«

»

Print this مقالة

العشاء السرى ، وغسل الأرجل للقديس كيرلس الكبير

cyril_of_alexandria1

أيها الأحباء ، ان قمة الفرح للمسيحيين الأنقياء هو تمتعهم الأبدى بالله وأثمن ما يقتنيه طالبو الحياة الحقيقية هو الاطمئنان تحت ستر العلى ، تحيطهم العناية الإلهية . ونحن نعرف بالخبرة ، أن الذين يغذون أجسادهم جيداً بالطعام والشراب ، ويوفرون له صنوف الترفيه والتنعم ، يكتسبون بنية قوية وقواماً عفياً . هكذا على المستوى الروحى ، كل الذين ينهلون من مياه الراحة ويتغذون على الرؤى الإلهية ، ويرفلون فى الحلل المزينة بأنواع شتى ينطبق عليهم قول أشعياء النبى : يرفعون أجنحة كالنسور يركضون ولا يتعبون ، يمشون ولا يعيون .

            هلموا اذن ، أسرعوا إلى مائدة العشاء السرى بإيمان لا يتزعزع ، وأنتم لابسون ثوب العرس . لنسع وراء ذخائر الظلمة وكنوز المخابىء فإننا شركاء الدعوة السمائية .

            يسوع المسيح يستضيفنا اليوم ، محب البشر فى انتظارنا الآن ليعطينا طعاماً . تفطنوا فيما قيل ، وارتعدوا عما جرى !

لقد ذبح العجل المسمن وها الآب يفرح ويبتهج …

ذبح حمل الله الذى يرفع خطيئة العالم كله .

لقد قدم الابن ذاته بإرادته وحده – ليس بواسطة أعداء الله – فآلامه التى تحملها ، كانت باختياره من أجل خلاصنا .

 

            أتوسل اليكم ، لا تضعوا قلوبكم على ضعفى وقصورى فى التعبير ، وعدم استحقاقى بل ألتفتوا إلى شهادة الحق التى أضعها أمامكم . أنها كلمات صدرت من أنبياء وعظماء ، وليست كالأحاديث التافهة التى تكون بين العامة فى الأسواق .

            هل تتخيلون عظمة سليمان وكل مجده ؟ تخيلوا أقصى ما تشاؤون من العظمة والأبهة التى كانت للملك سليمان . ولكن سليمان هذا لم يكن سوى حاجباً عند ملك الملوك ، الحاكم من عرش مجده فى الأعالى . تخيلوه وهو متسربل بالأرجوان الملوكى ، ومتوج بالتاج ينادى فى وسطنا بمرسوم الملك الحقيقى الذى يرفع الملوك ويخفضهم . لأنه إن كان النذير عظيماً بهذا المقدار فكم بالأكثر عظمة وسمو الرسالة التى يعلنها . فلنصغ اذن .. أنه يقول :

” الحكمة بنت بيتها ، نحتت أعمدتها السبعة . ذبحت ذبحها ، مزجت خمرها ، أيضاً رتبت مائدتها . أرسلت جواريها تنادى على ظهور أعالى المدينة من هو جاهل فليمل إلى  هنا ، والناقص الفهم قالت له هلموا كلوا من طعامى وأشربوا من الخمر التى مزجتها . أتركوا الجهالات فتحيوا ، وسيروا فى طريق الفهم ” ( أمثال 9 : 1 – 6 ) .

            لقد تحققت الآن يا أحبائى هذه الأمور المكتوبة التى قلتها فى مسامعكم . أنها كلمات موجهة لك ، تدعوك للوليمة الدسمة المهيأة الآن . ها واهب العطايا يتنازل ويقترب إلينا ، ويعرض نعمة إلهية أمام أعيننا ها المائدة السرية قد أعدت والكأس المحيى قد مزج …

            ملك المجد يدعوك ، وابن الله يستقبلك ، وكلمة الله المتجسد يرحب بك . ذاك الذى بنى بيتاً لنفسه ، بيت غير مصنوع بيد ، أبدى ( أى ناسوت المسيح ) ربنا يسوع المسيح الفادى الذى هو حكمة الله الآب ، يعطى جسده كخبز ويمنح دمه كخمر ، يقدمهما لنا لنأكل ونشرب !

يا لهذا السر الرهيب !

يا لتدبير الحكمة الإلهية غير المدرك !

يا للجود الذى ليس له مثيل !

يا للتنازل والاتضاع الفائق !

            الخالق يبذل نفسه لمخلوقاته ليقيتهم … الحياة تهب ذاتها مأكلاً ومشرباً للبشر المائتين …

            أنه يشجعنا ، ويستحثنا ، هلموا كلوا جسدى . فقد أعددت نفسى لكم طعاماً هلموا اشربوا الخمر التى مزجتها لكم . لقد مزجت ذاتى مع كل الذين يريدوننى أنا الحياة ذاتها ، قد شاركتكم فى اللحم والدم ، وبارادتى وحدى تجسدت وتأنست . أنا الكلمة بهاء مجد الله ورسم جوهره . ” ذوقوا وأنظروا ما أطيب الرب ” ( مزمور 33 : 19 ) .

 

            أتذكرون حين كنتم تأكلون من ثمرة العصيان ؟ وحين كنتم تطيعون المشورات الشريرة ؟ آه … كم كانت مرة المذاق جداً .

هلموا الآن وتناولوا من طعام الطاعة الذى يطرد كل الشرور خارجاً .

            آه … يا لعذوبة طاعة الله ، كم هى مفيدة للغاية .

            لقد أكلتم الحصرم الذى ضرس أسنانكم ، كلوا الآن من عصير الكرم الناضج فى أوانه ، فتمتصون حياة لأنفسكم . لقد عرفتم بالتجربة كل نتائج العصيان السيئة اختبروا الآن عملياً فوائد طاعة خالقكم ذوقوا وأنظروا ما أطيب الرب .

            قارنوا بين تجربة العصيان التى عشتموها ، وتجربة الطاعة التى تعيشون فيها . وازنوا بين الشرور التى عرفتموها أثناء المخالفة ، وبين البركات والخيرات والسلام الناتج عن الطاعة لتعرفوا جيداً ما أطيب الرب .

            لقد تعدى آدم الأول حين مد يده إلى الثمرة المحرمة محتقراً وصية الله ومستهيناً بقول الرب الذى كان لحياته وخلاصه . فكسر الطاعة المفروضة منه كعبد ولم يثق فى الله ، فصار مذبذب الرأى . فمد يده إلى هلاكه ، وقبل أن يعقد صفقة الشر : لقد باع حياة السعادة والبهجة بالله التى كانت بين يديه وأشترى الموت والشقاء . ويا لها من صفقة خاسرة ككل صفقات الشرور !

            لقد جلب على ذاته حكم الموت رغم تحذير الله له ( تكوين 2 : 7 ) وما زال هذا الحكم سارياً حتى الآن : لقد تعرى من حلة الخلود التى كان متسربلاً بها ، واكتسى برداء الفساد . وبإرادته وحده انحاز نحو العصيان وصار موضوعاً للموت . وحينما صدر الحكم عليه ، بدأ يدرك ، مميزاً بين وصيتى أنا الرب ، وبين مشورة الشرير . ودخل فى حالة الندم على تسرعه فى التشكك من وصيتى وكانت هى الحق . وأخيراً صار باطلاً وكلا شىء .

لذلك وضع الرب مائدة التناول أمامنا .

 

            وضع الرب مائدة التناول أمامنا ، جسد ودم عمانوئيل الذى أطاع حتى الموت ، ثمار الطاعة موضوعة أمامنا ، نحن الذين كنا مائتين فى العصيان .

+ ذوقوا وأنظروا كيف أنى أنا الرب صادق فى كل شىء …

            أنا الحق ، ولا يمكن أن أكذب أو أزيف . أنا شجرة الحياة ولا يمكن أن أزهر زهور الموت ، لأنه يستحيل أن يتحد الضدان .

+ كلوا منى أنا الحياة وأحيوا ، لأن هذه هى أرادتى .

+ كلوا من الحياة الأبدية التى لا نهاية لها ، لأنى قد أتيت ليكون لكم حياة وليكون لكم أفضل ( يوحنا 10 : 10 ) .

+ كلوا خبزى ، لأننى أنا قمح دقيق الحياة المحيى ، وأنا هو خبز الحياة .

+ أشربوا من الخمر التى مزجتها لكم لأنى أنا كأس الخلود …

+ أتركوا جهالات الخطيئة لتحيوا ، وتعلموا أن تختبروا الأمور الصالحة عملياً ، واستعيدوا أنتم بطاعتكم ما فقده آباؤكم بعصيانهم .

+ آدم الأول طرد من الفردوس من أجل تشككه وعدم إيمانه بكلمة الله ، ادخلوا أنتم الفردوس مرة أخرى بإيمانكم فى الله الكلمة .

+ أطرحوا عنكم قساوة القلب التى كانت فى آدم ، وأقبلوا حبى أنا خالقكم .

+ أسعوا وراء الحكمة لتحيوا ، وتكملوا فى فهمكم بمعرفتى .

             من كان منكم جاهلاً فليقبل حتى يرى نور الحق ، أنا الله ، أنا الأول وأنا الآخر . معى لا يوجد إله آخر مولود من الله الآب . أنا فى الآب والآب فى ( يوحنا 10 : 30 ) ، الذى يرانى فقد رأى الآب أيضاً ( يوحنا 14 : 9 ) أنا هو القيامة والحياة ( يوحنا 11 : 25 ) أنا هو خبز الحياة الذى نزل من السماء ، المعطى حياة للعالم ( يوحنا 6 : 33 ) .

            أشربوا كأسى ، كى ما تكونوا شركاء فى الحياة الدائمة التى هى أنا ، أنا الكرمة الحقيقية ( يوحنا 9 : 5 ) أنهلوا من سرورى .. أشربوا من الخمر التى مزجتها لكم ( أم 9 : 5 ) .

            لأن كأس نشوتى هو ترياق فعال لكم ، ومسكرى يفجر الأفراح فيكم ويذهب عنكم مرارة النفس التى ورثتموها عن آدم أبيكم . لقد هيأت مائدة قدامكم تجاه مضايقيكم ( مزمور 22 : 5 ) .

            فى القديم وضعت ملاكاً حارساً على طريق فردوس عدن ، فلا يخطو هناك آدم الذى أفسد ذلك المكان الرائع ، بل فقط ينظر بعينيه ويشتاق للعودة إلى سعادته المفقودة . أما الآن ، فقد أعددت لكم مائدة محيية ومبهجة ، تبدل كل أحزانكم إلى فرح لا ينطق به ، وجعلتها ضداً للخطيئة التى تقهرك .

+ هلموا كلوا من الخبز الذى يعيدكم إلى نقاوة طبيعتكم الأولى ، وأشربوا من الخمر الذى هو بهاء الخلود .

+ كلوا الخبز الذى سيطهركم من المرارة القديمة ، وأشربوا الخمر الشافى لكل الجراح القديمة . هذا دواء طبيعتكم ، وهو العقوبة للحية التى جرحتكم .

+ لأجلكم صرت مثلكم ، دون أن أتغير فى طبيعتى ولن أتغير ، كى بواسطتى تكونوا أنتم من طبيعتى الإلهية .

+ أتركوا أنفسكم تتغير وتتغير ، إلى كل صلاح ، كى فى الأوان المناسب تأتى بالثمرة : حيث تتحول من العالم إلى الله ، ومن الجسد إلى الروح .

+ أنا الكرمة الحقيقية فى وسطكم ، أثبتوا فى لتثمروا ثمراً شهياً لذيذاً .

+ ألتهموا دسم طعامى الإلهى ، وأسمنوا . أنا الرب المعطى طعاماً لكل ذى جسد ( مزمور 135 : 25 ) وبنوع خاص ، أعطى طعامى لخائفى كما سبق داود وقال : حنان ورحيم هو الرب . أعطى لخائفيه طعاماً ( 110 : 5 ) .

 

            فى القديم أمطرت المن على بنى إسرائيل ، وأرسلت لهم خبزاً من السماء قد أعد بلا شغل ( حكمة 16 : 20 ) ولكن الشعب المعاند الذى أحببته أحتقر هذه المعجزة معتبراً إياها كأنها لا شىء : اسرائيل لم يعرف ، شعبى لم يفهم ( اشعياء 1 : 3 ) ليس كهؤلاء أنا أعطيكم ، لأن هؤلاء أعطيتهم المن فى البرية وماتوا ، أما أنتم فأعطيكم جسدى اعطاء لـتأكلوا . و كل من يأكل من هذا الخبز سيحيا إلى الأبد .

            هل تفطنتم هذه الأمور أيها الأحباء ؟ هل أنرت لكم ذخائر الظلمة ، وبينت لكم كنوز المخابىء فى كلمات ربنا يسوع المسيح التى قالها فى مثل هذا اليوم المقدس ؟ ( ربما خميس العهد ) .

            هل تريدون أن أطيل الحديث معكم عن هذه الأمجاد تلك التى تشتهى الملائكة أن تطلع عليها ( 1 بطرس 1 : 12 )  ؟

            بكل سرور ، سنوضحها أكثر أمامكم ، ملقين عليها أضواء آيات الكتاب المقدس الساطعة كى يتلألأ الحق من مصادره الأصيلة . ليس بأن نبعد عن الآيات الموحاة من الله ، أو التقليل من شأنها ، بل نشتاق أن نوضح الأمور التى ترشدنا الآيات إليها .

            فقط أتوسل إليكم كأبناء محبوبين فى الرب ، أن تصلوا من أجلى كى يمنحنى الرب هذه القدرة ، لا سيما وقد تقدمت بى الأيام ، وأنهكت قواى ، ووهنت حياتى ، وصرت منحنياً من جراء رحلتى الطويلة الصاعدة فوق التل .

            صلوا لأجلى ، كى أستحق التأمل بعمق فيما سلم الينا ، وأتحدث إليكم حديث المسيح البار . ساعدونى أيها الأحباء  كى أحمل الإله الذى ولد فى وسطنا ، كما حمله الإسرائيليون طويلاً … كى ما ندخل معاً المدينة السمائية ، صهيون المجيدة ، ونتأمل بالروح حصونها العجيبة .

            كيف ذاك الذى يدبر حتى أقاصى الأرض ، أعد نفسه كعشاء سرى !

            كيف ذاك الجالس على الشاروبيم ، ينزل منحنياً إلى مائدة !

            كيف ذاك الذى كان مرموزاً له بخروف فصح فى مصر ، يقدم نفسه هنا بإرادته تقدمة ! أنه يأكل مع تلاميذه الرمز ( خروف الفصح ) كمتمم للرموز ، وهو الحقيقة التى تعبر عنها تلك الرموز . فبعد العشاء الطقسى أعلن الحق عن نفسه ، فقدم ذاته مأكلاً ومشرباً لضيوفه معطياً إياهم طعام الحياة ، متمماً النبوات الإلهية المنسابة من أفواه الأنبياء منذ القديم . وأسس رسماً جديداً  من وضعه وتصميمه هو يمتد كنبع دائم إلى الجنس البشرى بأسره . أنه سر العشاء الربانى الذى فيه يمنح هبات حبه الإلهى لكل البشر فى أى زمان وفى أى حال .

وهذا هو نص وقائع الأحداث كما دونها الإنجيلى :

            ” وفيما هم يأكلون ، أخذ يسوع الخبز وبارك وكسر وأعطى التلاميذ وقال : خذوا كلوا هذا هو جسدى . وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلاً : أشربوا منها كلكم  لأن هذا هو دمى الذى للعهد الجديد الذى يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا ”  ( متى 26 : 26 – 28 ) .

+ لا للوقائع المذهلة التى هى بداية الأسرار الإلهية !

+ المسيح ربنا يبين حرفية الطريق ، وهو يتممه بالروح !

+ يعد أذهاننا بالنماذج والتشبيهات ، ويغدق علينا عطفاً فى تقدمته !

            فى علية صهيون ، أتم يسوع ناموس الحرف ، ومن علية صهيون أيضاً أعلن قيام ناموس النعمة …

 

            فلنتأمل الآن فى العظائم التى حدثت ليلة العشاء السرى ، مكتوب :” ثم قام من العشاء ، وخلع ثيابه ، وأخذ منشفة وأتزر بها ، ثم صب ماء فى مغسل وأبتدأ يغسل أرجل التلاميذ ويمسحها بالمنشفة التى كان متزراً بها ” . ( يوحنا 13 : 4 ، 5 ) .

            ترى ماذا يحدث أعجب من هذا ؟ وماذا يكون أغرب من هذا ؟

+ المتسربل بالنور كثوب ( مزمور 103 : 2 ) يأتزر بمنشفة !

+ الذى يصر المياه فى سحبه ( أى 26 : 8 ) والذى ختم الهاوية باسمه المخوف ، ينحنى بالمنشفة .

+ الذى يجمع كند أمواه اليم ، ويجعل اللجج فى أهراء ( مزمور 35 : 7 ) الآن يصب ماء فى لقان .

+ المسقف علاليه بالمياه ( مزمور 103 : 3 ) يغسل أرجل تلاميذه .

+ الذى كال بكفيه المياه ، وقاس السموات بالشبر ، وكال بالكيل تراب الأرض ( اشعياء 40 : 12 ) ينشف بيديه الطاهرتين اللتين بلا عيب ولا دنس أقدام خدامه .

+ الذى أمامه تجثو كل ركبة ممن فى السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض ( فيلبى 2 : 10 ) ينحنى الآن أمام خدامه .

            الملائكة أبصرت وأنذهلت ، والسماء رأت وخافت ، والخليقة نظرت وأرتعدت . فجاء إلى سمعان بطرس ، فقال له ذاك : يا سيد أنت تغسل رجلى ؟

            ألم أقل لك يارب من قبل أننى غير مستحق ولا الوجود فى حضرتك ؟ ألم أتوسل إليك : أن أخرج من سفينتى يارب لأنى رجل خاطىء ( لوقا 5 : 8 ) ؟ من أنا يارب حتى أؤهل لهذا ؟ لو تركتك تغسل قدمى فستموت نفسى البائسة من العار والفضيحة . كل واحد سيخزيننى … أ أكون جسوراً إلى هذا الحد ؟ لا يارب ، لا تحزن خادمك الغير مستحق أن يدعى خادمك . لن تغسل رجلى أبداً ، أننى أرتعد حين أرى هذا ، ويغشى على لمجرد التفكير فيه الله يخدم انساناً ! ملك يؤدى عمل الطاعة لعبد ! سيد ينحنى عند أقدام خادمه ! يا للهول ! أتوسل إليك أن تعفينى لئلا يسمع أحد من الذين تحت السماء عن عجرفة بطرس هذه .

بماذا أجاب كنز الحكمة عن هذا ؟

ما أنا فاعله بك يا بطرس سوف لا تفهمه الآن ، ولكنك  ستفهمه فيما بعد دعنى أقوم لك بهذه الخدمة المقدسة مثل أخوتك … لأنك إن لم تسمح لى سوف لا يكون لك معى نصيب .

وبعدما سمع بطرس هذا ، رضخ و لم يعلم بماذا يجيب ، و لسان حاله يقول : آه يارب ، أننى محاصر من كل الجهات ، لا أريد أن أكون عنيداً . لأن إن خالفتك سأحزن وأتألم . وبرفضى سأجلب على نفسى العقاب ، وإن وافقت فهذا أسوأ من كل شىء . لذلك فلتنفذ الكلمة الإلهية ، وليس غطرسة عبد لتسد الحكمة الإلهية ، وليس غباء خادم .

            أتتعذب من أجلى يارب حين لا أقبل منك هذه الخدمة ؟ أفعل ما تشاء يارب ، نفذ كل ما فى ذهنك يارب . إن كان ميراثى معك سيكون بغسلك لرجلى فاننى بكل لهفة اتضرع إليك : ليس رجلى فقط ، بل يدى ورأسى . امنحنى هذا الغسل الإلهى كى لا أحرم من عطفك . ان كان غسلك لقدمى سيمنحنى رجاء ارادتك التى أعبدها ، ها أنا أمد قدمى لك ، وأمد يدى لك ، وأحنى رأسى لك حتى لا أحرم من وليمتك العظيمة ، وأفرز من ميراث ربى . وأقطع من الفرح غير المنطوق به … سوف لا أصر على مشيئتى الخاصة مقاوماً الله . فقط ليعرف كل مخلوق أن بطرس قد قبل أن تغسل رجليه منك ، كى ينال  ميراث الملكوت السماوى …

 

            حينما فرغ الرب من غسل أرجلهم , جلس ثانياً وقال لهم : ” أتفهمون ما قد صنعت بكم ؟ أنتم تدعوننى معلماً وسيداً ، وحسناً تقولون لأنى أنا كذلك . فإن كنت وأنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم ، فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض . لأنى أعطيتكم مثالاً حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضاً ” ( يوحنا 13 : 12 – 15 ) .

            أقتدوا بى أنا ربكم ، فأنكم بهذا الفعل المقدس تكونون شركاء الطبيعة الإلهية أنا أضع أمامكم طريق العظمة الحقيقية الكاملة :

            1 – فى القديم أنحنيت لآخذ من تراب الأرض وكونت الإنسان بعدما أعددت له  فردوساً سعيداً ، وجعلت روحاً فوق الأرض أيضاً … والآن أنها ارادتى كى أنحنى مرة أخرى عند تراب أقدامكم كى أدعم أساسات خليقتى التى سقطت .

            2 – لقد لسعت الحية الخادعة عقب أبيكم ، وجرحته جرح العصيان ، وما زالت متربصة بكم ( تكوين 3 : 5 ، 49 : 17 ) لذلك هائنذا أنحنى لأشفى هذا العقب الملسوع ، وأسلحكم ضد التنين المتربص ، فلا يعد ينهش كل من كان  سائراً فى الطريق المستقيم … أننى أهيىء أقدامكم وأزودها بسلطان لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو ولا يؤذيكم شىء ( لوقا 10 : 19 ) .

            3 ــ لقد خدعت الحية الانسان المخلوق من الارض بخدعة الكبرياء … و ها أنا بإتضاع متناهى أنهى ذاك الكبرياء … الواحد بالآخر . لهذا , اطلبوا الاتضاع بكل قلوبكم , فأنا الرب الذى أشتت المستكبرين , و أخفضهم , و أذلهم . و أرفع المتواضعين و أعطيهم نعمة لأن كل من يرفع نفسه يتضع و من يضع نفسه يرتفع ( لو 18 : 14 ) .

لهذا أوصيكم ، وأسلمكم ، أن تحبوا بعضكم بعض : بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذى إن كان لكم حب بعضكم لبعض …

 

لذلك أكرر مرة أخرى : عظيم حقاً يا أحبائى مجد هذا اليوم . لأنه يوم عيد الحضرة الإلهية عينها حيث ترفع هذه التقدمة الفائقة . إن الله يدعوكم لتأخذوا موهبة الخلود ، وعربون الحياة الأبدية .

من ثم أيها الأحباء ، شركاء الدعوة السمائية :

+ لنتبع رئيس خلاصنا ، الذى هو رئيس الكمال .

+ مشتاقين أن يرفع مسكنتنا حسب وعده الصادق .

+ ويسمو بنا إلى ذلك الحب الذى يجعلنا نتحد بالله .

+ وليكن إيماننا خالصاً نقياً فى الأسرار الإلهية المقدسة .

            اهربوا أيها الأحباء من كل انقسام ، وتجنبوا كل بغضاء … أرفضوا الأقاويل الباطلة لا سيما تلك التى أخترعتها الأفواه الفارغة ، خدام الشياطين المخادعين الذين  منهم من أخذ الزى الرهبانى دون أن يعيشوا فى حكمة الرهبنة وسكونها . أولئك هم الذئاب الخاطفة الذين حذرنا الرب منهم بشدة . لأنه بصعوبة يعرفون لأنهم لابسون ثياب الحملان .

            أولئك قد اندسوا فى أديرتنا … تلك الأماكن المحببة إلى قلوبنا . وأحدثوا سجساً فى مدينة الله المحروسة .

سيبطل الله ضجيجهم الآثيم كما هذا البحر الهائج بكلمته .. 

هؤلاء الناس ، معرفتهم مغلوطة عن المسيح إلهنا الحقيقى ، فيبطلون رجاء خلاصنا بالمسيح وقيامتنا من الأموات به .

            أولئك الذئاب المفترسة اللابسين ثياب الحملان ، الذين لا يعرفون الله ، وينكرون قوته . أولئك المزيفون الاثمة الذين ينكرون أن المسيح واحد مع الآب فى الجوهر من أجل تجسده .

فليقولوا لنا أولئك المثرثرين الحمقى :

+ خراف الكنيسة ، على أى جسد يتغذون ، وبأى مياه يرتوى ابناء الكنيسة ؟

            إن كان جسد الله هو المعطى لهم ، فالمسيح الرب اذن هو الله حقاً ، وليس مجرد انسان ، أو كما يدعون أنه ملاك ، رسول من قبل الله ، أو أحد الكائنات غير الفانية .

            + وإن كان الكأس هو دم الله ، فهو ليس لاهوتاً مجرداً ، أى أحد أقانيم الثالوث المقدس – اعنى الله الابن – المسجود له .

بل الله الكلمة الذى صار إنساناً …

            + إن كان جسد المسيح يعطى مأكلاً ، ودمه يعطى مشرباً . ثم يزعمون أنه مجرد انسان ، فكيف اذن ينال المتناولون من المائدة المقدسة وعد الحياة الأبدية ؟ وكيف نشترك فيه جميعاً هنا وهناك ، وفى كل مكان على الأرض دون نقصان ؟

            يستحيل أن جسداً عادياً يعطى حياة للمتناولين منه . أم ترى ينظرون إلينا كأننا شهود زور لله ؟ أننا أمام محب الحق نعلن كل الحق علناً بكل وضوح . ونعلم الأسرار التى سملت لنا إلهياً .

            ليت الله يفيض علينا غنى نعمته ، حين نذكر هذه الأمور أثناء رفع الذبيحة المقدسة يوم عيد أقدس الأسرار ( خميس العهد ) فلنتناول من جسد الحياة … لأن المسيح الحياة اتخذ جسداً مثل جسدنا … كما يقول يوحنا اللاهوتى :” لأن الحياة قد أظهرت ” ( 1 يوحنا 1 : 2 )  وأيضاً ” والكلمة صار جسداً وحل بيننا ” ( يوحنا 1 : 14 )  الذى هو : ” المسيح ابن الله الحى ” ( متى 16 : 16 )  الواحد من الثالوث القدوس .

            ولنتناول من الدم المقدس لمغفرة خطايانا ، ليكون لنا شركة فى الحياة الأبدية : مؤمنين أن المسيح هو الكاهن ، وهو الذبيحة فى آن واحد أنه هو المقدم والتقدمة . أنه هو العاطى والعطية .

الله غير المتجزىء ، وغير المنقسم إلى طبيعتين كمثل الثالوث الواحد غير المدرك ، الكلى العبادة والتسبيح والسجود … الآب ، والابن ، والروح القدس إلى أبد الآبدين آمين .

 

+++++++++++++

 

ملخص العظة

+ الأفخارستيا تمنحنا قواماً روحيا عفياً .

+ انها وليمة يدعونا فيها ملك المجد ، ويستقبلنا المسيح .

+ أكل آدم من ثمرة العصيان ، وبالأفخارستيا نتناول جسد ودم عمانوئيل الذى أطاع حتى الموت .

+ الأفخارستيا هى خبز الحياة ، وكأس الخلود ، واستنارة الحكمة ، وفرحة النصرة على الخطيئة ، ودواء الطبيعة البشرية .

+ اللاهوت الافخارستى سر مذهل ، يبين عمق اتضاع الله . الجسد والدم يبينان أن المسيح ليس لاهوتاً بلا ناسوت ، ولا ناسوتاً بلا لاهوت .

+ غسل أرجل التلاميذ :

1 – لنقتدى بأتضاع خالقنا .

2 – يعيد تأسيس الخليقة من تراب أرجل التلاميذ .

3 – يشفى التلاميذ من لسعة الحية لعقبهم .

 

 

 

 

 

Share

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b4%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%b1%d9%89-%d8%8c-%d9%88%d8%ba%d8%b3%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b1%d8%ac%d9%84-%d9%84%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%b3-%d9%83%d9%8a%d8%b1%d9%84/