«

»

Print this مقالة

الأحد الرابع

أولاً: “فأتى إلى مدينة من السامرة يقال لها سوخار بقرب الضيعة التى وهبها يعقوب ليوسف إبنه. وكانت هناك بئر يعقوب فإذ كان يسوع قد تعب من السفر جلس هكذا على البئر وكان نحو الساعة السادسة فجاءت امرأة من السامرة لتستقى ماء فقال لها يسوع اعطينى لأشرب. لأن تلاميذه كانوا قد مضوا إلى المدينة ليبتاعوا طعاما. فقالت له المرأة السامرية كيف تطلب منى لتشرب وأنت يهودى وأنـا امرأة سامرية لأن اليهود لا يعاملون السامريين. أجاب يسوع وقال لها لو كنت تعلمين عطية الله ومن هو الذى يقول لك اعطينى لأشرب لطلبت أنت منه فأعطاك ماء حيا” (يو 4: 5- 10).

1-قال القديس كيرلس عمود الدين:

إذ لا تدرك المرأة جوهر الإبـن الوحيـد، الـذى يفـوق السـماء والأرض، وإذ تجهل تماماً من هو الكلمة المتجسـد، فإنـها تدعـوه

 

يهودياً.. أما هو فقد صمت حيال ذلك لأجل حتي يمسـك بأطراف الحديث معها.

لكن هل رفعها إلى إدراك أسمى عن نفسه بقوله لها إنـها لا تعرف من يكون هذا الـذى يسـألها أن يشرب، أو عظمة النعمة التى تنجم عن العطايا الإلهية.. لأنها لو كـانت تعـرف ما احتملت أن تتخلف عن خدمته، لأنها كـانت ستمنع الـرب مـن السؤال، إذن فقد أثار هو فيها بذلك الرغبة الجادة فى التعليم.

تأملوه الآن كيف يدير دفة حديثه بمهارة، وبدون أى تفاخر.. فـهو يقول أنه الله لكن رغم هذا كانت المرأة بطيئة فى الفهم.. ولكـى يجعلها تتعجب لعطية الله قدم نفسه إليها بانه الواهب للنعمة.

لأنه إن كان يقول: “لو تعلمين عطية الله ومن هو هذا الذى يكلمك لطلبت أنت منه فأعطاك ماء حيا” .. فلمن يليق بنا أن نقدم ما يناسـب الله؟.. أليس للذى هو بالطبيعة الله؟

• وعن الماء الحى.. يكمل القديس كيرلس عمود الدين قائلاً:

(إنه يسمى الموهبة المحيية التى للروح القدس: المـاء الحـى.. حيث الطبيعة البشرية وحدها، وإن كانت متعطشة تقريباً إلى جذورها بعد أن صارت جافة الآن ومجردة من كـل فضيلـة بسـبب خـداع الشيطان وأباطيله، فإن تلك الطبيعة تسرع فى الرجوع إلى جمالـها الأصلي لتنهل من النعمة الواهبة للحياة.. فتتزين بأشكال مختلفة من

 

الصالحات، وتمتد فروعها بالفضائل فتنمـو لـها أغصـان الحـب المتعطشة إلى الله).

ثانياً : “قالت له المرأة يا سيد لا دلو لك والبئر عميقة فمن أين لك الماء الحى. العلك أعظم من أبينا يعقوب الذى أعطانا البئر وشرب منها هو وبنوه ومواشيه أجاب يسوع وقال لها كل من يشرب من هذا الماء يعطش أيضا. ولكن من يشرب من الماء الذى أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد بل الماء الذى أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية” (يو 14: 11- 14).

• قال القديس كيرلس عمود الدين:

(تقترح المرأة السامرية، كسؤال يصعب اجابته ألعلك أعظم مـن أبينا يعقوب؟.. لكنه يحثها من خلال طبيعة الأشـياء أن تقبلـه هـو الذى فوق الجميع، لذا يكشف أن شتان الفارق الذى لا يقـارن بيـن الحياة الروحية والمياه العادية الملموسة قـائلأ: “كل من يشرب من هذا الماء يعطش” لكن- حسب قوله- الذى يمتلئ بمائي لن يكف فقط عن العطش، بل يملك فى داخله “ينبوع ماء” يرويه إلى حياة أبدية).

لهذا فإن الذى يعطى الأعظم هو أعظم من الذى يعطـى الأقـل.. ولا يمكن للمغلوب أن يحمل نفس مجد الغالب.

ويجب أن نعرف أيضاً أن المخلص هنا يسمى نعمة الروح القـدس بالماء.. الذى إذا إشترك فيه أحد تصير له موهبة التعليم الإلهى التـى تفيض على الدوام فى داخله فلا يعود محتاجاً لأن يعلمه الآخرين.. بل

 

بالحرى يتوفر لديـه ما يحث هو به المتعطشين إلى الكلمـة الإلهى السماوى، مثلما كان البعض- وما يزالون- فى هذه الحياة الحاضرة على الأرض.. كالأنبياء والرسل وورثتهم فى الخدمة الرسولية الذين كتب عنهم “فتستقون مياها بفرح من ينابيع الخلاص” (أش12 :3)

ثالثاً:استمرار المحادثة:

“قالت له المرأة ياسيد أعطني هذا الماء لكى لا أعطش ولا آتى إلى هنا لأستقى. قال لها يسوع اذهبى وادعى زوجك وتعالى إلى ههنا. أجابت المرأة وقالت ليس لى زوج قال لها يسوع حسنا قلت ليس لى زوج. لأنه كان لك خمسة أزواج والذى لك الآن ليس هو زوجك هذا قلت بالصدق. قالت له المرأة يا سيد أرى أنك نبى” (يو 4: 15-19).

1-قال أيضا القديس كيرلس الكبير:

للمرة الثانية لا تزال تتكلم وتتخيل أموراً عاديـه فقط ولم تدرك شيئاً مما قيل، لكنها تفترض أن للتحرر من متاعب ومشقة “الإستقاء بالقدور وأنية الماء” يشكل كل قصد مخلصنا وأنها لن تعطش أبـداً.. وهكـذا تصورت قياس نعمة الله دون أن ترتفع بالفكر لتنال أموراً هى فـوق العالم. لذلك قال لها يسوع “إذهبي وإدعي زوجك، وتعالى إلى هنا” .

2-قال القديس كيرلس عمود الدين:

لقد أراد أن يكشف لها أموراً خفية لكـى يجعلها تدرك مـن هـو.. لذلك قالت يا سيد أرى أنك نبى حينما قال لها كان لك خمسـة أزواج والذى لك الآن ليس هو زوجك.

 

رابعآ: قالت المرأة:

“أباؤنا سجدوا في هذا الجبل وأنتم تقولون أن في أورشليم الموضع الذى ينبغى أن يسجد فيه” (يو4: 20).

1-يكمل القديس كيرلس الكبير (عمود الدين):

(إذ تدرك المرأة السامرية أن الـرب هـو فـى الحقيقـة نبـى ويهودى فإنها تفتخر بالأكثر بعادات بلدهـا وتؤكـد أن السـامريين أسمى فى الحكمة من اليـهود، فقـالت للمسـيح: “أباؤنا سجدوا في هذا الجبل”).

خامساَ: أجاب المسيح:

“يا امرأة صدقينى أنه تأتى ساعة لا فى هذا الجبل ولا فـى أورشليم تسجدون للآب. أنتم تسجدون لما لستم تعلمون أما نحن فنسجد لما نعلم لأن الخلاص هو من اليهود” (يو 4: 21، 22).

1-قال القديس كيرلس:

(إن الرب يلوم حماقة الجميع على السـواء، قـائلاً أن أسـلوب العبإدة فى كلا الحالين سوف يتغير وينتقل إلى ما هو حقيقى.. كمـا يقول أحد القديسين ” إن حلول الرب بالجسد هو الوقت والزمن المناسب لتغيير تلك العادات”. ويكمل القديس كيرلس: تأملوا كيف كان حديثـه لطيفاً رقيقاً للغاية.. يرشد ذهن المـرأة إلـى المفـاهيم الصحيحـة

 

بخصوص الإبن إذ يدعو الله بالآب.. لأنه لو لم يكن الإبن موجـوداً لما أمكن معرفة الآب على الإطلاق).

سادساً: ويكمل ربنا يسوع المسيح:

“ولكن تأتى ساعة وهى الآن حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق لأن الآب طالب مثل هؤلاء الساجدين له. الله روح والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغى أن يسجدوا” (يو 4: 23، 24).

1- قال القديس كيرلس :

هو الآن يتحدث عن الزمان الحـاضر لحضوره الشخصي.. ويقـول أن المثال تحول إلى الحق، وأن ظل الناموس قد انتقـل إلي العبادة الروحـيـة. ويخبرنا أنه من خلال تعليم الإنجيل فإن الساجد الحقيقى، أى الإنسان الروحانى، سوف ينقاد إلى رعية تسر قلب الآب مسرعاً إلى الإنضمام مع أهـل بيت الله لأن الله يعرف أنه روح بالمقارنة بالطبيعة الجسدانية.. لـهذا هو يقبل بحق الساجد بالروح الذى لا يحمل فـى الشـكل أو المثـال صورة التقوى اليهودية، لكنه بطريقة الإنجيل إذ يسـطع بممارسـات الفضيلة وبإستقامة التعاليم الإلهية فإنه يتمم العبادة الحقة الصادقـة.

سابعاً: “قالت له المرأة أنا أعلم أن مسيا الذى يقال له المسيح يأتى. فمتى جاء ذاك يخبرنا بكل شئ” (يو 4: 25):

1-قال القديس كيرلس:

هنا حلقت المرأة إلى أفكار فوق ما اعتادت عليه.. إلى الرجاء الذى سبق أن تحدث عنه اليهود.

 

فهى تعترف أنها تعرف أن المسيا سوف يأتى في وقته الخاص ولكنها لم تقل بالضبط لمن سيأتى، إذ هى قد قبلت المعلومات الشائعة دون أى فحص إذ إنها امرأة محبة للهو وذات فكر جسدانى.. ومع ذلك فهى لا تجـهل تماماً أنه سيظهر لإسرئيل كمن ياتى بتعليم أفضل، إذ أنها بالتأكيد قد وجدت هذه المعلومات أيضاً فى الأخبار التى قيلت عنه.

ثامناً: “قال لها يسوع: أنا الذي أكلمك هو” (يو 4: 26):

1-قال القديس كيرلس:

(لا يعلن المسيح ذاته للنفوس غير المتعلمة أو الجاهلة جهلاً مطبقـاً بل هو يشرق بالحرى ويظهر لأولئك الذين هم أكثر استعداداً للتعليم).

ولكنهم إذ بالحرى يتمخضون فى بداية إيمانهم بكلمـات بسـيطة، ينطلقون بعد ذلك إلى الأمام؛ إلى معرفة ما هو أكثر كمالاً.

والمرأة السامرية هى مثال لهذا النوع من الأشخاص التى كشف لنا الإنجيل عنها.. والتى كـان لها عقل بطئ الفهم من جـهة الأفكار الإلهية الحقيقية لكنها مع هذا لم تكـن بعيدة بعداً تماماً عن الرغبة فى الفهم.

لأنها أولاً، وحين طلب منها المسيح أن يشرب، لم تعطه الماء فـى الحال.. بل إذ رأته يكسر العادات القومية لليـهود- بقدر مـا يسـمح للمرء أن يتحدث بشرياً- راحت أولاً تبحث عن السبب فى هذا.

طلبت من الرب أن يشرح لها، إذ تقـول: “كيف تطلب مني لتشرب وأنت يهودي وأنا امرأة سامرية؟”.. لكن مع الإستطراد فى الأسئلة بدأت تنتقل إلى الإعتراف بأنه كان نبياً إذ تلقت توبيخه كدواء للخلاص. ثم

 

أضافت استفهاما آخر، قائلة فى غيرة من أجل التعلم “أباؤنا سجدوا فى هذا الجبل وأنتم تقولون أن فى أورشليم الموضع الذي ينبغى أن يسجد فيه”، لكنه كان يعلم للمرة الثانية أن الزمان سيحل- بل وقد أتى الأن فعـلاً – حين الساجدون الحقيقيون، وقد رفضو السجود على جبال الأرض، سوف يقدمون العبادة الأعلى والروحية لله الآب.

وهى إذ تنسب أفضل الأشياء على أنها تحق للمسيح وحـده فإنـها تحتفظ بالمعرفة الكاملة جداً لأزمنة المسيا، فتقول: “نحن نعلم أن مسيا الذي يقال له المسيح يأتى، فمتى جاء ذاك يخبرنا بكل شئ”.

أرايت كيف كانت المرأة مستعدة للإيمان.. وتبدو وكأنـها ترتقـى سلما وهى تقفز من أسئلة صغيرة إلى حالة أكثر بكثير. لهذا كـان مـن الصواب أن يكشف لها الآن ما كـانت تتوق إليه بكلام أكثر وضوحـاً، فراح يخبرها بما كان محفوظاً كرجاء صالح.. وها هو قد صـار الآن أمام ناظريها: “أنا الذي أكلمك هو”. ويختم القديس كيرلس الكبير عمـود الدين كلامه، موجـها نصحه لنا: إذن على الذين يهتمون بـالتعليم فـى الكنيسة أن يسلموا التلاميذ المولودين حديثاً كلمة التعليم ليـهضموها، وهكذا يظهرون يسوع لهم أكثر فاكثر.. آتين بهم من القدر القليل مـن التعليم إلى المعرفة الأكثر كمالاَ للإيمان.

لكن دع الذين يمسكون بالغريب والدخيل والمـهتدى حديثـاً إلـى الإيمان ويدخلونه إلى داخل الحجاب ويجعلونه يقدم ” الحمل” بأيد غـير مغتسلة، والذين يتوجون من لم يتعلم بعد بكرامة الكـهنوت..

على كل هؤلاء أن يتهيأوا لحساب عظيم يوم الدينونة.. يكفينـى أن أقول هذا.

Share

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ad%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a7%d8%a8%d8%b9/