«

»

Print this مقالة

الأحد الخامس من الخماسين

من تأملات الآباء

 

فى إنجيـل هذا اليوم المبارك قال ربنـا يسـوع المسـيح: ” أنا هو الطريق والحق والحياة. لا أحد يأتى إلى الآب إلا بى ” (يو6:14).

1-الطريق:

قدم ربنا يسوع المسيح نفسه بكونه الطريق.. به ندخل الذى إلى الحيـاة الملوكية السماوية، وخارجاً عنه لا نجد إلا الفساد والموت.

والذى يحيا مع المسيح يعيش فى طريق الأبرار.. والذى يحيا مـع الشيطان يعيش فى طريق الأشرار.

قال القديس جيروم:

( إن كان المسيح هو طريق الأبرار فالشيطان هو طريق الأشرار ).

بمعنى آخر ما يميز المؤمنين هو إتحادهم بكلمة الله أى بالسيد المسيح.

الطريق ليس سلوكيات فقط، إنما هو دخول إلى العضوية فى جسـد المسيح لنحيا بروح الرب.

 

وقال العلامة أوريجانوس:

(السيد المسيح يقودنى إلى ذاته بكونه “الطريق”.. يجتذبنى إليـه بحبال محبته الإلهية ويهبنى شركة طبيعته: القداسة والنقاوة والحـب و الإتضاع.. الخ).

+ مسيحنا هو الطريق الآمن الذى يحملنا بروحـه القـدوس إلـى حضن الآب دون أن يصيبنا ضرر أو نعتاز إلى شئ، إنما ننمو فى النعمة والحكمة.

+ النمو فى النعمة يجده الساعون نحو خلاصهم فتتحقق رغبتـهم خلال فهمهم للحق الذى فى الكلمة الإلهى وسلوكـهم فـى الـبر الحقيقى. هذا يقودنا إلى إدراك كيف يكون المسيح هو الطريق.

+ وفى هذا الطريق لا نأخذ معنا زاداً ولا مزوداً ولا ثوباً ولا نحمـل عصا ولا تكون لنا أحذية فى أرجلنـا (مـت10:10).. فـإن الطريق نفسه مشبع لكل إحتياجات رحلتنا.. مـن يسـير فيـه لا يعتاز لشىء.. من يسهر فيه يلتحف بثوب يليق بدعوة العرس.

وفى هذا الطريق لا يجد الإنسان ما يزعجـه، إذ يقـول سـليمان الحكيم إنه لا يجد ” طريقاً حية على صخر ” (أم 19:30)، وأنا أضيف أنـه لا يجد طريقاً لأى حيوان مفترس لهذا فلا حاجة إلى عصا ما دامت لا توجد أثار خليقة معاديـة.

+ وبسبب صلابته يدعى الطريق ” صخرة “.. حتـى لا يمكـن لأى كائن ضار إن يلحق به.

 

+ إنه الطريق الصالح الذى يقـود الإنسـان الصـالح إلـى الآب الصالح، يقود الإنسان الذى من كـنز قلبـه الصـالح يخـرج الصالحات، يقود العبد الأمين الصالح.

حقاً إن هذا الطريق ضيق إذ لا يقدر كثيرون أن يحتملوا السير فيـه لأنهم محبون لأجسادهم.

ويرى القديس ايريناؤس أن مسيحنا القدوس هـو الطريـق الـذى يقوم بتقديس نفوسنا.. إذ يقول: ” ففى كل الكتـاب المقدس تظهر القداسة أساساً للخلاص “.

ويقول أيضاً: من يحلم أنه قادر على الدخول إلى السـماء دون طهارة القلب وبر الحياة وقداسة الجسد يموت فى هذا الوهم ليسـتيقظ فيجد نفسه فى خزى وعار أبدى.

وفى تأمل لعبارة أشعياء النبى ” تكون هناك سكة وطريق يقال لها الطريق المقدسة ” (أش 8:35)، يقول لنا القمص بيشوى كامل المتنيح: على مدار السنة القبطية تقدم لنا الكنيسة المقدسـة ” طريقا مقدساً ” إلـى أحضان الآب السماوى وذلك من خلال ” دورة الحياة الكنسية ” بما فيـها من مناسبات وأصوام وقراءات وطقوس.

فالحياة الكنسية هى رحلتنا إلى السماء، كما نصلـى فـى صـلاة الساعة الثالثة: ” حينما نقف فى هيكلك المقدس نحسب كالقيام فى السماء “.

وكما يقول القديس يوحنا ذهبى الفم :

(حينما ترفع ستر الهيكل فثق أن السماء قد انفتحت أبوابها).

 

لهذا فنحن فـى الكنيسة نعيش فى رحلة هى فى الواقع عربون حياتنا السمائية وتؤدى إلى السماء عينها.

2-والحق:

قال السيد المسيح ” أنا هو الطريق والحق والحياة “.

الحق لا يتجزأ، والحق هو الله. فالحقانى والحق وروح الحق هـم واحد.. لا يمكن أن نفصل الحق عن مصدره أى عن الحقانى. الحـق مولود من الآب، وروح الحق منبثق من الآب.

والوالد ليس هو المولود.. والباثق ليس هـو المنبثـق.. والمنبثـق والمولود ليس هو الباثق، ولكن الوالد الباثق والمولود والمنبثـق هـم واحد.. مثلما نقول أن النور والشعاع الصادر عنه هو نور واحد.

إن الروح القدس هو روح الحق لأنه هو روح الله.. وهو الذى يلهم الحق ويرشد إلى الحق، مثلما قال السيد المسيح عن الـروح القـدس: ” وأما متى جاء روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق ” (يو 13:16).

من اقوال القديس كيرلس الأورشليمى :

(السيد المسيح هو الحق ذاته، وهو إله حق من إله حق لأنه هو والآب واحد.. فهو إبن بالحق، إنه إبن بالطبيعة بلا بداية، لـم يـأت من حالة العبودية إلى حالة التبنى- أى أنتقل إلى حالة أعظم- بـل هو إبن أبدى مولود بنسب لا يفحص ولا يدرك) .

هو مولود من البدء، إبن الآب. هو فوق كل بداية وكل العصـور.. إبن الآب مساوياً للآب الذى ولده فى كل شئ، آبدى مـن آب أبـدى،

 

حياة من حياة، نور من نور، حق من حق، حكمة من الحكيم، ملك من ملك، الله من الله، قوة من قوة.

الجـهل والباطل فى عين القديس اكليمنضس الإسكندرى هما أشـر الخطايا، لهذا كان محبا للقراءة لمعرفة الحق. ويظهر إطلاعـه فـى كتاباتـه حيث اقتبس أكثر من 700 نصاً من 348 مؤلفاً وربما أكثر.

وفى كتابه ” المتفرقة ” يرى القديس اكليمنضس أن الحق هوالعنصر الأساسى فى المسيحية.

( أما المبدأ الأول فهو الرب المتملك خلال الكتاب المقدس، الـرب الذى قاد الأنبياء والإنجيليين والرسل.. هذا الذى أخذنا منه براهيـن إيماننا، قبلنا الحق خلال الكتاب المقدس، خلال صوت الرب نفسـه، وليس خلال أراء الناس كما يفعل الهراطقة ).

وقال القديس يوحنا ذهبى الفم:

(من يصرخ بما هو لله بصوت الإتضاع الحقيقى والإعتراف الحق للإيمان فهو حمل، وأما من ينطق بتجاديف ضد الحق وعداوة ضد الله فهو ذئب).

3-الحياة:

” أنا هو الطريق والحق والحياة “، المسيح هـو الحيـاة، أى مصـدر الحياة، كما قال القديـس يوحنـا ” فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس “.. ويقول أيضاً: ” الذى يؤمن بالإبن له حياة أبدية ” (يو 3: 36).

هنا قال القديس كيرلس الكبير : لأن الإبن الوحيد هو بالطبيعـة الحياة ” لأن فيه نحيا ونتحرك ونوجد ” (أع 28:17) وهو يدخل فينـا

 

بالتأكيد من خلال الإيمان ويسكن فينا بالروح القدس، لذلك قال القديس يوحنا الإنجيلى: ” بهذا نعرف أننا نثبت فيه وهو فينا، انه أعطانا من روحه ” (1يو 13:4).

إذن فالمسيح سيحيى أولئك الذين يؤمنون به، إذ هو نفسـه الحيـاة بالطبيعة وهو يسكن فيهم.

وبما أنه بالإيمان تدخل الحياة بالطبيعة فينا.. كيف لا يكون صادقـا من يقول: ” الذى يؤمن بلإبن له حياة أبدية “، أى أن الإبن ذاته ولا آخـر سواه هو الذى نعرفه نحن أنه هو الحياة.

وعن عبارة “لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويحيى كذلك الإبن أيضا يحيى من يشاء ” (يو 5 :21). قال القديس كيرلس الكبير:

أترون أيضاً فى هذه الكلمات برهاناً ساطعاً على معادلته لـلآب لأن من يعمل بالمساواة من جـهة إقامة الموتى كيف يمكـن أن يكون أقـل؟ أو كيف يكون من طبيعة أخرى وغريباً عن الآب وهو الـذى يشـع بنفس الخصائص؟ لأن القدرة على الإحياء التى فى الآب كما هى فـى الإبن هى خاصية للجوهر الإلهى.

لكن الآب آيضاً لا يحيى بعض الناس منفصلا ومـن ذاتـه أو أن الإبن يحيى البعض الأخر منفصلا ومنعزلاً عن الآب، إذ أن الإبن لـه الآب فى ذاته بالطبيعة والآب يفعل كل شئ بالإبن، لكـن طالمـا أن الآب لديه قوة الإحياء فى طبيعته ذاتها هكذا الإبن أيضاً ينسـب قـوة إقامة الموتى لنفسه وكأنها تخص كل منهما على حدة.

 

+ وللقديس كيرلس الكبير تأمل فى عبارة ” الحق الحق أقول لكم أنه تأتى ساعة وهى الآن حـين يسمع الأموات صـوت إبـن الله والسامعون يحيون ” (يو 5: 25) ” قال فيه: كمـا يبـدو فـإن خلاصة الأمر أن الوقت سيأتى حين يسمع الأموات صوت إبـن الله الذى يقيمهم.. والمفـترض أنـها الآن أيضـاً، أى سـاعة حاضرة، إما كما حينما سمع لعازر صوت المخلص، أو بقولـه هذا يعنى بالموتى الذين لم يستدعوا بعد للإيمان وإلى نـوال الحياة الأبدية والتى ينلونها يقينا إن هم قبلوا تعليم المخلص.

وتلك الطريقة فى إعتبار الأمر تحتفظ حقا بمظهر مقبـول شـكلياً لكنها لا تحوى دقة على الإطلاق “وإذا ما تبقى لنا نفس القدرة مـن دقة الكلمات مرة خرى فسوف ندرك الأمر بشكل أعمق، ومن هنـا نستهل القراءة: ” الحق الحق أقـول لكم أنه تأتى ساعة وهى الآن حين يسمع الأموات صوت إبن الله والسامعون يحيون “.

والمقصود بالساعة هنا أيضاً هى تلك الساعة التـى سـيحيا فيـها السامعون أولئك الذين يسمعون، وبتلك الكلمـات الإفتتاحيـة سـوف يقومون مرة أخرى ليعطوا جوابا عن حياتهم فـى العـالم، ويقـول أن الحياة الأبدية ستكون مكافأة الطاعة معلنـا أمـام الجميـع أن كلكـم ماضون للدينونة فى زمن القيامة العامة، لكن إن كان الأمر يبدو مـراًً لكم أن تعاقبوا وأن تجازوا بعقوبات لا نهاية لها علـى يـدى الديـان المخوف فلا تجعلوا زمن الطاعة يمر عبثاً بل أمسكوا به وهو حـاضر الآن واسرعوا إلى الحياة الأبدية.

 

 

Share

Permanent link to this article: http://stmina.info/%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ad%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%85%d8%a7%d8%b3%d9%8a%d9%86/