«

»

Print this مقالة

الحياة الرهبانية السليمة ج 3- لقداسة البابا شنوده الثالث

بِاسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين .

الحياة الرهبانية السليمة ج 3

البابا شنوده الثالث

الرهبنة و الفضيلة :

1- الرهبنة هى حياة الفضيلة … ياليت كل واحد فينا يسأل نفسه ما هى الفضيلة التى إقتنيتها طول هذا الزمان كله الذى قضيته فى الرهبنة؟ وليس راهب يقول لآخر أنا أقدم منك أنا لى ثمان سنوات فى الرهبنة وأنت لك سنتان فقط … لا … الأمر ليس ثمانى سنوات أو سنتان … الأمر هو كم سنة لى فى الفضيلة وفى إتقانها؟ ما الذى أتقنته فى هذا الزمان كله؟ ما الذى حرصت عليه وكنت مُدققاً فيه وتسلك ومخافة اللـه أمام عينيك؟

2- مثلما قابل البابا ثاؤفيلس راهباً: أب جبل نتريا، وسأله: ما هو الذى أتقنتموه أيها الأب فى هذا الزمان كله؟ فقال له: ” صدقنى يا أبى لا يوجد أفضل من أن يرجع الإنسان بالملامة على نفسه فى كل شيء ” … فضيلة مُعيَّنة ظلَّ يتقن فيها أربعين أو خمسين سنة حتى أتقنها … وأنت ماذا أتقنت؟

3- مرة واحد قال لى بعد أن قرأ كتاب الدرجى وهو كتاب به ثلاثون درجة قال: إن الواحد لم يسلك الرهبنة بعد، فقد يقضى الراهب عمره كله فى إتقان درجة واحدة من هذه الدرجات ولا يكفى … فمتى ينتهى من هذه الدرجات الثلاثين؟ إذاً أمامك هذه الدرجات الثلاثون التى للقديس يوحنا كليماكوس كم درجة أتقنتها منها؟ كم درجة أتقنتها من أوَّل الموت عن العالم والغربة و … مَن مِنَّا سار فى الموت عن العالم والغربة؟ أو مَن سار فيها واستمر؟ الغربة والموت عن العالم والزهد والتوبة والوداعة والدموع و … فضائل كثيرة … ما هى الفضائل التى أتقناها فى الرهبنة؟ هل فقط أن الواحد حبس نفسه فى قلايته بعض الأيام؟ هل هذه هى الرهبنة أن يحبس الراهب نفسه أو يكون فى الوحدة؟ ما هى الفضائل؟

4- قد يتخيَّل البعض أن الفضائل فى الرهبنة هى التدرُّج من راهب إلى قس إلى قمص إلى مسئول فى الدير إلى رئيس فى الدير إلى أسقف … هذه هى الدرجات الرهبانية التى أمامه درجات كهنوتية … وآخر أمامه فى الرهبنة درجات إدارية … وآخر أمامه فى الرهبنة تدرُّج من مسئول فى المكان الفلانى إلى مسئول فى الإيبارشية الفلانية إلى مرشح إلى شيء مُعيَّن … أمور من هذا القبيل … إنحرافات عن الهدف … كثيرون فى حياتهم الرهبانية ينحرفون عن الهدف وتتحوَّل لهم أهداف أخرى يصنعونها لأنفسهم ويعيشونها فى خيالهم وترضى نفوسهم لأن نفوسهم تكون قد بعدت عن الهدف.

5- لما أنت خرجت من بيتك وعائلتك ومن وظيفتك وخرجت من المدينة التى أنت فيها وقلت لابد أن أسلك الرهبنة وكانت محبة اللـه تشتعل فيك فى هذا الوقت وكان أمامك صورة من الصور مثل الأنبا أنطونيوس أو الأنبا بولا أو الآباء السواح مثل آباء قديسين قد تكون تعرفهم … أين ذهبت هذه الصور؟ أين ذهب هدفك؟ هل دخلت أهداف أخرى إلى قلبك؟ هل نسيت الهدف الأول الذى تركت من أجله بيتك؟ هل إكتفيت بالقلنسوة و الجلابية السوداء وشكل الراهب و كلمة ” أبونا ” وقدسك وحاللنى وسامحنى.

6- ما الذى أخذته من الرهبنة؟ هناك أناس كانوا قبل الرهبنة أكثر إتضاعاً وآخرون قبل الرهبنة كانوا أكثر رقة فى التعامل … وناس كانوا قبل الرهبنة أكثر صلاة و أكثر صلة باللَّه … ما هو الهدف الرهبانى أمامك؟ وما مدى نموك فيه؟ وهل يوجد إنحراف فى الهدف وإلى أى مدى إنحرف؟ وهل سبب خروجك من العالم هو هو … أم دخلت فيه أمور أخرى؟

الرَّهبنة والصلاة :

1- هذا لأن الرهبنة ممُكن تُكون حياة الصلاة … والصلاة نُمو … الإنسان يدخلُ الرهبنة ويُصلِّي السبَّع صلوات التي للأجبية ويقُول جيد لأني لم أكُنْ أُصلي هذه الصلوات كُلّها … ثم يجد أنه أمام هذه الصلوات السبع يُصلِّي أيضاً التسَّابيح التي في الأبصلمُودية أو كُتُب الأبصلمُودية ثم يجد هذا ليس بِكفاية فيجد صلوات من الأنبياء والقديسين ثم يجدها ليس بكفاية فيتدرَّب على الصلوات أثناء الطريق وأثناء العمل وأثناء الجلوس مع الناس ويجد أن هذا أيضاً لا يكفي … فيجد لذَّة في طُول الصلاة وفي السهّر بالليل للصلاة ويتذكر الآية ” فِي اللَّيالِي ارْفَعُوا أيديكم إلى القُدسِ، وبَاَرِكُوا الرَّبَّ ” ( مز 134 : 2 ) … ويتذكَّر القديس أرسانيوس الذي كان يُصلِّي من الغروب حيث الشمس خلفه حتى تأتي أمامه … ويجد هذا أيضاً لا يكفي فتكُون الصلاة له كالنَّفَس الداخل والخارج طُوال الوقت …. ويجد هذا أيضاً لا يكفي … نقُول له ماذا أيضاً غير ذلك؟ يقُول كُلّ هذا كقياس طُولي للصلاة وما زال مقياس العمُق، أين الصلاَّة التي بحرارة؟ أين الصلاة التي بدموع؟ أين الصلاة التي بِفَهْم؟ أين الصلاة التي باتضاع؟ أين الصلاة التي بخشوع؟ أين الصلاة التي بإيمان؟ أين الصلاة التي بحُب؟ أين الصلاة التي يشعُر فيها الإنسان بِصلِة بينه وبين اللَّه؟ هذه تحتاج أعماق وتحتاج فترات طويلة … وهذه فضيلة واحدة في الصلاة … محتاج ينمُو فيها ومُستمر … وكُلّما يسأله آخر ماذا فعلت يقول ما زال أمامي وقت كبير أنا ما زلت مُبتدِئاً … أين هذه الصلاة؟ ماذا فعلت في الصلاة؟ لم أفعل فيها شيء بعد.

2- راهب يدخُل الرهبنة يقُول أُريد أن أدخُل في حياة السُكون ما دامت الرهبنة حياة سُكون … ويبدأ يبحث عن السُكون الخارجي سُكون الحواس … ثم يدخُل في سُكون الفِكر ثم سُكون القلب فَسُكون المشاعر داخله … ويكُون مثل أعماق المُحيط الذي لا يُعكره شيء … مهما ثارت الدنُيا من حوله إنسان هادئ إلى أبعد الحُدود يعيش حياة السُكون.

3- السكون الداخلي … سُكون القلب من الدّاَخل … تَدَرَّب على هذا … وآخر يقُول كيف أتدرَّب على السكون وكُلّما بدأت أهدأ إلى نفسي أجد إنساناً يتعبني وآخر يُزعجني … أبونا فُلان عمل كذا وأبونا فُلان عمل فيَّ … تقُول له هل هذا هو السكون؟ كيف تدين الناس وتقُول سُكون؟ هو داخل قلبه اضطراب … والإنسان الذي قلبه مُضطرب كُلّ الأمور تبدو أمامه مُضطربة من الخارج … إذا هدأ من داخله كُلّ الأمور تبدو هادئة حتى لو هاجت الدنيا يظل ساكن وكأنه ليس فى الدنيا.

4- إنسان عميق عميق وهادئ لا يضطرب لشيء ولا ينزعج لشيء … ملامحه هادئة … حواسه هادئة … أفكاره هادئة … مشاعره هادئة … لا يوجد شيء مُضطرب داخله … حتّى حركاته هادئة … هناك إنسان يمشي بطريقة مُضطربة ، تجد مَنْ يمشي ومَنْ يجري والذي يُلَوَّح ومن يسير بصوت يُصدره بقدميه … والذي يصيح ويُعلَِّي صوته … ومَنْ يكون طريقة عمله مُضطربة … شيء صعب.

5- الذي يحيا حياة السُّكون تجد عنده كُلّ شيء هادئاً … ملامحه هادئة ونظراته هادئة وكلامه هادئ وألفاظه هادئة وقلبة من الدَّاخل هادئ.

أخاف أن تكون الرهبنة بالنسبة لنا مُسميات … يسألك شخص ما هي الرهبنة؟ تقول له حسبما تقُول الكتب … الرهبنة هي حياة الصلاة الدائمة … الرهبنة هي حياة السُّكون والهدوء … الرهبنة هي حياة التوبة … الرهبنة هي نقاوة القلب … الرهبنة هي حياة البتولية … ما الذي تذوقته من كُلّ هذا؟

يتبع

Share

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%87%d8%a8%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d9%8a%d9%85%d8%a9-%d8%ac-3-%d9%84%d9%82%d8%af%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a8/