«

»

Print this مقالة

الحياة الرهبانية السليمة ج 5 البابا شنوده الثالث

بسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين

الحياة الرهبانية السليمة ج 5

البابا شنوده الثالث

اغفر لأخيك واحكُم على نفسك :

1- تَدَرَّب على المغفرة للآخرين … تَدَرب أن تأخذ خطايا غيرك وتنسبها لنفسك … تَدَرَّب على اللسان الطيِب والكلمة الحُلوة والمعُاملة الحُلوة الهادئة … تَدَرَّب على أن تخدم كُل واحد وتُطيع كُل أحد … أُمور كثيرة تستطيع أن تفعلها .

من أسباب التذمُر أننا في كثير من الأوقات نُفكر في الأشياء التي تنقُصنا ولا نُفكر فيما هو مُتاح لنا ، الذي في إمكاننا … في إمكانك أن تعمل الكثير .

2- يا ليتنا بعد ما نخرج كُل واحد منا يجلس مع نفسه ، ولو وقتاً قليلاً ويقُول أنا مُحتاج أن أتقدَّم قليلاً ولو خطوة … يقُول أنا مُحتاج أن أعرف ما هي أغلاطي وأُصلِحها … يقُول أنا مُحتاج أن أتوقف عن الدفِاع عن نفسي وتبرير نفسي وأتوقف عن اعتدادي بذكائي وخبرتي ومواهبي ، وبما أستطيع أن أفعله دونَ غيري وبالخدمات الجبارة التي أُقدمها للدير ولابد للدير أن يشكُرني عليها وكذا وكذا … وأدخُل داخل نفسي لأعرف أخطائي لكي أتُوب عنها .

3- جلستي مع أب اعترافي أحولها لجلسة إدانة لنفسي وصراحة في هذه الإدانة وليس تبريراً … أحياناً أب الاعتراف يجلس أمام الراهب المُعترف وهو مُتضايق من داخله ويُفكر هل أقُول أم لا … لو أب اعتراف لكثيرين عشرين أو ثلاثين وكُلّهم يقُولون أخطاءهم واصطداماتِهِم مع غيرِهمِ … يكُون عارف أن أبونا فُلان اغضب فُلان في كذا وكذا وكذا وقد يعرف كم شخصاً أغضبهُم بالتفاصيل … يجلس معه لِيعترف لكنه يجد أنه لا يذكُر كُلّ هذه الأشياء … ماذا يا أبونا ألا يوجد شئ آخر تُريد أن تقوله ؟ يقُول المعُترف لا شئ آخر … يُكررَّ الجمُلة عليه … ويحتار هل أقُول له ؟ هل أكشِف اعترافات الآخرين ؟ لا يستطيع أن يكشِف وفي نفس الوقت غير مُصدِق له انه ليس هناك خطايا أخرى … فيقُول له حاول أن تتذكر لعل هناك خطية منسية … يقُول الراهب المعُترف صَدَّقني لا يوجد شئ آخر .

4- ماذا يفعل إذاً أب الاعتراف ؟ أمامه راهب يشعُر أنه يكذِب … إما إنه يكذب وإما إنه لا يشعر بحالة وتائه عن نفسه ، وإما تكون مقاييسه الروحية قد اختلت بحيث لا يعرف ما هو صحيح وما هو خطأ … أمثال هؤلاء يحتاجون إلى الرجوع إلى المقاييس الأصيلة … المقاييس الأصيلة هي سيِرَ الآباء القديسين … سيِرَ آباء الرهبنة … تعاليم الآباء الأُوَل للرهبنة المعروفين مثل تعاليم القديس

أنطونيوس الكبير … تعاليم الشيخ الروُحاني … تعاليم الأنبا إشعياء المُتوحد … تعاليم القديس برصُنوفيُوس … تعاليم يوحنا الأسيوطي … تعاليم القديس فلكسينوُس … تعاليم آباء الرهبنة الأُوَل … الآباء الذين كلامهم مثل الموازين السليمة … مثل المرآة الروحية تنظُر فيها فترى نفسك ماذا صِرت … هذا ما نحتاجه أن نأخُذ بعض هذه الموازين ونقيس بها أنفُسنا .

5- وليس فقط نفُكر في ما هي أخطاؤنا بل نفُكر في ما هو نُمونا … هل نحن ننموُ أم وقفنا عند حد مُعين فقط ؟ هناك أُناس نُموهم يتوقف عند حد مُعين ولا يتحرك بعده قد يتراجع للخلف … لكن لا يتقدم للأمام … مُتوقف .

ما هو نُموك ؟ ما هو نُموك في الفضيلة الرهبانية ؟ ما هو نُموك في الصلاة ؟ ما هو نموك في الوحدة والسُّكون ؟ ما هو نُموك في محبة الله ؟ ما هو نُموك في الاتضاع ؟ هل وقُوفك كل صباح ترفع يديك وتقُول ” عندما دَخَلَ إلينا وقتُ الصباح أيها المسيح إلهنا النور الحقيقي ، فلتُشرقُ فينا الحواس المُضيئة والأفكار النورانية ” يكون الأمر قد تم ؟ هل أنت تشعُر أن بينك وبين الله محبة ؟ هل تشعُر أنك في الرهبنة كونت علاقة مع الله ؟ هل تشعُر في الرهبنة أنك التقيت مع الله التقاء مُباشراً وجهاً لوجه ؟ هل شعرت أنك في قلب الله والله في قلبك ؟ هل تشعُر بمشاعر الحبُ التي من أجلها سكن الناس في البراري والقفِار وظلُّوا سنوات لم يَمَلُّوا لأنهم مُتلذذين بالله الذي في داخلهم ؟ ماذا حدث لك ؟

6- نرجع لأنفُسنا … كما يقُول مارِ إسحق ” إذا تُهت في الطريق اجلس إلى نفسك وذَكَّر مريم بزِناها وإسرائيل بانغلابه ” … ذكر نفسك بِضعفاتك ووبِخ نفسك كثيراً … وكما يقُول القديس مكاريوس الكبير ” اُحكُم يا أخي على نفَسِكِ قبل أن يحكُموا عليك ” … وكما يقُول القديس أنطونيوس الكبير ” إن دِنَّا أنفُسنا رضى الديان عنا ” … ” إن تذكرنا خطايانا ينساها لنا الله وإن نسينا خطايانا ذَكّرّهّا لنا الله ” … هذا ما نُريد أن نتذكره في هذه الليلة .

7- كلام الرهبنة كثير والكتُب كثيرة وموجودة عندنا كُلنا نستطيع أن نقرأها ونرى كيف نسير وكيف ينبغي أن نسير … وكُلّ واحد يستيقظ لنفسه ويبدأ يُفكر في خلاص نفسه فما هدفنا في الرهبنة سوى خلاص أنفُسنا … ليس لنا هدف آخر سوى خلاص أنفُسنا فإن كُنَّا نسير في طريق ضد خلاص أنفُسنا إذاً لابد أن نتغير ونُصلح من أنفُسنا لئلاَّ نجد كثيراً من العلمانيين قد سبقُونا إلى ملكُوت الله ونحن لا ندري … ونجد أُناساً من العلمانيين قد يحبون الله أكثر منا وقد يكونون أنقياء في قلوبهم أكثر منا ، وعلى الأقل قد يكون عندهم اتضاع أكثر منا ونحن نعتبر أنفُسنا آباء ولنا سُلطان على غيرنا … وهم مساكين يعتبرون أنفسهم صغاراً وأقل منا في كثير مهما ارتفعُوا .

8- لا أُريد أن أُكلمكم كثيراً عن ذلك ، لان كُلّ الأُمور أنت تعرفونها لكن كما يقول الكتاب ” عظُوا أنْفسُكمْ كُلَّ يَوم ” ( عب 3 : 13 ) … ” ذَكرُوِا بعضكم بَعْضاً بهذه الأُمور ” … وعلينا في كُلّ جهادنا الروُّحي لكي نصل أن نطلُب من الله دائماً أن يُعطينا القُوة التي تُوصلنا .

9- في كُلّ وقت من الأوقات ألقِ بنفسك أمام الله وقُلْ له ” يارب يا مّنْ قُدْت القديس أنطونيوس وهو وحده في الجبل بلا مُرشد … بلا شخص سبقه في الطريق يشرحه له … بلا أب روُحي … وعرَّفته حِكمتك … أعطني أنا أيضاً هذه الحكمة عطية مجانية من عندك … يارب يا مَنْ قُدْت الأنبا بولا السَّائح وهو عايش وحده بلا أي شخص يسنده في الطريق اسندني أنت كما سندته … يا مَنْ قَبِلت بيلاجية ومريم المصرية ومُوسى الأسود في حياة التوبة قُدْني كما قُدتهُم ” .

10- تمسك بالله وكُنْ معه دائماً وقُلْ له ” لا أترُكك حتىّ تُباركني ” … وإذا في يوم من الأيام وجدت نفسك تسير في الطريق الصحيح وصححت من أخطائك ونميت في النعمة لا يكُبر قلبك … تذكَّر الدَّرجات الكبيرة جداً التي وصل لها القديسُون وقُلْ أين أنا وإلى أين ذاهب بالنسبة لهؤلاء ؟ … هل أنا وصلت لِصلب الفكر الذي وصل إليه القديس مكاريوس الأسكندراني ؟ هل وصلت للصَّلاة الدَّائمة التي سَارَ هو فيها ؟ هل وصلت للعُمق الذي عاش فيه القديسُون أو لحلاوة القديسين ؟ ما زال أمامي الكثير والكثير .

الله الذي أعطى كُلّ هؤلاء فليعُطينا نحن أيضاً أن نتمتَّع به ونبُارك اسمه .

له المجد من الآن وإلى الأبد آمين

Share

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%87%d8%a8%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d9%8a%d9%85%d8%a9-%d8%ac-3-%d9%84%d9%82%d8%af%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%a7%d9%84-2-2/