«

»

Print this مقالة

القديس بولس الرسول

القديس بولس الرسول (43)

إننا نعرف عن هذا الرسول وعن نشاطه الكرازى، أكثر مما نعرف عن أى رسول آخر، وذلك بفضل ما دونه عنه القديس لوقا فى سفر الأعمال، وبفضل رسائله التى كتبها… ولد في طرسوس (44) عاصمة ولاية كيليكية Cilicia جنوبى آسيا الصغرى، ومن أبوين يهوديين من سبط بنيامين كانت ولادته عقب مولد المسيح بسنوات قليلة، فقد ولد حوالى سنة 5 أو سنة6 … سمى بالاسم العبرانى شاول على اسم أول ملوك إسرائيل الذى كان أيضاً من سبط بنيامين. كما دعى أيضاً بولس وهو اسم رومانى، فقد كانت أسرته تتمتع بحقوق المواطنة الرومانية – وإن كنا لا نعرف كيف ولماذا… ذكرت عدة أسباب لتسميته بولس؛ لكننا نستبعد أن هذا الاسم اطلق عليه بعد إيمان الوالى سرجيوس بولس فى قبرص…

كانت هناك عادة منتشرة أن يحمل الشخص اسمين، أحدهما عبرانى والآخر يونانى أو رومانى، والأمثلة على ذلك كثيرة فى العهد الجديد… كان أبوه فريسياً، فنشأ هو أيضاً فريسياً متحمساً لشريعة آبائه… تلقى تعليمه الدينى فى أورشليم فى مدرسة غمالائيل (الأول) وهو أعظم معلمى اليهود فى زمانه. ويبدو أن بولس أتى الى أورشليم حدثاً. وهكذا نستنتج من قوله “ربيت مؤدباً عند رجلى غمالائيل” (أع 22: 3)… كان لبولس إلمام كبير بالثقافة اليونانية واللغة اليونانية، بفضل البيئة الهيلينية التى نشأ وترعرع في طرسوس (*) وكان يجيد اليونانية اجادة تامة، ويظهر ذلك من أسلوبه فى حديثه ورسائله، ووقوفه على بعض آداب الديانة الوثنية وأقوال فلاسفتها وشعرائها وإستشهاده بها. كما كان يجيد العبرية الفصحى بالإضافة الى الأرامية (45) وهى العبرية الدارجة، حتى أنه أثار دهشة سامعيه فى الهيكل (أع 22: 2) وهكذا جمع بولس فى شخصه اليهودية والهيلينية والرومانية، بما أهله أن يصبح رسولاً للعالم أجمع… وإلى جانب هذه الثقافة تعلم صناعة الخيام – حسب تقليد معلمى اليهود – حتى ما تكون عوناً له فى مواجهة الحياة ومصاعبها، إذا تطلب الأمر.

نلتقى ببولس. أول ما نلتقى فى كتاب العهد الجديد – فى حادث رجم إستفانوس، إذ كان يحرس ثياب الراجمين، وبعد هذا الحادث، يبرز بولس كأكثر مضطهدى الكنيسة حركة ونشاطاً. فما أن إنتهى من أعماله التخرببية الانتقامية فى أورشليم، حتى قصد دمشق مزوداً بسلطان من رؤساء الكهنة، لكى ينزل الاضطهاد بالمؤمنين هناك.

إهتداؤه للمسيحية:

أما إهتداؤه للمسيحية فكان عند مشارف دمشق، حينما أعلن له الرب يسوع ذاته وأرشده إلى ما ينبغى أن يفعله. بعد هذه الرؤيا، كان وهو مفتوح العينين لا يبصر. فاقتادوه إلى داخل دمشق، وظل صائماً ثلاثة أيام لا يأكل ولا يشرب… وفى نفس الوقت أعلن الرب إلى حنانيا أسقف دمشق فى رؤيا خبر شاول، وأمره أن يذهب اليه وعين له مكانه… ذهب حنانيا ووضع عليه يديه فامتلأ من الروح القدس ووقع من عينيه شىء كأنه قشور، فأبصر فى الحال وقام واعتمد (46) … كان هذا على أرجح الآراء سنة 36 أو سنة 37 م… ما أن أعتمد وأمتلأ من الروح القدس حتى تحول من مضطهد إلى مجاهد، ومن يهودى متعصب لبنى جنسه الى رسول عملاق ، يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون ” وللوقت جعل يكرز فى المجامع بالمسيح، أن هذا هو ابن الله ” (أع 9 : 20).

بعد ذلك أمضى بولس ثلاث سنوات فى العربية (47) ، وهى الصحراء المقابلة لدمشق شرقاً (غل 1: 17، 18) انطلق إلى العربية – ليس فى مهمة تبشيرية كما يعتقد يوحنا ذهبى الفم – بل كان غرضه الأساسى من هذه الخلوة هو التأمل والصلاة ودراسة أسفار العهد القديم بروح جديدة، ع لى ضوء بركات العهد الجديد. ولا شك أن هذه السنوات الثلاثة هى مقابل السنوات الثلاث التى أمضاها التلاميذ فى الإعداد والتلمذة للرب يسوع… هناك فى هذه الخلوه أمكنه أن يدرس التناقض العجيب بين الحرف الذى يقتل والروح الذى يحيى… بين خدمة الموت وخدمة الروح (2 كو 3: 6-9) وقد قبل الكثير من هذه الحقائق بواسطة الإعلانات الإلهية… ” وأعرفكم أيها الإخوة الإنجيل الذي بشرت به ليس بحسب إنسان، لأنى لم أقبله من عند إنسان، ولا علمته، بل بإعلان يسوع المسيح ” (غل 1: 12،11).

بعد ثلاث سنوات من ايمانه – أى من سنة 40 تقريباً إلى وقت استشهاده فى سنة 67 أو 68 قام بولس بثلاث رحلات تبشيرية كبيرة، الى جانب بعض رحلات صغيرة أخرى، وزار أورشليم خلالها خمس مرات، وأمضى أكثر من أربع سنوات أسيراً فى قيصرية وروما… ونلاحظ أن القديس بولس اتخذ أنطاكية عاصمة سوريا آنذاك قاعدة لرحلاته التبشرية، وأصبحت كنيستها الكنيسة الأم لكنائس الأمم، ينطلق منها للتبشير ويعود إليها. وفى نفس الوقت إحتفظ بصلاته بكنيسة أورشليم التى كانت بمثابة الكنيسة الأم لكنائس الختان…

ويمكن دراسة هذه الفترة على النحو التالى :

1-الفترة من سنة 40 إلى سنة 44 م:

بعد إن عاد بولس من خلوته فى العربية، بدأ خدمته العامة… بدأها بغيرة زائدة فى دمشق، مبشراً بالرب يسوع، فى نفس المكان الذى اقتبل فيه الإيمان ودعى للعمل .. أثار نشاطه وخدمته حفيظة اليهود حتى أنهم استعدوا عليه والى دمشق العربى الحارث الذى شدد فى حراسة أبواب المدينة بقصد القبض عليه. لكن الإخوة المؤمنين دبروا أمر هربه بأن دلوه من طاقة فى سل بواسطة الحبال (أع 9: 23- 25؛ 2 كو11: 32 ،33).

بعد ثلاث سنوات صعد إلى أورشليم ليتعرف ببطرس (48) ومكث معه خمسة عشر يوماً. وقد التقى فى هذه المرة بيعقوب أخى الرب (غل 1: 19)… وقدمه برنابا إلى التلاميذ الذين كانوا فى بادىء الأمر خائفين منه. لكن لما سمعوا بالطريقة التى آمن بها، كانوأ يمجدون الله، لأن الذى كان يضطهدهم قبلاً صار يبشر بالإيمان الذى كان قبلاً يتلفه (أع 9: 26، 27 ؛ غل 1: 18- 24)… وفى هذه الزيارة الأولى إلى أورشليم أعلنت له رؤيا من الرب يسوع فى الهيكل، و قال له: ” إسرع واخرج عاجلاً من أورشليم لأنهم لا يقبلون شهادتك عنى… إذهب فإنى سأرسلك إلى الأمم بعيداً” (أع 22: 17)… وقد دبر اليهود مؤامرة لقتله… لكن الإخوة أرسلوه إلى قيصرية ومنها إلى طرسوس. وظل فيها حتى جاءه برنابا وطلب منه الإشتراك معه فى الخدمة فى أنطاكية، فذهب معه وظل يخدم فيها لمدة سنة كاملة (أع 11: 26،25).

لكنه بسبب المجاعة التى كانت وشيكة الوقوع – والتى تنبأ عنها النبى أغابوس – ذهب سنة 44- خلال السنة التى أمضاها بأنطاكية – إلى أورشليم ومعه برنابا، حاملاً تقدمة المسيحيين فى أنطاكية لمساعدة إخوتهم فى اليهودية… وقد تمت هذه الزيارة فى الظروف التى قتل فيها يعقوب الكبير ابن زبدى، وسجن بطرس… ونلاحظ أن جزءاً كبيراً من السنوات الأربع الخاصة بهذه الفترة صرفت فى أعمال تبشيرية فى طرسوس وانطاكية.

2- الرحلة التبشيرية الأولى (سنة 45- سنة 50):

بدأ بولس رحلته التبشيرية الكبرى الأولى مصحوباً ببرنابا ومرقس بإعلان الروح القدس بلسان الأنبياء فى كنيسة أنطاكية ( أع13: 2،1)- انحدر بولس وبرنابا ومرقس إلى سلوكية ميناء أنطاكية عل البحر المتوسط، وأقلعوا منها بحراً إلى قبرص… اجتازوا جزيرة قبرص، وأنتقلوا منها إلى آسيا الصغري. لكن مرقس فارقهما فى برجة بمفيلية ورجع الى أورشليم لأسباب لا نعلمها …

ولعل أهم الأحداث فى هذه الرحلة الأولى هى إيمان والى قبرص الرومانى سرجيوس بولس، وتوبيخ ومعاقبة عليم الساحر اليهودى، والنجاح الذى صادفه التبشير بالإنجيل فى أنطاكية بيسيدية، ومقاومة اليهود، وشفاء الرجل المقعد من بطن أمه فى لسترة، ومحاولة الناس عبادتهم والذبح لهما هناك.

ثم التحول المفاجىء لهذه المشاعر إلى كراهية لهما كأعداء للآلهة بسبب تحريض اليهود، وما ترتب على ذلك من رجم بولس فى لسترة وهربه هو وبرنابا من الموت، وعودتهما المظفرة إلى أنطاكية (أع 13، 14) … وتنتهى هذه الفترة بالمجمع الرسول الأول الذى عقد فى أورشليم سنة50.

3- الرحلة التبشيرية الثانية (سنة 51- سنة 54) :

بعد الإنتهاء من مجمع أورشليم بدأ بولس رحلة ثانية كبيرة سنة 51، كانت تهدف الى تبشير اليونانيين، وأخذ معه سيلا… وبعد أن زار بولس الكنائس التى أسسها قبلاً، إنطلق يرافقه سيلا وتيموثاوس الشاب الذى كان قد آمن حديثاً. إجتازوا أقاليم فريجية وغلاطية، ومنعهم الروح القدس من أن يتكلموا بالكلمة فى آسيا. إنحدروا إلى ترواس، وهناك ظهرت لبولس رؤيا فى الليل – رجل مكدونى قائم يطلب إليه ويقول: ” اعبر إلى مكدونية وأعنا ” فكان هذا اعلان من الله بالإنطلاق الى بلاد اليونان لتبشيرها (أع 16: 9، 10).

كرز بالإنجيل أولاً بنجاح كبير فى فيلبى حيث آمنت ليديا بائعة الأرجوان وحافظ السجن… وفيها سجن بولس وسيلا. وبمعجزة انفتحت أبواب السجن وخرجا منه (أع 16)… بعد ذلك قصدا الى تسالونيكى، وهناك قاومه اليهود واضطهدوه، لكنه خلف وراءه كنيسة مزدهرة… وفى بيرية أظهر اليهود غيرة عظيمة، إذ قبلوا الكلمة بكل نشاط (أع 17)

ثم ذهب بولس وسيلا ال أثينا مركز الأدب القديم والفلسفة. وهناك التقى بولس ببعض الفلاسفة الأ بيقوريين والرواقيين. هناك- فى الأريوس باغوس الواقع على تل مارس- كشف لهم بكل حكمة عن الإله المجهول، الذى كانوا يتقونه وهم يجهلونه وأقاموا له مذبحاً (أع 17)… وإن كان بولس لم ينجح نجاحاً ملموساً فى أثينا مهد الفلسفة لأنهم إستهزاوا به، لكن دعوته للايمان أثمرت فى نفر قليل منهم ديوناسيوس الأريوباغى- الذى صار أسقفاً على أثينا فيما بعد- وامرأة تدعى دامرس (أع 17: 34)… لكن سرعان ما إزدهرت المسيحية فى تلك البلاد فيما بعد بفضل البذار التى بذرها هذا الكارز العظيم …

مضى بولس بعد ذلك إلى كورنثوس، وكانت بمثابة القنطرة التجارية بين الشرق والغرب، ومركزاً هاماً للثروة والثقافة، وبؤرة للفساد والرذيلة (49) .

أمض ى بولس فى كورنثوس سنة ونصف، استطاع خلالها- فى ظروف قاسية جداً من الإنحلال الخلقى- أن يؤسس فيها كنيسة بقوة كلمة الله، وأنفذ اليها بعد ذلك رسالتين من أكثر رسائله أهمية.

وفى ربيع سنة 54 عاد بولس إلى أنطاكية ماراً بأفسس وقيصرية وأورشليم… وفى خلال هذه الفترة كتب رسالتيه إلى التسالونيكيين.

4- الرحلة التبشيرية الثالثة (سنة 54- سنة 58):

فى أواخر سنة 54، قصد بولس أفسس، وكانت آنذاك المدينة الأولى فى آسيا حيث معبد الآلهة ديانا (أرطاميس) ومكث بها ثلاث سنوات، جاعلاً منها قاعدة عمله الكرازى (أع 20: 31)… بعد ذلك زار للمرة الثانية الكنائس التى أسسها فى مكدونية وأخائية، وأمضى ثلاثة أشهر فى كورنثوس ومجاوراتها… وقد كتب فى هذه الفترة رسائله العقيدية إلى كنائس غلاطية وكورنثوس ورومية.

5- فترة أسره فى قيصرية، وأسره الأول فى روما (سنة 58-63)

وتشمل هذه الفترة مدة أسر بولس مرتين بما فيها فترة الشتاء التى تخللت الاثنين، والتى سافر فيها من قيصرية إلى روما…

في ربيع سنة 58 سافر بولس للمرة الخامسة والأخيرة إلى أورشليم ماراً بفيلبى وترواس وميليتس (حيث إلتقى فيها بكهنة أفسس أع 20)، وصور وقيصرية، حاملاً معه إلى فقراء اليهودية – معونة مؤمنى بلاد اليونان… ولكن بعض اليهود المتعصبين الذين يمقتونه دبروا ثورة ضده فى مناسبة عيد الخمسين، واتهموه بتدنيس الهيكل بإدخال يونانيين إليه، وجروه خارج الهيكل حتى لا يدنسوه بدمه… وكانوا سيقتلونه لا محالة، لولا تدخل الضابط الرومانى ليسياس، الذى كان على مقربة من المكان… وشفعت له فى هذا الموقف حقوق المواطنة الرومانية التى كان يتمتع بها، فأنقذه هذا إلضابط من ثورة الدهماء، وأوقفه فى اليوم التالى أمام السنهدرين. وبعد جلسة غير مجدية، وبعد إكتشاف مؤامرة للفتك به، أرسله ليسياس تحت حراسة قوية إلى فيلكس الوالى الرومانى فى قيصرية، ومعه شهادة تثبت براءته (أع 21 -26).

بقى بولس أسيراً فى قيصرية لمدة سنتين كاملتين (58- 60)- في إنتظار محاكمته … وأمام فستوس الوالى الرومانى الذى خلف فيلكس سنة60، طلب بولس كمواطن رومانى أن ترفع دعواه إلى قيصر، فوافق الوالى على ذلك. وهكذا عمل بولس على إتمام إرادة الله المعلنة له بأن يبشر روما عاصمة العالم القديم بمخلص العالم كله (أع 23: 11)… وبعد أن دلل على براءته أكثر من مرة، وشهد للمسيح أمام فستوس والملك هيرودس أغريباس الثانى وكل وجوه قيصرية، أرسل فى خريف سنة 60 مخفوراً إلى روما.

كانت رحلة قاسية، تحطمت فيها السفينة التى كان يستقلها بفعل العواصف، وأمضى الشتاء فى جزيرة مالطة. وفى مارس سنة 61 وصل بولس إلى روما… وصلها أسيراً.. أسير يسوع المسيح. لكنه كان فى حرية وقوة أكثر من الإمبراطور الجالس على عرشه… كانت السنة السابعة لتملك نيرون الطاغية…

فى روما أمضى بولس على الأقل سنتين حتى ربيع سنة 63 في حياة سهلة، منتظراً الفصل فى قضيته. لقد أقام تلك الفترة فى مسكن خاص إستأجره. ولعل ذلك راجع إلى أن تقرير الوالى الرومانى فستوس كان فى صالحه. وبناء عليه فقد مُنح الأسير بولس حرية أكثر من بقية الأسرى… فحددت إقامته، لكن كانت له الحرية أن يستقبل مَنْ يشاء، غير أنه كان له حارس يلازمه وهو موثق بسلاسل…

وفى خلال تلك الفترة بشر بولس جميع الذين كانوا يدخلون اليه بكل مجاهرة بلا مانع (أع 28: 30، 31)… إبتدأ باليهود، لكن تعصبهم أعماهم فلم يقبلوا بشارته. إتصل به المسيحيون الذين كانوا فى روما وضواحيها. وقد كان لكلامه تأثير حتى فى الجنود الذين يتناوبون حراسته (فى 1: 12، 13)… وعلى الرغم من قيوده، فقد وصل نشاطه إلى موظفى البلاط الإمبراطورى، فكسب بعضهم وأدخلهم إلى حظيرة الإيمان، وحمل تحياتهم إلى الإخوة الذين فى فيلبى (فى 4: 22)… هكذا تمم بولس – على الرغم من قيوده – عمله الرسولى نحو الرب والكنيسة، مثبتاً عملياً أن كلمة الله لا تقيد أبداً… وفى هذه الفترة كتب رسائله إلى كولوسى وفليمون وأفسس وفيلبى.

6- الأسر الثانى فى روما:

يتوقف القديس لوقا كاتب سفر الأعمال فى سرده لجهود بولس الرسول التبشيرية عند ربيع سنة 63 ولا يمدنا بمعلومات أخرى عن حياته بعد ذلك التاريخ… لكن ليس معنى هذا أن رسالة بولس إنتهت عند هذا الحد الذى ختمه لوقا بقوله: ” كارزاً بملكوت الله ومعلماً بأمر الرب يسوع المسيح بكل مجاهرة بلا مانع ” (أع 28: 31)… ولم يذكر لوقا شيئاً عن إستشهاد بولس أو نهاية حياته…

هناك تساؤلات كثيرة، أثير حولها جدل كبير، لم يصل المؤرخون وكبار مفسرى الكتاب المقدس إل رأى موحد إزاءها، وهى تختص بحياة بولس وجهوده فى الفترة من ربيع سنة 63 إلى وقت إستشهاده فى سنة 67 أو 68.

المرجح أن بولس أطلق سراحه لفترة قصيرة أعيد بعدها إلى السجن فى روما… وفى هذه المرة ظل مسجوناً تحت حراسة مشددة وبصورة أعنف من الأولى (2 تى 4: 17،16)… ورسالة القديس بولس إلى تلميذه تيطس هى إحدى الأدلة على إطلاق سراح بولس بعد أسره الأول. يقول له: ” من أجل هذا تركتك فى كريت لكى تكمل ترتيب الأمور الناقصة… ” (تى 1: 5) لم يذهب بولس فى رحلاته التبشيرية الثلاث إلى كريت. لكن السفينة رست عليها وهو فى طريقه إلى روما أسيراً (أع 27: 8،7). وفى تلك المرة لم يكن معه تيطس… فلابد وأنه بعد إطلاقه ذهب لتبشيرها وكان معه تيطس لقد كانت كل ظروف بولس فى أسره الأول فى صالحه ، مما يؤيد فكرة إطلاق سراحه. كما أن الرسائل التى كتبها فى مدة الأسر الأول تعكس نفسيته وتظهرها بمظهر الرجاء والفرح.

فى الفترة القصيرة التى أطلق فيها سراحه بعد الأسر الأول كتب الرسالة إلى العبرانيين من مكان ما بإبطاليا، كان يستعد منه للسفر للشرق… ويعود بولس للظهور أسيراً للمرة الثانية فى روما فى أواخر سنة 66… فى الفترة ما بين الأسرين ذهب إلى كريت، وعهد إلى تلميذه تيطس العناية بشئون كنيستها، وذهب إلى أفسس وغادرها إلى مكدونية حيث كتب رسالته الأولى إلى تلميذه تيموثاوس من إحدى مدنها… وربما عرج على كورنثوس وميليتس وأمضى شتاء سنة 65، سنة 66 فى مدينة نيكوبوليس بإقليم إبيروس، حيث كتب رسالته إلى تيطس يستدعيه (تى 3: 12). ويبدو أنه عرج على ترواس حيث أودع قسماً من أمتعته (2 تى 4: 13)… وفى رأى آخر أنه قبض عليه فى ترواس ورحل منها أسيراً إلى روما ليؤسر أسره الثانى. ويستدلون على ذلك من أنه لم يتمكن من أخذ متاعه ورقوقه التى لا يستغنى عنها. وهناك إحتمال أنه ذهب إلى أسبانيا…

فى هذا الأسر الثانى والأخير كتب بولس آخر رسائله وهى الثانية إلى تيموثاوس، وفيها يقول له: ” فإنى أنا الآن اسُكب سكيباً، ووقت إنحلالى قد حضر. قد جاهدت الجهاد الحسن… وأخيراً وضع لى إكليل البر” (2 تى 4: 6- 8)… ومهما يكن من أمر، فإن هذه الفترة الأخيرة من حياة ذلك الرسول المجاهد يكتنفها الغموض ويجمع المؤرخون القدامى على أن بولس قضي شهيداً بقطع رقبته بحد السيف فى عهد نيرون الطاغية فى مدينة روما ، فى سنة 67 أو 68 م.

هذا العرض التاريخى المقتضب أقل من أن يصور لنا أن هذا الرسول العملاق على حقيقته… إن مَنْ يريد أن يقف على سيرة كاملة له، عليه أن يدرس حياة هذا الرجل القديس المجاهد من واقع كتاباته، التى تبرز قوة شخصيته وجمال فضيلته وعمق إيمانه وفرط إتضاعه وأصالة نسكه ووفور غيرته وكنوز محبته… كم من الأكاليل وضعت لذاك الذى تعب أكثر من جميع الرسل، ودعا الناس أن يمتلئوا إلى كل ملء الله، وكان كل همه أن يحضر كل إنسان كاملاً فى المسيح يسوع، وأخيراً قدم حياته ثمناً لحبه لإلهه ومخلصه…؟!

(43) schaff,vol1.pp.286-333 ;De perssense vol,1,pp.95-124;143-204;weiss,Earliest christianty vol 1 ,pp .180-185 Lietzman , A History of the Early chueah,pp.104;Harnack ,the mission and Expansion of christanity pp.73;smith ,Dictionary of the Bible ,vol .2,pp .731-763

(44) بناء عن روأية جيروم التى يحتمل أن يكون أخذها عن أوريجينوس أن والدى شاول تزحا من جيشالا Gischala وهى مقاطعه يهودية شمالى الجليل طرسوس. ولعل فى ارسال شاول لتعلم فى أورشليم، ووجود أخت له متزوجة فيها ( أع 23: 16- 22) ما يؤيد هذا الرأى.

(*) يشهد الجغرافى سترابو Strabo بأن مدارس مقاطعة كيليكية كانت تنافس مدارس أثينا والاسكندرية.

(45) يتضح هذا من إستخدامه بعض الكلمات الآرامية فى رسائله مثل ” ماران أثا” ( 1كو16: 22)، وأبا (غل 4: 6 ؛ رو 8: 15 ).

(46) أع 1:9-18؛ 22: 6-16 ؛ 12:26-18

(47) المقصود بها مملكة النبوطيين التى كانت تمتد من دشق شمالأ إلى بترا Petra العاصمة جنوباً قد ورد ذكر النبوطيين فى سفر المكابيين الأول (5: 20)- وكان يُطلق على سكانها أسم العرب انظر:.

P 46 , Dictionary of the bible

(48) لم يصعد بولس إلى بطرس ليتلقى منه تعليمات، أو ليستمد منه سلطاناً أوتعليماً. فالرسول بولس يقول إلى إهل غلاطية: ” وأعرفكم أيها الإخوة الإنجيل الذى بشرت به أنه ليس بحسب أنسان. لأنى لم أتسلمه أو أتعلمه من إنسان بل باعلان يسوع المسيح ” ويقول بعدها – مشيراً إلى حادث إيمانه- ” ولا صعدت إلى أورشليم الى الرسل الذين قبلي ” (غل 1: 11، 12، 17). لكن ليس معنى هذا أن بولس أستقى كل معلوماته عن المسيحية من الله رأساً، لكنه بالتأكيد إستلم بعضها من الكنيسة، بالإضافة إلى بعض الأسرار العميقة التى أعلنت و من الله والتى ميزت ” شخصيته وتعليمه بين الأمم انظر: De Pressense ;vol.1,p.115

(49) الرائل التى أشار إلها فى (رو 1: 18 – 32)- تلك الرسالة التى كتبها من كورنثوس إلى كنيسة رومية إنما جاءت وصفاً الأنواع الفجور فى تلك المدينة التى إستشرى الفساد فيها، حتى أن معبد الالهة فينوس فوق الأكربول كان يضم أكثر من ألف زانية مخصصة لإرتكاب ألوان الفحشاء إرضاء للالهة.. انظر schaff,vol.1,pp.325,326

Share

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b3-%d8%a8%d9%88%d9%84%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b3%d9%88%d9%84/