«

»

Print this مقالة

الحياة الرهبانية السليمة ج 4- لقداسة البابا شنوده الثالث

الحياة الرهبانية السليمة ج 4

البابا شنوده الثالث

مُحاسبة النفس :

1- لذلك علينا أن نراجع أنفُسنا بين الحين والاخر … مُحاسبة النفس فضيلة كبيرة وجيَّد في هذه المنُاسبات عندما نتذكر الرهبنة أن الإنسان يُحاسب نفسه كما كان ذلك القديس يقُول ” ماذا فعلنا مما يُرضي الله وماذا فعلنا مِما يُغضِب الله ” … حاسب نفسك كُلّ يوم كما لو كان آخر يوم في حياتك … حاسب نفسك لكي تقوَّم نفسك … حاسب نفسك لكي تبكي على خطاياك وتتضع … حاسب نفسك لكيما إذا عرفت ضعفاتك تُشفِق على ضعفات الآخرين … حاسب نفسك لكي تنشغِل بنفسك فلا تخرُج خارجها وتنشغل بغيرك من الناس … هذه هي الرَّهبنة .

2- هذه هي الرهبنة … إنسان يرى فضائل الرهبنة واحدة فواحدة ويجعلها كالميزان ويَزِن نفسه بهذه الفضائل … هذه هي الفضائل التي تّزِنْ بها نفسك .

3- وكُنْ مُدقِق في حياتك … إن كان هذا الطريق سيَضُيَعَّك ابعِد عنه ولو ألف ميل … لو هذا الشئ سيجعلك تنحرف عن غرضك اسحب نفسك … هنا اليقظة الروحية بالنسبة للرَّاهب … بالنسبة للعلماني اليقظة الروحية أن يستيقظ من خطاياه ، بالنسبة للراهب اليقظة الروحية هي أن يستيقظ إلى نفسه ويبحث عن الفضائل الروحانية ويرى ما هو منها عنده وما ضاع منه ، وماذا ينقُصه وماذا يحتاج لِجهاد أكثر وصلاة أكثر وصوم أكثر … ومحتاج أن يتمسك بالله ويتمسك بقرون المذبح ويُقول له ” يارب أعني … أعِنْ ضعفي … محتاج لنعمة خاصة من عندك لكي أنمُو ” هذا ما نُريده ونحتاجه …

4- لكن مهم أن نتذكر رهبنتنا … ونتذكر حياتنا من الداخل كيف تسير لأننا نحن مُزمِعُون أن نُعطي حساباً لله عن الإمكانيات الروحية التي قُدمت لنا … يوجد أُناس يَتَمَنُون الجلوس في الدير ولو ليلة ويقُولون أشكُرك لأنكَ سمحت لنا بليلة نقضيها في الدير ، وآخر لو قضى أسبوعاً في الدير يقُول هذه نعمة من الله أنا لا أستحقها … وأنتَ الذي تحيا حياتك كُلها في الدير ماذا فعلت فيها ؟ ماذا فعلت بهذه العُزلة ، عُزلة السُّكنى في مواضِع القديسين … ماذا فعلت بهذه الوزنة وزنِة أنك تعيش في بيت الرب كُلّ أيام حياتك ؟ والشئ الذي كان يشتهيه داوُد ولم يحصل عليه ويقُول ” وّاحَدِةً سَألْتُ منَ الرب وإياها ألتمس . أن اسكن في بيت الرب كُل أيامِ حَيَاتِي ” ( مز 27 : 4 ) … ها أنت ساكن في بيت الرب كُلّ أيام حياتك وأخذت شهوة داوُد وحققتها ماذا فعلت بها ؟

5- داوُد لما يتذكر ذلك يقُول ” طوبي لكُلّ السُّكان فِي بَيْتِكَ ، يُبَارِكُونَكَ إلى الأبَدِ ” ( مز 84 : 4 ) وها أنت من السُّكان في بيته هل تباركه إلى الأبد ؟ يقُول ” هَا بَاركُوا الرَّب يَا عَبِيد الرب ، القائِميِن فِي بيت الرب ، في دِيَارِ إلهِناَ ” ( مز 134 : 1 ) وأنت ينطبقي عليك هذا المزمور فأنت من عبيد الرب القائمين في بيت الرب في ديار إلهنا … ” في اللَّيالي ارفعُوا أيديكم إلى القدسِ ، وَبَاركُوا الرَّبَّ ” .

6- السكنى في بيت الرب وزنة لابد أن تُعطي عنها حساب وترى هل تاجرت بها وربَحت أم لا ؟ هناك كثيرون يحسدُونكم أنكم ساكنُون في بيت الله … يحسدونكم أنكم ساكنُون بجانب الكنيسة … الكنيسة في بيتكُم … تخرُج من قلايتك تجد نفسك في الكنيسة … الناس يحسدُونكم على القُدَّاسات اليومية … الناس يحسدُونكم على صلاة نصف الليل … هناك أُناس في العالم منهم مَنْ يُريد أن يُصلي لكنه تحت رقابة يخجل من فُلان وفُلان وإن وقف للصلاة يسخرون منه … حكاية … وأنت كُلّ الإمكانيات مُتاحة لك .

7- الناس يحسدونكم أن لكُل واحد منكم حُجرة خاصة به لا يدخُلها آخر غيره ويستطيع أن يُغلق مخدعه وينفرِد بأبيه الذي في الخفاء … الناس يحسدونكم على هذا الجو الهادئ الساكن … ها نحن ساكنون لا نسمع أي أصوات … سُكان المُدن في ضجيج دائم .

8- هناك أُناس يَتَمَنُون أياماً من أيام حياتكُم يعيشُونها … وأنتم تعيشُون في بيت الله … في هدوء وسُكون وفي قلالي مُنفردة … وفي الكنيسة … وفي قُدَّاسات يومية … وفي صلاة نصف الليل … وفي جو روُحاني … وتعيشُون في مجموعة مُتجانسة كلها من نوع واحد هدفها محبة الله والانفراد به … إذاً ماذا فعلُتم بهذه الوزنة ؟

ليس ناس العالم فقط هم الذين يحسدُونكم على كُلّ هذا بل الآباء الأساقفة أيضاً يحسدُونكم على أنكم تعيشُون في جو هُمْ حُرِمُوا منه … ماذا فعلتم بهذه الوزنة ؟ كُلّنا نسأل أنفُسنا … الله أعطانا فُرصة أن نسكُن في بيته … قد تسمع علمانياً يقول : لو أعطُوني فُرصة أقضي شهراً بالدير سأخرُج منه قديساً … شهراً … هذه هي أيام الدير … الله أعطاك شهوراً وسنوات ماذا فعلت بها ؟

9- وزنات مُقدمة لنا من الله لكي نعمل بها … أقُول له أشكُرك يارب لأنكَ أعطيتني بلا كيل … أعطني نعمة أن أعمل بها .

راهب يجد يوماً ضاع منه لم يفعل فيه عمل روحي … الراهب المُتيِقظ مجرد أن يرى يوماً ضاع منه لم يفعل فيه عملاً روحياً ، يقول غداً أعوض هذا اليوم بيومين … أعمل عمل يومين … أما الراهب المُتهاوِن يمُر عليه يوم لم يفعل

شئ وثاني يوم لم يفعل شئ وثالث يوم لا يفعل شئ ويمر أسبوع وشهر وهو لا يشعُر بحاله ، كمِثل إنسان في دوامة أو تيار لا يشعُر بنفسه … الأيام تمُر بوتيرة واحدة والطبع هو هو ويعود له الطبع العلماني الذي كان عنده قبل الرهبنة ويجد نفسه لم يأخذ شيئاً من الرهبنة … مثل هذا الراهب قد يتعبه الزوار لأنهم يكشفونه … أي واحد قريبه يقُول فُلان له سنة في الرهبنة وسأجده صار من الملائكة الأرضيين أو البَشَرْ السمائيين ويأتي يجلس معه رُبع ساعة فلا يجد ملائكة أرضيين ولا بَشَر سمائيين و لم يتغير في شئ ، ونفس الكلام ونفس الصوت ونفس السُلوك … لم يتغير شئ … فيعُود حزيناً عليه لأنه لم يتغير في شئ .

10- ما الذي فعلته لكي تكُون من الملائكة الأرضيين ؟ ما الذي مارسته من طقس الملائكة لأن الرهبنة طقس ملائكة ؟ لاشئ … ليتنا نستيقظ لأنفسنا ونُفكِر في حياتنا ونُحاول أن نفعل بالوزنة التي أُعطِيت لنا … نعمل بالهدوء الذي أُعطِيَ لنا … ونعمل بالحياة المتُاحة لكُل ما هو روُحي … دائماً مشغُول في الدير ولا أستطيع أن أحيا حياة الصلاة الدائمة … أُقُول لك لِنتُرك حياة الصلاة الدائمة ، ولتحيا حياة المحبة الدائمة ، لتحيا حياة الاحتمال .

يتبع

Share

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%87%d8%a8%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d9%8a%d9%85%d8%a9-%d8%ac-3-%d9%84%d9%82%d8%af%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%a7%d9%84-2/