«

»

Print this مقالة

الميلاد العجيب للقديس مار يعقوب السروجى

 

الأكتتاب:

ولما كمل إمتلاء جسدانيته، واتحد باكليل الأعضاء الممجدة، وجميع الجسم بالحواس الناطقة، وأعد وكمل كمال الجسد بكل صورته، وامتلأ الكيل بكمال التسعة أشهر بالترتيب شاء أن يأتى بالميلاد.

ولما طلب أن يكتب آدم في سفر الحياة خرج الأمران يُكتب الناس للجزية. قيصر يكتب الناس للجزية، والابن يكتب أولاد آدم في سفر الحياة.

خرج الأمر أن كل أحد يكتب اسمه في بلده. إذا إنكتب آدم في عدن لانه بلده، كتبه سيده في المدينة العظمى جنة الخيرات.

ولما أرسل هذا الامر من العلا، أمر قيصر أن تكون هذه في الأرض.

بلغ الطالبون إلى يوسف رجل مريم ليصعد ويعطى أسمه في قرية داود و جذب البتول الممتلئة حسنا معه.

مضى الملك لقرية الملوك ليشرق هناك، وبميلاده يكتب الناس في سفر الحياة.

بيت لحم أفراثه:

حملت البتول سيد الملوك في بطنها الطاهر، وتحركت وصعدت مع يوسف إلى داخل افراثه، وجاء الوقت لتلد الطفل.

عرف قرية داود ودخل ليحل فيها لكى في أماكن الملك أبيه يتكرم، وإذ لم يكن لأمه في بيت لحم بيت مالوا للمغارة ليحلوا فيها.

تربعت لتلد الذى صار ذبيحة عوض الخطاه… أولد نفسه جسدانياً مولد الاطفال… خرج من البطن وختوم البتولية ثابتة.

هو الله الذى حملته البطن بالبتولية، وأيضا هو إنسان لأنها ولدته جسدانيا، واحد هو ميلاد الابن الحقيقى الكامل الدهش. مولود من الآب ومخفي عن الملائكة ومسجود من الناس، واحد هو العزيز من النورانيين والجسدانيين، مخفي بالهيته وظاهر بإنسانيته.

تهليل السمائيين و الأرضيين:

أشرق النورانيون وهب الروحانيون واجتمعت الصفوف. . . مجدت الألوف مع الربوات بأصوات تدهش… أرعد المجد من صفوفهم السمائية وبهاء الملائكة شق الليل بقوته. نزل العاليون وساروا في الأرض وجعلوها سماء… وضعت الملائكة أكليل المجد لرب المجد.

صرخت صفوف الملائكة بنغمة حلوة لتسمع الإنسانية وتتعلم ترتيلها. السارافيم نطقوا بالتمجيد والتقديس كالأبواق: المجد في العلا، والسلام في العمق، و الرجاء لآدم، فوق في العلا إكليل المجد لسيد العالمين … وأسفل في الأرض الرجاء الصالح للبشر.

 

بشارة الرعاة:

أسرع الملائكة ليبشروا الرعاة، إن راعى الغنم الناطقة الهالكة أتى “إنه أشرق لكم الرب المسيح في قرية داود… ها المخلص أتى للمسببين و لم تحس به، والراعى العظيم قام داخل غنمه ولم تنظره. ها القوى الذى يحل المربوطين قد ولد… إمضوا واسجدوا له، قوموا وامضوا وانظروا الملك الآتي ليخلص شعبه.

فرح بالبشارة الرعاة وقطعانهم فآمنوا ومجدوا… بلغوا للمغارة ودخلوا نظروه وسجدوا قدامه بقرابينهم، قربوا خراف الغنم للحمل الآتي.

زاحم بعضهم البعض… الملائكة والناس قدام المولود… اختلط الملائكة والرعاة وأعطوا التمجيد، عظم الدهش باختلاط الأصوات البشرية والسمائية بتهليل واحد.

امتلأت المغارة بجموع الأرواح وصفوف الناس وأرعدت أفواه بنى العلا وبنى العمق… اختلطت السماء

والأرض بالتمجيد الواحد الوسيط الذى صالحهم بميلاده.

فرح الآباء والأنبياء:

في يومك العظيم تسر الأرض وكل ماعليها، وعوض الشوك تنبت الخيرات من بركات ميلادك.

في هذا اليوم يفرح آدم رئيس الاجناس لأنه اقتنى الإلهية من ميلادك، في هذا اليوم تفرح حواء أكثر من آدم لانه إشرق منها طفل يزيل عنها آلامها وأوجاعها،

في هذا اليوم تسر الجنة وأشجارها، لان الوارث المطرود سيرجع لمسكنه، في هذا اليوم تعترف الشعوب في جميع الاقطار، لانهم كانوا مبددين بجميع العبادات…

في هذا اليوم نبت الغفران ليكون عصا للعالم البائس، الذى أحنته عبادة الأصنام، في هذا اليوم أفرخ الغصن من بيت داود، ليفرح بثمره الأرض العطشانة. في هذا اليوم تفرح صفوف الانبياء، لانه استنار الموضع بميلادك…

في هذا اليوم يفرح داود أبوك ويشد أوتاره ويردد بالقيثارة لميلادك… في هذا اليوم يحس أشعياء في قبره أن ها عمانوئيل تقدم كما تنبأ..

في هذا اليوم يفرح معنا زكريا بالأكثر لأنك أنت هو الرجل الذى سماه المشرق بنبوته. في هذا اليوم يشرق مجدك علي قبورهم ويوقظم ليمجدوا بقيثاراتهم…

في هذا اليوم يفرح يوسف رجل مريم لانه احتمل العار من أجلك. في هذا اليوم اتضح تصوير مثال آدم.

في هذا اليوم بنى المهندس البيت الذى سقط وسنده باللاهوت لئلا يقع.

ضلال الشيطان:

طلب الشيطان أن يكون إلها بالتمرد… سرق العظمة التى ليست له. واختار العظيم أن يتنازل ويأخذ الذى له من المتمرد ويستهزئ به، لأجل أنه طلب أن يكون إلها بالجسارة. نزل الله وصار إنسانا بالإتضاع لأنه نظر آدم سقط من العظمة. أخذ باقنومه جسد آدم وتفاضل به. مقابل ارتفاع الشياطين بالعظمة اتضع هو ذاك الذى ارتفع بالبغى ليكون إلها، هدمه الطفل المتضع في المزود وداس تاجه. مولودا واحدا لفته مريم بالأقماط، حطم أصنام الأرض جميعها وأذلها.

ولول الشياطين بالآية التى نظروها في الأصنام، إنها ارتعشت لتسقط جميعها بالحركة المرهبة لها. أشرق عليهم برق النور من بيت لحم. أشرق في الخليقة بهاء النور من إبنة داود… النار الحية لفت نفسها داخل الأقماط … راعى الغنم صار حملا داخل رعيته، ونظرت الذئاب وبدأت تهرب من رعيته.

دهشة الشيطان:

آية جديدة ظهرت لنا، شيء قوى حرك الأصنام، ولذلك الآلهة ترتعد جميعاً… أشرق بغتة برق النور في جميع المسكونة واستضاءت الأرض وأظلمت الأصنام. قال الشرير: ها برق النور أصابني، ولا علمت ولا عرفت ما هو السبب !؟ لماذا لم يظلم النور الذى أشرق لأن في جميع الطرق ملقى لي العمل بالظلام. من يفتضع بإشراق النور إلا أنا، لانى مجتهد أن أكمل كل إختيارى، من يتوجع بهذا الوجع مثلى.؟!

قال الأبالسة لرئيسهم: ماذا تعمل؟ أنت معلمنا وبتعليمك ترشدنا ومن يعرفنا إلا أنت أيها الشيطان؟… من يعلمنا علة النور الذى أبهتنا؟

قال الشرير: ليس هو وقت تطويل، أنا أسرع أنظر الفعل الذى أرعبني، أمضى أفحص من أين أشرق النور الذى أرعبنا، أنظر السحاب، أطير في الجو، أخوض الدرجات، أجوز البحار وأطب سبب هذه الحركة.

طار الشيطان وأسرع إلى العمق ولما جاز نظر من بعد بيت لحم، وجد واحد من الملائكة مخوفا ففزع مترديا بالشعاع. نظره الشيطان وأختفي عنه بالرعب.

حل الملاك في صفوف الرعاه وبدأ يبشرهم بخلاص العالم… قام النورانى ورفع صوته عند الوديعين، وبدأ يبشر بالمولود بصوت مرتفع وقال لهم: ها أنا أبشركم اليوم بفرح عظم ممتلئ غنى للعالم جميعه، أبشركم بالمخلص المحيي الذى هو المسيح الرب… أشرق من ابنة داود، وها الطفل في بيت لحم ملفوف مطروح في مزود حقير مع أنه الرب المخلص. ولم يكمل الملاك كلامه إلا وعساكره جميعاً نزلوا ليمجدوا معه، وجعلوا ليلة الميلاد كمثل النهار لأن لهيبهم أشد ضوءا من الشمس و إرتعدت الأرض من المجد الذى خرج من أفواههم وأرعد المكان من تهليل ألسنتهم. نورانيون يرتلون للنور الذى أشرق من الظلام، ولهيب يصعد المجد بصوت مرتفع.

ارتعاب الشيطان:

نظر الشيطان جمع الملائكة وإرتعب المتمرد، وبعد قليل إنتقل كالسارق… وكالدخان بالريح إنتقل من عندهم، تردى الشرير وحمل الويل لبنى جنسه وملأ فمه بشارة ممتلئة بالحزن… تعالوا إنظروا الشناعة التى صارت في بيت لحم لأني عرفت سبب الحركة التى أرهبتنا… تعالوا إمضوا واسمعوا ضجة الملائكة في بيت لحم لأن الأرض انشقت لصوت هتافهم … تعالوا من بعيد لتنظروا الجموع السمائية، ولانتقدم لئلا يعمينا إشراقهم. نظرت الطفل ملفوفا مطروحا بالمسكنة وليس له بهاء ولا عظمة … مغاره حقيرة ومذود صغير وصبي وأمه … متضع وهادئ وتخشى الشياطين أن تنظر إليه.

انسان أم إله ؟!

قال الشياطين للشرير: فسر لنا من أجل الصبي… هو إنسان أم إله !؟ أنت حكيم وتجاوزت الأفعال. قل لنا ماهو خبر الصبي … هو إنسان أو إله أو من هو!؟… من الروحيين أو من الجسديين؟!.

قال الشرير: حتى الآن كنت حكيما، وإلى هنا إنشجبت ولم أعرف أن أدرك شيئاً، هذا الصبي إنسرق منى وإنحجب، ولم اقدر أن أدرك خبره جليا. لما حبلت الصبية لم أحس كيف حبلت، ولما ولدت لم أكن قريباً لأنظر طفلها و الآن هى بتول، وماذا أقول عن ولادتها للصبي… !؟

ولأنها بتول أظن إنه إله. لماذا أنظر صبية بغير زواج؟ إن مولده مرتفع عن التفكير، أمه بتول ومن هو أبوه؟ إن كان هو راضيا، إبن من ادعوه؟ ولم أعرف من هو أبوه؟.

قال الأبالسة: ماذا تقول من اجل الصبي، أن لم يظهر لك خبر ميلاده من يقول لنا؟

إننا تحيرنا بميلاد هذا الطفل، ولا نعرف ماذا يعمل بنا بعد قليل!؟ إن من اليوم بدأت الأرض تستضيء منه، بعد قليل يبهج الأعماق بإشراقه. . . ويلنا منه لانه يفضحنا ويحبطنا، ويتم للأرض أن تسرع خلفه وتستهزئ بنا. اضطرب الشياطين لأنهم نظروا دهشا أرهبهم، إنسحقت الأبالسة وتبله الشياطين وارتعبوا من المولود، وعندما يتفرسون وينظروين البتول ترضع المولود ينوحون من التعجب. الطفل مطروح في المزود ويرهب السمائيين… موضوع في المغارة، وحرك إشراقه للبابليين.

قول مدهش إن الطفل هادئ داخل الاقماط، ويرتعب منه جميع أهل الشمال بطريق الميلاد دخل الخليقة وأضاءها، ولم يعرف الشياطين أين هو مكانه بميلاده أصلح السمائيين والأرضيين … شق سياج الغضب من بين الجانبين وخلطهما، علم المجد للبشر والملائكة… الهدوء في العلو، والسلام في الإعماق، بميلاده الجديد فرح العاليون وسر التحتانيون واستضاءت الخلائق بالابن الذي أتى وفرحهم بميلاده.

الملائكة مبتهجة والناس مسرورون والشياطين مكدرون. حزن الشياطين لأنهم نظروا النور أرهبهم. مجدت السموات وفرحت الأرض وأرعدت الأقطار، لأن بيت لحم أشرق للخليقة خلاص عظيم .

ظهور النجم :

أسمعوا أيها المغروزون بالحب العظيم بغير اضطراب علي إشراق ذلك الكوكب المضيء المرسل ها أنا أوضح سبب القول ماهو؟ لاأحد يمل من الخبر الممتلئ دهشا، على ذلك الإشراق الإلهي الذى طل من العلو، وجذب المجوس ليأتوا وينظروا الملك العظيم … على ميلاد الرب العالي الذى أشرق في الأرض ودعا البعيدين ليفرحوا بميلاده !!

دعوة المجوس

جذب المجوس بجبل النار ليأتوا إليه، وغلب بإشراقه لصفوف فارس، وأخرجهم لأن الضوء أرسل للعالم جميعه، وأرسل للشعوب أن يأتوا اليه ليفرح بإشراقه البعيدون والقريبون. أرسل الكوكب ليدعوا البعيدين بإشراقه.

لماذا لم يركز بنبي كمثل نينوى أو يبشرهم بكاروز كمثل ابن امتاى!؟

لماذا لم ينزل ويعلمهم كمثل أشعياء أن البتول حبلت وولدت ملكا بغير زواج !؟

لأى غرض نزل كوكب النور خلفهم؟ وبأي صوت زرع بشارة الميلاد بآذانهم؟!… رسول هادئ ولا يتكلم الإ بإشراقه.

أي لفظ يصيد المجوسية إلا الأفلاك التى تحبها؟! أعطاها شهوتها قبل أن يمسكها لتأتى اليه. لم تكن مستعدة لتسمع تعليم أشعياء، ولو كرز يونان لا تقبل كلامه. لأن الكلدانية مضادة للنبوة، ولو بشرها الأنبياء بشئ لرجمتهم. لو قال نبي أن بتولا حبلت في اليهودية لاتقبله أن لم يعرفها الفلك، وإذ هى منكبة ومتفرسة بالجو كضميرها رمز لها كوكب النوران، وعلمت به أن الملك أشرق كما قلنا.

ولعل يا إخوتي في ليلة ميلاد مخلصنا جميع صفوف المجوسية نظرت الأفلاك، ولما كانوا يعدون سواعى الليل وحسابها ويحفظون الأوقات أين ومتى وماذا تسير حينئذ الإشراق الإلهي ختم كوكبا جديدا و أراهم بين الأعداد في الأماكن المعروفة نور ميلاد الملك…

سفر المجوس:

أين أشرق المخلص؟ شئ عظيم أتى للعالم بميلاده الجديد، ويتم له أن يمسك رئاسة الأرض جميعها. إنسان جبار أتى للميلاد، وكما أدركنا جميع الأقطار تطيعه.

إنسان شديد ضابط العالم بتجسده ولد.

الآن نفتش وننظر من هو؟، وأين هو؟، نتقدم ونمضى ونأخذ شيئا نقرب له، لانه عندما يشب يقمع جميع شعوب الأرض.

من أجلكم أرسل الله إبنه وأتى للميلاد لتحيوا أنتم بميلاده.

من أجلكم أشرق النور بين الظلام لتنظروا الطريق كيف تسيروا لبيت الملكوت.

من أجلكم أشرق كوكب النور من العلا ليبشر بالميلاد العظيم الذى لمخلص الكل…

من أجلكم أرسل الملك نوراً جديداً، ليدعواً بإشراقه جميع الشعوب…

نظر المجوس إشراق كوكب النور ودهشوا، لأنه بشدة شعاعه أرهبهم.

تعلموا منه أن الملك قد أتى، وقرروا أن يمضوا إليه.

فتشوا كتبهم فوجدوا أن بلعام قال لبالاق لما تنبأ أنه “سيشرق كوكب من يعقوب، ويقوم رئيس من إسرائيل ” وكانت الشعوب تعتبر بلعام معلم، فيكرمون كلامه ويعتبرونه عرافا، فتعلموا منه من أجل الكوكب، من أين يشرق، فوضع رؤساء فارس وجوههم ليمضوا إليه.

وأحضروا قرابينهم لكى يقدمونها إليه، وقد علمهم الحق ما ينبغي أن يقدموا له.

فاختاروا ذهباً لأنه ملك عظيم، ومراً لأنه سيتم قتله، ولباناً لأنه أيضاً إله.

صاروا كارزين وهم سائرين في الطريق يبشرون أنه أشرق ملك للعالم !!

أكثروا الكلام على ذلك الإشراق الذى جذبهم إلى اليهودية لكى تعلم شعوب الأرض خبر بشارتهم.

رموا الخوف على ساكني المدن لما سمعوا بميلاد الملك العظيم. كسروا قلب الملوك الذين جازوا بتخومهم، ألقوا الرعب على السلاطين الذين بشروهم بميلاد إنسان عن اليهودية يتم له أن يضبط كل الأماكن.

رتلوا للابن على الطريق بين الشعوب، وبلغوا أرض اليهودية التى ظلمت كل داخليها، نظروا أنها هادئة والسكوت ملقى على حكمائها ولم يحسوا بالملك الأتي ليخلصهم.

وحين أيقظها الفرس باضطراب خبر الملك المشرق في الأوان اندهش أهل المكان لأنهم لم يحسوا به!

ابنة الكلدانيين أرسلت الهدايا إلى المخلص، أما إبنة إبراهيم التي في بيته لم تكرمه.

أتوا إلى أورشليم ودقوا الأبواب وسألوا: أين هو المولود، ملك اليهود؟ ! لقد نظرنا نجمه وأتينا لنسجد له، أشرق لنا قوة نوره العظيم في بلادنا وجئنا لنرى ميلاده العجيب!!

هيرودس الملك :

سمع هيرودس خبر الملك الجديد فأرتعب منه بالخوف…

ارتعب الملك ببشارة المجوس وبدأ يسأل: كيف ومتى ولد هذا الطفل؟

دعا معلمي وشيوخ المكان كله ليتعلم منهم أين يشرق المخلص؟ بحث عن النبوة لتوضح له من أجل هذا الملك. قام المعلمون و أوضحوا له أن في بيت لحم يشرق الملك، وفسروا له من الكتاب أنه سيحل تاجه وسيقوم ملكا يرعى الشعب جميعه، وليس لملكه انقضاء ؟!

انزعج هيرودس من هذا الخبر واضطرب، بل اضطربت مملكته كلها من بشارة المجوس.

مجوس فارس زرعوا في البلد بشارة جديدة، وعلى كلامهم ختموا أسرار النبوة.

إنذهل هيرودس من تكريم بشارتهم، لأنهم بغير خوف يتكلمون عن المولود.

تكلم الحق بشهود كثيرة: فالسماء شهدت مع الكواكب على ميلاده، والمجوس شهدوا وبقرابينهم جاءوا، ومعلموا الشعب شهدوا أيضاً بنبواتهم…

صار للخفيات يوم لتظهر فيه، وكشف ستر السكوت عن الأسرار لكى يظهر الحق بوضوح.

اصطلح الشعب المختون بشعوب الغرلة… أتى البعيدون ليبشروا القريبين. والتقوا بالمفسرين والمعلمين!! المجوس يقولون : نظرنا نجمه في أرضنا والكهنة يفسرون أن ميلاده يكون في بيت لحم.

إنهمك الملك المرذول بالحسد من أجل الملك الحقيقى، وفكر في الشر ليصنع القتل بمرارة…

بدأ يطلب حيله ليقتله، ارتعب التاج العظيم من المولود الصغير، وبدأ الضعيف يجاهد مع الشديد !!

دعا المجوس وخاطبهم بمكر وسألهم عن الزمان الذى نظروا فيه نجم النور كما قالوا، وتعلم منهم على ذلك الإشراق الذى جذبهم ليتحقق من مولد الملك.

زعم إنه يحبه ويريد أيضا أن يسجد له فقال لهم: أمضوا افحصوا عن الصبي باجتهاد، وإذا ما وجدتموه أعلموني لآتى وأسجد له مثلكم “.

أعطى هيرودس السجود للطفل بالكلام، وأن كان بالغش تكلم !

أعترف هيرودس ضمنا بضعفه أمام الملك المولود، وخاف على مملكته أن تضيع.

إن كنت تخاف من مملكته وهو طفل، فبأي قوة تبطلها عندما يكبر الطفل؟

وعندما ماخرجوا من عند الملك استقبلهم الكوكب بإشراقه، وبشعاعه أعد قدامهم طريق الملك المولود… ظهر لهم مرة ثانية ليؤكد لهم كمال تفسير النبوة، ففرحوا بنظره وساروا مهتدين بنوره، حتى وصلوا إلى بيت لحم القرية المعتصمة إلى موضع الصبي.

هذه الأعجوبة خبرها أرفع من التفسير، لأن جميع الكواكب تسير في العلو مع أوقاتها، ولم ينزل أحد منها من مكانها قط!

أين نظرتم نجماً يخرج من بين الصفوف، وكمثل مصباح نور عظيم يجذب إليه من يراه!

متى رأيتم كوكب يرشد الطريق للناس في الأرض ويترك مكانه في السماء !؟

أين نظرتم أما بتولا تلد إلا العذراء الوحيدة، أو مولودا يحرك الملوك وهو مازال في أقمطته؟!

وأي ميلاد صار له كازرون من الكواكب!!

أمام ملك الملوك:

دخل المجوس ونظروا صبيا مطروحاً محتاجا مسكيناً، وأمه الصبية بغير أقرباء وملكا مضطجعا بغير عساكر!!

نظر إليه المجوس ولم يتقسموا على مملكته، بل خروا قدامه، وسجد رؤساء فارس للرئيس الذى قام في إسرائيل للذى ستنحني الملوك قدام كرامته.

أرض بابل التى منها بدأت الرئاسة ضربها الحق لتقدم السجود لذلك الرئيس.

سجود المجوس

خر وسجد له المجوس بدهش بغير تقسم، وحيث لم ينظروا كمثل الشعب قوات لم يحقروه. لما شفي مرضى الشعب حسبوه مجنونا، ولما طرد منهم الشياطين لقبوه برئيس الشياطين بقوة، أولاد الشعوب لما أتوا إليه بقرابينهم لم ينظروا فعل آيات وسجدوا له، لا حين حول الماء، خمراً طيباً، ولا حين أكثر الخبز القليل وأشبع الألوف، ولاحين ربط اللجئون وطرحه بين الأمواج، ولا حين طهر البرص بكلمته كسيد الكل، ولا حين وضع الطين للاعمى ونظر النور، ولاحين تفل في أذنى الأخرس وأعطاه النطق والسمع، ولا حين رد الشاب الميت لحضن أمه، ولا حين شفي نازفة الدم من نجاستها!!

سقطت الرهبة على الأشداء من إتضاعه، و بالقرابين سجدوا له بغير تقسيم إبن الغنى بالمسكنة رأس الغنى، ليظهر أن غناه منذ الأزل …حل ابن الملك في بيت محتاج بالمسكنة؟ وأرسل أحضر خزائن الملوك لتتجمع على بابه.

خر المجوس وسجدوا للملك العظيم، ولم ينظروا له غنى عالميا…

صاروا منظرا للعالم من ذلك الحين، فالذى يسجد للابن الحقيقى يتشبه بهم لم يفتشوه لما قدموا له قرابينهم، بل أكرموه بالحب، ولم يفحصوا على ميلاده بسؤالهم، بل أعطوا القرابين أمامه بانسحاق.

وحينئذ أعطوا تكريمهم لأنهم عرفوه ملكا ولم يفحصوه بكلامهم، سجدوا له بدون شك على ميلاده ليكونوا مثالا لأهل الإيمان.

تقدمة المجوس:

حملوا الذهب وقدموا له كمثل ملك، وأعطوه الاطياب الصالحة لكرامته لأنه الرب، وأدخلوا له الأصناف المفروزة بأشكالها…

التاج العظيم الذى منه الرئاسة بركوا قدامه، وسألوه أن يقبلهم، وإذ هو طفل لم يستحوا بصغره. خروا وسجدوا له بخوف ورعب عظيم وطلبوا منه ألا يرذل قرابينهم، لم ينظروا تاجه وصدقوا أنه سيد التاجات.

خر الجبابرة رؤساء الأرض أمام المولود وسألوه أن يقبل قرابينهم وقالوا: خذ ياسيدنا الأصناف التي أرسلت أرضنا لتقرب لك، أنت هو ملكنا خذ الجزية من عبيدك!!

من الان باسمك تعمر أرضنا، وأنت هو ملكنا إقبل منا…

سجد المجوس للابن وقدموا قرابينهم حيث يرعبون من مملكته بغير تقسيم.

إنحنى الأشداء على وجوههم وسألوه والأم البتول بحكمه…

قالت الأم الطوبانية لأولئك المجوس الذين سجدوا لأبنها، أيها الناس: أين نظرتم الملك …!؟ ومن أرسلكم !؟ أظهروا لي السر…!؟

أي ترتيب نظرتم هنا؟ أين هو تاجه إن كان هو ملكا كما تقولون…! ها تنظرون المسكنة تابعته، وأنا أمه محتاجة وعادمة، أين صفوف الشعب الذين نظرتم محيطين به… !؟

كم من الجنود على أبوابه يكرمونه !؟ كم معه حاملو السلاح حسب كلمتكم !؟ هل نظرتم ذهبا أو فضة كمثل بيوت الملوك أو غنى أو سلطان يتكرم به !؟ عبيد قائمون أو خدام مطيعون، صفوف ممتدة أو عساكر تابعون … !؟

ماذا فيه يشبه الملك كما تقولون، ومن غصبكم لتنظروا وجهه !؟

بالقرابين استقبلتموه … من بشركم عن مملكته الحقيقية !؟

فقال أولئك: يا أم الملك إبنك شديد ويتم له أن يضبط العالم كله بشدته، ليس من أجل أن المكان هادئ ولم يعرفه أحد، والشعب باهت من السجود ولم يقدمه. لكن السماء والكواكب تشهد على ميلاده، وأهل بلده يشهدون على سلطانه، والقوات أوضحت تاجه… إنه ملك عظيم تخر قدامه السادات.

الصفوف العالية كتبوا ابنك انه ملك، وصعد في الفلك مثال جبروته على جواز القوات فنظر تاجه ومنه فهمنا على سلطان قوته مثال عظيم.

صعد مثال مجده بين الكواكب ونظرناه ولم تقايسه الشمس بشدتها!!

ها سلطانه محمول على رؤوس العلويين وتاجه متشرف على النجوم …

قالت الصبية : خبر إستعلانكم حقيقي، وأنا المظلومة عارفة به من مدة… نعم بالحقيقة انه ملك العالمين، ولم يحس الأرضيون أنه افتقدهم، لانه أرسل رسولا من العاليين وأوضح لي على ميلاده، انه ابن الله.

نزل الرسول من بين صفوف القوات، وأظهر لي خبره ضويا. وقبلت البشارة ولم أتزوج لأكون أما، وكما تنظرون لى صبيا وأنا لم أعرف رجلا، وبغير العادة قبلت حبلا وأنا أم بغير زواج…

سألت الملاك كيف يكون ما تقول، قال: أن الروح القدس يأتي إليك وقوة العلى تحل عليك بالقداسة، وتلدين إبنا ليست لملكه انقضاء…

ومع الصوت قبلت الحبل الممتلئ تعجبا، وولدت ملكا لم يحس أحد به إلا أنتم… تعالوا أيها البعيدون وتكلموا بالخبر بين القريبين، وبكتوهم عساهم يعرفوا أنه إبن الله.

إدعوا معلمو الشعب الأخرس لعله يسمع ويحس قليلا بحسن شهادتكم.

فقال أولئك: ياأم الملك لا ترهبي لأنه يأتي وقت يضج العالم كله لأجل إبنك، أطيلي أناتك حتى يشب على مملكته، وجميع الأقطار ستحمل خبر كلامه. سيأتي اليوم الذى سيشرق فيه تاجه في كل الاماكن، وتسقط قدامه شعوب الأرض وحكامها … وسيأتي زمان وتنظرين الجموع محيطين به وتنسين فقر البيت الذى تربى فيه. ستنظرين صفوف الشعوب تخر قدامه يكرمونه بقرابينهم ونذورهم…

ستضج الأرض بسمعته، وتطير أجناده إلى المسكونة كلها… وتسرع بشارته إلى جميع الأقطار.

جميع التيجان ستنحني قدام كرامته، على درجته لم يقم أحد من الفاضلين.

سترتعب منه الكراسي والسلاطين لأنه يدوسهم جميعا … يشرق في الأرض ببهاء أكثر من الشمس…

فقالت مريم: جميع أقوالكم حق، وليس هناك أي شك في كلامكم، لأني اعرف من هو ومن أين أتى عندما قبلته، تعلمت من الملاك خبره الحقيقى، وأعرف أنه سيد الملوك، والأنبياء يشهدون على ميلاده العجيب وأنه إبن الله وأنا البتول أرتل بالنبوة لهذا الخبر المفرح.

حسنة لكم الكرازة باسمه لكي تفهموا الشعب الذى غلق عينيه عن رؤية الحق… وسكر كتبة الشعب وشيوخهم بالغيرة ولم يفهموا الحقائق.

جعلكم الملك المولود أولاده بالحب، لأن بشارتكم الحسنة ملأت الأقطار، وسيستيقظ العالم بهتاف أصواتكم الحلوة، وسيخرج خبر قرابينكم إلى الشعوب، وتمتلئ الخليقة ببشارة فضيلتكم الجديدة. سيسر الملك بقرابينكم ويقبلكم بفرح عظيم…

افتضاح غش هيرودس:

انكشف غش الملك قدام المجوس، فاستهزاوا به لأنه يهدد ملك الملوك … خرج الحلم وظهر للمجوس ضويا. الكمين الذى صنعه هيرودس خفيا.

اكتشف لهم غشه وأفكاره ومرارته وغيرته انه لم يطلب ليسجد بل استعد لقتل المولود.

خرجت الكلمة من بيت الملك حيث الحراس ماسكون أبوابه باحتراس، ولم يحس بها أحد…

رجع المجوس من بيت الملك الحقيقى وغيروا الطريق، وبهذا انتصرت مملكة الإبن على مملكة الملك القاسي… ذهبوا في طريق أخرى وكرزوا بفضائله، و بأسراره الخفية.

الهروب الى مصر:

قال الملاك ليوسف ” قم خذ الصبي وأمه وانتقل إلى مصر لأن هيرودس مزمع أن يقتله “.

لم يبلغ الزمان – كما هو مستعد – ليتحمل الآلام … ليس الآن أن يضع نفسه للقتل للموت، فلم يأتي الميعاد بعد.

فهو مزمع أن يقبل الحربة والرمح، ولأجلهما أتى، ولكنه لابد أن يكمل طريقه كاملا … فلم يأت اليوم الذى يشرب فيه كأسه … لم يأت للموت الخفي كحقير، بل ليتعلق في العلو، وينظر العالم جبروته… لم يرض أن يمت بغش الملك سريا، بل يجب أن يشهد الشعب كله ويضج ويصبح عليا …

يهرب اليوم – ليس لأنه يخاف من هيرودس – بل ليعط مكانا للنبوات أن تحقق بكاملها … يمضى يفتقد أهل مصر ليباركهم، وليحطم الأصنام التي أمتلات بها في ذلك الزمان …

نزل للأرض المريضة بظلام الأصنام لكى يخلصها … فلما نظرت المخلص ارتعبت منه وتحركت من قدامه وسقطت .

جرو الأسد نظر في الثعالب فبددها وسقطت قدامه كحقيرة … نظرت النور العظيم فاختفت من قدامه، فطردها بشعاعه القوى… جمرة النار لبست جسدا وخرجت للأماكن التى فيها الزوان لتحرقه من الأرض.

خزي منه الشياطين التى سكنت الأصنام، وصرخت ارحمنا ياابن داود.

أيها العبيد الذين أخذتم أسم الإله وكدرتم الأرض بشروركم، ها الاله الحقيقى قد أتى ليفضحكم !!

خرج النور ليقتل ظلام الليل عن العالم، وبحكمته أرسل لبابل كوكب النور لتأتى إليه، ونزل أرض مصر لتستضئ منه …

وأبطلت المجوسية سحرها وسجدت له، وانكسرت أمامه الأصنام وأبطلت ضلالها !.

اعتقد الجميع أنه هرب من هيرودس خوفا منه، مع أنه أراد أن يبارك أرض مصر، وينزع عنها مرارتها !!

قتل أطفال بيت لحم :

نظر هيرودس الأثيم أن مجوس فارس استهزأوا به فغضب لأنه لم يستطع أن ينفذ أغراضه الشريرة … أصدر أمره أن يقتل كل الأطفال حتى يهلك الملك الذى أتى المجوس لأجله ، أمر بقتل إبن سنتين فما دون قبل الزمان الذى تحقق منه من المجوس، ومات أطفال بيت لحم ضحية لهذا الجنون .

ولما تم هذا القتل صار للابن شهداء جدد ماتوا من أجله . وسفكوا دماءهم بدلا عنه ، وابتدأت الشهادة منذ ولادته، وأصبحوا أجناداً للملك الشيخ وهم أطفال !!

وصرخت الأمهات حينما نظرت السيف، وناحت المكرمات على عناقيدهن الأبكار …

بكت بارتعاد حقول بنات إبراهيم، لأن البرد نزل ونثر منها سنابلها …

خرج الصوت عاليا من غنم إسحق، لأن الذئب دخل وقتل فراخها المحبوبة !!

تألمت إبنة يعقوب لأنها نظرت أولادها ينذبحون من هيرودس، بكت راحيل لأنها لم تنظر أولادها، وسمع أرميا النبى صوتا في الراحة بكاءاً عظيما فقال ” راحيل تبكى على أولادها ولم ترد أن تتعزى ”

هذه الجماعة لقبها براحيل، التي هي ابنة لابان أم يوسف الذى ناح أبوه عليه حينما ظن أن يوسف قتله اللصوص ، ولا أيضاً هذه الجاعة إلتفتت للعزاء حينما أمر الملك بقتل الاطفال.

من عادة مصر أن تحفظ مخلص الشعب، وحين ظنوا أنهم مقتولون عاشوا، لأن يوسف صنع خلاصا لشعب مصر .

ولمصر انتقل ربنا ليهرب من هيرودس، وراحيل تريد أن تقتل مع أولادها ولا تتعزى، والنبي يقول لها ” إهدئى لان هناك أجر لدموعك … فالله حى وهو يعزيك… ها بمصر كنز الشبع يعزيك …

سيد يوسف – الذى فرح أباه بعد الحزن – نزل إلى مصر لأن الأب دعاه بالنبوة وقال ” من مصر دعوت ابني” !! واندمج الأطفال اليتوليون بغير جواب في أحضان أمهاتهم وافترشت الأرض بالدماء الذى أهرق بيد هيرودس !! حسن لهم أن يتألموا من أجله، لأنهم إستحقوا مجاورة ميلاده …

إمضوا أيها الأطفال واثبتوا هناك في مكان الهاوية، حتى آتى وأضربها من الاموات… بعد قليل سأشرق لكم بالنور العظيم لتفرحوا به … تقدموني قليلا في طريق الآلام حتى آتى وأكملها بالصلبوت ثم أقيمها من الاموات …

قدم الأطفال ذواتهم كقرابين حية مرضية أمام ملك الملوك واستهانوا بالموت لأنهم لم يعرفوه …

يكون لك ياربى قتل الأطفال بخورا طاهرا نقيا، ليتكرم الدم الذكي بالدم الطاهر …

خاتمة :

أكمل ياربى عملك المقدس بتدبيرك الصالح. فتصنع خلاصا لكل الأرض فيبتهج أولادك، وتفرح الأرض بكل مخلوقاتها وترفع قوتها وتزيد مجدها ويعظم أكليلها، وتملا حضنها بالبركات . فتفرح الملائكة وتبتهج بالكاملين ويكثر لهم السلام والمحبة والوئام .

فان لك المجد والقوة والعزة والجبروت إلى الأبد أمين .

 

 

Share

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%8a%d9%84%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%ac%d9%8a%d8%a8-%d9%84%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b3-%d9%85%d8%a7%d8%b1-%d9%8a%d8%b9%d9%82%d9%88%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%b1%d9%88/