المهمة أن نقتنى التعقل الأسمى، لأن التعقل يبدو طريقًا صحيحًا لنا ولأهل العالم أيضًا. لكن يرافقه جهل بسبب ارتكاب الخطيئة بكل الأحاسيس الكثيرة الأخرى. في الحقيقة أمثال هؤلاء لا يرون كما يجب، ولا يضحكون كما يليق.

• كما تُبعد الأدوية القوية الحادة الوحوش السامة، هكذا تبعد الصلاة مع الصوم الفكر الشرير.

• بالتميز الروحي ينبغي أن نسوس أنفسنا. وعندما نكون في شركة مع الاخوة لا ينبغي أن نطلب ما هو لنا، ولا يليق أن نستعبد لرأينا، فالأحرى أن نكون مطيعين لأبينا في الإذعان.

• إذا أزعجنا المرض، لا نحزن إذا لم نقدر أن نسبح الرب بصوتنا، لأن هذا يكون لتنقية الأهواء. في الحقيقة إن الصوم والانطراح في الفراش سُمحا لنا من أجل الشهوات. هذا هو النسك العظيم: أن نحتمل الأمراض ونرفع تسابيح الشكر لله.

• لا يغريك تنعّم أهل العالم الأغنياء كما لو أن فيه شيئًا ثمينًا بسبب اللذة الجوفاء. أولئك يوقّرون فن الطهي، أما أنت فبالصوم عن الأطعمة تسمو فوق لذات وطيبات أطعمتهم، لأنه يقول: “إن النفس التي تحيا بالتنعم، تهزأ بالشهد” (أم 27 : 7). لذا لا تشبع من الخبز ولا ترغب الخمر.

• حسن أن لا تغضب. ولكن إذا حصل وغضبت، لا يسمح لك الرب بغضب يوم كامل قائلاً: “لا تغرب الشمس على غضبكم” (أفس 4: 26). فهل تنتظر أنت إذن حتى يغرب زمان حياتك كله؟ لماذا تبغض من أحزنك؟ ليس هو الذي ظلمك، بل الشيطان. فأنت مدعو أن تبغض المرض لا المريض.

• إذا كنت تعيش في شركة لا تغير مكانك، لأنك بذلك تتأذى كثيرًا. في الحقيقة كما أن الدجاجة عندما تغادر البيضة تهملها، هكذا حال الراهب أو البتول، عندما يتنقل من موضع إلى آخر، يفتر وتنطفئ جذوة الإيمان فيه.

بركة شفاعتها تكون معنا آمين.

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b3%d8%a9-%d8%b3%d9%8a%d9%86%d9%83%d9%84%d9%8a%d8%aa%d9%8a%d9%83%d9%8a/

الأنبا بولا أول السواح

قدم الأنبا بولا بحياته نموذجًا يمكن أن يقتدي به الجميع، لأنه كان إنسانًا زاهدًا ناسكًا محبًا لله ولهذا فإن القديس هو أفضل النمازج التي يجب أن تقدم للشباب بصفة خاصة ولكل الشعب بصفة عامة، لأنه تحدى ببساطته العظمة والشهرة.

بعناية إلهية التقى القديس أنبا أنطونيوس أول الرهبان ومؤسس الرهبنة في العالم بأول السواح الذي سبقه بسنوات طويلة في حياة رهبانية خفية وسط البرية لا يعلم عنه أحد سوى الله الذي كان يعوله بغرابٍ يقدم له نصف خبزة يوميًا لعشرات السنين؛ يشتّم الله صلواته وتسابيحه رائحة سرور، فدعاه: ” حبيبي بولا “.

يكتب القديس أنطونيوس مصورًا ما جرى بينه وبين الأنبا بولا قائلاً: ” أما أنا فجثوت على الأرض وصرخت باكيًا وقلت: إني واثق أنك تعلم من أنا ومن أين جئت ولماذا أتيت، ولا يخفى عليك أني لا أذهب من هنا حتى أبصرك، فهل يمكن أن تطرد الإنسان يا من تقيل الحيوان؟! إني طلبتك وقد وجدتك وقرعت بابك لتفتح لي وإن لم تقبلني فسأموت هنا “.

فأجابني من داخل قائلأً: ” ما من أحد يطلب إحسانًا بإنتهار، بل ببكاء وتنهد، فإن كنت قد أتيت إليّ لكي تموت، فلماذا تتعجب إني لا أقبلك؟ “.وهنا انفتح الباب، فتعانق القديسان،ودعا كل منهما الآخر باسمه! ثم التفت الأنبا بولا للأنبا أنطونيوس وقال: ” ابصر الآن من فتشت عنه بعناء عظيم، ها هي أعضائي قد وهنت من الشيخوحة وقد أبيضت لحيتي كلها، وجف جلدي! انظر إنسانًا يرتد إلى التراب سريعًا “.

من هو الأنبا بولا:

ولد في مدينة الإسكندرية حوالي سنة 228م. ولما توفي والده ترك له ولأخيه الأكبر بطرس ثروة طائلة، فأراد بطرس أن يغتصب النصيب الأكبر من الميراث. إذ اشتد بينهما الجدل أراد القديس أنبا بولا أن يتوجه إلى القضاء. في الطريق رأى جنازة لأحد عظماء المدينة الأغنياء، فسأل نفسه إن كان هذا الغني قد أخذ معه شيئًا من أمور هذا العالم، فاستتفه هذه الحياة الزمنية والتهب قلبه بالميراث الأبدي، لذا عوض انطلاقه إلى القضاء خرج من المدينة، ودخل في قبر مهجور يقضي ثلاثة أيام بلياليها طالبًا الإرشاد الإلهي.

ظهر له ملاك يرشده إلى البرية الشرقية، حيث أقام بجبل نمرة القريب من ساحل البحر الأحمر. عاش أكثر من 80 سنة لم يشاهد فيها وجه إنسانٍ، وكان ثوبه من ليف وسعف النخل، وكان الرب يعوله ويرسل له غرابًا بنصف خبزة كل يوم، كما كان يقتات من ثمار النخيل والأعشاب الجبلية أحيانًا، ويرتوي من عين ماء هناك.

لقاء مع الأنبا أنطونيوس:

ظن القديس أنبا أنطونيوس أنه أول من سكن البراري، فأرشده ملاك الرب بأن في البرية إنسانًا لا يستحق العالم وطأة قدميه؛ من أجل صلواته يرفع الله عن العالم الجفاف ويهبه مطرًا.

إذ سمع القديس هذا الحديث السماوي انطلق بإرشاد الله نحو مغارة القديس أنبا بولا حيث التقيا معًا، وقد ناداه أنبا بولا باسمه، وصارا يتحدثان بعظائم الله. وعند الغروب جاء الغراب يحمل خبزة كاملة، فقال الأنبا بولا: ” الآن علمت أنك رجل الله حيث لي أكثر من 80 عامًا يأتيني الغراب بنصف خبزة، أما الآن فقد أتى بخبزة كاملة، وهكذا فقد أرسل الله لك طعامك أيضًا .”

في نهاية الحديث طلب الأنبا بولا من الأنبا أنطونيوس أن يسرع ويحضر الحلة الكهنوتية التي للبطريرك البابا أثناسيوس لأن وقت انحلاله قد قرب. رجع القديس أنبا أنطونيوس وهو متأثر للغاية، وإذ أحضر الحلة وعاد متجهًا نحو مغارة الأنبا بولا رأى في الطريق جماعة من الملائكة تحمل روح القديس متجهة بها نحو الفردوس وهم يسبحون ويرتلون بفرحٍ.

بلغ الأنبا أنطونيوس المغارة فوجد الأنبا بولا جاثيًا على ركبتيه، وإذ ظن أنه يصلي انتظر طويلاً ثم اقترب منه فوجده قد تنيح، وكان ذلك في الثاني من أمشير (سنة 343م). بكاه متأثرًا جدًا، وإذ صار يفكر كيف يدفنه أبصر أسدين قد جاءا نحوه، فأشار إليهما نحو الموضع المطلوب فحفرا حفرة ومضيا، ثم دفنه وهو يصلي.

حمل الأنبا أنطونيوس ثوب الليف الذي كان يلبسه القديس وقدمه للأنبا أثناسيوس الذي فرح به جدًا، وكان يلبسه في أعياد الميلاد والغطاس والقيامة، وقد حدثت عجائب من هذا الثوب.

تحّول الموضع الذي يعيش فيه القديس إلى دير يسكنه ملائكة أرضيون يكرسون كل حياتهم لحياة التسبيح المفرحة بالرب.

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%86%d8%a8%d8%a7-%d8%a8%d9%88%d9%84%d8%a7-%d8%a3%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%88%d8%a7%d8%ad/

القديسة تاييس

التوبة تجعل الزناة بتوليون، تدخـل مخادع الزانيـات وتجتذب الزناة وتلدهم من حضنـها بتوليين للمسيح، تجتذب من الطرقات الى الملكوت هي تقلع الشجرة التى اثمارها سم الموت الشيخ الروحاني

نشأتها:

في مدينة الأسكندرية وفي القرن الثالث كان مولدها كانت مسيحية ولكنها كانت يتيمة الأب، ولم تكن والدتها تسير باستقامة قلب أمام الله فأستغلت جمال ابنتها البارع فألحقتها بعمل في السوق العام لتكسب الكثير، خاصة وأن الفتاة كانت ذلقة اللسان لبقة الحديث. تعرفت على أغنياء المدينة الذين قدموا لها الكثير عند قدميها من أجل شهواتهم الدنسة، وهكذا اشتهرت تاييس كإحدى الساقطات، تفتح بيتها للأغنياء الأشرار.

مع القديس بيصاريون:

إذ سمع عنها القديس بيصاريون أحد شيوخ برية شيهيت الكبار، وكيف صارت تاييس علة سقوط الكثيرين اشتاقت نفسه إلى خلاصها، فقدم صلوات كثيرة بدموعٍ ومطانياتٍ مع أصوامٍ من أجلها لكي ينتشلها الله من هذه الهوة. تخفى القديس بيصاريون وطلب مقابلتها، وإذ دخل حجرتها دار بينهما الحديث التالي:

+ ألا يوجد مكان أكثر عزلة أستطيع أن أحدثك فيه بحرية؟

+ فسخرت منه وقالت له:” إن كنت تخشى أن يرانا الناس فأطمئن لأنه لن يرانا أحد، أما إن كنت تخشى أن يرانا الله فالله موجود في كل مكان “.

+ فلما سمع القديس منها ذلك الكلام عرف المدخل إلى قلبها وبادرها بصوت حزين قائلاً:” هل تؤمنين حقًا يا ابنتي أن الله موجود، وأنه توجد مكافأة للفضيلة ومجازاة عن الخطية؟ فإن كنتِ تعرفين انه يوجد حكم ودينونة، كيف تتسببين في هلاك كل هذه النفوس؟ لأنه من أجل هذه النفوس الكثيرة سيكون عقابك أكثر “.

إذ شعرت تاييس بجدية الحديث، وتلامست مع نعمة الله الغنية، امتلأت خجلاً، ثم سقطت على الأرض لتنفجر في البكاء بلا توقف، وهي تقول: ” يا أبي، السماء هي التي أرسلتك. إني أعلم أنه توجد توبة للذين يخطئون. أريد أن أترك الحياة النجسة التي سلكت فيها منذ زمنٍ بعيد. أرجوك أن تساعدني على خلاص نفسي، وسأطيع أوامرك بكل دقة، ومهما قلت من أمرٍ سأفعله “.

صدق توبتها:

تهللت نفس القديس بيصاريون جدًا إذ رآها صادقة في توبتها، واتفق معها على موضع يلتقيان فيه. انصرف الأنبا بيصاريون ومسحت تاييس دموعها، وأخذت تجمع ملابسها وكل أمتعتها، وجاءت بها إلى السوق في وسط المدينة وأشعلت فيها النيران، وهي تقول: “تعالوا يا جميع رفاق السوء وانظروا، إني أحرق أمام أعينكم كل هداياكم وتذكاراتكم وكل ما جمعته في حياتي الشريرة…”.

انطلقت إلى القديس بيصاريون ليرشدها، فأتى بها إلى بيت للعذارى حيث أخذت قلاية صغيرة كانت تتعبد فيها ليلاً ونهارًا بنسكٍ شديدٍ.

ذهاب القديس بيصاريون إلى الأنبا أنطونيوس:

بعد ثلاث سنوات التقى القديس بيصاريون بالقديس أنبا أنطونيوس الكبير، وروى له قصة تاييس التائبة، وسأله إن كان الله قبل توبتها أم لا. طلب القديس أنبا أنطونيوس من بعض تلاميذه أن يصلوا لكي يكشف لهم الرب أمرها. وبالفعل رأى القديس بولس البسيط كأن كرسيًا مجيدًا لم يجلس عليه أحد بين كراسي القديسين، أمامه ثلاثة ملائكة يمسك كل منهما سراجًا وإكليلاً بهيًا ينزل عليه.

إذ رأى القديس بولس ذلك ظن أن هذا الكرسي لأبيه القديس أنطونيوس فقيل له:

” هذا العرش لتاييس “.

في الصباح انطلق القديس بولس يروى للقديس أنبا أنطونيوس رؤياه، وإذ سمعها الأنبا بيصاريون فرح جدًا واستأذن منصرفًا، ومضى إلى بيت العذارى ليخرج تاييس من قلايتها الصغيرة الحبيسة فيها، أما هي فبانسحاق ترجته أن يتركها فيها حتى يوم انتقالها.

لم تبقَ في القلاية سوى حوالي أسبوعين، حيث مرضت وأسلمت روحها في يديْ الله، وقد تركت لنا مثلاً حيًا لعمل الله الفائق في حياة الإنسان مهما كانت شروره ونجاساته!

وتحتفل بها كنيستنا القبطية الأرثوذكسية فى اليوم الثاني من شهر مسرى، بركة صلواتها تكون معنا جميعًا آمين.

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b3%d8%a9-%d8%aa%d8%a7%d9%8a%d9%8a%d8%b3/

القديس نيقولاوس الأسقف الصانع العجائب

تحتفل كنيستنا الأرثوذوكسية بعيد القديس نيقولاوس العجائبي في يوم 6 ديسمبر وقد امتدت شهرة هذا القديس المحب للأطفال فهو سانت كلوز والشهير ببابا نويل الذي يزور الأطفال ويترك لهم الهدايا ليلة عيد الميلاد.

ولادته ونشأته:

ولد القديس نيقولاوس سنة 262م في مدينة مورا أو باتارا Patara بليكيا Lycia إحدى مقاطعات آسيا الصغرى، وكانت ميرا Myra العاصمة قريبة من البحر، وهي مقر كرسي أسقفي.

اسم أبيه أبيفانيوس وأمه تونة، وقد جمعا إلى جانب الغنى الكثير مخافة الرب، ولم يكن لهما ولد. ولما شاخا تحنن الله عليهما ورزقهما هذا القديس الذي امتلأ بالنعمة الإلهية منذ طفولته. ربّياه والداه تربية حسنة، ونشأ تحت رعاية الكنيسة في نقاوة القلب. وفي سن الخامسة بدأ يتعلم العلوم الكنسية، ويومًا بعد يوم أضاءت تعاليم الكنيسة عقله وحمَّسته إلى التدين السليم.

وعندما بلغ سن الكفاءة للتعليم سلمه أبواه الشريفان وعمه الأرشمندريت نيقولاوس إلى معلم خاص فتلقن الشاب الصغير العلوم المختلفة ونبغ فيها وفي تلقيه لهذه العلوم أظهر من النجابة ما دلَّ على أن الروح القدس كان يلهمه أكثر مما كان يتلقى من المعلم.

ولما لمع أكثر في الفضائل قدمه والداه وعمه إلى الكنيسة وسلموه لرئيس الكهنة ليكون عارية للرب مثل صموئيل النبي فرسم شماسًا.

رهبنته:

ترهب في دير كان ابن عمه رئيسًا عليه، فعاش حياة النسك والجهاد والفضيلة حتى رُسِم قسًا وهو في التاسعة عشر من عمره. وأعطاه الله نعمة عمل الآيات ومنها إخراج الشياطين وشفاء المرضى، وكان يبارك في الخبز القليل فيشبع منه عددًا كبيرًا.

زهده ومحبته:

لقد كان القديس نيقولاوس زاهدًا في المال منذ حداثته فلما توفي والداه تاركين له أموالاً وثروة، قرر أن يكرّس ميراثه في أعمال الرحمة. فلما سمع أن أحد رجال باتارا فقد كل أمواله لدرجة أنه لم يجد ما يقتات به أو ما يزوج به بناته الثلاث بسبب فقره، فنوى الرجل البائس أن يسلمهن لأعمال الدعارة.

فأخذ القديس نيقولاوس مائة دينار وجعلها في كيس وتحت ستار الظلام ألقاه من شباك منزل الرجل، الذي لما انتبه من نومه ووجد الكيس، فرح كثيرًا وزوَّج بهذا المال ابنته الكبرى.

ثم كرر القديس نيقولاوس نفس الأمر مع الابنة الثانيةعندما سمع بقرب زواجها. ولما جاء دور الابنة الثالثة اراد الأب أن يتعرَّف على شخصية هذا الرجل البار. فلبث ساهرًا في هذه المرة وحالما شعر بسقوط الكيس وسط منزله لم يأخذه بل أسرع إلى خارج البيت ليرى من الذي ألقاه فعرف أنه القديس نيقولاوس، فخرَّ عند قدميه وشكره كثيرًا لأنه أنقذ فتياته من الفقر والمذلة.

اختياره للأسقفية:

كان القديس نيقولاوس منذ حداثته مملوءًا من النعمة والقداسة ونقاوة القلب، فصارت تغمره روحانية وشفافية، فكان يرى رؤى سماوية ويكشف له الله عن أسرار وأمور كثيرة ومن هذه الأمور دعوته للأسقفية.

فقبل انتخابه لرتبة الأسقفية رأى ذات ليلة في حلم كرسيًا عظيمًا وحلة بهية موضوعة عليه وإنسانًا يقول له: ” البس هذه الحلة وأجلس على هذا الكرسي “. وفي ليلة أخرى رأى السيدة العذراء تناوله بعضًا من ملابس الكهنوت والسيد المسيح يناوله الإنجيل.

ولما تنيّح أسقف مورا اجتمع الإكليروس والشعب لاختيار الأسقف الجديد. فظهر ملاك الرب لرئيس الأساقفة في حلم وأعلمه بأن المختار لهذه الرتبة هو نيقولاوس، وعرَّفه عليه. ولما استيقظ أخبر الأساقفة بما رأى فصدقوا كلهم الرؤيا وعلموا أنها من السيد المسيح، ثم أخذوا القديس ورسموه أسقفًا على مورا.

اشتهر الأسقف القديس نيقولاوس بقداسته وغيرته وصنع الله على يديه الكثير من المعجزات واخرج الله بصلاته الكثير من الشياطين.

احتماله الآلام من أجل الإيمان:

ملك دقلديانوس سنة 284م وامر بعبادة الأوثان ثم أثار اضطهادًا شرسًا على الكنيسة ولما قبض على جماعة من المؤمنين، كان القديس نيقولاوس يُعتَبر رئيس المسيحيين في المدينة وكان يعظ ويعلم الشعب عن حقائق الإيمان بكل شجاعة، فقبض عليه الوالي هو أيضًا وعذبه كثيرًا لعدة سنين، وكان السيد المسيح يخرجه من العذاب سالمًا ليكون غصنًا كبيرًا في شجرة الإيمان.

ولما ضجر منه الوالي ألقاه في السجن، فكان وهو في السجن يكتب إلى رعيته ويشجعهم ويثبتهم. ولم يزل في السجن إلى أن مات دقلديانوس.

وحين مَلَك الإمبراطور قسطنطين البار أطلق سراح المسجونين ومن بينهم القديس نيقولاوس الذي عاد إلى كرسيه في ميرا.

ولما خرج من السجن أخذ مواقف حاسمة ضد الوثنية. فدمر معبد أرطاميس، وهو المعبد الرئيسي في المنطقة، وخرجت الأرواح الشريرة هربًا من أمام وجه القديس.

القديس في مجمع نيقية:

ويقول القديس ميثوديوس Methodius أنه بسبب تعاليم القديس نيقولاوس كان كرسي ميرا هو الوحيد الذي لم يتأثر ببدعة أريوس.

ولما أنعقد مجمع نيقية بأمر الملك قسطنطين لمحاكمة أريوس، كان القديس نيقولاوس واحدًا من أعضائه والذين قاموا بوضع قانون الإيمان من بدايته حتى عبارة :( نؤمن بالروح القدس ).

اهتمامه برعيته:

من القصص التي تُروَى عن اهتمام القديس برعيته أن الحاكم يوستاثيوس Eustathius أخذ رشوة ليحكم على ثلاثة رجال أبرياء بالقتل. وفي وقت تنفيذ الحكم حضر القديس نيقولاوس إلى المكان وبمعجزة شلَّ يد السياف وأطلق سراح الرجال. ثم التفت إلى يوستاثيوس وحرَّكه للاعتراف بجريمته وتوبته. وكان حاضرًا هذا الحدث ثلاثة من ضباط الإمبراطور كانوا في طريقهم إلى مهمة رسمية في فريجية Phrygia ، وحين عادوا إلى القسطنطينية حكم عليهم الإمبراطور قسطنطين بالموت بسبب وشاية كاذبة من أحد الحاقدين.

تذكَّر الضباط ما سبق أن شاهدوه في ميرا من قوة حب وعدالة أسقفها، فصلّوا إلى الله لكي بشفاعة هذا الأسقف ينجون من الموت. في تلك الليلة ظهر القديس نيقولاوس للإمبراطور قسطنطين وتوعده في حالة عدم اطلاق سراح الأبرياء الثلاثة.

في الصباح أرسل واستدعاهم للتحقيق معهم، وحين سمع أنهم تشفعوا بالقديس نيقولاوس الذي ظهر له، أطلق سراحهم في الحال وأرسلهم برسالة إليه قائلاً:” لقد فعلنا كما امرتنا فلا تعود تهددنا بل صلي من أجلنا “.وقد ظلت هذه القصة لمدة طويلة من أشهر معجزات القديس نيقولاوس.

نياحته:

بعد أن جاهد القديس نيقولاوس عشرات السنين في الفضائل الروحية واحتمال الآلام والإضطهادات والسجن من أجل الإيمان، أخذ جسده النحيل يضعف وانهكه الجهاد والنسك، وتقدمت به الشيخوخة وكان قد قارب الثمانين سنة قضى منها حوالي أربعين سنة أسقفًا. فلما أكمل سعيه انتقل إلى الرب في سنة 342م ودفن في كاتدرائية ميرا، بعد أن سبق الرب وأعلمه بيوم انتقاله.

سانتا كلوز:

يعرف القديس في الغرب باسم القديس نيقولاوس العجائبي وذلك بسبب تلك المعجزات الكثيرة التي جرت

باسمه في حياته أو بعد نياحته وكان الكثيرون يتخذونه شفيعًا لهم، وكان القديس نيقولاوس مشهورًا بأنه صديق الأطفال وشفيعهم، وأنه يمنح الهبات لهم في يوم عيد الميلاد المجيد، وهذا هو السبب في ارتباط اسمه بسانت كلوز St. Clous أو مايطلق عليه بين الأطفال بابا نويل.

أصبح ذلك تقليدًا بين المسيحين في ألمانيا وسويسرا وهولندا حيث يتبادلون الهدايا باسمه في عيد الميلاد المجيد.

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b3-%d9%86%d9%8a%d9%82%d9%88%d9%84%d8%a7%d9%88%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b3%d9%82%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%a7%d9%86%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%ac%d8%a7%d8%a6/

القديسة إيلارية

إنها محبة الله النارية التي تلهب القلب فتهبه قوة فائقة، وتعطي صاحبه قدرة للعمل الروحي العجيب!الأبدي وقديستنا صورة حية لانفتاح القلب على أمجاد السماء فتركت كل مجد بشري من أجل الملكوت.

نشأتها:

في أواخر القرن الخامس الميلادي رزق الله الملك البيزنطي زينون ابنة اسماها إيلارية، ثم اعطاه الله ابنة أخرى اسماها ثاؤبسته، ولما كان هذا الملك محبًاللإله الحقيقي يسوع المسيح ربى ابنتاه على محبة الكنيسة والعبادة فنشأتا على محبة الإيمان وتعاليم الآباء.

وقد عاشت قديستنا إيلارية في حياة تقوية تمارس نسكها الخفي وتدرس الكتاب المقدس، فمال قلبها للبتولية وتكريس حياتها للعبادة فكانت تحدث نفسها بزوال الدنيا ومجد هذا العالم الزائل، فإختارت أن تكون مزدرية وغير موجودة هاربة من أضواء العالم لتتمتع بنور المسيح.

في أحد الأيام إذ مضت إلى الكنيسة سمعت كلمات الرسول بولس عن موسى الذي بالإيمان أبى أن يُدعى ابنًا لابنة فرعون، مفضلاً بالحري أن يُذل مع شعب الله عن أن يكون له تمتع وقتي بالخطية (عب24:11-26)، فالتهب قلبها بالحنين إلى ترك القصر لتمارس حياة العبادة الخفية.

بالفعل في اليوم التالي تزينت بزي سعاة الملك وشدت وسطها بمنطقة وانطلقت إلى البحر متجهة إلى الإسكندرية، وكانت قد بلغت الثانية عشر من عمرها. هناك تباركت من كنيسة القديس بطرس خاتم الشهداء وكنيسة مار مرقس الرسول ثم سألت أحد الشمامسة أن يذهب معها إلى دير شيهيت مقدمة له مبلغًا للإنفاق على الرحلة ، بينما كان الملك يبحث عنها بمرارة ولا يجدها.

الذهاب إلى البرية:

تحدث معهما القديس بمويه ، ثم سألته إيلارية أن يقبلها في الرهبنة دون أن تكشف له عن أمرها، فأجابها أن تذهب إلى دير الزجاج لتترهب هناك، قائلاً لها: “أراك ابن نعمة، وقد اعتدت على عيشة الترف، وهذا الموضع صعب عليك لقلة العزاء الجسدي .

أصرت إيلارية على طلبها وقلت له: ” يا أبي أني لم أحضر هنا لكي أتنعم وأنما لأتعبد وأسلك مسلك الآباء في صوم ونسك وصلاة، وبصلواتك يا أبي لي ثقة كبيرة في أن الله يعطيني نعمة وجهادًا ”

فتعجب الأنبا بمويه عند سماع هذا الكلام فقبلهاواعطاها قلاية علي أنها شاب يدعى إيلاري ، ثم سلمت أموالها للشماس ليقدمه للأب البطريرك لخدمة الفقراء.

اختبر الأب بمويه إيلاري وإذ رأى مثابرته وجهاده البسه الإسكيم ودعاه ” الراهب إيلاري “، وكان يفتقدها مرتين كل أسبوع يرشدها ويدربها على الحياة النسكية.

بقيت في جهادها سبع سنوات، وكان الرهبان يدعونها ” الراهب الخصي ” بسبب رقة صوتها وعدم ظهور لحية، وفي أحد الأيام أخبرها القديس بموية أن الله كشف له أمرها بكونها ابنة الملك وسألها أن تبقى هكذا لا تبح أمرها لأحد قط.

أحزان في القصر:

كان القصر الإمبراطوري في حزن شديد على إختفاء الأميرة إيلارية وذاد الحزن أضعافًا عندما مرضت أختها ثاؤبستا بمرض عضال حار فيه الأطباء تمررت نفس الملك الذي فقد ابنته الكبرى وها هو يفقد أختها، فأرسلها إلى برية شيهيت ليصلى من أجلها الآباء النساك ، وإذ كان الراهب إيلاري قد عُرف بالتقوى طلب الشيوخ بعد صلاتهم على ثاوبستا أن تُحمل إلى قلايته ليصلي عليها، فلم تترد إيلارية، بل بسطت يديها وكانت تصلى بدموع وهي تقبل أختها ، فتحنن الله عليها وشفاها، فمجد الآباء الله.

عودة الأميرة إلى القسطنطينية:

عادت الأميرة لتخبر الملك بعمل الله معها وتعب الشيوخ من أجلها خاصة الأب إيلاري، وروت له كيف كان يبكي بدموع ويقبلها ويرقد بجوارها، الأمر الذي أدهش الملك وساوره الشك. فكتب إلى الأب بمويه يطلب منه أن يرسل إليه الراهب إيلاري ليباركه هو ومملكته.

تحت إلحاح الآباء اضطر إيلاري أن يذهب إلى القصر الذي استقبله الملك والملكة وكل رجال البلاط بحفاوة وفرح عظيم.

انفرد الملك بالراهب يسأله كيف يمكن لراهب أن يقّبل فتاة ويرقد بجوارها، عندئذ طلب الراهب منه أن يتعهد بألا يعوقه عن العودة إذ قال للملك سبب مقنع لذلك فتعهد الملك، عندئذ سالت الدموع من عيني الراهب وهو يرتمي على صدر الملك، ويقول: ” أنا ابنتك إيلارية !”. لم يحتمل الملك الخبر فصار يعانقها، ونادى الملكة ليبشرها بالخبر، وتحولت حياتهمامن حزن شديد إلى فرح شديد، بسبب عودة إيلارية وشفاء ثاؤبسته.

بقيت القديسة إيلارية معهم في القصر ثلاثة أشهر لتعود فتذكر أبيها بالوعد الذي قطعه على نفسه بأن لا يعوق عودتها إلى البرية لتكمل جهادها، غربتها وحبها لمن احبها أولاً.

عاد الراهب إيلاري ومعه خيرات كثيرة للدير ، وقد قضى خمسة أعوام في نسكه وتقواه حتى افتقده الرب بمرض ليرقد في الرب بعد رشم علامة الصليب على وجهه.

دفنها الأنبا بمويه بملابسها كطلبها وأعلن خبرها للرهبان الذين تعجبوا لعمل الله الفائق في حياتها.

بركة صلاتها تكون معنا، أمين.وتحتفل الكنيسة بعيد نياحتها في الحادي والعشرين من طوب ه.

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b3%d8%a9-%d8%a5%d9%8a%d9%84%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%a9/

القديس الأنبا هدرا

شهية ومملوءة رائحة عطرة، سيرة أبينا الطوباوي أنبا هدرا قديس أسوان المحلي، ذي الاسم الحسن والحياة المملوءة جهادًا، بل وقتالاً ضد قوات الظلمة، الحياة المكللة بالإنتصارات الروحية بل وبتاج الأسقفية الرفيع.

الأنبا هدرا وأشواقه الرهبانية:

جيد بنا أن ننصت في اهتمام بالغ إلي الحياة الحافلة بالمشاعر الروحانية العميقة التي تكمن منطلقة في حياة قديسنا البار أنبا هدرا، في حداثته النقية، رهبانيته المجيدة والتي تجلت في أسقفيته الجليلة .

وُلد هذا القديس من أبوين مسيحيين فربّياه وعلّماه مخافة الرب منذ صغره. ولما بلغ الثمانية عشر من عمره أحب والداه أن يزوجاه من إحدى قريباته. فلما جاء الوقت امتنع بحجة المرض.

لقد رفض الزواج ليس هربًا من المسئوليات الأسرية، ولا بكونه أمرًا دنسًا أو غير لائقٍ، وإنما لأنه عشق تكريس كل كيانه ووقته للعمل الروحي. وكما يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص عن البتولية: ” إننا نقولها الآن بوضوح أن البتولية هي رفيقة الإنسان في عمله الروحي ومساعدة له في الوصول إلى الهدف السامي للحياة. إنها قوة، حتى أنهم يتشبهون بالطبائع الروحية “.

في إحدى الليالي رأى شخصًا منيرًا يقول له: ” يا هدرا يا هدرا، لا تبطئ عن النهوض إلى ما اهتممت به من الفكر الصالح، بل قم مسرعًا وتممه “. فقام مسرعًا ومضى إلى الكنيسة مصليًا كعادته، سائلاً الله أن يعينه وأن يرشده إلى ما فيه خلاص نفسه، وكان يردد المزمور القائل: ” طوبى للذين بلا عيب في الطريق، السالكون في ناموس الرب ” ( مز 118: 1 ). ذهب إلى الكنيسة مبكرًا، وصلى مع الجماعة، وطلب من السيد المسيح أن يسمعه من أقوال الكتب المقدسة ما يتفق وما في قلبه، فسمع ما ارتاح إليه.

إنطلاقه للدير:

لما خرج من الكنيسة رأى رجلاً ميتًا محمولاً ، فسار مع المشيعين وكان يحدث نفسه قائلاً: ” اسمع يا هدرا، ليس هذا الذي قد مات ولكنك أنت الذي قد متّ عن هذا العالم الزائل “.

ولما دفنوا الميت ترك أهله وماله ومضى إلى الدير بمنف وأقام مع الرهبان. ولما سمع أقاربه وأصدقاؤه أتوا إليه وقالوا له: ” إنك بعملك هذا تجلب علينا الحزن وأنت تستطيع أن تعبد الله في أي مكان شئت “. وإذ لم يفلحوا في إرجاعه عن رأيه عادوا والحزن يملأ قلوبهم على فراقه.

أما هو فقد سكب نفسه في عبادةٍ حارةٍ ونسكٍ عظيمٍ وصومٍ دائمٍ وصلواتٍ متواترةٍ ومطانيات عديدة. وكان في أيام القديس بيمن، فتتلمذ له، وكان يسترشد بتعاليمه وقدوته الصالحة.

لاحظ المتوحدون جهاد القديس الأنبا هدرا فقالوا له: ” يا أخانا الحبيب جيد هو كل شيء يُصنع بمقياس “. أما هو فأجابهم: “إن كل ما أفعله لا يقوم مقام خطية واحدة من خطاياي “. فإذ سمع الاخوة هذا الكلام اتعظوا ومضوا، وصاروا يخبروا الآخرين بما قاله لهم. وكان المتوحّدون يلتقون به ويقتدون بأفعاله، ويطلبون مشورته، كما كانوا يتعجبون من تواضعه وانسحاق نفسه.

إنفراده في البرية الداخلية:

وسمع الناس بسيرة القديس فتقاطروا عليه من كل البلدان تطلب كلمة منفعة وتتمتع بتعزيات الروح. لكنه إذ كثرت الزيارات جدًا استشار أباه الروحي أنبا بيمن وطلب أن ينفرد في البرية.

ترك مغارته بعد ذلك بثماني سنين ودخل في البرية الداخلية، وكان يسأل الله أن يختار له موضعًا لسكناه.

بعد ثلاثة أيام جاءت بعض وحوش البرية لتفترسه، أما هو فوقف يصلي طالبا من الله أن يصنع معه رحمة، ويُبعد عنه الخوف من الوحوش الكاسرة كما أخضع الأسود لدانيال. للحال صارت الوحوش تستأنس به.

الأنبا هدرا والقتالات الشيطانية:

طلب من القديس بيمن أن يطَّلِع على سيرة القديس العظيم أنبا أنطونيوس أب الرهبان ليتعلم منها قتال العدو الشرير. ومكث هناك أيامًا كثيرة يجاهد ضد إبليس وجنوده، وكان الشيطان يجربه كثيرًا. من ذلك أنه ظهر له وبيده سيف مسلول يريد قطع يديه، فصرخ القديس إلى الرب، فغاب عنه الشيطان في الحال.

استمر القديس يصنع صلوات كثيرة ونسكيات، فإذا عدو الخير الذي هو الشيطان صار يفزعه بأشكالٍ مخيفةٍ ومناظرٍ مفزعةٍ، ويظهر له في شكل نساء جميلات الصورة لكي يوقعه في شباك الخطية المهلكة. لكن القديس أنبا هدرا كان يقوى عليه ويقهره بقوة الصليب المقدس فينفضح ويضمحل”.

وفي أحد الأيام خرج من مغارته، ولما عاد وجد تنّينًا عظيمًا داخلها، فصلى إلى الرب قائلاً: ” يا ربى وسيدي، إن كانت هذه إرادتك أن أسكن مع هذا الوحش فلتكن “، ثم تطلع إلى التنين فوجده مقطعًا إلى ثلاثة أجزاء.

حدث أن سقط القديس أنبا هدرا وانطرح على الأرض بسبب نسكه الزائد، فظهر له شخص نوراني وسكب على رأسه دهنًا. للحال تقوى وشعر أن قوة إلهية قد أدركته. لكن عدو الخير لم يتركه بل كان يظهر له في أشكال مخيفة. أما هو فكان يرشمهم بعلامة الصليب فيهربوا من أمام وجهه.

كان في حرب دائمة مع الشيطان، لا ينام الليل ولا يستقر بالنهار، وكان الرب يخلصه منها. وأخيرًا حبس نفسه في قلايته، وكانوا يأتون إليه بالمرضى والمصابين بالأرواح النجسة، فيصلى على زيت ويدهنهم به فيبرأون في الحال، وكانت الأرواح النجسة تصرخ قاتلة: ” ويلاه منك يا هدرا أحرقتنا بصلواتك وطردتنا من البراري “.

معرفته للكتاب المقدس:

أتى إليه رهبان من الشام وسألوه عن مسائل غامضة في الكتب المقدسة، ففسّر لهم معانيها، فأعجبوا بعلمه قائلين: ” لقد طفنا جبالاً وأديرة كثيرة، وزرنا معلمين وفلاسفة فلم نجد من يفسر لنا هذه المسائل كما فسّرها لنا هذا القديس “.

دعوته للأسقفية:

إذ تقدم به السن ترك موضع الوحدة في البرية الداخلية وذهب إلى أحد الأديرة حيث حبس نفسه في قلاية بها.

وقد وهبه الله صنع العجائب. وفي ليلةٍ رأى في حلمٍ إنسانًا لابسًا شكل الأسقفية، جالسًا على كرسي، خاطبه قائلاً: ” تمسك بالإيمان الذي قبلته من الآباء القديسين “. ثم قام عن كرسيه وأشار بيده نحوه، قائلاً له: ” قد وهبتك هذا الكرسي… ” ثم اختفي عنه.فسجّل الأنبا هدرا هذه الرؤيا ولم يخبر بها أحدًا إلى لحظة دعوته للأسقفية.

لما تنيّح أسقف مدينة أسوان ذهب بعض من شعبها إلى الدير، وهناك اجتمعوا بالرهبان الذين حضروا من الشام، وهؤلاء قد أثنوا لهم على القديس هدرا. فذهبوا إليه وأخذوه رغمًا عنه وسافروا إلى الإسكندرية، ورسمه لهم الأنبا ثاؤفيلس بابا الإسكندرية أسقفًا عليهم.

ما أن جلس على كرسيه حتى عكف على وعظ شعبه وتعليمه طريق الحياة. فقد اهتم بالجانب التعليمي وتثبيت شعبه على الإيمان المستقيم. وكان يصلي على المرضى، ووهبه الله موهبة شفاء المرضى وصنع آيات كثيرة، كما كان يهتم بالفقراء والمساكين والغرباء، ويفتقد المحبوسين. وأكمل حياتهٍ بسيرةٍ حسنة.

نياحته:

ولما شعر بقرب نياحته بارك أولاده وودعهم وأسلم الروح بيد الرب الذي أحبه في اليوم الثاني عشر من شهر كيهك في عهد الملك المحب لله ثيئودوسيوس فناح الجميع عليه مجهزينه كما يليق بكهنوته ودفنوه في البيعة المقدسة وكان يظهر من جسده أشفية وعجائب وكان رجاءًا صالحًا لكل من يقصده بإيمان قوي ولا يستطيع إنسان أن يصف كل عجائبه.

وتعتز مدينة أسوان بجنوب مصر بشفيعها وقديسها الأنبا هدرا، وبالدير الأثري الذي يحمل اسمه الذي يرجع إلى القرن الخامس الميلادي.

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%86%d8%a8%d8%a7-%d9%87%d8%af%d8%b1%d8%a7/

القديسة مريم المصرية

إنها امرأة خاطئة، التقت فجأة مع النعمة الإلهية وأحست بمحبة الرب يسوع الواضحة في صليبه فتركت كل شئ للوقت…وتبعته

سيرتها:

هي عذراء عاشت في القرن الرابع الميلادي، أمضت حياتها الأولى في دوامة من شرور هذا العالم الجارفة، فإرتمت في ملذاته الغير مشبعة للنفس.

لم يكن لها ما يوجه حياتها سوى والداها اللذان سرعان ما انتقلا من هذا العالم، فأصبحت حرة طليقة من بعدهما إلى ما يقرب من ( 17عام ) تتفنن في إشباع ملذاتها.

القديس زوسيما:

روى القديس زوسيما لنا سيرة هذه القديسةالعظيمة في توبتها وهو راهب قس في أحد أديرة فلسطين.

وقد عاش هذا القديس في أحد الأديرة 53 سنة، وبدأت تحاربه أفكار العظمة فأرسل الله له راهبًا اقتاده إلى دير قرب نهر الأردن وأمره أن يقضي فيه بقية حياته.

كان رهبان هذا الدير من النساك الكبار الذين أضنوا حياتهم بالنسك، وكان الدير قريبًا من البرية التي أمضى فيها السيد المسيح الصوم الأربعيني، وكانت عادة رهبان هذا الدير أن يقضوا فترة الصوم الأربعيني في هذه البرية خارج الدير ولا يعودون إليه إلا يوم أحد الشعانين. كان الرهبان يتناولون الأسرار المقدسة بعد قداس الأحد الأول من الصوم ثم يخرجون للبرية، وهكذا فعل زوسيما.

رؤيته للقديسة:

قبيل نهاية الصوم وهو في طريق عودته إلى الدير أبصر شبحًا فظنه في بادئ الأمر شيطانًا ورشمه بعلامة الصليب، ولكنه تحقق بعد ذلك أنه إنسان. أسرع زوسيما – رغم شيخوخته – نحو هذا الإنسان لكنه كان يجري منه، فكان يصرخ إليه أن يقف.

فتوقف هذا الشبح ودخل في حفرة في الأرض، فتكلم هذا الشخص المجهول وناداه باسمه وقال له أنا امرأة، إن أردت أن تقدم خدمة لخاطئة فاترك لها رداءك لتستتر به واعطها بركتك.

تعجَّب زوسيما لأنها نادته باسمه وترك لها رداءه فوضعته على جسدها وسألته أن يباركها فقد كان كاهنًا، وزاد عجبه حين علمت بكهنوته وطلب هو منها أن تباركه وتصلِّي عنه.

سألها باسم المسيح أن تعرِّفه شخصيتها ولماذا أتت إلى هذا المكان وكيف استطاعت أن تبقى في هذه البرية الموحشة المخيفة، وكم لها من السنين وكيف تعيش؟

اعتراف القديسة بحياتها الأولى:

بدأت تعترف بخطاياها، وقالت له: لا تفزع من خطاياي البشعة بل فيما أنت تسمعني لا تتوقف عن الصلاة لأجلي. وبدأت تروي قصتها.

قالت أنها مصرية من الإسكندرية، ومنذ سن الثانية عشر بدأ ذهنها يتلوث بالخطية من تأثير الشر الذي كان سائدًا، وما كان يمنعها من ارتكاب الخطية الفعلية إلا الخوف المقترن بالاحترام لوالداها.

لكن ما لبثت أن فقدت أباها ثم أمها فخلا لها الجو وانحدرت إلى مهاوي الخطية الجسدية الدنسة. أسلمت نفسها للملذات مدة سبع عشرة سنة، ولم يكن ذلك عن احتياج سوى إشباع شهواتها.

ذهابها إلى أورشليم:

وفي أحد الأيام وقت الصيف رأت جمعًا من المصريين والليبيين في الميناء متجهين إلى أورشليم لحضور عيد الصليب المقدس، ولم تكن تملك قيمة السفر في إحدى السفن الذاهبة إلى أورشليم، لكنها وجدتها فرصة لإشباع لذاتها مع المسافرين.

ونظرت إلى الأب زوسيما بخجلٍ وقالت له: ” أنظر يا أبي قساوتي. أنظر عاري. فقد كان الغرض من سفري هو إهلاك النفوس “.

فقد سافرت مع زمرة من الشبان وحدث ما حدث في الطريق، وأخيرًا وصل الركب إلى أورشليم وارتكبت شرورًا كثيرة في المدينة المقدسة.

أخيرًا حلَّ يوم عيد الصليب واتجهت الجموع إلى كنيسة القيامة وكان الزحام شديدًا، ولما جاء دوري لدخول الكنيسة، وعند عتبتها وجدت رِجلَي وكأنها مُسَمَّرة لا أستطيع أن أحركها وأدخل، وكانت هناك قوة خفية تمنعني من الدخول، وكررت المحاولة أكثر من مرة دون جدوى.

أحسّسَت أني الوحيدة المطرودة من الكنيسة فالكل يدخلون بلا عائق أو مانع. عندئذ اعتزلت في مكان هادئ بجوار بوابة الكنيسة وانتهيت في فكري إلى أن منعي من الدخول يرجع إلى عدم استحقاقي بسبب فسادي.

انفجرت في البكاء وتطلعت فأبصرت صورة العذراء فوق رأسي، فصرخت في خزي: ” يا عذراء إني أدرك مدى قذارتي وعدم استحقاقي لأدخل كنيسة الله، بل إن نفسي الدنسة لا تستطيع أن تثبت أمام صورتك الطاهرة. فيا لخجلي وصغر نفسي أمامِك “.

طلبت شفاعة العذراء من كل قلبي ووعدت بعدم الرجوع لحياتي الماضية، وطلبت إليها أن تسمح لي بالدخول لأكرم الصليب المقدس، وبعدها سوف أودِّع العالم وكل ملذاته نهائيًا وطلبت إرشادها.

أحسّسَت أن طلبتي استجيبت وأخذت مكاني بين الجموع، وفي هذه المرة دخلت كما دخل الباقون بلا مانع ولكني كنت مرتعدة. سجدت إلى الأرض وسكبت دموعًا غزيرة على خشبة الصليب المقدسة وقبَّلتها.

وأخذت أصلي – دون أن أشعر بالوقت – حتى منتصف النهار وطلبت في أعماقي معونة الله بشفاعة العذراء أن أعرف ماذا أفعل، فسمعت صوتًا يقول لي: ” اعبري الأردن فهناك تجدين مكانًا لخلاصِك “.

أمضيت تلك الليلة قرب الكنيسة وفي الصباح سرت في طريقي، فقابلني رجل أعطاني ثلاث قطع من الفضة وقال لي: ” خذي ما أعطاكِ الله “.

توقفت عند خباز واشتريت ثلاث خبزات وطلبت إليه أن يرشدني إلى الطريق المؤدي للأردن. عبرت باب المدينة وأحسسَّت أني تغيرت، وصلت إلى كنيسة على اسم يوحنا المعمدان قرب النهر، وهناك أخذت ابكي واغسل وجهي بماء النهر المقدس ودخلت الكنيسة واعترفت بخطاياي وتناولت من الأسرار المقدسة.

عبرت الأردن وطلبت شفاعة العذراء وأخذت اسير في الصحراء القاحلة حتى وصلت إلى المكان الذي تقابلت فيه معك ، وكنت قد أمضيت به 45 سنة وكان الله يعولني.

محاربتها:

بناء عن سؤال القس زوسيما أخذت تروي أخبار محاربتها. فقالت أنها أمضت سبعة عشر عامًا في حروب عنيفة مع الشهوات الجسدية كما لو كانت تحارب وحوشًا حقيقية، وكانت تمر بذاكرتها كل الخطايا والقبائح التي فعلتها، وعانت من الجوع والعطش الشديدين.

ومما قالته: “مرات كثيرة أخرى كانت تهاجمني آلاف الذكريات الحسية والأفكار الدنسة، وكانت تجعل في قلبي آلامًا شديدة بل كانت تجري في عروقي مثل جمر مشتعل، حينئذ كنت أخُّر على الأرض متضرعة من كل قلبي. بل كنت أحيانًا كثيرة أبقى على هذا الوضع أيامًا وليالٍ، إلى أن يحوطني النور الإلهي مثل دائرة من نار لا يستطيع المجرب أن يتعداها “.

وكانت العذراء معينة لي بالحقيقة في حياة التوبة، فكانت طوال هذه المدة تقودني بيدها وتصلي من أجلي. ولما فرغت الخبزات كنت آكل الحشائش والجذور التي كنت أجدها في الأرض.

أما عن ملابسها فقد تهرَّأت من الاستعمال، وكانت حرارة الشمس تحرق جسدها بينما برودة الصحراء تجعلها ترتعد لدرجة أنها كان يُغمى عليها. وقالت له أنها منذ عبرت الأردن لم ترَ وجه إنسان سواه، وقالت أن الله لقَّنها معرفة الكتب المقدسة والمزامير.

القس زوسيما يباركها:

ولما انتهت من كلامها انحنت أمام القس زوسيما ليباركها، وأوصته ألا يخبر أحدًا عنها وطلبت إليه أن يعود إليها في يوم خميس العهد من العام التالي ومعه التناول المقدس، وقالت أنها ستنتظره عند شاطئ الأردن.

وفي الصوم الأربعيني المقدس في العام التالي خرج الرهبان كعادتهم، أما زوسيما فكان مريضًا بالحمَّى على نحو ما أخبرته مريم في لقائها معه. وبعد قداس خميس العهد حمل القس زوسيما جسد المسيح ودمه الكريمين، كما أخذ معه بعض البقول والبلح وذهب لينتظر مجيء القديسة عند شاطئ النهر.

انتظرها طويلاً وكان يشخص نحو الصحراء، وأخيرًا رآها على الضفة المقابلة ورشمت بعلامة الصليب على مياه النهر وعبرت ماشية على الماء. وإزاء هذه الأعجوبة حاول القديس زوسيما أن ينحني أمامها لكنها صاحت: ” أيها الأب أيها الكاهن ماذا أنت فاعل؟ هل نسيت أنك تحمل الأسرار المقدسة؟ ”

حينئذ تقدمت وسجدت بخشوع أمام السرّ المقدس وتناولت من الأسرار المقدسة. وبعد قليل رفعت يديها نحو السماء صارخة: ” الآن يا سيد تطلق عبدتك بسلام لأن عيني قد أبصرتا خلاصك “.

طلبت إليه أن يحضر إليها في العام القادم ويتقابل معها في المكان الذي تقابلا فيه أولاً، وطلبت إليه أن يصلي عنها، ورشمت على النهر بعلامة الصليب وعبرته راجعة واختفت من أمامه.

نياحتها:

في العام التالي وفي الموعد المحدد توجه إلى المكان الذي التقيا فيه أولاً، ووجدها ساجدة ووجهها متجهًا للشرق ويداها بلا حركة ومنضمتان في جمود الموت، فركع إلى جوارها وبكى كثيرًا وصلى عليها صلوات التجنيز.

وحتى هذه اللحظة كان لا يعرف اسمها، ولكن عندما اقترب منها ليفحص عن قرب وجهها وجد مكتوبًا: ” يا أب زوسيما ادفن هنا جسد مريم البائسة واترك للتراب جسد الخطية هذا، صلّي من أجلي “.

اكتشف أنها تنيحت بالليل بعد تناولها من الأسرار المقدسة، ويقال أن ذلك كان سنة 421م.

عاد زوسيما إلى ديره وهو يقول: ” حقًا إن العشارين والخطاة والزناة سيسبقوننا إلى الملكوت السماوي “. وكانت سيرتها مشجعًا أكثر على الجهاد. وتعيِّد لها الكنيسة القبطية في يوم 16 برمودة من كل عام.

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b3%d8%a9-%d9%85%d8%b1%d9%8a%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b5%d8%b1%d9%8a%d8%a9/

القديس بيصاريون الكبير

لقد كانت حياته كأحد طيور السماء أو حيوان البرية، يقضي حياته بلا اضطراب أو هّم. لم يكن يشغله اهتمام بسكنٍ يقطنه، ولا أمكن لشهوة أن تسيطر على نفسه.

لم ينشغل بطعام ولا بناء مساكن ولا حتى بتداول كتب، إنما كان بالكلية حرًا من كل آلام الجسد، يقتات بالرجاء في الأمور العتيدة، محاطًا بقوة الإيمان.

كان يعيش بصبرٍ كسجينٍ يقُاد إلى أي موضع، محتملاً البرد والعري على الدوام، ومستدفئًا بنور الشمس، عائشًا بدون سقف، متجولاً في البراري كالكواكب.

تغرّبه:

وُلد من أبوين مسيحيين، وقد أحب الحياة الملائكية منذ صباه فشعر بتغربه عن العالم، وبقي هذا الشعور ملازمًا له كل أيام غربته. انطلق أولاً إلى الأنبا أنطونيوس الكبير حيث مكث زمانًا تحت تدبيره، ثم جاء إلى القديس مقاريوس يتتلمذ على يديه، وأخيرًا هام في البرية كطائرٍ غريبٍ لا يملك شيئًا ولا يستقر في موضع، منتظرًا راحته الأبدية.

عاش هذا الأب المصري في القرن الرابع؛ شبهه المعجبون به بموسى ويشوع وإيليا ويوحنا المعمدان. قيل عنه إنه كان أحيانًا يعيش مع وحوش البرية المفترسة.

كثيرًا ما كان يُسّر بالتجول في البرية كما في بحر. وإذا حدث أن جاء إلى موضع يعيش فيه رهبان حياة الشركة، يجلس خارج الأبواب يبكي وينوح كمن انكسرت به السفينة وألقته على الشاطئ. فإن خرج إليه أحد الإخوة ووجده جالسًا كأفقر متسولٍ في العالم كان يقترب منه ويقول له بشفقة: ” لماذا تبكي يا إنسان؟ إن كنت في عوز إلى شئ فإننا قدر المستطاع نقدمه لك، فقط أدخل واشترك في مائدتنا وتعزى “.

عندئذ يجيب: ” لا أستطيع العيش تحت سقف مادمت لا أجد غنى بيتي ( يقصد به الفردوس المفقود ) “، ليضيف أنه قد فقد غنى كثيرًا بطرق متنوعة. ” لأني سقطت بين لصوص ( يقصد بهم الشياطين )، وانكسرت بي السفينة، فسقطت من شرفي وصرت مهانًا بعد أن كنت ممجدًا “.

إذ يتأثر الأخ بهذه الكلمات يعود إليه حاملاً كسرة خبز، ويعطيه إياها، قائلاً: ” خذ هذه يا أبي، لعل الله يرد لك الباقي كما قلت: البيت والكرامة والغنى الذي تحدثت عنه “، أما هو فكان يحزن بالأكثر، ويتنهد في أعماقه، قائلاً: ” لا أستطيع أن أقول إن كنت سأجد ما قد فقدته وما أبحث عنه، لكنني سأبقى في حزن أكثر كل يوم محتملاً خطر الموت، ولا أجد راحة لمصائبي العظمى. فإنه يليق بي أن أبقى متجولاً على الدوام حتى أتمم الطريق “.

دعوته للحكمة:

مع بساطته العجيبة، كان يدعو إلى الحكمة ليصير المؤمن كالشاروب والساروف مملوء أعينًا، ففي لحظات رحيله كانت وصيته الوداعية: ” يليق بالراهب أن يكون كالشاروب والساروف، كله أعين “.

عدم الاهتمام بالغد:

قال أبا دولاس ( شاول ) تلميذ أبا بيصاريون: [ كنا نسير ذات يوم على شاطئ بحيرة، فعطشت وقلت للأبا بيصاريون: ” أنا عطشان جدًا يا أبي “. فلما صلى قال لي ” اشرب من ماء البحيرة “. فصار ماء البحيرة عذبًا فشربت. ثم جعلت بعض الماء في وعائي الجلدي خشية العطش بعد حين. فما رآني الشيخ أفعل هذا، قال لي: ” لماذا ملأت وعاءك ماءً ؟

” فقلت لي: ” أغفر لي يا أبتي، لأني فعلت هذا خوفًا من الظمأ بعد حين “. قال الشيخ: ” الله هنا، الله في كل مكان! ” ]

جهاده:

قال أبا بيصاريون: ” وقفت أربعين ليلة ولم أنم “. كما قال: ” خلال أربعين سنة لم أنم على جنبي بل كنت أنم وأنا جالس أو وأنا واقف “.

اهتمامه بخلاص النفوس:

ارتبط اسم القديس بيصاريون بالقديسة تاييس التي دعت نفسها للدنس والخطية فدمرت معها نفوسًا كثيرة.

ذهب إليها وتحدث معها حتى جمعت كل غناها في وسط سوق المدينة وأحرقته أمام الجميع، ودخلت أحد أديرة النساء لتعيش حبيسة، وتنال في عيني الرب كرامة عظيمة خلال نعمته الفائقة.

تظهر محبته للخطاة وترفقه بهم مما جاء عنه أن شخصًا ارتكب خطأ في الكنيسة فطرده الكاهن منها، فقام الأب بيصاريون وخرج من الكنيسة وهو يقول: ” إن كنت قد حكمت على هذا الرجل الذي ارتكب معصية واحدة أنه لا يستحق أن يعبد الله، فكم بالأولى بالنسبة لي أنا الذي ارتكب خطايا كثيرة ؟! ”

ومن أقواله: ” ويل لذاك الذي فيه ما هو في الخارج أكثر من الذي فيه ما هو في الداخل ( بمعنى الويل للذي ينظر إلى خطايا أخيه الخارجية ولا يتطلع إلى خطاياه هو الداخلية ) “.

عجائب الله معه:

قال تلميذه :إذ كان في طريقه بلغ إلى نهر Chrysoroon ، ولم يكن يوجد ما يعبر به، فبسط يديه وصلى وعبر إلى الشاطئ الأخير. أما أنا فدُهشت، وصنعت له مطانية، قائلاً:

” عندما كنت تعبر فوق النهر إلى أي حدٍّ كانت رجلاك يا أبتِ تشعران بالماء الذي تحتك! ” قال: ” كنت أشعر بالماء عند كعبي، أما بقية قدمي فكان تحتها يابسًا “.

دفعة أخر ى كنا في رحلة إلى أحد الحكماء العظماء، وكادت الشمس تغيب. صلى الشيخ، قائلاً: ” أرجوك يا سيدي أن تجعل الشمس تدوم في مكانها حتى أمضي إلى عبدك “، وهذا ما حدث فعلاً.

أتيت إليه مرة في قلايته لأخاطبه، فرأيته واقفًا يصلي باسطًا يديه نحو السماء، ومكث واقفًا أربعة أيام وأربع ليالٍ، ثم دعاني وقال لي: ” تعال يا ابني “. فخرجنا وسرنا في طريقنا، وإذ عطشت قلت له: “يا أبتِ، أنا عطشان “، فانفصل عني نحو رمية حجر وصلى، ثم عاد إليّ ومعه في عبائته ماء من الهواء فشربت، ومضينا في طريقنا إلى ليكيوس ( أسيوط ) إلى الأنبا يوحنا. وبعدما سلم أحدهما على الآخر، صلى وجلس وخاطبه بخصوص رؤيا رآها. فقال أنبا بيصاريون: ” من قبل الرب خرج أمر أن تزول جميع معابد الأصنام “، وقد حدث ذلك تمامًا إذ استؤصلت جميعًا في ذلك الوقت.

كان لرجل في مصر ابن مفلوج، حمله على كتفيه إلى الأنبا بيصاريون وتركه عند باب قلايته يبكي وارتحل إلى موضع بعيد. إذ سمع الشيخ صوت بكاء الصبي ونظره، قال له: ” من أنت؟ وما الذي جاء بك إلى هنا؟ ” أجاب الصبي‎: ” أبي أحضرني ومضى وهاأنذا أبكي”. قال له الشيخ: ” قم، اجرِ وراءه وألحق به”، وفي الحال شُفي الصبي ومضى إلى أبيه الذي أخذه ورحل.

مرة أخرى جاء إلى الكنيسة رجل به شيطان، وأُقيمت من أجله صلاة في الكنيسة، لكن الشيطان لم يخرج إذ كان من الصعب إخراجه. فقال الكهنة: ” ماذا نعمل بهذا الشيطان؟ لا يقدر أحد أن يخرجه إلا أبا بيصاريون، ولكننا إن سألناه أن يخرجه لن يأتي حتى إلى الكنيسة، إذن سنفعل هذا دون علمه، لأن أبا بيصاريون يأتي إلى الكنيسة عند الصباح قبل الجميع، نضع المريض في طريقه، وعندما يدخل نقف للصلاة، ونقول له: ” انهض الأخ يا أبانا “. وهكذا فعلوا.

فعندما جاء أبا بيصاريون إلى الكنيسة في الصباح، وقف الإخوة جميعهم للصلاة، وقالوا له: ” انهض الأخ يا أبانا “. فقال له الشيخ: ” قم وأخرج “، وللحال خرج منه الشيطان وشفي.

أقوال مأثورة للقديس بيصاريون:

• سأل أخ يقيم مع إخوة أبا بيصاريون: “ماذا أفعل؟” أجابه الشيخ”‎: ” احفظ السكو ن، وأحسب نفسك كلا شئ! ”

• ليكن لك اهتمام عظيم أيها الراهب ألا ترتكب خطية حتى لا تهين الله الساكن فيك وتطرده من نفسك!

تعتز الكنيسة في الشرق والغرب بهذا الأب العجيب القديس بيصاريون Bessarion ، فتحتفل الكنيسة القبطية بعيد نياحته في 25 مسرى، بينما يعيد له الغرب في 17 يونيو.

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b3-%d8%a8%d9%8a%d8%b5%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d9%88%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%a8%d9%8a%d8%b1/

القديس أنبا يوأنس القصير

سيرة عطرة سيرة هذا القديس وقد قيل عنه: ” أنه ارتفع كثيرًا في نقاوة قلبه وإتضاعه الحقيقي أفضل من الكل، حتى أنه علق شيهيت كلها على أصبعه “.

نشأته :

وُلد هذا القديس سنة 339م ببلدة طيبة بالصعيد من عائلة فقيرة، وكان أبواه تقيين جدًا وكان له أخ أكبر، صار فيما بعد راهبًا فاضلاً أيضًا وقد شعر يوحنا بالدعوة السماوية وهو في الثامنة عشر من عمره، فقام لفوره وذهب إلى القديس بموا، ورجا منه أن يتخذه تلميذًا له.

وإذ رأى الأنبا بموا حداثة سنّه طلب منه التريّث لعلّه لا يحتمل الجهاد وشقاء الحياة النسكية، ولكن يوأنس أجابه أنه على استعداد لطاعة معلمه في كل ما يأمره به. صلى الأنبا بموا وصام ثلاثة أيام قبل أن يقبله، وبعد هذه الأيام الثلاثة ظهر له ملاك الرب وقال له: ” الرب أرسل إليك هذا الأخ فاقبله، فإن قرنه سيرتفع بمجدٍ، وثمرته تكون بخورًا مقبولاً إلى جميع الأجيال “.

فرح الأنبا بموا بهذه الإشارة الإلهية فرحًا عظيمًا ثم صلى وصام ثلاثة أيام أخرى ثم ألبس يوأنس الإسكيم، وكان ذلك في عام 357م.

حياته الرهبانية :

صومه وصلواته: درب نفسه أن يمسك لسانه وبطنه وقلبه من أجل محبته لله. كان ينقطع عن الطعام أحيانًا لمدة أسبوع، وإذا أكل لا يملأ معدته بالخبز وقد ارتبط صومه بصلواته، فكان دائم الصلاة في مغارة تحت الأرض.

أنبا يوأنس والتأمل: كان مشغولاً على الدوام بالتأمل في الله، فلم يكن يفكر في أمرٍ ما في العالم. ففي يوم جاءه الجَمَّال ليحمل عمل يديه ويبيعه، فلما دخل ليحضر السلال كان مشغولاً بالتفكير حتى نسي الجمّال. قرع الجمّال الباب وتكرر الأمر، واضطر في المرة الثالثة أن يدخل قلايته وهو يكرر: ” السلال للجمّال، السلال للجمّال ” حتى لا ينشغل بالتأمل عن الجمَّال.

مرة أخرى حدث هذا أيضًا مع أحد الاخوة، إذ قرع الأخ بابه للمرة الثالثة يطلب السلال، أمسك بيد الأخ وأدخله قلايته وقال له: ” خذ ما تريد وأمضِ، فإني مشغول الآن وغير متفرغ لك “.

طاعته وتلمذته لمعلمه: وكان يوأنس مطيعًا لمعلمه طاعة تامة يؤدي كل ما يأمره به في رضا وسكون. وقد أراد معلمه ذات يوم أن يمتحنه، فأعطاه عودًا يابسًا وقال له: ” يا يوأنس ازرع هذه الشجرة “، فأخذها منه وزرعها على الفور وظل يسقيها ثلاث سنين. أزهر بعدها هذا العود اليابس، وتحول إلى شجرة باسقة مثمرة. وامتلأ بموا فرحًا بهذه الشجرة، وكان يقطف من ثمرها ويقدمه للاخوة قائلاً: ” ذوقوا وانظروا ما أشهى ثمرة الطاعة “، وقد ظلت تلك الشجرة قائمة بمنطقة دير الأنبا يحنس القمص ببرية شيهيت حتى وقت قريب، قيل أنها كانت موجودة إلى حوالي عام 1921م.

حدث أنه كان يسكن أحد المقابر ضبعة ضارية. فسأله الأنبا بموا أن يمضي ويأتي بها، قائلاً له: ” إن أقبلتْ نحوك أربطها وقدها إلى هنا “. مضى الأنبا يوحنا القصير، وكان الوقت مساءً، فلما أقبلت نحوه الضبعة تقدم إليها فهربت منه فسار خلفها قائلاً: ” إن معلمي طلب مني أن أمسكك وأربطك ” فوقفت، وأمسك بها وربطها وأقبل بها إلى الشيخ، فتعجب الأنبا بموا. وإذ خشي عليه من الكبرياء قال له: ” لقد طلبت منك أن تحضر لي ضبعة، فمضيت واحضرت كلبًا “، وللحال امره بإطلاقها.

ذات مرة ارسله أنبا بموا إلى البئر ليملأ جرة ماء، وكانت البئر بعيدة وعميقة، فلما وصل إلى البئر لم يجد حبلاً، وإذا كان ممتلئاً بإيمان عظيم قال بصوت عالٍ: أيتها البئر، إن أبي أرسلني وقال لي: املأ هذه الجرة ماءً. فللوقت صعد الماء إلى حافة البئر فملأ الجرة ثم عاد الماء إلى ما كان عليه!

وقد قضى يوأنس في خدمة معلمه اثنتي عشرة سنة، وكان يرقد بجواره على الفراش ليستند عليه الشيخ في قيامه ورقاده ولشدة مرضه كان يبصق فكان البصاق يقع على تلميذه يوحنا الذي تعب معه كثيرًا وفي كل هذه المدة لم يسمع منه كلمة شكر ولما حانت ساعة انتقال المعلم جمع الاخوة وأمسك بيدي يوأنس وقال لهم: ” تمسكوا بهذا الأخ فإنه ملاك في جسم إنسان “، ثم التفت إلى يوأنس وقال: ” عِش في المكان الذي غرست فيه شجرة الطاعة “.

تواضعه: كان يحسب نفسه أحقر الناس، لكن لا بروح اليأس بل بروح الرجاء في الله الذي يقيم المسكين من المزبلة، هذا التواضع المرتبط بروح التمييز رفع أعماقه ليصير أكثر قربًا من الله ويتمتع بغنى نعمة الله.

سأله الأخوة مرة: ” يا أبانا، هل يجب أن نقرأ المزامير كثيرًا ؟ ” فأجابهم: ” إن الراهب لا تفيده القراءات والصلوات ما لم يكن متواضعًا، محبًا للفقراء والمساكين “.

بسبب تواضعه قيل: ” إن يوحنا كان يحمل شيهيت كلها بتواضعه، كما يحمل الإنسان نقطة ماء على كفه “. كما قيل أنه بسبب تواضعه اجتذب قلوب الاخوة جميعًا، فأحبوه جدًا وكانوا على استعداد أن يعملوا كل ما يأمر به وبسبب تواضعه اختاره الآباء الشيوخ ليكون مرشدًا للقديس أرسانيوس معلم أولاد الملوك.

امتاز بتواضعه الجم فاجتذب قلوب الاخوة جميعًا فأحبوه، وكانوا جميعًا على استعداد أن يعملوا كل ما يأمرهم به. وقد غمره الآب السماوي بفيض من عنايته جزاء له على جهاده المتواصل في سبيل الكمال، فتجلت هذه العناية أمام أحد الرهبان ذات يومٍ، إذ دخل عليه فوجده نائمًا ووجد عددًا من الملائكة يحيطون به ويرفرفون عليه بأجنحتهم.

صبره وإحتماله للإهانات: أراد أبوه الروحي أن يختبره فأخرجه وقال له: ” لا أستطيع السكنى معك “، فكان كل يوم يطرده قائلاً له: ” اذهب من هنا “، أما القديس يحنس فكان يصنع مطانية بتواضع قائلاً: ” اغفر لي يا أبي فقد أخطأت “. وظل خارج الباب سبعة أيام وسبع ليالٍ، وفي يوم الأحد خرج أبوه قاصدًا الكنيسة، فرأى الملائكة تضع سبعة أكاليل نورانية فوق رأس الأنبا يحنس القصير، وللوقت أسرع إليه وقبله إليه بمحبةٍ وفرحٍ.

التقى به أحد الشيوخ وهو في طريقه إلى الكنيسة فقال له: ” أرجع إلى مكانك يا قصير! ” وطرده، فعاد القديس إلى قلايته دون أن ينطق بكلمة.

فتبعه الشيخ ومن معه ليروا ماذا يفعل، وعلى أثر دخوله القلاية فاحت رائحة البخور. وسمعوا من يقول له: “احفظ نفسك يا يوحنا وداوم على التواضع، لتكون خليلاً لابن الله” . تعجب الشيخ ومن معه، ومجدوا الله، وأدخلوا القديس الكنيسة بكرامة عظيمة.

وحدث مرة أنه كان جالسًا مع الأخوة أمام الكنيسة وكان كل واحد منهم يكشف له أفكاره، فنظره أحد الشيوخ وقال له: ” يا يوحنا إنك ممتلئ سحرًا “. فقال: ” الأمر هكذا كما تقول يا أبتاه ولكنك بنيت حكمك هذا على ما نظرته في الظاهر، فما عساك كنت تقول لو علمت بالخفاء “.

امتاز القديس يوأنس بصبر شبيه بصبر أيوب، إذ كان يتحمل كل ما يلاقيه من صعاب، ويتقبل أسئلة الرهبان ومناقشاتهم بصدر رحب، ولو كان فيها ما يوغر صدره.

جاء شيخ يسأله، وكان كلما سأله عن موضوع يعود فينساه فيعاود السؤال. وبعد مدة خجل الشيخ منه ولم يذهب إليه لكي لا يضايقه بتكراره للأسئلة. التقى به القديس فسأله عن سبب انقطاعه، فأخبره عن السبب. عندئذ سأله أن يحضر شمعة ويوقدها ثم طلب منه أن يحضر شموعًا ويوقدها من الشمعة الأولى، بعد ذلك سأله: هل تظن أن الشمعة الأولى قد تأذت من هذه الشموع؟ وهل ضعف نورها؟ أجابه بالنفي، عندئذ قال له: هكذا لن يؤذيني سؤالك؛ وبالحقيقة لا حرج من ذلك، وإن جاءني جميع رهبان شيهيت، لأن تجمعهم حولي يزيدني من تقرّبي من الله. وهكذا استطاع أن يكسب الشيخ بصبره.

هروبه من العثرة: خرج يومًا ومعه السلال ليبيعها في الريف فقابله الجمّال وحملها عنه. وفي الطريق سمع الجمّال يغني أغانٍ بذيئة، ورأى الشياطين حوله. لم ينطق بكلمة وإنما ترك السلال مع الجَمَّال وعاد إلى البرية.

إنتصاره على الغضب: قال أنبا يوأنس : اني كنت ماضيًا مرة في طريق الأسقيط ومعي (القفف) محمولة على جمل وفجأة أبصرت الجمال وقد تحرك فيه الغضب، فتركت كل ما كان لي وهربت.

مرة أخرى كان في الحصاد فأبصر أخًا قد غضب على آخر فهرب وترك الحصاد.

مرة أخرى جاء إلى الكنيسة فسمع مجادلة في الكلام بين الأخوة فرجع إلى قلايته ودار حولها ثلاث دورات ثم عاد ودخل فيها، فسألوه لماذا فعلت ذلك ؟ فقال: إن صوت المجادلة كان لا يزال في أذني فقلت أخرجه من أذني قبل أن أدخل قلايتي كي يكون عقلي داخل القلاية نقيًا.

محبته لخلاص الآخرين : تبقى توبة بائيسة شهادة حيّة لاهتمام هذا الراهب المنشغل بالتأمل في الإلهيات بخلاص النفوس.

شفاء المرضى: نال من الله موهبة شفاء المرضى، فجاء في سيرته الآتي: في أحد الحقول التقى بفلاحٍ مُصاب بالبرص، وطلب منه أن يشفيه فأحضر ماءً وصلى عليه ورسمه باسم الثالوث القدوس، فشُفي الرجل ومجّد الله.

التقى يومًا بسيدة عجوز طلبت منه خبزًا لها ولابنها الأعمى، فقدم لها كل ما لديه من خبز. وإذ قدمت إليه ابنها صليّ من أجله ورشم عينيه وللحال أبصر. مرة أخرى جاءته امرأة بها روح نجس كان يعذبها كثيرًا فتحنن عليها، وصلى من أجلها فخرج الروح منها وشُفيت.

جاء في ذكصولوجية الأنبا يوأنس القصير: ” صرت ميناء خلاص، أقمت الأموات، وأخرجت الشياطين، وشفيت المرضى أيضًا. استحققت يا سيدي الأب أنبا يوأنس أن تجلس مع الرسل تدين جيلك “.

علاقته بالأنبا بيشوي حبيب مخلصنا الصالح:

القديس يحنس القصير هو الأخ الروحي للقديس أنبا بيشوي كوكب البرية، وقد تتلمذ كلاهما على يدي القديس الأنبا بموا القمص بشيهيت وبعد نياحة الأنبا بموا عاش يوأنس القصير مع الأنبا بيشوي بضع سنوات، ثم لاحظ يوأنس أن الأنبا بيشوي يميل إلى حياة العزلة فقال له: ” أرى أنك مشتاق إلى حياة العزلة مثلي، فهيّا نصلي معًا طالبين من الله الهداية “. فوقف كلاهما يصليان الليل كله، ولما حلّ الصباح ظهر لهما ملاك الرب وقال: “يا يوأنس ابقَ حيث أنت، أما أنت يا بيشوي فارحل من هنا وأقم في قلاية على مقربة من دير الأنبا مقاريوس الكبير حيث يباركك الرب ويوافيك باخوة كثيرين يسكنون معك “. فأطاع كلاهما الأمر، وبعد ذلك تجمع عدد وفير من الاخوة حول كل منهما واتخذوه لهم أبًا.

سيامته قسًا ومعرفتة للخفايا:

وفي إحدى زيارات البابا ثيؤفيلس البابا الثالث والعشرين لأديرة وادي النطرون سام يوأنس القصير قسًا، وعندما وضع البابا يده على رأس يوأنس سمع الحاضرون صوتًا من السماء يقول: ” أكسيوس ( مستحق ) “. وقد ميز الله قديسه يوحنا بمعرفة الخفايا فعندما كان يقدس الأسرار كان يعرف من يستحق التناول ومن لا يستحق ولهذا فإن كثيرون تابوا ورجعوا لله بكل قلوبهم.

نياحته :

لما أراد الله أن يريحه من متاعب هذه الحياة ظهر له القديسون الأنبا أنطونيوس والأنبا مقاريوس الكبير والأنبا باخوم وأعلموه بأنه سيرحل من هذا العلم الفاني، وفي اليوم التالي لهذه الرؤيا رأى تلميذه روحه الطاهرة صاعدة إلى العلاء تحيط به زمرة من ملائكة السماء. وقد تنيّح عام 409م تقريبًا، بالغًا السبعين من عمره.

تمت معجزات كثيرة بعد نياحته مباشرة، منها أن أبوين طرحا ولدهما المفلوج على القديس فعوُفي وجرى وهو يمجّد الله. وقيل أن شابًا به روح نجس صرخ أثناء جنازته وقال: ” يا قصير، أتزعجني وتطردني من بيتي؟ ” ثم جرى وعانق الجسد، ثم سقط على الأرض وقام معافى.

نُقل جسده إلى جبل القلزم بجوار السويس، ثم أعاده الرهبان إلى دير أبي مقار؛ ثم إلى ديره حتى تخرب فأعيد إلى دير القديس مقاريوس، ولا يزال محفوظًا مع أجساد الثلاثة مقارات القديسين.

جاء في السنكسار الأثيوبي أن الأنبا مرقس خليفة الأنبا يوحنا الرابع أراد أن يكسو الجسد بأكفانٍ من حريرٍ، فما أن خلع عنه كفن الليف حتى حدثت زلزلة في الكنيسة وسقط بعض الرهبان والزوار، فأعاد البابا إليه كفنه الليف كما كان.

تحتفل الكنيسة بعيد نياحته في 20 بابه، وتذكار وصول جسده إلى شيهيت في 29 مسرى.

أقوال مأثورة للقديس أنبا يوأنس القصير:

1. لا يوجد شيء أنتن من الإنسان الخاطئ، فالحيوانات حفظت رتبتها، والإنسان الذي خُلق على صورة الله ومثاله لم يحفظ طقسه.

2. لا يُسر الشيطان بشيء مثل الإنسان الذي لا يكشف أفكاره ويعريها أمام أبيه.

3.إذا أراد ملك أن يأخذ مدينة الأعداء، فقبل كل شيء يقطع عنهم الشراب والطعام وبذلك يذلون فيخضعون له، هكذا آلام الجسد إذا ضيّق الإنسان على نفسه بالجوع والعطش تضعف وتتذلل له.

4. كن حزينًا على الذين هلكوا، كن رحيمًا على الذين طغوا، كن متألمًا مع المتألمين، مصليًا من أجل المخطئين.

5. التواضع ومخافة الرب هما أعظم جميع الفضائل.

6. الزم القراءة أفضل من كل عملٍ، لأنه ربما دار العقل في الصلاة، أما القراءة فإنها تجمعه.

كلمة أخيرة:

تكشف لنا سيرة هذا العظيم بين آباء البرية بوضوح عن الخط الروحي لحياة الراهب الذي يترك العالم لا كرهًا فيه بل عشقًا في الله. فقد انسحب قلب أبينا إلى السماويات وانشغل بالإلهيات. وفي هذا كله لم يكف عن العمل اليدوي لكي يقدم بالحب ما أمكنه للاخوة المحتاجين. ومع سموّه الروحي الفائق كان متواضعًا ومطيعًا. هكذا ارتبط قلبه بالله واهب الحب والتواضع والطاعة.

أطلب من الرب عنا أيها القديس المجاهد ليغفر لنا خطايانا.

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b3-%d8%a3%d9%86%d8%a8%d8%a7-%d9%8a%d9%88%d8%a3%d9%86%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b5%d9%8a%d8%b1/

الأنبا دانيال قمص برية شيهيت

والذي تحمل سيرته شهادة حيّة عن حيوية الرهبنة القبطية ومجدها في القرن السادس الميلادي.

نشأته:

وُلد سنة 485م، وارتحل إلى برية شيهيت وهو صبي. وقع تحت الأسر ثلاث مرّات في رهبنته المبكرة، ربما بسبب شغفه نحو الدخول إلى البرّية الداخلية.

في المرة الثالثة صرع أسيره بحجر فأرداه قتيلاً وهرب. لكنه ظل تحت عذاب الضمير طوال حياته.

لما كان مرّ النفس جدًا، طلب من البابا تيموثاوس الثالث (518-536م) عقوبة يتحملها تساعده على التوبة، فحاول أن يقنعه بأن ذلك كان دفاعًا عن النفس، لكنه لم يقتنع، فرحل إلى روما والقسطنطينية ثم أفسس وأورشليم وإنطاكية يسأل أساقفة هذه البلاد فقالوا له ما قاله البابا تيموثاوس.

وأخيرًا إذ لم يسترح سلّم نفسه للقضاء بالإسكندرية، لكن القاضي أخلى سبيله متمنيًا لو قتل سبعة من هؤلاء البرابرة العنفاء.

مع أولوجيوس قاطع الأحجار:

وتتخلل حياة أنبا دانيال قصة أولوجيوس قاطع الأحجار الذى صلى له القديس حتى يعطيه الرب مالاً ينفقه على نفسه وعلى ضيوفه، لأنه كان يحب ضيافة الغرباء والمساكين.

فأستجاب الله لصلاة أنبا دانيال ووجد أولوجيوس كنزًا كبيرًا ولكنه بدلاً من أن يكون مضيافًا ذهب إلى القسطنطينية يطلب وظيفة وجاهًا لدى الملوك.

واشترك أولوجيوس في مؤامرة سياسية ضد جوستيان سنة 532م وكان وشك الوقوع في القبض لولا هروبه إلى مصر تاركًا كل ثروته.

عاد ليقطع الحجارة كما كان أولاً وبالتالي إلى فقره الكريم وغنى محبته في إضافة الغرباء والمساكين.

فأجتمع به الأنبا دانيال وقصَّ عليه ما حل به بسببه، فعزاه وسنده ورده إلى محبة الفقراء.

مع القديسة أناسطاسيا:

لما شاع صيته أتت إليه الشريفة أناسطاسيا إحدى الشماسات اللواتي هربن مع القديس أنبا ساويرس الأنطاكي إلى مصر سنة 518م.

وكانت غنية جدًا وقد جاءت متخفية في زي الرجال وأعلمته بحقيقة أمرها، كما أخبرته بأنها هربت من وجه إمبراطور القسطنطينية الذي أراد الزواج منها.

فترهبت ومكثت في مغارة بقربه مدة ثمانية وعشرين عامًا ولم يعلم بأمرها أحد. وكان أحد تلاميذ القمص دانيال يحمل إليها الخبز والماء مرة أسبوعيًا ويتركهما عند باب مغارتها.

وكانت كلما ساورتها الهواجس والهموم وصفت جميع ما خالجها من مشاعر بكتابته على حجر وتتركه عند باب المغارة، فيأخذه التلميذ إلى القديس دانيال الذي يكتب لها بدوره الرد ويرسله مع التلميذ وكان القديس يختار رسوله ممن يجهلون اليونانية التي تكتب بها القديسة أناسطاسيا، فتظل اعترافاتها سرًا مكتومًا.

في أحد الأيام ذهب التلميذ كالعادة فوجد شقفة ( إحدى الوسائل كتابة الخطابات السائدة في هذا العهد ) مكتوب عليها :” احضر ومعك الأدوات “.

علم الأنبا دانيال أن القديسة تحتضر فذهب إليها عاجلاً ومعه الأسرار وأدوات الدفن فناولها من الأسرار المقدسة بعد أن أخذ من فمها الطاهر آخر كلماتها ثم كشف لتلميذه سر حياتها وقاما بدفنها معًا.

مع القديسة أناسيمون الملكة الهبيلة:

كشف القديس دانيال عن شخصية القديسة أناسيمون الملكة التي تخفّت في شخصية هبيلة لتعيش محتقرة في إحدى أديرة البنات بمصر.

كما كشف عن شخصية قديس عظيم يُسمى مرقس كان يتسوّل أمام دار البطريركية.

أنبا دانيال واللص التائب:

أراد لص أن يسرق أموال دير للراهبات فتقمص شخصية أنبا دانيال ودخل الدير ليلاًَ.

سألته الراهبات أن يصلّي من أجل راهبة عمياء، وإذ لم يكن مسيحيًا ولا يدري ماذا يفعل، قال لهن أن يغسلن وجهها بالماء الذي غسلن به قدميه.

وإذ انفتحت عيناها تأثر اللص جدًا، وخرج باحثًا عن القديس أنبا دانيال الذي استقبله ببشاشة وأعلمه أنه كان معه بالروح حين دخل دير الراهبات.

آمن اللص بالمسيحية وتتلمذ على يدي أنبا دانيال.

أنبا دانيال يواجه العذابات من أجل الأمانة المقدسة:

تعرض القديس للضرب حتى كاد يفارق الحياة، وذلك لأنه شجب طومس لاون وعقيدة مجمع خلقيدونية أمام مندوب الملك يوستنيان.

اضطر إلى الهروب إلى مدينة تامبولا (حاليًا مركز شبراخيت) حيث أقام بجوارها ديرًا مكث فيه حتى مات يوستنيان عام 565م.

أنبا دانيال وأثناسيا وزوجها أندرونيكس:

كانا من أثرياء إنطاكية، مات أولادهما جميعًا فجأة فدخلا في حزنٍٍ شديدٍ. لكنهما عادا إلى حياة التسليم لله، وقرّرا الرهبنة.

جاء الزوج إلى القديس أنبا دانيال الذي نصحه أن يستودع زوجته في إحدى أديرة الراهبات ثم يعود إليه.

تتلمذ على يدي أنبا دانيال لمدة 12 عامًا. وإذ أراد زيارة الأماكن المقدسة التقى براهبٍ يود الذهاب إلى أورشليم، فتحدثا معًا في الطريق، وتعاهدا أن يعيشا معًا في قلالي متجاورة عند عودتهما.

بالفعل سكنا في الدير الثامن عشر بالإسكندرية (اوكتوكا يديكاثون). وبقيا هناك 12 عامًا، وكان القديس دانيال يفتقدهما.

أخيرًا تنيح الراهب واكتشف أندرونيكوس أن الراهب هو زوجته أثناسيا، فأقام في قلايتها ولكنه لم يعش بعدها كثيرًا، إذ تنيح بعد قليل ودفن بجوارها.

اهتمامه بأولاده:

عاش القديس دانيال قمص شيهيت أربعين سنة ونصف في الصحاري مداومًا على الصلاة والصوم، مهتمًا بالرهبان والراهبات الخاضعين لرئاسته وقد نال هذا القديس أحزانًا كثيرةً في سبيل الإيمان، وأظهر الله على يديه آيات كثيرة.

عرف زمان انتقاله من هذا العالم، فجمع الرهبان وأوصاهم وثبتهم وعزاهم ثم تنيّح بسلام عن 85 سنة قضاها في النسك والحياة الرهبانية الحقيقية وذلك في الثامن من شهر بشنس وهو يقول :”ياربي يسوع المسيح حبيبي روحي اقبل نفسي بين يديك”

كلمة أخيرة:

لقد كان هذا القديس أبًا طاهرًا كاملاً، خدم بلاده أعظم خدمة بأن قدم للكنيسة أساقفة أعلام من خلال برامج الدراسة التي كانت تُقَدم في الأديرة بهدف إعداد الرهبان لحسن تأدية رسالتهم، والذي كان هذا القديس أحد القائمين بالتعليم فيها مع غيره من الشيوخ الرهبان الذين اشتهروا بالعلم والتقوى. ليس ذلك فحسب بل أن رعايته شملت المتبتلات أيضًا فرعاهن أحسن رعاية.

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%86%d8%a8%d8%a7-%d8%af%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a7%d9%84-%d9%82%d9%85%d8%b5-%d8%a8%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%b4%d9%8a%d9%87%d9%8a%d8%aa/

القديس العظيم افا فينى ( ابو فانا ) المتوحد

عاش القديس ابو فانا فى مابين النصف الأخير من القرن الرابع و أوائل القرن الخامس الميلادى (355 – 415 ) م ، ولد فى ممفيس من أبوين تقيين غنيين فى النعمة و الثروة ، فنشأ فى حياة القداسة و صلابة الإيمان و دفء الحياة المسيحية مما كان له أعظم الأثر فى حياته المبكرة فمنذ طفولته إستقى من الكتب المقدسة و تعاليم الكنيسة فتعلم القديس حياة الصوم و الصلاة و العطف على الفقراء حيث كان والديه يصنعان صدقات كثيرة ، فأحب الرب الهه منذ طفولته، ولما بلغ سن الشباب كانت ميوله نحو الصلاة و التسبيح و القراءات الروحية فعاش حياة الطهارة و أحبها ، فكان بالحقيقة إناء نقيا مقدسا لسكنى الروح القدس.

و مع نموه فى النعمة و القامة يوما بعد يوم تزايدت أشواقه و محبته لطريق الرهبنة ، و مع إزدهار الحياة الرهبانية فى الصعيد انطلق ليتتلمذ للرهبان و المتوحدين ، وكان شديدا فى نسكه و تقشفه فكان يدرب نفسه أن يقتنى كل فضيلة يسمع عنها أو يراها من الأباء الرهبان.

لم يأخذ رتبة كهنوتية حسب النظام الباخومى ، و لكنه صار أبا لبطاركة إذ تخرج من الدير اثنين من الآباء البطاركة هما : البابا ثيؤدوسيوس الـ79 ، و البابا متاؤس الأول الـ 87 ، و قد تكاثر أولاده جدا فكان لا يفتر عن تعليمهم و إرشادهم ، و أعطاه الله موهبة شفاء المرضى ، بل و إقامة موتى ، و كذلك منحه الله الشفافية الروحية ، و صارت حياته بركة .

ثم توحد بمغارة فى الجبل الغربى من قصر هور ، و قد أنبع ىالله عين ماء عذب عند مدخل المغارة، وتزايد جهاده الروحى حيث أضنى جسده بالصوم الكثير الذى كان يطوى الأيام فيه يومين يومين ، و كان دائم الوقوف للصلاة حتى تورمت رجليه ، و لصق جسده بعظمه من شدة النسك فصار مثل خشبة محروقة ، و كان كلما غلبه النعاس ينام وهو متكئا بصدره على جدار أقامه خصيصا لذلك أو يجلس على الأرض و يستند إلى الحائط أو يضع رأسه على درجة و ظل هكذا 18 عاما حتى يوم نياحته يوم السبت 4 مارس لعام 415 م الموافق 25 أمشير لعام 131 ش ، و دفن بديره الموجود بالجبل الغربى لقصر هور ـ ملوى .

بركة صلواته تشملنا آمين

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b8%d9%8a%d9%85-%d8%a7%d9%81%d8%a7-%d9%81%d9%8a%d9%86%d9%89-%d8%a7%d8%a8%d9%88-%d9%81%d8%a7%d9%86%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%aa%d9%88/

الأنبا موسي الأسود

نشأته وحياته الأولي:

لا يعرف علي وجه التحديد في أية منطقة نشأ القديس موسي ولا الي أية قبيلة كان ينتمي، قيل أنه من احدي قبائل البربر والقليل المعروف عن طفولته وشبابه ليس فيه ما يعجب به.

حياة التوبة:

بالرغم من شرور موسي وحياته السوداء امام الجميع الا أن الله الرحوم وجد في قلب موسي استعداد للحياة معه.. فكان موسي من وقت سماعه عن آباء برية شيهيت القديسين وشدة طهارة سيرتهم وجاذبيتهم العجيبة للآخرين.. يتطلع الي الشمس التي لا يعرف غيرها الها ويقول لها:(أيتها الشمس ان كنت أنت الاله فعرفيني. وأنت أيها الاله الذي لا أعرفه عرفني ذاتك) فسمع موسي من يخبره أن رهبان وادي هبيب (برية شيهيت) يعرفون الله. فقام لوقته وتقلد سيفه وأتي الي البرية.

توبته:

هناك في البرية تقابل مع أنبا ايسيذورس وطلب منه أن يرشده الي خلاص نفسه فأخذه أنبا ايسيذورس وعلمه ووعظه كثيراً بكلام الله وكلمه عن الدينونة والخلاص، وكان لكلمة الله الحية عملها في داخل قلبه واستكملت فاعليتها داخل نفسه فكانت دموعه مثل الماء الساقي، وكان الندم الحار يجتاح نفسه ويقلق نومه وهكذا كره حياته الشريرة وعزم علي التخلص منها فقام الي القديس ايسيذورس ثانية.

اعترافه بخطاياه ونواله سر العماد:

كان يركع أمام قس الاسقيط ويعترف بصوت عال بعيوبه وجرائم حياته الماضية في تواضع كثير وبشكل يدعو الي الشفقة ووسط دموع غزيرة. فأخذه القديس ايسيذورس الي حيث يقيم أنبا مقاريوس الكبير الذي أخذ يعلمه ويرشده برفق ولين ثم منحه صبغة المعمودية المقدسة. واعترف علنا في الكنيسة بجميع خطاياه وقبائحه الماضية وكان القديس أبو مقار أثناء الاعتراف يري لوحاً عليه كتابة سوداء، وكلما اعترف موسي بخطية قديمة مسحها ملاك الله حتي اذ انتهي من الاعتراف وجد اللوح أبيضاً.

حياته الرهبانية:

بعد ان سمع موسي لكلام ايسيذورس سكن مع الأخوة الرهبان وقيل أنهم كانوا يفزعون منه في بادئ الأمر لأنه كان في حياته الماضية (رعب المنطقة) ولكنهم لم يلبثوا أن رأوا فيه مثال الاتضاع والجهاد الروحي والنظام، ولكثرة الزائرين له أشار عليه القديس مقاريوس بأن يبتعد من ذلك المكان الي قلاية منفردة في القفر وللحال أطاع القديس موسي وانفرد في قلايته وعاش في وحدته مثابراً علي الجهاد الروحي وتزايد فيه جداً وكان مندفعاً في الصوم والصلاة والتأمل والندم، لكن الشيطان لم يحتمل فعل القديس هذا فابتدأ يقاومه بكل قوته.

جهاده ونصرته في الحياة الرهبانية

1 – تدريب الصوم والصلاة:

بينما كان القديس موسي مداوماً علي الصوم والصلاة والتأمل اذ بشيطان الخطية يعيد الي ذكراته العادات المرذولة القديمة ويزينها له بعد أن استنارت روحه وعاد الي معرفة الله، ولما اشتدت عليه وطأة الأفكار الشريرة مضي الي القديس ايسيذورس وأخبره بحرب الجسد الثائرة ضده فعزاه قائلاً:(لا تحزن هكذا وانت مازلت في بدء الصعوبات ولمدة طويلة سوف تأتي التجارب وتقلق روحك فلا تخف ولا تجزع – وأنت اذا ثابرت علي الصوم والسهر واحتقار أباطيل هذا الدهر سوف تنتصر علي شهوات الجسد). واستفاد موسي من كلام القديس ايسيذورس ورجع الي قلايته منفرداً وممارساً أنواعاً كثيرة من أماتة الجسد، ولم يتناول سوي القليل من الخبز مرة واحدة فقط في اليوم كله مثابراً علي الصلوات وعمل اليدين.

2- خدمة الآخرين والهرب من الفراغ :

كانت المياه صعب احضارها الي القلالي اذ كان يلزم أن يسيروا مسافة كثيرة واستغل موسي الأسود هذه الفرصة وأخذ يدرب نفسه علي أعمال المحبة، فكان يخرج ليلاً ويطوف بقلالي الشيوخ ويأخذ جرارهم ويملأها بالماء، فلما رأي الشيطان هذا العمل لم يحتمله فتركه الي أن أتي في بعض الأيام الي البئر ليملأ قليلاً من الماء وضربه ضرباً موجعاً حطم عظامه حتي وقع علي الأرض مثل الميت وجاء بعض الأخوة فحملوه ومضوا به الي البيعة. وهناك أقام القديس بالبيعة نحو ثلاثة أيام ثم رجعت روحه اليه.

3 – الانسحاق أمام الله وعدم الاتكال علي برنا وقوتنا:

+ تزايد الأب موسي جداً في نسكه وفي مقاتلته لذاته لدرجة كبيرة ولكن بالرغم من هذه الأماتات والسهر وقهر الذات – لم يمكنه أن يلاشي من مخيلته تلك الأشباح الدنسة بل كانت تزداد كلما ازداد هو في محاربتها، وربما كانت زيادة تقشفاته هذه بدون اذن من مرشده الروحي. لأنه لما ذهب اليه يشكو حاله قال له:(ينبغي عليك الاعتدال في كل شئ حتي أعمال الحياة النسكية)، كما قال له أيضاً: (يا ولدي كف عن محاربة الشياطين لأن الأنسان له حد في قوته. ولكن اذا لم يرحمك الله ويعطيك الغلبة عليهم هو وحده فما تقدر عليهم ابداً. أمض الآن وسلم أمرك لله وانسحق أمامه وداوم علي الاتضاع وانسحاق النفس فاذا نظر الله الي صبرك واتضاعك فانه يرحمك). فأجاب موسي:(اني أثق في الله الذي وضعت فيه كل رجائي أن أكون دائماً متسلحاً ضد الشيطان ولاأبطل أثارة الحرب ضدهم حتي يرحلوا عني)، فلما رأي القديس ايسيذورس منه هذا الايمان. حينئذ قال له:(وأنا أؤمن أيضا بسيدي يسوع المسيح.. وباسم يسوع المسيح من هذا الوقت فصاعداً سوف تبطل الشياطين قتالها عنك) وقال له: أمض الي البيعة المقدسة وتناول من الأسرار الالهية. واستمر القديس موسي يصنع كقول الشيخ مواظباً علي ذلك فأعطاه الله نعمة عظيمة وتواضعاً وسكوناً فانحلت عنه قوة الأفكار ومن ذلك الوقت عاش موسي في سلام وازداد حكمة.

جهاده عن الفضائل

1- تواضعه واحتماله الاهانات:

+ انعقد مجلس وأرادوا أن يمتحنوا أنبا موسي فنهروه قائلين: لماذا يأتي هذا النوبي هكذا ويجلس في وسطنا؟ فلما سمع ذلك الكلام سكت. وعند انفضاض المجلس قالوا له: يا أبانا؟ لماذا لم تضطرب؟ فأجابهم قائلاً:(الحق اني اضطربت ولكني لم أتكلم شيئاً)

وسأل بعض الاخوة أحد الشيوخ عن المعني الذي قصده أنبا موسي بقوله: (الحق أني اضطربت ولكني لم أقل شيئاً) فأجاب الشيخ:

(ان كمال الرهبان يكون في ناحيتين، الأولي سكون حواس الجسد، والثانية سكون حواس النفس، وان سكون حواس الجسد يكون عندما يحتمل الانسان الاهانة لأجل السيد المسيح فلا يتكلم ولو أنه قد يضطرب. أما سكون النفس فهو أن يهاب الانسان دون أن تضطرب نفسه أو يتسرب الي قلبه الغضب).

+ قيل عنه: انه لما رسم قساً ألبسوه ثوب الخدمة الأبيض فقال له أحد الأساقفة: ها أنت قد صرت كلك أبيض يا أنبا موسي. فقال:(ليت ذلك يكون من داخل كما من خارج).

+ أراد رئيس الأساقفة أن يمتحنه فقال للكهنة:(اذا جاء أنبا موسي الي المذبح أطرده لنسمع ماذا يقول) فلما دخل انتهروه وطردوه قائلين له:(اخرج يا أسود. الي خارج الكنيسة). فخرج أنبا موسي وهو يقول:(حسناً فعلوا بك يارمادي اللون يا أسود الجلد. وحيث أنك لست بانسان فلماذا تحضر مع الناس؟) .

2– هروبه من المجد الباطل:

سمع حاكم المنطقة يوماً بفضائل القديس موسي وأراد أن يراه فاتخذ طريقه الي شيهيت فعلم الآب القديس (وكان متقدماً في السن) بهذه الزيارة، ولكي يهرب من المجد الباطل أختبأ وسط البوص في المستنقع، وفي طريقه تقابل مع الحاكم وحاشيته الكريمة، فقال له الحاكم:(أيها الرجل العجوز هل يمكن أن تعلمني أين قلاية الأب موسي) فرد عليه:(وماذا تريد اذن أن تسأله فهو رجل متقدم في الأيام وغير مستقيم)؟.. فسبب هذا الحديث قلقاً للحاكم واستمر في طريقه وقرع باب الدير حيث كان الأخوة ينتظرونه، فقال لهم:(يا آبائي لقد سمعت كلاماً كثيراً عن الأب موسي، وجئت للصحراء لكي أراه، وعلي مسافة من هذا المكان تقابلت عند المستنقع مع عجوز وسألته أين قلاية الأب موسي فرد علي أن في الذهاب اليه مشقة كبيرة، وهو رجل عجوز غير مستقيم..) وكان لهذه الكلمات وقع كبير في نفوس الجميع، فأخذوا يصرخون ويحتجون بشدة من تري يكون هذا العجوز الضعيف العقل هكذا حتي يتكلم بهذه الطريقة عن الأب القديس المكرم في كل شيهيت، فقال الزائر العظيم أنه عجوز ضئيل الجسم يلبس ملابس طويلة وبالية جداً ووجهه أسمر من الشمس، وله ذقن بيضاء طويلة ونصف رأسه خال من الشعر، وعند ذلك فهموا السر، فقد كان الحاكم قد تقابل مع الأب موسي نفسه وتصنع ذلك ووصف نفسه بالكلمات المذكورة، فرجع الحاكم متأثراً جداً.

3- زهده:

حدث أن قوماً أتوا اليه من مصر وكان موضوعاً علي المائدة ثعبان مشوي، ولما حان وقت الغذاء وأراد الاخوة أن يأكلوا منعهم القديس قائلاً:(لا تقربوا هذا يا أخوتي فانه وحش شرير)فقالوا له:(لماذا فعلت هكذا يا أبانا؟) فقال لهم:(يا أخوتي ان هذه النفس المسكينة اشتهت سمكاً ففعلت هذا كي ما أكسر شهوتها الرديئة)، فتعجب الاخوة كثيراً ومجدوا الله الذي أعطي قديسه هذه النعمة العظيمة.

4- فاعلية صلاته:

قيل عن أنبا موسي: انه لما عزم علي الاقامة في الصخرة تعب ساهراً.فقال في نفسه كيف يمكنني أن أجد مياها لحاجتي هاهنا. فجاءه صوت يقول له: ادخل ولا تهتم بشئ. فدخل وفي أحد الأيام زاره قوم من الآباء ولم يكن له وقتئذ سوي جرة ماء فقط. فأعد عدساً يسيراً، فلما نفذ الماء حزن الشيخ وصار يدخل ويخرج ويدخل ثم يخرج ويدخل وهكذا.. وهويصلي الي الله. واذ بسحابة ممطرة قد جاءت فوقه حيث كانت الصخرة. وسرعان ما تساقط المطر فامتلأت أوعيته من الماء. فقال له الآباء: لماذا كنت تدخل وتخرج؟ فأجابهم وقال: كنت أصلي الي الله قائلاً: انك أنت الذي جئت بي الي هذا المكان وليس عندي ماء ليشرب عبيدك. وهكذا كنت أدخل وأخرج مصلياًً لله حتي أرسل لنا الماء.

5 – اخفاء تدبيره وحفظه وصية المسيح:

حدث مرة أن أعلن في الاسقيط أن يصام أسبوع وتصادف وقتئذ ان زار الأنبا موسي أخوة مصريون. فأصلح لهم طبيخاً يسيراً. فلما أبصر القاطنون بجواره الدخان اشتكوا لخدام المذبح قائلين: هوذا موسي قد حل الوصية اذ أعد طبيخاً. فطمأنهم أولئك قائلين: بمشيئة الرب يوم السبت سوف نكلمه. فلما كان السبت وعلموا السبب قالوا لأنبا موسي أمام المجمع:(أيها الأب موسي، حقاً لقد ضحيت بوصية الناس في سبيل اتمام وصية الله) .

6 – جلوسه في القلاية وصبره علي أحزانها:

+ قيل أن الأب الكبير الأنبا موسي الأسود قوتل بالزنا قتالاً شديداً في بعض الأوقات. فقام ومضي الي الأنبا ايسيذورس وشكا له حاله فقال له: ارجع الي قلايتك. فقال أنبا موسي: اني لا أستطيع يا معلم. فصعد به الي سطح الكنيسة وقل له: انظر الي الغرب فنظر ورأي شياطين كثيرين، يتحفزون للحرب والقتال ثم قال له: انظر الي الشرق فنظر ورأي ملائكة كثيرين يمجدون الله. فقال له: أولئك الذين رأيتهم في الغرب هم محاربونا. أما الذين رأيتهم في الشرق فأنهم معاونونا. ألا نتشجع ونتقو اذن ما دام ملائكة الله يحاربون عنا؟ فلما رآهم أنبا موسي فرح وسبح الله ورجع الي قلايته بدون فزع.

+ قيل أضاف أنبا موسي أخا فطلب منه كلمة فقال له: امض واجلس في قلايتك والقلاية سوف تعلمك كل شئ.

7- فضائله:

عطفه علي الخطاة وعدم ادانته لهم:

قيل: أخطأ أخ في الاسقيط يوماً فانعقد بسببه مجلس لادانته وأرسلوا في طلب أنبا موسي ليحضر. فأبي وامتنع عن الحضور. فأتاه قس المنطقة وقال:(أن الآباء كلهم ينتظرونك) فقام وأخذ كيساً مثقوباً وملأه رملاً وحمله وراء ظهره وجاء الي المجلس. فلما رآه الأباء هكذا قالوا له: ماهذا أيها الأب؟ فقال: (هذه خطاياه وراء ظهري تجري دون أن أبصرها وقد جئت اليوم لادانة غيري عن خطاياه). فما سمعوا ذلك غفروا للأخ ولم يحزنوه في شئ.

+ اعتادوا القول أن وجه (أنبا بموا) كان مثل الضياء تماماً، كما أخذ موسي مجداً شبه آدم ولمع وجهه وكان مثل ملك مستو علي عرشه، كذلك كان الحال مع أنبا سلوانس وأنبا صيصوي.

استشهاده

+بينما كان الأخوة جالسين بالقرب من القديس موسي في أحدي المناسبات قال لهم:

(سوف يقبل البربر اليوم الي البرية (الاسقيط)، قفوا، اهربوا)، قالوا له: ألا تريد أنت الهرب يا أبانا؟ أجابهم: طوال هذه السنين وأنا أنتظر هذا اليوم لكي يتم قول فادينا الذي قال:(الذين يأخذون بالسيف بالسيف يهلكون مت 52:26) قالوا:(نحن أيضاً لا نهرب ولكن نموت معك) فأجاب وقال لهم:(هذا ليس شأني انما رغبتكم، ليهتم كل انسان بنفسه في الموضع الذي يسكن فيه) وكانوا سبعة أخوة. وبعد برهة من الزمن قال لهم:(هوذا البربر يقتربون الي الباب، فدخل البربر وقتلوهم ولكن واحداً منهم كان خائفاً هرب بين الحصير ورأي سبعة تيجان نازلة من السماء توجت السبعة الذين ذبحوا).

أقوال القديس في الفضائل والرذائل

خوف الله يطرد جميع الرذائل والضجر يطرد خوف الله. كما يفعل السوس في الخشب كذلك تفعل الرذيلة في النفس.

+ ستة أشياء تدنس النفس والجسد:

المشي في المدن. أهمال العينين بلا حفظ – التعرف بالنساء – مصادفة الرؤساء – محبة الأحاديث الجسدانية – الكلام الباطل.

+ أربعة يجب أقتناؤها:

الرحمة. غلب الغضب. طول الروح. التحفظ من النسيان.

+ أربعة يحتاج اليها العقل كل ساعة:

الصلاة الدائمة بسجود قلبي – محاربة الأفكار – أن تعتبر ذاتك خاطئاً – لا تدين أحداً.

+ أربعة عون الراهب الشاب:

الهذيذ في كل ساعة في ناموس الله – مداومة السهر – النشاط في الصلاة –ألا يعتبر نفسه شيئاً.

+ أربعة تؤدي الي الزني:

الأكل والشرب – الشبع من النوم – البطالة واللعب – التزين بالملابس.

+ أربعة مصدر ظلمة العقل:

مقت الرفيق – الازدراء به – حسده – سوء الظن به

+ أربعة أمور بها يتحرك في الانسان الغضب:

الأخذ والعطاء – اتمام الهوي – محبته في أن يعلم غيره – ظنه في نفسه أنه عاقل.

+ أربعة تقتني بصعوبة:

البكاء – تأمل الانسان في خطاياه – جعل الموت بين عينيه – أن يقول في كل أمر (أخطأت)،(أغفر لي).

ومن يحرث ويتعب فانه يخلص بنعمة ربنا يسوع المسيح.

أقوال القديس عن العقل

1- جودته:

ثلاثة أشياء تكون من جودة العقل: الايمان بالله. والصبر علي كل محنة، وتعب الجسد حتي يذل.

2- فرحه:

ثلاثة أمور يفرح بها العقل: تمييز الخير من الشر، التفكير في الأمر قبل الاقدام عليه، والبعد عن المكر.

3- استنارته:

ثلاثة أشياء يستنير بها العقل: الاحسان الي من أساء اليك، والصبر علي ما ينالك من أعدائك، وترك النظر أو الحسد لمن يتقدمك في الدنيا.

4- تطهيره:

ستة أشياء يتطهر بها العقل: الصمت، حفظ الوصايا، الزهد في القوت، الثقة بالله في كل الأمور مع ترك الاتكال علي أي رئيس من رؤساء الدنيا، قمع القلب عن الفكر الردئ وعدم استماع كلام الأغنياء، والامتناع عن النظر الي النساء

5 – ما يحارب العقل:

ثلاثة أمور تحارب العقل: الغفلة – الكسل – ترك الصلاة.

أقوال القديس عن النفس

1- حفظ النفس:

أربعة تحفظ النفس: الرحمة لجميع الناس – ترك الغضب – الاحتمال – اخراج الذنب وطرحه من القلب بالتسبيح

2- ظلام النفس يأتي من:

المشي في المدن والقري – النظر الي مجد العالم – الاختلاط بالرؤساء في الدنيا.

3- عمي النفس..يأتي من:

البغضة لأخيك – الازدراء بالمساكين خاصة – الحسد والوقيعة.

4- هلاك النفس..يأتي من:

الجولان من موضع الي موضع – محبة الاجتماع بأهل الدنيا –الاكثار من الترف والبذخ – كثرة الحقد في القلب.

أمور تولد النجاسة:

تتولد من الشبع من الطعام – السكر من الشراب – كثرة النوم – نظافة البدن بالماء والطيب وتعاهد ذلك كل وقت.

أمور تولد الغضب:

المعاملة – المساومة – الانفراد برأيك فيما تهواه نفسك – عدولك عن مشورة الآخرين – واتباع شهواتك.

الحفظ من الفكر الردئ:

يأتي من: القراءة في كتب الوصايا – طرح الكسل – القيام في الليل للصلاة والابتهال – التواضع دائماً.

الوصول للملكوت:

يساعد عليه: الحزن والتنهد دائماً – البكاء علي الذنوب والآثام – انتظار الموت في كل يوم وساعة.

قال الكتاب المقدس

+ (اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيق)

(لو 14:13)

+ (.. لذلك بالأكثر اجتهدوا أيها الاخوة أن تجعلوا دعوتكم واختياركم ثابتين. لأنكم ان فعلتم ذلك لن تزلوا أبداً. لأنه هكذا يقدم لكم بسعة دخول الي ملكوت ربنا ومخلصنا يسوع المسيح الأبدي)

(2بط:11،10)

– ليس المقصود طبعاً أن الرهبان كانوا يعيرون أو يحترمون أحدا بسبب جنسه أو أصله. ولكن هذا الكلام هنا لتجربته واظهار وداعته.

– (وصية جديدة أنا أعطيكم أن تحبوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم أنا) (يو 34:13)

– روت المخطوطة 357 طقس بالمتحف القبطي (ان هذا الأخ الذي هرب واختفي، أبصر ملاك الرب والأكاليل بيده وللوقت خرج مسرعاً أمام البربر ونال أكليل الحياة من يد املاك).

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%86%d8%a8%d8%a7-%d9%85%d9%88%d8%b3%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b3%d9%88%d8%af/

القديس الأنبا أنطونيوس كوكب البرية وأب الرهبان

نشأته:

من أهل الصعيد من جنس الأقباط، وسيرته عجيبة طويلة اذا استوفيناها شرحاَ.. وإنما نذكر اليسير من فضائله:

انه لما توفي والده دخل إليه وتأمل وبعد تفكير عميق قال: تبارك اسم الله: أليست هذه الجثة كاملة ولم يتغير منها شئ البتة سوي توقف هذا النفس الضعيف. فأين هي همتك وعزيمتك وأمرك وسطوتك العظيمة وجمعك للمال. أني آري الجميع قد بطل وتركته.. فيا لهذه الحسرة العظيمة والخسارة الجسيمة. ثم نظر إلي والده الميت وقال: أن كنت قد خرجت أنت بغير اختيارك فلا أعجبن من ذلك، بل أعجب أنا من نفسي أن عملت كعملك.

اعتزاله العالم:

ثم أنه بهذه الفكرة الواحدة الصغيرة ترك والده بغير دفن[1]. كما ترك كل ما خلفه له من مال وأملاك وحشم، وخرج هائما علي وجهه قائلاً: ها أنا أخرج من الدنيا طائعاً كيلا يخرجوني مثل أبي كارهاً.

توغله في الصحراء:

لم يزل سائراً حتى وصل إلي شاطئ النهر حيث وجد هناك جميزة كبيرة فسكن هناك، ولازم النسك العظيم والصوم الطويل. وكان بالقرب من هذا الموضع قوم من العرب، فاتفق يوم من الأيام أن أمرآة من العرب نزلت مع جواريها إلي النهر لتغسل رجليها ورفعت ثيابها وجواريها كذلك، فلما رأي القديس أنطونيوس ذلك حول نظره عنهن وقتاً ما ظناً منه أنهن يمضين. لكنهن بدأن في الاستحمام في النهر! فما كان من القديس إلا أن قال لها: يا أمرآة: أما تستحين مني وأنا رجل راهب؟ أما هي فأجابت قائلة له: أصمت يا إنسان. من أين لك أن تدعو نفسك راهباً؟ لو كنت راهباً لسكنت البرية الداخلية لأن هذا المكان لا يصلح لسكنى الرهبان[2].

فلما سمع أنطونيوس هذا الكلام لم يرد عليها جواباً. وكثر تعجبه لأنه لم يكن في ذلك الوقت قد شهد راهبا ولا عرف الاسم[3]. فقال في نفسه ليس هذا الكلام.

من هذه المرأة، لكنه صوت ملاك الرب يوبخني. وللوقت ترك الموضع وهرب إلي البرية الداخلية وأقام بها متوحداً. لأنه ما كان في هذا الموضع أحد غيره في ذلك الوقت. وكان سكناه في قرية قديمة كائنة في جبل العربة، صلاته تكون معنا أمين.

ملاك يسلمه الزى:

وكان يوماً جالساً في قلايته، فأتت عليه بغتة روح صغر نفس وملل وحيرة عظيمة، وضاق صدره فبدأ يشكو إلي الله ويقول: يارب أني أحب أن أخلص، ولكن الأفكار لا تتركني فماذا أصنع؟ وقام من موضعه وإنتقل إلي مكان آخر وجلس. وإذا برجل جالس أمامه، عليه رداء طويل متوشح بزنار صليب مثال الأسكيم، وعلي رأسه (كوكلس) قلنسوة شبه الخوذه. وكان جالساً يضفر الخوص وإذ بذلك الرجل يتوقف عن عمله ويقف ليصلي، وبعد ذلك يجلس يضفر الخوص.ثم قام مرة ثانية ليصلي ثم جلس ليشتغل في ضفر الخوص وهكذا.. أما ذلك الرجل فقد كان ملاك الله الذي أرسل لعزاء القديس وتقويته إذ قال لأنطونيوس (أعمل هكذا وأنت تستريح).

من ذلك الوقت اتخذ أنطونيوس لنفسه ذلك الزى الذي هو شكل الرهبنة وصار يصلي ثم يشتغل في ضفر الخوص: وبذلك لم يعد الملل يضايقه بشده. فاستراح بقوة الرب يسوع المسيح له المجد.

صلاته:

1 – القديس بولا البسيط

(تلميذ الأنبا أنطونيوس)

أقام القديس أنطونيوس بالبرية الداخلية فوق مدينة أطفيح بديار مصر مدة ثلاثة أيام. وبني له قلاية صغيرة وهو قريب من وادي العربة.

وكان في ذلك الوقت رجل علماني، شيخ كبير، يقال له بولا أعني بولس. وكان ساكناً في مدينة أطفيح. واتفق أن ماتت زوجته وتزوج امرأة صبية. وكان له خيرات وأموال كثيرة كان قد ورثها.

فدخل يوماُ من الأيام إلي بيته، فوجد أحد خدامه علي السير مع زوجته فقال لزوجته مبارك لك فيه أيتها المرأة، ومبارك له فيك، إذ اخترتيه دوني.

ثم أخذ بردته[4] عليه، ومضي هائماً علي وجهه في البرية الداخلية. وبقي محتاراً تائهاً زماناً طويلاً إلي أن اتفق أنه وقف علي قلاية القديس أنطونيوس، فقرع باب القلاية. فلما رآه القديس عجب منه غاية العجب، لأنه لم يكن بعد قد رأي إنساناً بهذه الصفة، فسلم علي القديس وسجد له علي الأرض بين يديه فأقامه القديس وعزاه وفرح به غاية الفرح. ثم جلس عند القديس أربعين يوماً ملازماً الزهد الكامل والوحدة الصعبة.

فلما كمل له أربعون يوما ً، قال له القديس: يا بولس اذهب حافة الجبل وتوحد، وذق طعم الوحدة.

فمضي بولس كما أمره وعمل له مثل مربط شاة. وفي غصون ذلك احضورا إلي القديس أنطونيوس رجلاً اعتراه روح من الجن. فلما نظره القديس عجب منه، ثم قال للذي أحضره: اذهب به إلي القديس بولس ليشفيه لأني عاجز عنه. وهذه هي أول تجاربه. فعملوا كما أمرهم القديس و أحضروه بين يدي القديس بولس. وقالوا له معلمك الأب أنطونيوس يأمرك أن تخرج هذا الشيطان من هذا الإنسان. وكان القديس بولس ساذجاً. فلوقته أخذ الرجل المريض وخرج إلي خارج الجبل وكان الحر شديداً، وكانت الشمس مثل وهج النار العظيم. فقال: يا شيطان استحلفك كما أمرني معلمي أنطونيوس أنت تخرج. واذ بدأ العدو الشيطان يتكلم علي لسان الإنسان المريض ويضحك ويشتم ويقول: من هو أنت ومن هو معلمك أنطونيوس المختال الكذاب. فقال له بولس: أنا أقول لك أيها الشيطان انك تخرج من هذا الإنسان وان لم تخرج أنا أعذب نفسي. ثم طلع القديس بولا علي حجر كان يتقد كأنه جمر نار وأخذ حجراً آخر علي رأسه[5] وقال: باسم الرب يسوع المسيح، وباسم صلوات معلمي مار أنطونيوس العظيم أني سأظل هكذا إلي أن أموت ولابد أن أعمل طاعة معلمي، وتخرج أيها الشيطان كما أمر معلمي. وبقي هكذا واقفاً والعرق يتصبب منه كأنه مطر ونبع (نزف) الدم من فمه وأنفه والناس حوله مندهشون. فلما رأي الشيطان ذلك صرخ بأعلى صوته وقال: العفو العفو! والهروب الهروب من شيخ يقسم علي الله بزكاوة قلبه. حقاً لقد أحرقتني بساطتك. ثم خرج من ذلك الانسان. وصرخ الشيطان أيضاً قائلاً: يا بولا لا تحسب أني خرجت من أجل دمك وخروجه (أي نزف دمه)، ولكن أحرقتني صلاة أنطونيوس وهو غائب. ولما سمع الحاضرون تعجبوا. بركة صلواتهم تحفظنا آمين.

2- قصة شفاء ابن ملك الإفرنج

اخبروا عن القديس أنطونيوس أن ملك الافرنج كان له ولد، وكان وارثاً للملك بعده، فلحقه جنون وصرع، فجمع كل علماء بلاده فلم يقدر واحد أن يعينه أو يشفيه. ثم اتصل به خبر القديس أنطونيوس الصعيدي، فأرسل اليه رسله بهدايا جليلة، ولما وصلوا اليه لم يشأ أن يقبل شيئاً من الهدايا أو يفرح بالسمعة، وكان يكلمهم بترجمان.

وقال لتلميذه: بماذا تشير علي يا ابني؟ هل أذهب أم أبقي؟ قال له: يا أبي ان جلست أنت أنطونيوس، وان ذهبت فأنت انطونه[6]. وكان التلميذ يحبه ولا يشتهي أن يفارقه. فقال له القديس: وأنا أريد أن أكون أنطونه.

وفي تلك الليلة عمل صلاة في الدير وسار إلي بلاد الافرنج[7] وحملته سحابة بقوة الرب يسوع المسيح. ودخل إلي مدينة الملك وجلس علي باب دار الوزير كمثل راهب غريب. ولما عبر وزير الملك وكان الليل قد حل، أمره الوزير بالدخول إلي منزله. وبينما هم علي المائدة واذا بخنزيرة في بيت الوزير كان لها صغار عمياء وأحدها أعرج أحضرتهما وألقتهما بين يدي القديس الذي خاطب الوزير قائلاً: لئلا تظن أن الملك فقط يريد شفاء ابنه! ثم صلب علي أولاد الخنزيرة، وبصق علي أعين العمياء منها وأبراها، فدهش القوم جداً وصاروا كأنهم أموات، ووصل الخبر الي الملك فأحضروه للوقت وأبرأ ابنه وقال: أيها الملك بلغني أنك أرسلت الي أنطونه المصري وانفقت مالك وأتعبت رسلك ولأجل هذا أنفذني الله اليك. ثم ودعه وانصرف الي ديره.

وفي اليوم الثاني تقابل معه رسل الملك وطلبوا منه الذهاب معهم لشفاء ابن الملك. فقال لهم اسبقوني وأنا أحضر خلفكم. فرجعوا واثقين بكلامه، وقاسوا في عودتهم شدائد كثيرة من تعب البحر وهول السفر وعند وصولهم سمعوا بشفاء ابن الملك وأن قديساً آخر قد أبراه. وهكذا قصد القديس أنطونيوس أن ينفي عن نفسه الفخر والعظمة. ولكن السيد المسيح لم يشأ أن يخفي فضائله وتحققت أخباره في بلاد الأفرنج. فتعجب الرسل جداً كيف حضر القديس من بلاده الي بلادهم في ليلة واحدة وتكلم بلسانهم. وفي اليوم الثاني كان عندهم. فمجدوا الله كثيرا.ً

من سيرة حياته الرهبانية وقوانين نسكه

(أ) شركته مع السمائيين:

جاء بعض الأخوة يسألونه في سفر اللاويين فاتجه الشيخ علي الفور إلي الصحراء. أما أنبا آمون الذي كان يعرف عادته فتبعه سراً. وعندما وصل الشيخ الي مسافة بعيدة رفع صوته قائلاً (اللهم ارسل الي موسي يفسر لي معني هذه الآية). وفي الحال سمع صوت يتحدث اليه. قال أنبا آمون أنه سمع الصوت لكنه لم يفهم قوة الكلام.

(ب) الكشف الروحي:

+ لما حضر أنبا ايلاريون من سورية الي جبل أنبا أنطونيوس قال له أنبا أنطونيوس: (هل حضرت أيها النجم المنير المشرق في الصباح؟). أجابه أنبا ايلاريون: (سلام لك يا عامود النور حامي الخليقة)

+ كانت طلعته مضيئة بنور الروح القدس تنم عن نعمة عظيمة وعجيبة. كان متميزاً في رصانة أخلاقه وطهارة نفسه وكان يستطيع أن يري ما يحدث علي مسافة بعيدة.

فقد حدث مرة بينما كان القديس جالساً علي الجبل أنه تطلع الي فوق فرأي في الهواء روح المبارك آمون راهب نيتريا محمولة الي السماء بأيدي ملائكة وكان هنالك فرح عظيم.

وكانت المسافة بين نيتريا الي الجبل الذي كان فيه أنطونيوس نحو سفر ثلاثة عشر يوما ً. ولما رأي رفقاء أنطونيوس أنه منذهل سألوه ليعرفوا السبب فأعلمهم أن آمون مات توا فسجلوا يوم الوفاة. ولما وصل الأخوة من نيتريا بعد ثلاثين يوماً سألوهم فعلموا أن آمون قد رقد في اليوم والساعة التي رأي فيها الشيخ روحه محمولة الي فوق. فتعجب هؤلاء وغيرهم من طهارة نفس أنطونيوس وكيف أنه علم في الحال ما حدث علي مسافة سفر ثلاثة عشر يوماً وأنه رأي الروح صاعدة.

(جـ) افرازه:

+ قيل ان شيوخاً كانوا قاصدين الذهاب الي أنبا أنطونيوس، فضلوا الطريق، واذا انقطع رجاؤهم، جلسوا في الطريق من شدة التعب، واذا بشاب يخرج اليهم من صدر البرية، واتفق وقتئذ أن كانت هناك حمير وحش ترعي، فأشار اليهما الشاب بيده، فأقبلت نحوه، فأمرها قائلاً: (احملوا هؤلاء الي حيث يقيم أنطونيوس). فأطاعت حمير الوحش أمره، فلما وصلوا، أخبروا أنطونيوس بكل ما كان، أما هو فقال لهم: (هذا الراهب يشبه مركباً مملوءاً من خير، لكني لست أعلم، ان كان يصل إلي الميناء أم لا؟).

وبعد زمان بينما كان القديس أنطونيوس جالساً في الصحراء مع الاخوة وقع فجـأة في دهشة، فرأوه يبكي وينتحب، يركع ويصلي وينتف شعره فقال له تلاميذه: (ماذا حدث أيها الأب) فقال لهم الشيخ: (عامود عظيم للكنيسة قد سقط في هذه الساعة، أعني ذلك الشاب الذي أطاعته حمير الوحش قد سقط من قانون حياته) وأرسل الشيخ اثنين من تلاميذه اليه. فلما رأي تلاميذ أنطونيوس بكي وناح وأهال تراباً علي رأسه وسقط أمامهم قائلاً: (اذهبوا قولوا لأنبا أنطونيوس أن يطلب الي الله، كي يمهلني عشرة أيام لعلي أتوب). لكنه قبل أن يتم خمسة أيام توفي ولم يمكث طويلاً ليقدم توبة عن خطيته[8].

+ قال الأنبا أنطونيوس (إني أبصرت مصابيح من نار محيطة بالرهبان، وجماعة من الملائكة بأيديهم سيوف ملتهبة يحرسونهم، وسمعت صوت الله القدوس يقول: (لا تتركوهم ما داموا مستقيمي الطريقة)، فلما أبصرت هذا، تنهدت وقلت: (ويلك يا أنطونيوس، ان كان هذا العون محيطاً بالرهبان، والشياطين تقوي عليهم!) فجاءني صوت الرب قائلاً: (إن الشياطين لا تقوي علي أحد، لأني من حين تجسدت، سحقت قوتهم عن البشريين، ولكن كل إنسان يميل الي الشهوات ويتهاون بخلاصه، فشهوته هي التي تصرعه وتجعله يقع) فصحت قائلاً:(طوبي لجنس الناس وبخاصة الرهبان، لأن لنا سيداً هكذا رحيماً ومحباً للبشر).

+ ودفعة جاء شيخ كبير في زيارة للأنبا أنطونيوس في البرية وهو راكب حمار وحش، فلما رآه الشيخ قال (هذا سفر عظيم، ولكني لست أعلم أن كان يصل الي النهاية أم لا).

(د) يوجد نظير له:

أعلن الرب لأنبا أنطونيوس أنه في المدينة الفلانية يوجد رجل يماثله، وهو طبيب يعمل ويوزع كل ما يحصل عليه علي الفقراء والمحتاجين، ويقدم للرب تماجيد مع الملائكة ثلاث مرات يومياً.

(هـ) يوجد من يفوقه أيضاً:

بينما كان القديس يصلي في قلايته سمع صوتاً يقول: (يا أنطونيوس. انك لم تبلغ بعد ما بلغه خياط بمدينة الاسكندرية) فقام القديس عاجلاً وأخذ عصاه الجريد بيده ووصل الي الخياط. فلما نظر الخياط الشيخ ارتعد. سأله القديس: (ما هو عملك وتدبيرك؟) أجابه الخياط: (إنني لا أظن أنني أعمل شيئاً من الصلاح غير أني أنهض مبكراً وقبل أن أبداً عمل يدي أشكر الله وأباركه. وأجعل خطاياي امام عيني وأقول: (إن كل الناس الذين في المدينة سيذهبون الي ملكوت السموات لأعمالهم الصالحة أما أنا فسأرث العقوبة الأبدية لخطاياي). وأكرر هذا الكلام عينه في المساء قبل أن أنام.

لما سمع منه القديس هذا الكلام قال له:

حقاً كالرجل الذي يشتغل في الذهب ويصنع أشياء جميلة ونقية في هدوء وسلام هكذا أنت أيضاً فبواسطة أفكارك الطاهرة سترث ملكوت الله بينما أنا الذي قضيت حياتي بعيداً عن الناس منعزلاً في الصحراء لم أبلغ بعد ما بلغته أنت.

(و): ترديد اسم يسوع:

قال: ان جلست في خزانتك قم بعمل يديك.. ولا تخل اسم الرب يسوع، بل أمسكه بعقلك ورتل به بلسانك وفي قلبك وقل: ياربي يسوع المسيح ارحمني. ياربي يسوع المسيح أعني. وقل له أيضاً.. أنا أسبحك ياربي يسوع المسيح

من هو أنطونيوس؟:

+ قال أحد الاخوة: أرانا أنبا صيصوي مغارة الأنبا أنطونيوس حيث كان يسكن: (هوذا في مغارة أسد يعيش ذئب)[9].

——————————————————————————–

[1] – في سيرة أنطونيوس بقلم أثناسيوس الرسولى جاء أن القديس أنطونيوس ترك العالم بعد وفاة والده بستة أشهر.

[2] – كلمة موناخوس (راهب) معناها الأصلي (متوحد) ويبدو أن دهشة أنطونيوس من رد المرأة جاءت من فهمها مدلول اللفظ أنه يعني عابداً منعزلاً، فاعتبر ردها توجيها له من الله، فتوغل في الصحراء.

[3] – لاشك أنه كان هناك متعبدون ينعزلون. ولكن الرهبنة بأوضاعها التي تحددت بعد ذلك لم تكن معروفة.

[4] – عباءته.

[5] – القصة في بساطة أسلوبها وردت هكذا ولكن ما عمله بولس البسيط هذا هو الصلاة بتذلل أمام الله.

[6] – أي لا يتغير فيك شئ سوي نطق الناس لاسمك.

[7] – وردت هذه الكلمة في المخطوطات (الانكبرد)

[8] – ليس المقصود أن يقدم الإنسان عملاً يكسب له رضي الله. لأنه لا يوجد عمل يقدمه الإنسان يستطيع أن يكفر عن خطيته، إذ لا يكفر عن الخطية سوي دم المسيح ولابد من الندم الكامل وترك الخطية. ولسنا نعلم هل ترك هذا الشاب خطيته أم لا؟ فللرب وحده أن يقبل توبة إنسان حتى في النزع الأخير، كما مع اللص اليمين. والمهلة التي طلبها هذا الأخ هي للانسحاق والسلوك في التوبة وكان الإخوة، يرجو أن يروه سالكاً في التوبة يعمل أعمالاً صالحة تليق بها، ليطمئنوا عليه.

[9] – لعل المغارة كانت فارغة، فقصد أنبا صيصوي أنها مأوي للوحوش الضارية، بعد أن كانت لأنطونيوس الأسد في الفضيلة.

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%86%d8%a8%d8%a7-%d8%a3%d9%86%d8%b7%d9%88%d9%86%d9%8a%d9%88%d8%b3-%d9%83%d9%88%d9%83%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a3/

القديس مقاريوس الكبير

خروجه الي البرية

هروبه من القسيسية:

جاء عن القديس مقاريوس الكبير أنه قال: اني في حال شبابي كنت جالساً في قلاية في مصر فأمسكوني وجعلوني قساً لضيعة (قرية). واذا لم أوثر أن أتقلد هذه الرتبة هربت الي مكان آخر. حيث كان يأتيني رجل علماني تقي وكان يخدمني ويبيع عمل يدي.

تجربته الأولي:

في يوم من الأيام حدث أن بتولا في ذلك المكان سقطت في زني وحملت، فلما أشهرت سئلت عمن فعل معها هذا الفعل فقالت: المتوحد. . ؟!

وسرعان ما خرجوا علي وأخذوني باستهزاء مريع الي القرية وعلقوا في عنقي قدورا قذرة جدا وآذان جرار مسودة مكسورة. وشهروا بي في كل شارع من شوارع القرية وهم يضربوني قائلين: ان هذا الراهب افسد عفة ابنتنا البتول، أخزوه، وهكذا ضربوني ضرباً مبرحاً قربت بسببه الي الموت الي أن جاءني أحد الشيوخ فقال لهم: الي متي هذه الأهانة، أما يكفيه كل ذلك خجلاً فكانوا يشتمونه قائلين: ها هو المتوحد الذي شهدت له بالفضل، انظر ماذا فعل، وأخيراً قال والدها: لن نطلقه حتي يأتينا بضامن أنه يتعهد بالقيام باطعامها ويدفع نفقة لولادتها الي أن يتربي الطفل. فدعوت الأخ الأمين الذي كان يخدمني وقلت له: “اصنع محبة وأضمني”. فضمنني ذلك الرجل وأطلقوني بعد ذلك فمضيت الي قلايتي وقد كدت أن أموت. ولما دخلت قلايتي أخذت أقول لنفسي: “كد يا مقارة فها قد صارت لك أمرأة. الآن يا مقارة قد وجدت لك أمرأة وبنون. فينبغي لك أن تعمل ليلاً ونهاراً لقوتك وقوتهم” وهكذا كنت أعمل دائماً قففا وأدفعها الي ذلك الرجل الذي كان يخدمني فيبيعها ويدفع للمرأة. حتي اذا ولدت تنفق علي ولدها.

ولما حان وقت ولادة الشقية مكثت أياماً كثيرة وهي معذبة وما استطاعت ان تلد. فقالوا لها: “ماهو هذا؟. . . ماهو ذنبك فها أنت بعد قليل تموتين؟” فقالت: “كل ما أصابني كان بسبب أني قد ظلمت المتوحد وأتهمته وهو برئ لأنه ما فعل بي شئ قط. لكن فلان الشاب هو الذي تحايل علي وفعل بي هذا”.

فجاء الي خادمي مسروراً وقال لي: ان تلك البتول ما استطاعت أن تلد حتي اعترفت قائلة: “ان المتوحد لا ذنب له في هذا الأمر مطلقاً. وقد كنت كاذبة في اتهامي له”. وها أهل القرية كلهم عازمون علي الحضور اليك ويسألونك الصفح والغفران. فلما سمعت أنا هذا الكلام من خادمي أسرعت هارباً للأسقيط وهذا هو السبب الذي لأجله جئت الي جبل النطرون.

أب الرهبان:

قيل عن الأنبا مقاريوس أنه بني لنفسه قلايه غرب الملاحات وسكن فيها. وصار يضفر الخوص ويعيش من عمل يديه ويعبد الله كنحو قوته. . فلما سمع به أناس حضروا إليه وسكنوا معه. فكان لهم أبا مرشداً.

وكثر الذين يحضرون اليه فكان يلبسهم الزي ويرشدهم الي طريق العبادة. فلما كبر عددهم بنوا لهم كنيسة هي الآن موضع البراموس. فلما ضاق بهم المكان ولم تعد الكنيسة تسعهم تحول الأب من ذلك المكان وبني كنيسة آخري.

فضائله:

1- فاعلية صلاته:

انطلق الأب مقاريوس مرة من الأسقيط حاملاً زنابيل فأعيي من شدة التعب ووضع الزنابيل علي الأرض وصلي قائلاً: يارب. أنت تعلم أنه ما بقي في قوة. واذا به يجد نفسه علي شاطئ النهر.

2 – وداعته وتواضعه:

+ أتي الأب مقاريوس يوماً من الأسقيط الي نيرس[1] فقال له الشيوخ: قل كلمة للأخوة أيها الأب. فأجابهم قائلاً: أنا لم أصر بعد راهباً. لكني رأيت رهباناً. . فقد كنت يوماً جالساً في الأسقيط في القلاية واذا أفكار تأتيني قائلة: اذهب الي البرية الداخلية وتأمل فيما تراه هناك. ومكثت مقاتلاً لهذا الفكر خمس سنوات ظاناً أنه من الشيطان. لكني لما وجدت الفكر ثابتاً مضيت الي البرية فصادفت هناك بحيرة ماء وفي وسطها جزيرة بها وحوش برية وقد جاءت الي الماء لتشرب وشاهدت بينهما رجلين مجردين (عاريين) فجزعت منهما لأني ظننت أنهما روحان. لكنهما لما رأياني خائفاً جزعا خاطباني قائلين: لاتجزع فاننا بشريان مثلك. . فقلت لهما. من انتما؟. . ومن أين أنتما؟. . وكيف جئتما الي هذه البرية؟. . فقالا لي:

“كنا في كنونيون[2] وقد اتفقنا علي ترك العالم فخرجنا الي ها هنا. ولنا منذ مجيئنا الي هنا أربعين سنة”. وقد كان أحدهما مصرياً والآخر نوبياً فسألتهما: كيف أصير راهباً فقالا لي:

ان لم يزهد الانسان في كل أمور العالم فلن يستطيع أن يصير راهباً. فقلت لهما: اني ضعيف فما أستطيع أن أكون مثلكما. فقالا لي. أن لم تستطع أن تكون مثلنا فاجلس في قلايتك وابك علي خطاياك. فسألتهما: أما تبردان أن صار شتاء. واذا صار حر أما يحترق جسداكما؟. . . فأجاباني: أن الله قد دبر لنا الا نجد في الشتاء برداً ولا يضرناً في زمن الحصاد حر[3]، وأخيراً قال القديس للأخوة: (لذلك قلت لكم اني لم أصر بعد راهباً؟. . بل رأيت رهباناً. . فاغفروا لي).

وأورد بلاديوس تفسيراً جاء فيه:

قال الأخوة: ماذا قصد الراهبان في قولهما لأنبا مقاريوس: “ان لم تقدر ان تكون راهباً مثلنا، اجلس في قلايتك وابك علي خطاياك”. أجاب شيخ: لأنهما عرفا ان الراهب بالحقيقة هو الرجل الذي استطاع ان يكون منعزلاً بجسده، مقيماً في حياة التأمل والسكون، عمالا بالروح والجسد، متضعاً، باكياً كل يوم علي خطاياه، قاطعاً من نفسه كل ذكريات الشهوة، والأفكار المقلقة، متأملاً في الله، وفي كيف يحيا باستقامة، وذلك مثلما قال الطوباي أوغريس: “ان الراهب المنفرد عن العالم هو من قطع من نفسه كل حركات الشهوة وثبت في الرب بكل أفكار روحه”.

+ قيل أنه في أحدي المرات كان أبا مقاريوس عابراً في الطريق حاملاً خوصاً عندما قابله الشيطان وأراد أن يقطعه بمنجل كان ممسك به في يده. ولكنه لم يستطع أن يفعل هذا، وقال له: “يا مقاريوس. انك تطرحني علي الأرض بقوة عظيمة، وأنا لا أستطيع ان أغلبك. ولكن انظر، هوذا كل عمل تعمله أنت، أستطيع أنا أيضاً أن أعمله. أنت تصوم، وأنا لا أكل أبداً. أنت تسهر، وأنا لا أنام مطلقاً. ولكن هناك شيئاً واحداً به تغلبني” حينئذ قال له مقاريوس: “وما هو هذا؟” فقال الشيطان: “أنه تواضعك. لأنه من أجل هذا لا أقدر عليك”. فبسط القديس مقاريوس يديه للصلاة، وحينئذ أختفي الشيطان.

+ وورد أيضاً أنه في مرة أمسك الشيطان سكيناً، ووقف علي أبا مقاريوس مريداً ان يقطع رجله. ولما لم يقدر أن يفعل هذا من أجل تواضع الشيخ أجاب وقال له: “كل شئ تملكه، نملكه نحن أيضاً. ولكنه بالتواضع فقط تتفوق علينا، وبه وحده تغلبنا”.

+ قيل عن أبا مقاريوس[4] أنه عندما كان يقترب إليه الأخوة في خوف، كما الي شيخ عظيم وقديس. لم يكن يجيبهم بكلمة. وعندما كان أخ يقول له في استهزاء: “أيها الأب، لو كنت جملاً، أما كنت تسرق النطرون وتبيعه، وأما كان الجمال يضربك؟” فانه كان يرد عليه[5]. وأن كان أحد يكلمه بغضب أو بكلمات مثل هذه، فانه كان يجيب علي كل سؤال يوجه اليه.

+ وقال بلاديوس: أن مقاريوس الطوباوي كان يتصرف مع جميع الأخوة بدون أي ظن سئ. وقد سأله بعض الناس: “لماذا تتصرف هكذا؟” فأجابهم: “أنظروا، انني ابتهلت الي الرب مدة اثنتي عشرة سنة من أجل هذا الأمر أن يمنحني هذه الموهبة، فهل تنصحوني بأن أتخلي عنها؟!” لو أن انساناً اقترف اثما تحت بصر انسان معصوم من الخطية فليعف ذلك المعصوم نفسه وحده من الاشتراك في حمل قصاص من سقط.

ومن أمثلة تواضعه أيضاً استرشاده بمن هو أصغر منه وذلك كما ورد في القصة التالية:

+ قال أبا مقاريوس: ضجرت وقتا وأنا في القلاية، فخرجت الي البرية وعزمت علي أن أسأل أي شخص أقابله من أجل المنفعة. واذا بي أقابل صبيا يرعي بقرا، فقلت له: “ماذا أفعل أيها الولد فاني جائع؟” فقال لي: كل. فقلت أكلت، ولكني جائع أيضا. فقال لي: كل دفعة ثانية. فقلت له: اني قد أكلت دفعات كثيرة ولازلت جائعاً. فقال الصبي: “لست أشك في أنك حمار يا راهب، لأنك تحب أن تأكل دائماً”. فانصرفت منتفعاً ولم أرد له جواباً.

3 – محبته للوحدة:

+. . واذ كان يتضايق لأن عدداً كبيراً من الناس كانوا يأتون ليتباركوا منه، لذلك دبر الخطة التالية:

حفر سرداباً في قلايته. . ووضع فيها مخبأ ذا طول مناسب، يمتد من قلايته الي بعد نصف ميل. وعند نهايته حفر مغارة صغيرة. وعندما كانت تأتي اليه جموع كثيرة من الناس فتعكر وحدته، كان يترك قلايته سراً، ويمر عابراً في السرداب دون أن يراه أحد، ويختبئ في المغارة حيث لا يقدر أحد أن يجده. وقد أعتاد أن يفعل هذا كلما كان يرغب في الهروب من المجد الباطل الذي يأتي من الناس.

وقد قال لنا واحد من تلاميذه الغيورين انه في تركه القلاية الي المغارة، كان يتلو [6]24ربعا (استيخن)، وفي رجوعه 24 أخري. وحينما كان يذهب من قلايته الي الكنيسة، كان يصلي 24 صلاة في عبوره الي هناك، و24 أخري في رجوعه.

+ دفعة سأل الاخوة شيخا قائلين: اعتادوا أن يقولوا أنه كان من عادة أبا مقاريوس أن يفر الي قلايته اذا سرحت الكنيسة. والأخوة قالوا: أن به شيطاناً، لكنه يعمل عمل الرب. فمن هم الذين قالوا ان به شيطاناً؟. . وماهو عمل الرب الذي اعتاد أن يعمله؟. . .

قال الشيخ: كان المتهاونون يقولون ان به شيطاناً، فعندما يري ابليس ان رهبان الدير يعيشون في حياة روحية مباركة فان الشياطين تحرك الأخوة المتهاونين أن يثيروا حرباً ضدهم بالاهانة والانتهار، والاغتياب، والافتراء، والمحاكمات التي يسببونها لهم.

أما عمل الرب الذي كان يعمله أبا مقاريوس بفراره الي قلايته فكان: صلاة مصحوبة ببكاء ودموع طبقاً لما حث به أبا أشعيا قائلاُ”عندما ينصرف الجمع أو عندما تقوم عن الغذاء، لا تجلس لتتحدث مع أي انسان، لا في أمور العالم ولا في أمور روحية بل امض الي قلايتك وابك علي خطاياك”. كما قال القديس مقاريوس الكبير للأخوة الذين كانوا معه: فروا يا أخوة. فقال الاخوة: أيها الأب. كيف نهرب أكثر من مجيئنا الي البرية؟. فوضع يده علي فمه وقال: من هذا فروا[7]. وفي الحال فر كل واحد الي قلايته وصمت.

+ اعتاد أبا مقاريوس أن يقول للأخوة بخصوص برية الاسقيط “عندما ترون قلالي قد اتجهت نحو الغابة[8] اعرفوا أن النهاية قريبة. وعندما ترون الأشجار قد غرست الي جوار الأبواب، اعلموا أن النهاية علي الأبواب وعندما ترون شباناً يسكنون في الاسقيط، احملوا أمتعتكم وارحلوا”.

4 – تقشفه وزهده:

+ قيل عن الأب مقاريوس: أنه كان قد جعل لنفسه قانوناً وهو أنه اذا قدم له الأخوة نبيذاً كان لايمتنع عن شربه[9]. لكنه عوض كل قدح نبيذ يشربه كان يصوم عن شرب الماء يوماً. فأما الاخوة فلكي ينيحوه كانوا يعطونه. وهو لا يمتنع بدوره أمعاناً في تعذيب ذاته. أما تلميذه فلمعرفته بأمر معلمه طلب من الأخوة من أجل الرب الا يعطوا الشيخ نبيذاً لأنه يعذب ذاته بالعطش. فلما علموا بالأمر امتنعوا عن أعطائه نبيذاً منذ ذاك الوقت.

+ قال بعض الآباء لأبا مقاريوس المصري: “أن جسدك قد جف سواء أكلت أو صمت”. فقال لهم الشيخ”أن قطعة الخشب التي احترقت وأكلتها النيران، تفني تماماً، وهكذا أيضاً قلب الانسان يتطهر بخوف الله، وبذلك تفني الشهوات من الجسد وتجف عظامه”.

+ وقيل أيضاً أن انساناً أتاه بعنقود مبكر، فلما رأه سبح الله. وأمر أن يرسلوه الي أخ كان عليلاً، فلما رأه الأخ فرح، وهم أن يأخذ منه حبة واحدة ليأكلها لكنه أقمع شهوته، ولم يأخذ شيئاً وقال: “خذوه لفلان الأخ لأنه مريض أكثر مني”. فلما أخذوا العنقود اليه رآه وفرح، ولكنه أقمع شهوته، ولم يأخذ منه شيئاً، وهكذا طافوا به علي جماعة الأخوة فكان كل من أخذوه اليه يعتقد أن غيره لم يره بعد، وهكذا لم يأخذوا منه شيئاً، وبعد أن انتهوا من مطافهم علي أخوة كثيرون أنفذوه الي الأب فلما وجد أنه لم تضع منه حبة واحدة، سبح الله من أجل قناعة الأخوة وزهدهم.

+ وكان القديس يقول: “كما ان بستاناً واحداً يستقى من ينبوع واحد، تنمو فيه أثمار مختلف مذاقها وألوانها، كذلك الرهبان فأنهم يشربون من عين واحدة، وروح واحد ساكن فيهم لكن ثمرهم مختلف، فكل واحد منهم يأتي بثمرة علي قدر الفيض المعطي له من الله”.

+ قيل أن انساناً دوقس (أميراً) حضر من القسطنطينية ومعه صدقة للزيارة، فزار قلالي الأخوة طالباً من يقبل منه شيئاً، فلم يجد أحداً يأخذ منه لا كثيراً ولا قليلاً. وكان اذا قابل أحدهم أجابه بأن لديه ما يكفيه وأنه مصل من أجله كمثل من أخذ منه تماماً. فصار ذلك الدوقس متعجباً ثم أنه أحضر ذلك المال الي القديس مقاريوس وسجد بين يديه قائلاً: “لأجل محبة المسيح أقبل مني هذا القليل من المال برسم الآباء”. فقال له القديس: “نحن من نعمة الله مكتفون، وليس لنا احتياج الي هذا، لأن كلا من الأخوة يعمل بأكثر من حاجته” فحزن ذلك المحتشم جداً وقال: “ياأبتاه من جهة الله لا تخيب تعبي واقبل مني هذا القليل الذي أحضرته”.

فقال له الشيخ:

“امض يا ولدي وأعطه للاخوة”. فقال له: “لقد طفت به عليهم جميعاً، فلم يأخذوا منه شيئاً، كما أن بعضهم لم ينظر اليه البتة”. فلما سمع الشيخ فرح وقال له: “ارجع يا ابني بمالك الي العالم وأهله، لأننا نحن أناس أموات”. فلم يقبل المحتشم ذلك. فقال له القديس: “اصبر قليلاً”. ثم أخذ المال وأفرغه علي باب الدير وأمر بأن يضرب الناقوس، فحضر سائر الأخوة وكان عددهم 2400، ثم وقف الأب وقال: “يا أخوة من أجل السيد المسيح، ان كان أحدكم محتاجاً الي شئ فليأخذه بمحبة من هذا المال”، فعبر جميعهم ولم يأخذ أحد منه شيئاً.

فلما رأي الدوقس منه ذلك صار باهتاً متعجباً متفكراً، ثم ألقي بنفسه بين يدي الأب وقال:

“من أجل الله رهبني” فقال له القديس: “انك انسان كبير ذو نعمة وجاه ومركز، وشقاء الرهبنة كثير، وتعبها مرير، فجرب ذاتك ثم خبرني). فقال: “وبماذا تأمرني أن أفعل من جهة هذا المال؟” فقال له: “عمر به موضعاً بالأديرة” ففعل، وبعد قليل ترهب.

+وقيل أنه بينما كان أنبا مقاريوس سائراً في البرية وجد بقعة جميلة مثل فردوس الله وبها ينابيع ماء ونخيل كثير وأشجار من أنواع مختلفة ذات ثمار. ولما أخبر الأخوة بذلك الحوا عليه أن يقودهم للإقامة في ذلك المكان، فرد مع الشيوخ عليهم قائلاً: ان وجدتم اللذة والراحة في ذلك المكان، واذا عشتم هناك بلا متاعب ومضايقات فكيف تتوقعون الراحة واللذة من الله، أما نحن فيليق بنا أن نحتمل الآلآم لكي نتمتع بالسرور في الحياة الأبدية. ولما قال هذا سكت الاخوة ولم يرحلوا.

5- اجهاده لنفسه:

+ حدث مرة أن مضي أبا مقاريوس الي القديس أنطونيوس في الجبل وقرع بابه فقال أبا أنطونيوس: “من الطارق؟” فقال: “انا مقاريوس أيها الأب”فتركه أبا أنطونيوس ودخل ولم يفتح له الباب. لكنه لما رأي صبره فتح له أخيراً و خرج معه وقال له: “منذ زمان وأنا مشتاق أن أراك”. وأراحه لأنه كان مجهداً من آثر تعب شديد. ولما حان المساء بل أنطونيوس قليلاً من الخوص لنفسه فقال له مقاريوس: أتسمح أن أبل لنفسي أنا أيضاً قليلاً من الخوص؟ فقال له: بل. فأصلح حزمة كبيرة وبلها وجلسا يتكلمان عن خلاص النفس وكانت الضفيرة تنحدر من الطاقة فرأي أبا أنطونيوس باكراً أن مقاريوس قد ضفر كثيراً جداً. فقال: “ان قوة كبيرة تخرج من هاتين اليدين”.

6 – حكمته:

+ قيل أن أبا مقاريوس المصري ذهب في أحدي المرات من الأسقيط الي جبل نتريا. ولما اقترب من مكان معين قال لتلميذه: “تقدمني قليلا ً” ولما فعل التلميذ هذا، قابله كاهن وثني كان يجري حاملاً بعض الخشب، وكان الوقت حوالي الظهر. فصرخ نحوه الاخ قائلاً: “يا خادم الشيطان، الي أين أنت تجري؟” فاستدار الكاهن وانهال عليه بضربات شديدة، وتركه ولم يبق فيه سوي قليل نفس. ثم حمل ما معه من خشب وسار في طريقه.

ولما ابتعد قليلاً، قابله الطوباوي مقاريوس في الطريق وقال له: “فلتصحبك المعونة يا رجل النشاط” فاندهش الكاهن وأقبل نحوه وقال “اي شئ جميل رأيته في حتي حييتني هكذا؟” فقال الشيخ: “أني أري أنك تكد وتتعب وان كنت لا تدري لماذا” فأجاب الكاهن ” وأنا اذ تأثرت بتحيتك عرفت انك تنتمي الي الاله العظيم ولكن هناك راهباً شريراً صادفني قبلك ولعنني، فضربته ضرب الموت”. فعرف الشيخ أنه تلميذه. أما الكاهن فأمسك بقدمي مقاريوس الطوباوي وقال له: “لن أدعك تمضي حتي تجعلني راهباً”، واذ سارا معاً وصلا الي المكان الذي كان فيه الأخ مطروحاً، وحملاه وأتيا به الي كنيسة الجبل. ولكن الأخوة عندما رأوا الكاهن الوثني مع المغبوط مقاريوس تعجبوا كيف تحول عن الشر الذي كان فيه. وأخذه أبا مقاريوس وجعله راهباً، وعن طريقه صار كثير من الوثنيين مسيحيين. وكان مقاريوس الطوباوي يقول: “ان الكلمات الشريرة والمتكبرة تحول الناس الأخيار الي أشرار. ولكن الكلام الطيب المتواضع يحول الأشرار أخياراً”.

+ كان أبا مقاريوس يسكن وحده في البرية، وكان تحته برية أخري حيث يسكن كثيرون. وفي أحد الأيام كان الشيخ يرقب الطريق، فرأي الشيطان سائراً فيه علي هيئة رجل مسافر وقد أقبل اليه، وكان مرتدياً جلباباً كله ثقوب، وكانت أنواع مختلفة من الفاكهة معلقة فيها فقال له الشيخ مقاريوس” الي أين انت ذاهب؟” فأجاب[10]: “انا ماض لأزور الاخوة لأذكرهم بعملهم” فقال له الشيخ: “لأي غرض هذه الفاكهة المعلقة عليك؟” فأجاب: “أني أحملها للاخوة كطعام”. فسأله الشيخ: “كل هذه؟” فأجاب الشيطان: “نعم. حتي ان لم ترق لأحد الاخوة واحدة أعطيته غيرها، وان لم تعجبه هذه أعطيته تلك. ولابد أن واحدة أوأخري من هذه ستروقه بالتأكيد”. واذ قال الشيطان هذا، سار في طريقه.

فظل الشيخ يرقب الطريق حتي أقبل الشيطان راجعاً. فلما رآه قال له: “هل وفقت؟” فأجاب الشيطان:”من أين لى أن أحصل على معونة ؟!” فسأله الشيخ : “لأى غرض؟” أجابه الشيطان:” الكل قد تركوني وثاروا علي. وليس واحد منهم يسمح لنفسه أن يخضع لاغرائي” فسأله الشيخ: “ألم يبق لك ولا صديق واحد هناك؟” فقال له الشيطان: “نعم، لي أخ واحد. ولكنه واحد فقط هذا الذي يخضع لي، علي الرغم من أنه حينما يراني يحول وجهه عني كما لو كنت خصماً له”. فسأله الشيخ: “وما هو اسم هذا الأخ؟” فقال الشيطان: “ثيئوبمبتس theopemptus” واذ قال هذا رحل وسار في طريقه.

حينئذ قام الشيخ ونزل الي البرية السفلي. فلما سمع الأخوة بمجيئه أقبلوا للقائه بسعف النخل. وجهز كل راهب مسكنه ظانا أنه قد يأتي اليه. ولكن الشيخ سأل فقط عن الأخ الذي يدعي ثيئوبمبتس واستقبله بفرح. وبينما كان الأخوة يتحدثون مع بعضهم البعض قال له الشيخ: “هل عندك شئ تقوله يا أخي؟وكيف هي أحوالك؟” فقال له ثيئوبمبتس: “في الوقت الحاضر الأمور حسنة معي” وذلك لأنه خجل ان يتكلم.

فقال له الشيخ: “هوذا أنا قد عشت في نسك شديد مدي سنين طويلة، وصرت مكرماً من كل أحد. وعلي الرغم من هذا، ومع أنني رجل شيخ، الا أن شيطان الزني يتعبني” فأجابه ثيئوبمبتس “صدقني يا أبي، أنه يتعبني أنا أيضاً”. واستمر الشيخ يوجد سبباً للكلام – كما لو كان متعباً من أفكار كثيرة0الي أن قاد الأخ أخيراً الي أن يعترف بالأمر. وبعد ذلك قال: “الي متي تصوم؟” فأجاب الأخ: “الي الساعة التاسعة” فقال له الشيخ: “صم حتي العشاء واستمر علي ذلك. أتل فصولاً من الأناجيل ومن الأسفار الأخري. واذا صعدت فكرة الي ذهنك، لاتجعل عقلك ينظر الي أسفل، بل فليكن فوق دائماً. والرب يعينك”. وهكذا اذ جعل الأخ يكشف أفكاره، واذ شجعه، عاد ثانية الي بريته. وسار في سبيله وكان يرقب الطريق كعادته.

ورأي الشيطان ثانية، فقال له: “الي أين أنت ذاهب ؟” فأجاب وقال له: “أنا ذاهب لأذكر الاخوة بعملهم”. ولما رحل ورجع ثانية، قال له القديس: “كيف حال الأخوة؟” فأجاب الشيطان: “انهم في حالة رديئة” فسأله الشيخ كيف؟ فأجاب الشيطان” كلهم مثل حيوانات متوحشة. كلهم متمردون. وأسوأ ما في الأمر أنه حتي الأخ الواحد الذي كان مطيعاً لي قد انقلب هو الآخر، لأي سبب لست اعلم! ولم يعد يخضع لأغرائي بأي حال. وصارأكثرهم نفوراً مني. ولذلك قد أقسمت أني لن أذهب الي ذلك المكان، الا بعد مدة طويلة علي الأقل”.

7 – محبته:

+ قال بلاديوس: ذهب أبا مقاريوس في أحدي المرات ليزور راهباً، فوجده مريضاً. فسأله ان كان يحتاج الي شئ ليأكل اذ لم يكن له شئ في قلايته. فقال له الراهب: “أريد خبزاً طرياً (أو فطيراً)”. فلما سمع الرجل العجيب هذا الطلب، سار الي الاسكندرية– ولم يحسب الرحلة اليها متعبة علي الرغم من أن المدينة كانت تبعد عنهم 60ميلاً – وأحضر طلب المريض. وقد فعل هذا بنفسه ولم يكلف أحداً آخر بأن يحضره. وبهذا أوضح الشيخ مقدار الاهتمام الذي يشعر به نحو الرهبان.

8 – عدم ادانته للآخرين:

+ ومن أبرز صفاته أن كان صفوحاً متسامحاً ولا يدين أحداً عملاً بالوصية القائلة: “لا تدينوا لكى لا تدانوا – مت 7: 1”. “أيها الأخوة أن انسبق أحد فأخذ في زلة ما فأصلحوا انتم الروحانين مثل هذا بروح الوداعة. ناظراً الي نفسك لئلا تجرب انت ايضاً– غلا1: 8”. وبذلك اقتاد كثيرين الي حياة الشركة العميقة مع الله.

والدليل علي صدق هذه الحقيقة ما يلي:

+ قيل عن القديس مقاريوس انه كان في بعض القلالي أخ صدر منه أمر شنيع وسمع به الأب مقاريوس، ولم يرد أن يبكته. . فلما علم الأخوة بذلك لم يستطيعوا صبراً، فما زالوا يراقبون الأخ الي أن دخلت المرأة الي عنده، فأوقفوا بعض الأخوة لمراقبته، وجاءوا الي القديس مقاريوس: فلما أعلموه قال: “يا أخوة لا تصدقوا هذا الأمر، وحاشا لأخينا المبارك من ذلك” فقالوا: “يا أبانا، اسمح وتعال لتبصر بعينيك حتي يمكنك ان تصدق كلامنا”. فقام القديس وجاء معهم الي قلاية هذا الأخ كما لو كان قادماً ليسلم عليه وأمر الأخوة أن يبتعدوا عنه قليلاً. فما أن علم الأخ بقدوم الأب حتي تحير في نفسه. وأخذته رعدة وأخذ المرأة ووضعها تحت ماجور كبير عنده، فلما دخل الأب جلس علي الماجور، وأمر الإخوة بالدخول، فلما دخلوا وفتشوا القلاية لم يجدوا أحداً ولم يمكنهم أن يوقفوا القديس من علي الماجور، ثم تحدثوا مع الأخ وأمرهم بالانصراف. فلما خرجوا أمسك القديس بيد الأخ وقال: “يا أخي، علي نفسك أحكم قبل أن يحكموا عليك، لأن الحكم لله”. ثم ودعه وتركه، وفيما هو خارج، اذ بصوت أتاه قائلاً: “طوباك يا مقاريوس الروحاني، يا من تشبهت بخالقك، تستر العيوب مثله”. ثم أن الأخ رجع الي نفسه وصار راهباً حكيماً مجاهداً وبطلاً شجاعاً.

+ اعتادوا أن يقولوا قصة عن أبا مقاريوس الكبير أنه صار متشبهاً بالرب، لأنه كما ان الله يستر علي العالم، هكذا فعل أبا مقاريوس أيضاً وستر علي الأخطاء التي رآها، كأنه لم يرها، والتي سمعها كأنه لم يسمعها.

ففي احدي المرات أتت امرأة الي أبا مقاريوس لتشفي من شيطان. ووصل أخ من دير كان في مصر أيضاً، وخرج الشيخ بالليل، فرأي الأخ يرتكب الخطية مع المرأة. ولكنه لم يوبخه وقال:

“ان كان الله الذي خلقه يراه ويطيل أناته، لأنه أن كان يشاء، كان يستطيع أن يفنيه، فمن أكون أنا حتي أوبخه؟!”

+ ومرة طلب منه أخ[11] أن يقول له كلمة، فقال له: “لا تصنع بأحد شراً، ولاتدن أحد، احفظ هذين وأنت تخلص”.

هروب:

+ قيل ان القديس مقاريوس دخل مرة الي مدينة مصر ليعظ فيها. فلما حضر البيعة حضرت اليه جموع كثيرة ومنهم امرأة ظلت تزاحم حتي وصلت أمامه وجلست ثم بدأت تنظر اليه كثيراً. فالتفت اليها وانتهرها قائلاً: اكسري عينيك أيتها المرأة. لم تنظرين الي هكذا؟! فقالت المرأة: لم لا تستح مني أيها الأب، وكيف علمت أنني أنظر اليك لأني أنا أعمل الواجب وأنت تعمل غير الواجب فقال لها: فسري لي هذا الكلام. فقالت: نعم انك خلقت من الأرض وواجب عليك أن تنظر اليها دائماً لأنها هي أمك أما أنا فقد خلقت منك وواجب علي ان أنظر اليك[12]. فلما سمع القديس منها ذلك ترك الموضع وخرج هارباً ولم يتمم وعظه.

الجزء التــالــى

——————————————————————————–

[1] – أو جبل نيتريا حسب رواية بلاديوس.

[2] – كنونيون كلمة يونانية يقصد بها ديراً ويغلب أن تعني هنا ديراً علي النظام الباخومي = حياة الشركة

[3] – حسب رواية بلاديوس: فسألاني أيضا قائلين: (ماهي أخبار العالم ؟. . هل مياه النهر مازالت تأتي كالعادة ؟. وهل العالم بخير ؟. . )فأجبتهما : (نعم ). . .

[4]- بالرغم مما في هذا الكلام مما يشبه المزاح وهو ما لا نجده في أقوال القديسين الا أننا أوردناه كما أورده بلاديوس نظراً لما ثبته في حياة القديس مقاريوس من البساطة وعدم الكلفة.

[5] – صفة عجيبة في أنبا مقار أنه ما كان يتضايق من أحد ولا يخرج من صمته، ولكن أن وجد متضايقاً كان يسرع الي الرد عليه لراحته.

[6] – يتضح من هذا الكلام أنهم لم يكونوا يتلون المزامير تلاوة بل كانت شعراً وتلحيناً ويتلونها بالتبادل.

[7] – وردت في بلاديوس: أنه وضع يده علي فمه وقال: ( فروا هكذا )(أي الصمت)

[8] – لعله يقصد: (اتجهت نحو الريف ) أي قربت من العالم

[9] – لم يرد في بستان الرهبان ذكر لأدوية كانت تقدم للمحتاجين من الآباء. الا أنه يبدو ان النبيذ كان يقدم للشيوخ والمرضي كدواء وحيد. وكأني بالاخوة هنا يقدمون للمعلم مقاريوس النبيذ أيام شيخوخته وشدة ضعفه كدواء ولالحاحهم عليه كان يقبل القليل، وفي الخفاء، يمتنع عن الماء تعويضاً عن قبوله القدح.

[10] – ليس معني هذا أن أبا مقاريوس كان يصدق الشياطين أو أنه كان يلتقي منهم أخباراً. أنها قصة فريدة تبين كيف أن الله أخضع الشياطين للأباء ولأبا مقاريوس حتي اطلق هذا بما هو ضد مصلحته، مثلما انطق بلعام بالبركة(عدد23: 7-24 ).

[11] – هذا الأخ هو أبا بفنوتيوس تلميذ أبا مقاريوس وذلك كما جاء في رواية بلاديوس.

[12] – نفس الكلام ذكر أنه قيل للقديس مار افرأم السرياني.

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b3-%d9%85%d9%82%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d9%88%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%a8%d9%8a%d8%b1/

الأنبا باخوميوس أب الشركة

قصة اعتناقه المسيحية ورهبنته:

كان والده من الصعيد الأعلي عابداً للأصنام. ففي ذات يوم تجند باخوميوس ضمن جنود الملك. فحدث بينما كانوا مسافرين وهم بحال سيئة للغاية أن أتاهم قوم مسيحيون من اسنا بطعام وشراب في المعسكر. فسأل باخوميوس: كيف أمكن لهؤلاء الناس ان يتحننوا علينا وهم لا يعرفوننا قط؟ فقيل له أنهم مسيحيون وانهم يفعلون ذلك من أجل اله السماء.

فلما سمع باخوميوس هذا الكلام قرر في نفسه أنه لو أتيحت له فرصة يصير مسيحياً ويخدم المحتاجين، وبتدبير الله غلب الملك أعداءه وأصدر أوامره بتسريح الجنود. فرجع باخوميوس وتعمد.

وبعد ثلاث سنين ترهب عند قديس اسمه بلامون.

أقامته نظام الشركة:

وشرع لوقته في اقامة شركة حتي يساعدوا بعضهم بعضاً ويقوموا باعالة المحتاجين والضعفاء، فاجتمع اليه كثيرون وبنوا أديرة وأتخذوا لهم عيشة مشتركة. وكان القديس يرسل لهم قانون العبادة وشغل اليد والتصرف اللائق ويدبرهم في الجلوس والقيام والسكوت والكلام ويتشدد في ذلك الي أبعد حد.

ولقد كان لخدمته العسكرية أثر كبير في حياته اذ تدرب فيها علي الطاعة والعمل اليدوي والحياة المشتركة، وقد تضمن تنظيم حياة الشركة وتدبيره للآباء الرهبان جميع هذه النواحي العملية.

وفيما يلي تطبيقات عملية لبعض قوانين الرهبنة التي نظمها القديس:

1- كان مفروضاً علي طالب الرهبنة أن يعرف معني الرهبنة:

الرهبنة هي: الصوم بمقدار، والصلاة بمداومة، وعفة الجسد وطهارة القلب وسكوت اللسان وحفظ النظر والتعب بقدر الامكان، والزهد في كل شئ.

وكان يقول: جميع آبائنا القديسين، بجوع وعطش وحزن كثير، اكملوا سعيهم ونالوا المواعيد. إن كنت قد نذرت لله بكورية بمحبة واشتياق فاطلبه من كل قلبك وأسلك حسب وصاياه. وحينئذ يجعلك الله أبنا له، ويباركك، ويصير بركتك نهراً، ونهرك بحراً، ويجعلك كبركة نار، وسراجه يضئ عليك، وتمتلئ نوراً من الأشراق الالهي. ويعطيك الاله مجداً مثل مجد القديسين، فتضع ثقلا علي أراكنة الظلمة، وتري قوة الله في يمينك، وتغرق فرعون وجنوده في بحر ملح وتخلص شعبك من عبودية الغرباء، وتورثهم أرض الخيرات التي تفيض لبنا وعسلاً، التي هي كمال سعيك وخروجك من هذا العالم بسلام. آمين.

2- النوم:

كان القديس باخوميوس يديم الصلاة بنسك زائد وسهر. واذا أراد ان يرقد، لم يكن يرقد ممتداً، ولا علي مصطبة بل كان يجلس مستنداً الي الحائط. وكان اذا مضي الي موضع خارج الدير مع الأخوة واضطروا الي المبيت كان يأمرهم(يفرض عليهم) أن يحفر كل واحد منهم لنفسه حفرة في الأرض مثل مراقدهم في الدير قائلاً لهم:

أنه من الواجب علي الانسان الراهب أن يتعب نفسه في مرقده لكون روح الزني يقفز علي الرجل ليجربه بشدة لاسيما اذا رقد منفرشاً ممتداً براحة.

3 – العمل اليدوي:

وهذا ما كان راهب أو رئيس رهبنة ليعفي منه. وعليه فلقد كان أنبا باخوميوس يشاطر رهبانه أعمالهم اليدوية. يخرج معهم الي الحقول لمزاولة الزرع والحصاد ويحمل مؤونته بنفسه أسوة بهم.

وقيل انه مضي دفعة، في أمر مع الأخوة وكان ذلك الأمر يحتاج الي أن يحمل كل واحد منهم كمية من الخبز. فقال له احد الشبان: حاشاك أن تحمل شيئاً يا أبانا. هوذا أنا قد حملت كفافي وكفافك. فأجابه القديس: هذا لا يكون أبداً. أن كان قد كتب من اجل الرب أنه يليق به أن يتشبه باخوته في كل شئ، فكيف أميز نفسي أنا الحقير عن اخوتي حتي لا أحمل حملي مثلهم. وهذا هو السبب في أن الأديرة الآخري كائنة بانحلال لأن صغارهم مستعبدون لكبارهم وليس من اللائق أن يكون هذا لأنه مكتوب: من يريد ان يكون كبيراً فيكم فليكن لكم عبداً.

4 – العقاب:

واذ كان العقاب ضرورة لا بد منها في حياة الشركة كان يوبخ للهفوات البسيطة.

(أ) توبيخه أحد الرهبان علي كلام باطل:

قيل انه في أحد الأيام سمع الأب باخوميوس أحد الأخوة يخاطب صبياً قائلاً: الآن هو أوان العنب. فانتهره الأب قائلاً: هوذا أجساد الأنبياء الكذبة قد ماتت ولكن الأرواح التي كانت تحاربهم تطوف بين الناس تلتمس مسكنأً فيهم. وانت الآن لماذا أعطيت الشيطان موضعاً كي يتكلم من فيك. أما سمعت الرسول قائلاً: كلمة رديئة لا يجب ان تخرج من أفواهكم بل لتخرج كل كلمة صالحة لبناء الجماعة لكي تعطي السامع نعمة، ألا تعلم أن الكلمة التي قلتها لا تبني رفيقك بل تهدمه. ولماذا نطقت بها؟ ألم يكتب (نفس بنفس)؟ ألا تعلم أن نفسك تؤخذ عوضاً عن نفسه. فاني الآن أشهد لكم أن كل كلمة بطالة أو استهزاء أو لعب أو مزاح أو جهل هذه كلها زني للنفس. ولكي أبين لكم مقدار غضب الله الذي يكون علي ذلك الانسان الذي يتكلم بالكلام البطال وبكلام الاستهزاء أقول لكم المثل الآتي:

دعا رجل غني اناساً الي وليمة لكي يأكلوا ويشربوا ويفرحوا. وفي أثناء الوليمة قام بعض المتكئين يمزحون فكسروا الأواني الموجودة في بيت ذلك الغني. تري ماذا عمل الغني؟ انه غضب عليهم ووبخهم قائلاً: يا عديمي الشكر، لقد دعوتكم لكي تأكلوا وتشربوا فكيف تمزحون وتكسرون الاواني؟ هكذا يغضب الرب علي أولئك الذين دعاهم لدعوته قائلاً لهم: دعوتكم لكي تتوبوا عن خطاياكم وتخلصوا ولكنكم هدمتم نفوسكم ونفوس الذين جمعتهم لي ليخلصوا، بالضحك والكلام الباطل.

(ب) توبيخه لتلميذه تادرس لاستسلامه للراحة الجسدية وشكواه من ألم:

حدث بينما كان الأخوة يقومون بالحصاد وتادرس يعمل معهم وهو صائم أن شعر بارتفاع حرارة رأسه. ومن بعد انتهاء العمل جلس يستظل، فمر به الأب باخوميوس وقال له بوجع قلب: أتستظل يا تادرس؟ فقام تادرس بسرعة. ولما كان المساء تقدم تادرس اليه وقال: يا أبي أني أشعر بألم في رأسي بسبب ضربة الشمس. فقال له الأب: يا تادرس، إن رجلاً راهباً يسلك في طريق الكمال اذا مكث يعاني مرضاً في جسده عشرين عاماً وهو متألم يجب ألا يشكو لأحد من الناس الا من تلك الأمراض التي لا يمكنه أن يخفيها، وهذه الأخرى أيضاً عليه أن يحتملها علي قدر قوته وألا يعطي نفسه راحة الا في أمر يفوق طاقته، لأنه مكتوب أن الروح مستعدة والجسد ضعيف. هل تظن أن تقطيع الأعضاء والحريق وحده شهادة؟ لا! بل أيضاً تعب النسك والضربات التي من الشياطين والأمراض، فمن يحتمل كل ذلك بشكر فذلك هو الشهيد وألا فما الحاجة لان يكتب بولس الرسول: (اني أموت كل يوم) فانه لم يكن يموت في الظاهر كل يوم بل كان بصبر يحتمل ما يأتي عليه وكذلك رجال الله اليوم اذا كانوا في أمراض ويخفونها عن الناس فانهم يعتبرون شهداء أيضاً.

جهاده في الصلاة والسهر:

+ لقد قيل دائماً عن انبا باخوميوس انه كان يقضي وقتا طويلاً في جهاد الشياطين كمصارع حقيقي مثلما كان يفعل القديس أنطونيوس، ولما كانت شياطين كثيرة تأتيه في الليل فانه طلب من الله أن يخلصه من النوم في الليل كما في النهار، حتي يستمر في الصحو ويتمكن من أن يقهر العدو كما هو مكتوب : (لا أرجع حتي أفنيهم) لأن الايمان بالرب يفني قوتهم، فأعطي الله له هذه النعمة كما طلبها الي فترة . ولما كان الانبا باخوميوس طاهراً فانه كان يري الله غير المنظور كما في مرآه.

اتضاعه العجيب:

+ بينما كان الأنبا باخوميوس يعمل مع رهبانه بفرح وغبطة روحية قام أنبا أثناسيوس الرسولي بزيارة رعوية. ولما دنا من منطقة دندره سمع أصوات ترانيم وتسابيح الرهبان الذين يسكنون تلك الناحية، الذين خرجوا من أديرتهم لاستقباله متهللين. وطلب منه سرابيون أسقف دندره أن يرسم باخوميوس كاهناً لأن سرابيون حاول عبثاً ان يضع اليد عليه. وحين سمع باخوميوس ذلك الكلام أختفي عن الأنظار لانه من فرط اتضاعه كان يعتقد أنه أحط من ان ينال هذه الدرجة الكهنوتية السامية. فجمع البابا أثناسيوس رهبان أنبا باخوميوس وقال لهم: سلموا لي علي أبيكم وقولوا له بلساني لقد هربت من المجد الباطل الذي كثيراً ما يثير الحسد في النفوس. فليمنحك الله سؤل قلبك، وانك مع هربك من المجد الفاني، سعيت وراء المجد الباقي. لذلك أعدك بأنني لن أضع اليد عليك قسراً. وآمل إن أتيح لي المرور من هذا الطريق مرة آخري أن أفرح بلقياك. ولما شعر أنبا باخوميوس بانصراف البابا الاسكندري خرج من مكمنه آمنا مطمئناً.

+ جاء ضمن سيرة الأب باخوميوس، انه في بعض الأوقات بينما كان باخوميوس مع الأب بلامون، وافاهما راهب قد استولت عليه الخيلاء والاعتداد بالذات. واذ كان الوقت شتاء، فقد كانت قدامهما نار تشتعل. فلما رآها الأخ الضعيف، داخله السبح الباطل وقال لهما: (من منكما له ايمان صادق بالله، فليقف علي هذا الجمر ويقول الصلاة التي علمها السيد لتلاميذه). فلما سمع الشيخ قوله هذا، زجره قائلاً: (ملعون هو ذلك الشيطان النجس، الذي ألقي هذا الضمير الفارغ في قلبك، فكف عن هذا الأمر، لأنه من شيطان العجب). فلم يحفل ذلك الأخ بقول الشيخ، ولكنه قال: (أنا، أنا)، ثم نهض قائماًً ووقف علي ذلك الجمر المتقد كثيرا، وقال الصلاة الانجيلية مهلا، مهلا ثم خرج من النار ولم تضره بشئ، ومضي الي مسكنه بكبرياء قلب.

فقال باخوميوس للشيخ: (يعلم الرب، اني عجبت من ذلك الاخ، الذي وقف علي هذا الجمر ولم تحترق قدماه).

فقال له الشيخ: (لا تعجب يا ابني من هذا، لأنه بلا شك من فعل الشيطان ولأجل انه لم يذلل قلبه، تسامح الله في ان لا تحترق قدماه، كالمكتوب: ان الله يرسل لذوي الأعوجاج طرقاً معوجة . ولو علمت يا ابني ما ينتهي اليه أمره، لكنت تبكي علي شقاوته).

وبعد أيام قليلة، لما رأي الشيطان انه جانح لخداعه، تشكل بصورة امرأة جميلة جداً، متزينة بثياب فاخرة، فجاءت اليه، وقرعت بابه، ففتح لها لوقته، حينئذ أسفرت عن وجهها وقالت له: (أعلم أيها الأب الخيِّر أن علي ديناً لأقوام مقتدرين، وهم يطالبوني، وليس لي ما أوفيهم، واخشي أن يقبضوا علي، ويأخذوني عبدة لهم، لأنهم مسافرون، فاعمل جميلاً، وآوني عندك يوماً واحداً أو يومين حتي يمضوا، فيكون لك من الله جزيل الأجر، ومني أنا المسكينة صالح الذكر). فأما هو فلانغلاق قلبه، لم يحس البلاء الذي دبر له، داخل قلايته، حينئذ لعبت عليه أفكاره، فعول علي معاشرتها ومد يده نحوها ليتم الفعل النجس فلوقته باغته الشيطان وصرعه علي الأرض، فضاع عقله وبقي مسبخاً كالميت نهاراً وليلاً، ثم عاوده رشده فقام، وجاء الي الشيخ بلامون وهو باك، فطرح ذاته بين يديه قائلاً: (أنا هو السبب في هلاكي، وعلة مماتي، لأني لم أصغ الي كلامك، ولذلك حل بي ما حل). وشرح ما حدث له، ثم طلب صلاة، فلما قاما ليصلي باغته الروح النجس، وطفر به طفرة منكرة ومضي مستكبراً مسافة بعيدة، حتي وصل مدينة تدعي بانوس، وبقي فيها ضائع العقل وقتاً وأخيراً زج بنفسه في تنور متقد، حيث أحترق وهلك .

+ حدث أن تقدم بعض الرهبان الي أنبا باخوميوس يسألونه: (قل لنا يا أبانا ما الذي يمكننا أن نعمله لنحظي بالقدرة علي اجراء الآيات والعجائب؟) أجابهم بابتسامة: (أن شئتم أن تسعوا سعياً روحياً سامياً فلا تطلبوا هذه المقدرة لأنها مشوبة بشئ من الزهو، بل أسمعوا بالحري لتظفروا بالقوة التي تمكنكم من اجراء العجائب الروحية. فان رأيتم عابد وثن وأنرتم أمامه السبيل الذي يقوده الي معرفة الله فقد أحييتم ميتاً، وإذا رددتم أحد المبتدعين فى الدين الى الإيمان الارثوذكسى فتحتم أعين العميان، وإذا جعلتم من البخيل كريماً شفيتم يداً مشلولة، وإذا حولتم الكسول نشيطاً منحتم الشفاء لمقعد مفلوج، وإذا حولتم الغضوب وديعاً أخرجتم شيطاناً، فهل هناك شئ يطمع الانسان أن يناله أعظم من هذا؟

+ ولما سمع بسيرة الأب باخوميوس قوم من رهبان هراطقة أرسلوا اليه جماعة لابسين شعراً وقالوا للأخوة: إن كبيرنا مقدونيوس قد أرسلنا الي أبيكم قائلاً: (أن كنت رجل الله حقاً، وما سمعناه عنك صحيحاً، فتعال لنعبر أنا وأنت النهر سائرين بأرجلنا علي سطح الماء، فيعرف كل واحد عملياً من منَّا له دالة ووجاهة عند الله)، فعرف الأخوة الأب بذلك، فانكر عليهم ذلك قائلاً:

(لماذا استجزتم سماع هذا الكلام بالجملة؟ أما علمتم أن هذه المسائل بعيدة عن الله، ولا تقبلها سيرتنا؟ لأنه أي ناموس يأمر بهذا ويبعثنا علي القيام به؟).

فقال الاخوة: (أيتجاسر هراطيقي بعيد عن الله أن يستدعيك لمثل هذا؟). فأجابهم: (قد يمكن للهراطيقي أن يعبر علي ظهر النهر كعبوره علي أرض يابسة بمظافرة الشيطان إياه، وبسماح من الله حتي لا ينفك كفره، فامضوا وقولوا لهم: هكذا قال عبد الله باخوميوس: إن حرصي أنا، هو هذا: ليس لكي أعبر هذا النهر ماشياً، بل كيف أعبر دينونة الله الرهيبة، وأن أعبر أيضاً هذه الأعمال الشيطانية بقوة الرب).

ولما قال هذا الكلام اقتنع الاخوة بألا يفتخروا بأعمالهم، ولا يشتهوا اجتراح الآيات، ولا يجربوا الله البتة حسبما كتب: (لا تجرب الرب الهك).

إفرازه:

ذكر بعض الآباء، انه كان أخ من الاخوة يتنسك كثيراً ليس من أجل الله. فلما رآه أبونا القديس باخوميوس وعلم أمره، قال له علي انفراد: تعلم يا أخي ان الرب يقول اني نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتي لكن مشيئة الآب الذي أرسلني. فاسمع مني ما أريد أن أقوله لك لأني أري أن الشيطان قد حسدك ويريد أن يهلك تعبك فاذا علمت أن الأخوة يريدون أن يأكلوا اذهب معهم وكل قليلاً دون شبعك لأجل تدبير الجسد، وهذا الشئ ما يمنعك عن عبادة الله. وإذا فرغت صلاة الاخوة لا تصل وحدك كثيراً حتي تغلب الشيطان وتهلك شيطان العجب والافتخار لانه قد اشتملك.

فلما سمع هذا الكلام قبله من ذلك الوقت فقط، ثم انه رجع الي ضلالته قائلاً في نفسه: ان كنت لا تصوم ولا تصلي ولا تتنسك فانا أباشر هذه الأعمال التي تخلصني. ثم بدأ يصلي أيضاً. فلما سمع القديس بذلك، دعا تلميذه تادرس وقال له: إني حزين كثيراً من أجل فلان. امض فانظر أي شئ يعمل. فلما ذهب اليه وجده يصلي بدوام فرجع الي عند الشيخ وأخبره بذلك فقال له القديس: أرجع اليه وامنعه من الصلاة، وإذا منعته حينئذ يتبين لك الشيطان الذي استولي عليه. وإذا رأيت ذلك امسكه أنت الي أن أجئ أنا. فانطلق تادرس وصنع كذلك. فلما منعه من الصلاة صرخ علي تادرس قائلاً: يا منافق أنت تمنعني ان لا أصلي. ثم تناول عوداً عظيماً وقصد أن يضرب به تادرس علي رأسه فانتهره باسم الرب وللحين ترك العود، وقال لتادرس ذلك المجنون: أتريد أن تعلم ان الذين يصلون بلذة من فعلنا يضلون. فسمع ذلك وبدأ المريض يصلي تسبحة موسي الأولي، فلما سمع ذلك تادرس تعجب وفزع قائلاً: كم من اليقظه والانتباه تلزم الانسان حتي يتخلص من تجارب الشيطان! وان أبونا باخوميوس اتي وأخذ الأخ المطغي الي الكنيسة وجمع الاخوة وامرهم ان يصلوا معه ويطلبوا من الله ان يرحم ذلك الأخ. وان الله الرحيم شفاه وخلصه من الشيطان النجس وعاد الأخ فيما بعد بكل طاعة واجتهاد واتضاع خاضعاً للقديس، مطيعاً أوامره الحسنة.

+ في بعض الأحيان ظهر الشيطان للأب باخوميوس في صورة السيد المسيح يتجلى، وقال له (افرح يا باخوميوس لاني جئت لافتقادك) ففكر في نفسه قائلاً: (من شأن المناظر الالهية انها من لذة بهجتها وحلاوة نعيمها تسبي خيال مستحقيها اليها ولا يبقي لهم فكر آخر، ولكن أفكاري الآن تروي فنونا وألواناً)

فلما وجده الشيطان مفكراً في هذا، أبعد عنه الأفكار، فقال الأب في نفسه: (إني كنت أفكر أفكاراً والآن فلا وجود لها)، وإذ قال ذلك في نفسه قام الي الشيطان وهو باسط يده كمن يريد أن يمسكه وفي الحال صار كدخان وتلاشي.

رعايته:

ومما يؤثر عن العناية البالغة التي كان يبديها أبو الشركة برهبانه انه كان يجلس كل مساء معهم بعد صلاة الغروب ليستمع الي أسئلتهم ويجيب عنها.

نياحته:

في سنة 348م تفشي في مصر وباء الطاعون وبلغ أديرة الصحاري. فكان الآنبا باخوميوس في هذا الظرف يطوف بين المصابين بهذا الداء. وبينما كان أبو الشركة يحضر شعائر القداس الالهي ليلة عيد الصعود المجيد أحس بعوارض ذلك المرض الخبيث في جسمه. وبعد انتهاء الخدمة دع تلاميذه واخذ يوصيهم بالمحافظة علي قوانين الشركة الروحية والعمل بها. وما أن فرغ من وصيته لهم حتي أسلم روحه الطاهرة. بركة صلاته تكون معنا.

– مزمور 18: 37.

– وردت في سيرة الأب باخوميوس أن هذه الفترة استمرت أربعين يوماً .

– مزمور 18: 26

– نحن نلمس روح التوبة من هذا الشاب في قصته ولا يمكن لانسان ان يجزم بأنه هلك أبدياً اذا كان قد ألقي بنفسه في النار بدون وعي.

– ما نعرفه أن قداس عيد الصعود يقام صباحاً، لكن هذا ما ورد في المخطوطة.

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%86%d8%a8%d8%a7-%d8%a8%d8%a7%d8%ae%d9%88%d9%85%d9%8a%d9%88%d8%b3-%d8%a3%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b1%d9%83%d8%a9/

الأنبا إيسيذورس قس الإسقيط

فضائل وتعاليم

1- تواضعه:
+ قيل عنه: إذا أوعزت إليه الأفكار بأنه إنسان عظيم كان يجيبها قائلاً: (ألعلي مثل أنبا أنطونيوس أو أصبحت مثل أنبا بموا؟) . وإذا كان يقول ذلك يستريح فكره.
واذا قالت له الشياطين: (انك ستمضي الي العذاب بعد كل هذه الأتعاب) فكان يجيبهم: (إذا مضيت الي العذاب فسوف تكونون تحتي لان لصا ورث الملكوت بكلمة، ويهوذا أيضاً الذي قام بأعمال عظيمة مع الرسل خسر جهاده كله في ليلة واحدة وهبط من السماء الي الهاوية. فلا يفتخرن من يدبر نفسه باستقامة، لأن جميع الذين وثقوا بذواتهم سقطوا مع شياطين الشره، فاقمع إذن رغبتك قائلاً: انتظر قليلاً، فلك ما يكفيك، وكل باعتدال وببطء، لأن الذي يأكل بسرعة يشبه من يريد أن يأكل كثيراً)
+ قال أنبا أيسيذورس: (لما كنت فتي، وكنت مقيماً في قلاية، لم يكن لي قدرة علي الخدمة.. خدمة الصلاة والتسبيح .. وكانت هناك خدمة من أجلي ليلاً ونهاراً)
2- طول أناته:
+ قيل أن كل من كان عنده أخ صغير النفس أو شتاماً أو عليلاً ويطرده من عنده، كان القس أيسيذورس يأخذه الي عنده ويطيل روحه عليه ويخلص نفسه.
+ قيل أنه كان لدي أنبا أيسيذورس قس الإسقيط أخ ضعيف العقل وكان شتاماً، وأراد انبا أيسيذورس أن يطرده من مسكنه، وعندما وصل ذاك الأخ الي باب الدير، قال الشيخ مرة أخري: احضروه ووبخه قائلاً: (أيها الأخ، اهدأ، لئلا تثير غضب الله بقلة فهمك وعدم صبرك) وهكذا بطول أناته هدأ أنبا ايسيذورس ذاك الأخ.
+ سأله الأخوة مرة قائلين: لماذا تفزع منك الشياطين؟ فقال لهم: (لأني منذ أن صرت راهباً حتي الآن لم أدع الغضب يجوز حلقي الي فوق) .
+ وقال أيضاً: ها أن لي أربعين سنة، كنت اذا أحسست بعقلي بالخطية خلالها لا أخضع لها قط حتي ولا للغضب.
+ وقال أيضاً: ان لي عشرين سنة وأنا مداوم علي محاربة فكر واحد حتي أري جميع الناس بعقل واحد.
3- محبته للوحدة:
توجه أنبا ايسيذورس مرة الي البابا ثيئوفيلس بطريرك الاسكندرية ولما رجع سأله الأخوة عن حال مدينة الاسكندرية فقال لهم: اني لم أبصر فيها انسانا الا البطريرك وحده. فتعجبوا وقالوا له: أتريد أن تقول أن مدينة الاسكندرية خالية من الناس؟قال: كلا. لكني لم أسمح لعقلي أن يفكر في رؤية أي انسان.
4 – تجلده في القلاية:
+ قيل عنه: اتفق أن دعاه أحد الأخوة الي تناول الطعام فرفض الشيخ قائلاً: أن آدم بالطعام خدع فصار خارج الفردوس بأكلة واحدة. فقال له الأخ: أبهذا المقدار تخشي الخروج خارج القلاية؟ قال له الشيخ: وكيف لا أخشي يا ولدي والشيطان يزأر مثل سبع ملتمساً من يبتلعه.
+ وكان اذا مضي اليه انسان فانه يدخل القلاية الداخلية ويكلمه من داخل الباب. فقال له الأخوة: لماذا تفعل هكذا؟فقال لهم: إن الوحوش إذا أبصرت من يخيفها هربت الي جحورها ونجت.
5 – اجهاده لنفسه:
+ قال أنبا بيمين: أن أنبا ايسيذورس كان يضفر في كل ليلة حزمة خوص فسأله الاخوة قائلين:
أيها الأب أرح نفسك لأنك قد شخت؟فأجابهم: لو أحرقوا ايسيذورس بالنار وذروا رماده في الهواء، فلن يكون لي أفضل لأن ابن الله من أجلي نزل الي الأرض.
+ وقال أيضاً: في احدي المناسبات قال أنبا ايسيذورس قس الكنيسة للشعب: (يا اخوتي، لا يليق أن تنتقلوا من موضع بسبب التعب، أما من جهتي فاني أحزم أمري وأمضي حيث يوجد التعب، والجهاد يصبح للنفس لذة.
+ وقال أنبا ايسيذورس: ها ان لي أربعين سنة، لم أستند عل شئ ولم أرقد .
+ وقال أيضاً: ها أن لي أربعين ليلة. وأنا واقف لم أرقد .

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%86%d8%a8%d8%a7-%d8%a5%d9%8a%d8%b3%d9%8a%d8%b0%d9%88%d8%b1%d8%b3-%d9%82%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%82%d9%8a%d8%b7/

الأنبا أغاثون

سيرته الرهبانية:

كان أغاثون القديس حكيما في معرفته حريصاً على إتمام الوصيا، بسيطا فى جسمه وكفئا فى كل الأمور في عمل اليدين وفي طعامه وفي ملبسه.

حكمته:

قيل عن القديس الكبير أنبا أغاثون:

ان أناساً مضوا اليه لما سمعوا بعظم افرازه وكثرة دعته. فأرادوا أن يجربوه فقالوا له: أأنت هو أغاثون الذي نسمع عنك أنك متعظم؟ فقال: نعم الأمر هو كذلك كما تقولون. فقالوا له: أأنت أغاثون المهذار المحتال؟ قال لهم: نعم أنا هو. قالوا له: أأنت أغاثون المهرطق؟ فأجاب: حاشا وكلا: أني لست مهرطقاً فسألوه قائلين: لماذا احتملت جميع ما قلنا لك ولم تحتمل هذه الكلمة؟ فأجابهم قائلاً: ان جميع ما تكلمتم به علي قد اعتبرته لنفسي ربحاً ومنفعة الا الهرطقة لأنها بُعد عن الله. وانا لا أشاء البُعد عنه. فلما سمعوا عجبوا من افرازه ومضوا منتفعين.

+ اعتاد أنبا يوسف أن يقول:

لما كنا جالسين مع أنبا بيمين ذكر أنبا أغاثون فقلنا له:(أنه رجل حديث السن، فلماذا تدعوه أبا؟) قال أنبا بيمين:(ان فمه هو الذي جعله يدعي أبا)

+ قال الشيوخ الذين كانوا في مصر لأنبا ايليا ان أغاثون كان رجلاً عظيماً فقال لهم الشيخ:

(من جهة حداثته، كان رجلاً عظيماً في جيله، لقد رأيت في الاسقيط شيخاً استطاع أن يحجز الشمس عن مسلكها في السماء مثل يشوع بن نون: (ولما سمعوا هذا تعجبوا ومجدوا الله).

صمته:

أخبروا عن الأنبا أغاثون: انه وضع في فمه حجرا ثلاث سنين حتي أتقن السكوت.

محبته:

+ قال: اني مارقدت قط وأنا حاقد علي انسان ولاتركت انسانا يرقد وهو حاقد علي حسب طاقتي.(أف26:4)، (رو8:12).

+ وقال أيضاً: إن أنا ربحت أخي فقد قربت قربانا.

+ قال أنبا يوسف: أن أخا جاء الي أنبا أغاثون فوجد معه مسلة خياطة (أبرة كبيرة) فأعجب الأخ بها لأنها جيدة. فما كان من الشيخ الا أنه لم يتركه يمضي الا بها.

+ مضي الأب أغاثون مرة ليبيع عمل يديه فوجد انساناً غريباً مطروحاً عليلاً وليس له من يهتم به. فحمله وأجر له بيتاً وأقام معه يخدمه ويعمل بيديه ويدفع أجرة المسكن وينفق علي العليل مدة أربعة أشهر حتي شفي. وبعد ذلك أنطلق الي البرية وكان يقول: كنت أشاء لو جدت رجلاً مجذوماً يأخذ جسدي ويعطيني جسده.

+ حدث مرة أن مضي الي المدينة ليبيع عمل يديه فوجد انساناً مجذوماً علي الطريق فقال له المجذوم: الي أين تذهب؟ قال له: الي المدينة. فقال له المجذوم: أصنع معي رحمة وخذني معك. فحمله واتي به الي المدينة. ثم قال له المجذوم. خذني الي حيث تبيع عمل يديك. فأخذه. ولما باع عمل يديه سأله المجذوم: بكم بعت؟ فقال: بكذا وكذا. فقال له المجذوم: اشتر لي شبكة. فاشتري له. ومضي وباع ثم عاد وقال له المجذوم: خذ لي كذا وكذا من الأطعمة فأخذ له. ولما أراد المضي الي قلايته قال له المجذوم: خذني الي الموضع الذي وجدتني فيه أولا. فحمله ورده اليه. فقال له الرجل:

(مبارك أنت من الرب الهنا الذي خلق السماء والأرض). فرفع أنبا أغاثون عينه فلم يراه لأنه كان ملاك الرب أرسل اليه ليجربه.

شعوره بالغربة وبعده عن الأخوة المنحلين:

+ قال ان كان أحد يحبني وأنا أحبه للغاية. وعلمت انه قد لحقتني نقيصة بسبب محبته فاني أقطعه مني وانقطع منه بالكلية.

+ وقيل عنه أيضاً: انه مكث زماناً يبني مع تلاميذه قلاية فلما تمت وجلسوا فيها ظهر له في الأسبوع الأول أمر ضايقه، فقال لتلاميذه: هيا بنا ننصرف من هنا، فانزعجوا جداً قائلين: حيث أنك كنت عازماً علي الانصراف فلماذا تعبنا في بناء القلاية؟ ألا يصبح من حق الناس الآن أن يشكوا قائلين: ان هؤلاء القوم لا ثبات لهم؟

فلما رآهم صغيري النفوس هكذا، قال لهم: ان شك قليلون منهم فكثيرون سوف ينتفعون ويقولون: (طوبي لأولئك الذين من أجل الرب انتقلوا واختبروا كل شيئ). فمن أراد منكم أن يتبعني فليجئ لأني قد اعتزمت نهائياً علي الانصراف فما كان منهم الا أن طرحوا أنفسهم علي الأرض طالبين اليه أن يأذن لهم بالمسير معه.

بساطته:

+ قيل عنه أنه لما كان ينتقل، ما كان يرافقه أحد سوي الجريدة التي كان يشق بها الخوص لاغير – ولما كان يعبر النهر كان يمسك المجداف بنفسه. واذا رافق أخا كان يهيئ بنفسه المائدة لأنه كان مملوءاً حلاوة ومحبة ونشاطاً.

تدقيقه في حياته (نقاوته):

قيل عنه أنه اذا تصرف في أمر وأخذ فكره يلومه كان يخاطب نفسه قائلاً: يا أغاثون، لا تغفل أنت هكذا مرة أخري.. وبذلك كان يسكن قلبه. وقال أيضاً: ان الراهب هو ذلك الانسان الذي لا يدع ضميره يلومه في أمر من الأمور.

أمانته:

+ أتاه أخ مرة يريد السكني معه وقد أحضر معه قليلاً من النطرون وجده في الطريق أثناء مجيئه. فلما رآه الشيخ قال له: من أين لك هذا النطرون؟ قال له الأخ: قد وجدته في الطريق وأنا سائر. فأجابه الشيخ قائلاً: ان كنت تشاء السكني مع أغاثون أمض الي حيث وجدته هناك وضعه.

+ وحدث مرة بينما كان سائراً مع تلاميذه أن وجد أحدهم جلبابا أخضر في الطريق. فقال له: يامعلم: هل تأذن لي أن آخذه؟ فنظر اليه الشيخ متأملاً وقال: هل تركته؟ فقالا: لا. فقال له الشيخ: وكيف تأخذ شيئاً ليس لك؟

قناعته:

قيل عن الأنبا أغاثون والأنبا آمون: أنهما لما كانا يبيعان عمل أيديهما كانا يقولان الثمن مرة واحدة. وما كان يعطي لهما يأخذانه بسكوت، كذلك اذا احتاجا لشئ يشتريانه كانا يقدمان المطلوب منهما بسكوت ولا يتكلمان.

عدم الأدانة:

+ كان من عادة أنبا أغاثون اذا رأى أمراً أو عملاً وأراد فكره أن يدين هذا العمل او يحكم عليه أن يخاطب نفسه قائلاً: (لا تفعل أنت هذا الأمر) وبهذه الطريقة كان يهدئ قلبه ويحفظ السكوت.

+ مرض دفعة أنبا أغاثون وأحد الشيوخ واذ كان كلاهما يرقدان في القلاية، كان أخ يقرأ لهما سفر التكوين، ولما وصل الي الموضع الذي قال فيه يعقوب لأولاده: “يوسف مفقود، وشمعون مفقود، وبنيامين تأخذونه..لكي تنزلوا شيبتي بحزن الي الهاوية” (تك 42: 36-38) أجاب الشيخ قائلاً: “أواه يا يعقوب. ألم يكفيك العشرة أولاد؟” قال أنبا أغاثون:”احفظ السكون أيها الشيخ، اذا كان الرب قد دعاه باراً، فمن ذا الذي يدينه؟”.

تحفظه الي النهاية:

هذا القديس كان متحفظاً جداً اذ كان يقول: “بغير تحفظ كثير لا يقدر أحد أن يصل الي الفضيلة”. وقيل عنه أنه لما كان عتيداً أن ينطلق الي الرب مكث ثلاثة أيام وعيناه مفتوحتان ولا يتحرك. فأقامه الأخوة وقالوا له: يا أبانا أنبا أغاثون: أين أنت؟! فقال: انا واقف أمام عرش القضاء الالهي! فقالوا له: أتفزع أنت أيضاً؟! فأجابهم قائلاً: “علي قدر طاقتي حفظت وصايا الله. ألا أنني انسان. من أين أعلم ان كان عملي أرضي الله؟” فقالوا له: ألست واثق بأن عملك مرضي عند الله؟ فقال الشيخ: “لن أثق دون أن ألقي الله لأن حكم الناس شئ وحكم الله شئ آخر”. فطلبوا منه أن يكلمهم كلمة تنفعهم. فقال لهم: اصنعوا محبة. ولا تكلموني لأني مشغول في هذه الساعة. وللوقت تنيح. فأبصروا وجهه كمن يقبل حبيبه.

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%86%d8%a8%d8%a7-%d8%a3%d8%ba%d8%a7%d8%ab%d9%88%d9%86/

الأنبا زكريا

سيرته وتعاليمه

كيف صار شبه الملائكة:(طهارة الحقيقية)

رهبنته:

كان لرجل اسمه قاريون ولد صغير اسمه زكريا، هذا أتي الي الأسقيط وترهب به ومعه ابنه. وقد ربي ابنه هناك وعلمه بما ينبغي. وكان الصبي جميل الخلقة، وحسن الصورة جداً. فلما شب حدث بسببه تذمر بين الرهبان،فلما سمع الوالد بذلك قال لابنه: يا زكريا هيا بنا نمضي من هاهنا لأن الآباء قد تذمروا بسبك، فأجاب الصبي أباه قائلاً: يا أبي ان الكل هاهنا يعرفون أني ابنك ولكن ان مضينا الي مكان آخر، فلن يقولوا اني ابنك، فقال الوالد: هيا بنا يا ابني نمضي الآن فان الآباء يتذمرون بسببنا.

وفعلاً قاما ومضيا الي الصعيد، وأقاما في قلاية، فحدث سجس كذلك، فقام الاثنان ومضيا الي الاسقيط ثانية، فلما أقاما أياما عاد السجس عينه في أمر الصبي.

لما رأي زكريا ذلك مضي الي غدير ماء معدني (كبريتي) وخلع ملابسه وغطس في ذلك الماء حتي أنفه،وأقام غاطساًً عدة ساعات منفخاً، فتشوه وتغيرت ملامحه، فلما لبس ثيابه وجاء الي والده لم يتعرف عليه الا بصعوبة.

حدث أن مضي بعد ذلك الي الكنيسة ليتناول الأسرار فعرفه القس ايسيذورس، وعندما رآه هكذا تعجب مما فعله وقال:

أن زكريا الصبي جاء في الأحد الماضي وتقرب علي أنه انسان. اما الآن فقد صار شبه ملاك.

المرشد الروحي:

ودفعة عندما كان أنبا زكريا ساكناً في الأسقيط ظهرت له رؤية من الله. فنهض وجاء الي أبيه، أنبا قاريون، وكان الشيخ كاملاً، ولم يأل جهداً في أن يفاخر بهذه الأمور بل نهض وضربه قائلاً:(هذه الرؤية من الشياطين). وعندما فكر في الأمر طويلاً قام ومضي ليلاً الي أنبا بيمين، وأعلمه بالأمر، وكيف كانت أفكاره تلتهب في قلبه. فعلم الشيخ أن الأمر هو من الله، وقال له (أمض الي ذاك الشيخ. وافعل كل ما يوصيك به). ولما مضي الي ذاك الشيخ، وقبل أن يخاطبه بشئ، قال له الشيخ:(ان الرؤية من الله، ولكن أمض وأخضع الي أبيك).

فضائله

اتزان عقله وسكونه:

قال أنبا قايون: اني بذلت أتعاباً كثيرة بجسدي لكني لم أصل الي رتبة ابني زكريا في اتزان العقل والسكون

تعاليمه

ما هو الراهب الحقيقي:

سأل الأب مقاريوس الكبيرة مرة زكريا وهو مازال في حداثة سنه قائلاً: قل لي: (يا زكريا ماهو الراهب الحقيقي؟)

قال له زكريا: يا أبي أتسألني أنا؟! قال له الشيخ: نعم يا ابني زكريا، فان نفسي متيقنة بالروح الذي فيك، ان شيئاً ينقصني يلزم أن أسألك عنه.

فقال له الشاب:(أن الراهب هو ذلك الانسان الذي يرذل نفسه ويجهد ذاته في كل الأمور).

كيف يخلص الراهب:

قيل: أتي أنبا موسي مرة ليستقي ماء فوجد أنبا زكريا علي البئر يصلي وكان ممتلئاً من روح الله. فقال له: ياأبتاه قل لي ماذا أصنع لأخلص. فما أن سمع الحديث حتي أنطرح بوجهه عند رجليه وقال له: ياأبي لا تسألني أنا. قال أنبا موسي:صدقني يا ابني زكريا أني أبصرت روح الله حالاً عليك ولذلك وجدت نفسي مسوقاً من نعمة الله أن أسألك فتناول زكريا قلنسوته ووضعها عند رجليه وداسها،ثم رفعها ووضعها فوق رأسه وقال: ان لم يصر الراهب هكذا منسحقاً فلن يخلص.

السكوت:

لما حضرت أنبا زكريا الوفاة سأله أنبا موسي قائلاً: أي الفضائل أعظم يا ابني. فأجابه علي ماأراه يا أبتاه، ليس شئ أفضل من السكوت. فقال له:حقاً يا ابني بالصواب تكلمت.

نياحته:

وفي وقت خروج روحه كان أنبا ايسيذورس القس جالساً فنظر الي السماء وقال: أخرج يا ابني زكريا فان أبواب ملكوت السموات قد فتحت لك.

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%86%d8%a8%d8%a7-%d8%b2%d9%83%d8%b1%d9%8a%d8%a7/

القديس مار إسحق

هو ناسك عظيم من محبي الوحدة والسكون، ترهب هو أخوه حسب الجسد في أحد أديرة طور سينا ونال الاثنان شهرة كبيرة ثم أتجه كل منهما اتجاهاً خاصاً فاختار مار إسحق حياة السكون الكامل بينما صار أخوه رئيساً للدير. ووصلت محبة الوحدة بمار إسحق أنه عاتب أخاه عتاباً شديداً في رسالة مشهورة له عندما طلب منه أن يزور الرهبان في الدير وشرح مارإسحق الأضرار التي تصيبه من مجرد النزول إلي الدير…..

والعجيب في كل ذلك أن هذا المتوحد علي الرغم من محبته الكاملة لحياة السكون صار أسقفاً لنينوي. لسنا ندري ما هي الظروف التي لابست هذا الأمر، ولكن التاريخ يسجل لنا انه لما وجد أن الأسقفية تحرمه من حياة السكون ترك الأسقفية ومضي. وفي هروبه لم يرجع إلي مغارته الأولي وإنما ذهب إلي برية شيهيت واستقر فيها سنوات وقد وضع مؤلفاً ضخماً من أربعة كتب عن طقس الوحدة يعتبر من أروع الكتب في هذا الموضوع وانتفع فيه بآراء كبار الآباء في هذا المجال كالقديس مقاريوس الكبير ومار أغريس والقديس يوحنا التبايسي وغيرهم.

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b3-%d9%85%d8%a7%d8%b1-%d8%a5%d8%b3%d8%ad%d9%82/

الأنبا أيوب والأنبا بيمين وأخوتهما

من هم:

نموذج لحياة الشركة المقدسة:

قيل أنهم كانوا سبعة أخوة من بطن واحدة، وصار الجميع رهباناً بالأسقيط. فلما جاء البربر وخربوا الأسقيط في أول دفعة، انتقلوا من هناك وأتوا إلي موضع أخر يدعي(ابرين)..فمكثوا هناك في بربا.. للأصنام أياما قلائل.

حينئذ قال أنبا أيوب لأنبا بيمين:لنسكت جميعاً كل من ناحيته،ولا يكلم أحدنا الأخر كلمة البتة وذلك لمدة أسبوع.

فأجابه أنبا بيمين:(لنصنع كما أمرت).ففعلوا كلهم كذلك.وكان في ذلك البيت صنم من حجر فكان أنبا أيوب يقوم في الغداة ويردم وجه ذلك الصنم بالتراب وعند المساء يقول للصنم:اغفر لي.وهكذا كان يفعل طوال الأسبوع.فلما أنقضي الأسبوع قال أنبا بيمين لأنبا أيوب:لقد رأيتك يا أخي خلال هذا الأسبوع تقوم بالغداة وتردم وجه الصنم،وعند المساء تقول له اغفر لي.أهكذا يفعل الرهبان؟.فأجاب أنبا أيوب:لما رأيتموني وقد ردمت وجهه،هل غضب،قال:لا.فقال ولما تبت إليه هل قال:لا أغفر لك؟قال:لا.فقال أنبا أيوب لأخوته:ها نحن سبعة أخوة،أن أردتم أن يسكن بعضنا مع بعض فلنصر مثل هذا الصنم الذي لا يبالي بمجد أو هوان وأن لم تؤثروا أن تكونوا هكذا فها هي أربع طرق أمامكم وليذهب كل واحد حيثما يشاء.

فأجابه أخوته قائلين:(نحن لله ولك،ونحن مطيعون لما تشاء). فاختاروا أحدهم ليهتم بالمائدة،وكل ما كان يقدمه لهم كانوا يأكلونه،ولم يقل أي واحد منهم:أحضر لي شيئاً.ولا قال أحدهم:(لا نريد هذا أو لسنا نشتهي ذاك).وكان أنبا يعقوب يدبرهم في أعمال أيديهم،أما أنبا بيمين فقد كان معلما لهم في طريق الفضيلة.

هكذا اجتاز الأخوة أيامهم بسلام.بركة صلاتهم تكون معنا.أمين.

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%86%d8%a8%d8%a7-%d8%a3%d9%8a%d9%88%d8%a8-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%86%d8%a8%d8%a7-%d8%a8%d9%8a%d9%85%d9%8a%d9%86-%d9%88%d8%a3%d8%ae%d9%88%d8%aa%d9%87%d9%85%d8%a7/

مشاركات سابقة «