«

»

Print this مقالة

حياة حزقيال

ولد حزقيال عام 623 ق.م ومعنى اسمه “الله يقوى” وهذا معنى نبوته، فهو يتنبأ عن الله، الذى يقبل توبة شعبه المسبى ويقويهم ويعيدهم من السبى.

حينما كان حزقيال طفلاً، كان يجلس على عرش مملكة يهوذا يوشيا الملك الصالح. وعندما بلغ حزقيال الثانية من عمره اكتشف يوشيا نسخة من الشريعة فى الهيكل. ورأى فى طفولته إصلاحات يوشيا الذى أزال عبادة الأوثان ونشر عبادة الله في كل المملكة، فتهلل قلبه بهذه الإصلاحات الروحية.
كان حزقيال من نسل كهنوتي، فجده الاكبر هو صادوق رئيس الكهنة أيام داود وسليمان، ووالده كاهن يدُعى بوزي (حز1: 3)، فتعلم من طفولته شريعة الله وأحب الهيكل الذي رآه وتحرك فى ساحاته وأكل من الطعام المخصص للكهنة وأسرهم وغالباً ساعد والده فى بعض الإعمال المعاونة فى الهيكل، مثل إعداد البخور والزيوت.
تأثر حزقيال بسير الأنبياء الذين سبقوه، مثل إشعياء وعاموس وهوشع وميخا، فأحب الله ورفض الخطية وعبادة الأوثان.
فى طفولته رأى إرميا النبى وأحبه وسمع نبواته ويقول البعض انه كان خادماً له لفترة في أيام شبابه. وعاصر أيضا أنبياء آخرين هم باروخوناحوموعوبديا.
كبر حزقيال وصار عمره عشر سنوات وسمع عن سقوط نينوى عاصمة أشور وبداية المملكة البابلية، فتخلصت يهوذا من سيطرة أشور ولكن قامت المملكة البابلية والتى ظهرت قوتها فى السنوات المقبلة من حياة حزقيال.
عندما بلغ حزقيال الخمسة عشر من عمره حدث أمر مؤسف وهو قتل يوشيا الملك الصالح فى معركة مجدو بيد نخو ملك مصر وبهذا انتهت الفترة السعيدة في حياة شعب الله التى كان يدعوهم فيها يوشيا لعبادة الله ورفض الأوثان، وكان ذلك عام 608 ق. م.
تملك بعد يوشيا ابنه يهوآحاز الذي سار عكس أبيه، فأنغمس فى الشر وعبد الأوثان، فقبض عليه نخو ملك مصر وأخذه أسيراً إلى مصر وملك بدلاً منه أخيه يهوياقيم.
سار يهوياقيم في الشر ونشر عبادة الأوثان ولم يرتدع مما حدث لأخيه يهوآحاز، فتعرض لهجمات من ملك بابل. ورأى حزقيال بعينيه اضطهاد يهوياقيملإرميا، فحزن جداً لابتعاد الملك والشعب عن الله وتعلق قلبه بإرميا ونبواته.
كان حزقيال حزيناً عندما رأى انحراف الكهنة عن عبادة الله ومقاومتهم لإرميا، فهو أحد شباب نسل الكهنة وسمع عن اختفاء إرميا ومنع الكهنة له من دخول الهيكل ونبوات إرميا التي قرأها باروخ في بيت الرب، وكيف مزق الملك يهوياقيم النبوات وأحرقها، فحزن حزقيال لإصرار قيادات الشعب على الشر وابتعادهم وشعبهم عن الله.
عندما بلغ حزقيال الخامسة والعشرين من عمره وكان ذلك عام 598 ق.م قتل نبوخذنصريهوياقيم الملك وتملك بعده ابنه يهوياكين، الذي لم يمكث على العرش إلا ثلاثة شهور وسار في الشر، فقبض عليه نبوخذنصر وأرسله ليُسجن فى بابل وأخذ مع يهوياكين أشراف يهوذا، أي كل الرجال والشباب الذين لهم مواهب وقدرات خاصة ومنهم حزقيال وسباهم إلى بابل، ثم ملك عم يهوياكين مكانه وهو صدقياالملك، آخر من جلس على عرش مملكة يهوذا.
تأثر حزقيال جداً لابتعاده عن أورشليم المدينة المقدسة. لأن البابليين كانوا قد نقلوه إلى مدينة تسمى تل أبيب (وهى غير مدينة تل أبيب الموجودة حالياً فى إسرائيل) وهذه المدينة تقع على نهر يسمى نهر خابور وهو أحد فروع نهر الفرات داخل المملكة البابلية (حز 1).
وجد حزقيال نفسه بين مجموعة من اليهود المسبيين عند نهر خابور وحولهم يسكن الوثنيون. فاهتم بهدوء أن يرعى شعبه وينبههم إلى أن ما حدث معهم – أي السبى- هو تأديب إلهي لابتعادهم عن الله ونبههم ليبتعدوا عن الآلهة الوثنية المحيطة بهم ويرفعوا عيونهم نحو هيكل الله والمدينة المقدسة ويظلوا متمسكين بشريعة الله.
تزوج حزقيال واقتنى بيتا فى السبى فى مدينة تل أبيب (حز 3: 15)، التى تقع شمال بابل وليست بعيدة عنها. وكانت الاتصالات بين المسبيين وأهلهم فى اليهودية مستمرة، أي كانتالرسائل ترسل منهم وإليهم. وأقتنى المسبيون بيوتاً وحقولاً، بل إن صدقيا الملك فى السنة الرابعة من ملكه، أي بعد وصولهم للسبي بأربع سنوات زار بابل. ليقدم فروض الطاعة والولاء لنبوخذنصر واستقبله المسبيون بموكب عظيم.
بعد خمس سنوات من السبي بلغ حزقيال من العمر ثلاثين عاما وكان ذلك عام 593 ق.م وبدأت فى هذا الوقت نبوات حزقيال، ورأى الله في مجد عظيم فى هيكله بأورشليم ورأى الطغمات السمائية محيطة به (حز 1: 1)، فكان هذا تشجيعاً إلهيا وتعويضاً له؛ لأنه في هذا السن كان من حقه ممارسة العمل الكهنوتى لو كان فى أورشليم، ولكنه بدأ عمله النبوي فى السبى ورأى الهيكل ومجد الله. فاطمأن قلبه وهذا شجعه على مواصلة دعوة المسبيين معه إلى عبادة الله.
ولما صار عمر حزقيال واحد وثلاثين عاماً علم حزقيال (من الله) أن صدقيا تحالف مع ملك مصر وبهذا نقض عهده مع ملك بابل وهذا لا يليق بأولاد الله، أن يرجعوا فى عهودهم، حتى لو كانت مع غير المؤمنين، فأعلن الله نبوة على فم حزقياللصدقيا يوبخه فيها على تراجعه عن عهده مع ملك بابل ويحذره من الخراب الآتى عليه من ملك بابل وتدمير مدينته أورشليم (حز 15:17-18).
أنبا الله حزقيال أن زوجته المحبوبة له ستموت بمرض مفاجئ وأمره ألا يندبها؛ ليكون مثالاً لباقى إخوته اليهود، الذين لن يستطيعوا البكاء على أورشليم عند تدميرها ولا يرثونها؛لأن الخراب البابلي سيكون قاسياً جداً. فكان حزقيال بهذا مثالاً عملياً أمام شعبه ليتوبوا ويرجعوا لله حتى يرحمهم (حز 24: 15).
تنبأ حزقيال عن تدمير أورشليم وحرق الهيكل فلم يسمعه فقط المسبيون معه، بل وصل أيضاً إلى آذان شعبه في أورشليم عن طريق التجار والمسافرين وبهذا عضد نبوات إرميا الذي كان يتنبأ في أورشليم.
كل هذه النبوات كانت تدعو شعب الله للتوبة، حتى لا تخرب أورشليم ولكنهم للأسف لم يسمعوا، فتم تأديب الله للمدينة والهيكل. ورأى حزقيال الله-فى رؤيا أخرى- يفارق هيكله (حز 10) وحدد الزمن واليوم الذي ستخرب فيه أورشليم. وقد تمت نبواته بكل دقة (حز 24: 2، 33: 21).
عندما بلغ حزقيال من العمر ستة وثلاثين عاماً أحرق الهيكل وأورشليم، فحزن حزقيال جداً لغضب الله ومفارقته لشعبه، لكنه لم يفقد رجاءه، بل ظلت نبواته تدعو شعبه للتوبة.
تشجع حزقيال عندما علم بالمركز الذي ناله دانيال فى بابل هو والثلاثة فتية، فقد كانت بابل قريبة من حزقيال.
عاش حزقيال فترات بين الأشواك، مثل نباتات القريس والسلاء (حز20: 6)؛ ليبين عملياً لشعبه أنهم يسكنون بين الأمم التى تعبد الأوثان. فكان النبى مثالاً عملياً للشعب؛ حتى يكون رجاءهم الوحيد هو الله، فيرحمهم ويعيدهم من السبى.
تميز حزقيال بالفصاحة وكان يكتب كلامه بالشعر، كما كان صوته جميلاً وجذاباً، حتى يساعد شعبه على قبول كلمة الله ولكنهم للأسف أعجبوا بفصاحته وتركوا عنهم مضمون كلامه، أي دعوتهم للتوبة (حز 33: 31- 33).
كان إرميا ينبه شعبه للتوبة ولكنه كان يتميز بالكلام الحنون، إذ أن طبيعة إرميا أنه رقيق للمشاعر، أما حزقيال فقد تميز بالكلام الشديد الصارم؛ لأن نبوته بدأت قبل خراب الهيكل بست سنوات فقط؛ كما أنه كان مسئولاً عن دعوة شعبه المسبي إلى الرجوع لله وليس الانشغال بالمقتنيات في المملكة البابلية، ثم الارتباط بالآلهة الوثنية. فتوبة شعبه كانت الأساس الذي من أجله سيعيدهم الله ثانية إلى بلادهم ويبنى لهم الهيكل من جديد.
كان كلام حزقيال في الجزء الأول من نبوته يدعو إلى التوبة بكل الوسائل، ثم بعد الإصحاح الرابع والعشرين نجد كلماته مملوءة رجاء في الرجوع من السبي، بل يحدثهم عن هيكل الرب الذي أستغرق الحديث عنه التسعة إصحاحات الأخيرة من نبوته، فحدثهم عن جمال هيكل العهد الجديد، ثم عظمة أورشليم السماوية، فهذا الهيكل كانت قياساته لا يمكن إتمامها؛ لأنها ترمز إلى أورشليم السماوية، التي لا يمكن التعبير عن مجدها وعظمتها.
كان الله يأمر حزقيال أحياناً أن يصمت؛ ليبين أن الشعب رافضاً لكلام الله، فصمت حزقيال كان إعلاناً لعدم استحقاق الشعب أن يسمع (حز 24: 17).
إن نبوات حزقيال تحدثنا كثيراً عن تجديد القلب، أي إنسان العهد الجديد، الذي يحيا مع الله بقلب لحمى وليس حجري (حز 36: 26). وتنبأ عن أمنا العذراء، الباب المغلق، الذي يدخله الرب ويخرج منه ويظل مغلقاً (حز 44: 2). وتحدث عن أسرار الكنيسة مثل المعمودية (حز 36: 25)، فقد أطل حزقيال بنظره إلى العهد الجديد بنبواته وهو مازال في العهد القديم.
بعد أن استمر حزقيال يتنبأ لمدة اثنين وعشرين عاماً، أي بلغ من العمر اثنين وخمسين عاماً، يدعو فيها شعبه للرجوع إلى الله. فيما كان يوبخ أحد القضاة ليحكم بالحق ولا يخالف شريعة الله اغتاظ وقام عليه وقتله، كما يخبرنا القديس أبيفانيوس أسقف قبرص عن مخطوط قديم وجده، وقد دفن حزقيال في مقبرة جده الكبير سام وابنه وأرفكشاد.
استشهد حزقيال بعد أن أعلن صوت الله بقوة للشعب المسبى وللشعب الذي فى أورشليم ولكل العالم، وترك دانيال النبى يكمل رسالة الله لشعبه حتى أعادهم من السبى. فنبوات حزقيال تأتى زمنياً بين نبوات إرميا الذي سبقه ونبوات دانيال الذي تنبأ بعده، فالله لا يترك نفسه بلا شاهد، بل يتتابع الأنبياء ليعلنوا صوت الله فى كل حين.

 

Share

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d8%a9-%d8%ad%d8%b2%d9%82%d9%8a%d8%a7%d9%84/